ضربة جزاء

أخيراً .. انتهى الشوط المقرر من الكتابة عن القراءة .

كانت التجربة ممتعة رغم التعب. أستطيع الآن أن أغبط كل من ألزم نفسه بمشروع تطبيق يومي لفكرة معينة فأثناء بحثي عن كواليس و ظروف المدونين الذين التزموا بتلك الأفكار.. وجدت أنهم متفرغين. بعضهم يكتب في صحف دون دوام في مقر الصحيفة. بعض آخر عضو في جمعيات لا تطلب منه أيضاً أعمالاً يومية. كنت أذهب إلى العمل في المستشفى يومياً من السابعة صباحاً ولا أعود إلا في السابعة مساءً في أحسن الأحوال. أما في العادة..يمتد العمل حتى العاشرة مساءً هذا و بعض الأيام أناوب في المشفى أي أنام هناك. كان وما زال ذهني متخم بأشياء لا تصدق . لكثرتها أقصد. أمور أهم بكثير من الكتابة . و شعرت برعب من فكرة أن يستمر هذا المشروع عاماً كاملاً ! هذا مستحيل لفتاة تعمل و تذاكر مثلي. إضافة إلى الواجبات الاجتماعية التي لا مفر منها وهي التي تخص العائلة و الاهتمام بما أستطيع من شؤونهم. كنت أفرح عندما اجد فكرة أكتب عنها. كتاب.. أو بحث عن فيديو رأيته مرةً و نسيت حفظه في المفضلة.. وهي تقريباً الفيديوهات التي وضعتها في التدوينات السابقة.. كنت قد ذكرت في أول موضوع كتبته عن القراءة أنني أمقت فكرة الالتزام بعمل يومي فنحن في خضمّ الحياة بالكاد نستوفي حقوق التزاماتنا المصيرية .يبدو ثقلاً أرعناً أن نفرض على أنفسنا التزاماً جديد. خاصةً حين يتعلق الأمر بهواية. لكنني قررت الالتزام بفكرة الكتابة عن القراءة لأنني كما قلت يومها أريد أن أنسى بعض الأشياء التي صدمتني و أحدثت فجوةً دامية في قلبي. ولم أجد أجمل من فكرة الكتابة عن القراءة والكتب. اليوم بعد اكتمال 31 موضوعاً عن الكتب و القراءة أقول أنني لم أنسَ شيئاً. لم تنجح الفكرة في إعانتي على النسيان. كل شيء كان حياً يقظاً عنيفاً في قلبي أكثر من ذي قبل. كان الالتزام بتطبيق فكرة يومياً محاولة .. أتمنى أن أكون قد نجحت بها لأجل من يتابعون هذا المكان على الأقل .

طلبَت مني إحدى المتابعات للمدونة في رسالة بريدية أن أقدم لها نصيحة حول أي شيء يخص القراءة ! لم أفهم ماذا تقصد بأي شيء، بعثت إليها منذ أيام أطلب توضيحاً أكثر ولم أتلقَّ رداً حتى الآن. لكنني بهذه اللحظة أود كثيراً أن أقول كلمةً لتلك القارئة التي قالت أنها لا تقرأ ! ولا أعرف كيف عرَّفتني على نفسها كقارئة وهي لاتقرأ..لكنني فسرت ذلك أنها تتخيل لو كانت قارئة لأنها تتمنى أن تحب القراءة. أنا أفشل الخلق في تقديم النصائح يا عزيزتي..لكنني كتبت مرة عن أهمية القراءة للمسلم بالذات ذلك أن الله أقسم في قرآنه الكريم بالقلم دلالة على عظم شأن القراءة. إن كنتِ تعبدين الله اقرئي. فالعقل كالجسم..لا يسلَم بلا غذاء. و غذاء العقل المعرفة.

أما أنا.. فقد تذكرت أنني أخطأت عندما نسيت لوهلة أن هذه مدونة شخصية. لا ينبغِ عليَّ إرضاء أحد أو السير على نمط تدوين اتبعه غيري بظروف و أدوات مريحة و وقت مريح على عكسي تماماً.

خرجت من هذه التجربة و أنا شبه ورّاقة ! فقد نبشت في صناديق كتبي التي لم أستطع تنظيمها في مكتبة لأنني لست مستقرة الإقامة في هذه المدينة. وجدت كتباً في الصناديق لم أتوقع أني اصطحبتها من مكتبتي في السعودية. أحببت تضييع بعض الوقت كل ليلة قبل النوم في تصفح صفحات عشوائية من الكتب. وجدت عبارات خالدة كنت قد نسيتها لأنني على الأغلب لا أقرأ كتاباً أكثر من مرة إلا إن كان ذا تأثير إيجابيّْ. ككتب دوستويفسكي و بوشكين و ساراماغو و كونديرا و فيرجينيا وولف و يوسا و كازنتزاكيس و واسيني الأعرج و ديوان محمد الثبيتي رحمه الله.

سأعود منذ اليوم إلى ذهني الحانق دوماً بلا أسباب. لا أكتب شيئاً إلا عندما يعنُّ لي ولا أجبر نفسي على نسيان مالا يُنسى ولا ينمحي. إن كنت سأشكر أحداً فإنني أشكرك أيها الكاذب لأنك علَّمتني قيمة الصدق في العطاء حتى إن كانت العطية مني إلى نفسي . لولاك ما فكرت في تجربة فكرة الالتزام بتطبيق مشروع كل يوم. فشكراً..لقد فهمتُ الدرس.

كُتب في Daily | التعليقات مغلقة

قميص حريري أزرق

كان القميص الحريري الأزرق يستشعر للمرة الأولى معنى أن تُلبس بحب، حين احتواه جسدها الدافئ ذات صباح استثنائي، بعد عزلة طويلة قضاها في رفوف الخزانة. الرعشة الصغيرة التي سرت في جلدها تلك اللحظة أشعلتْ شرارة ود سرّي لابد أن ينمو بينهما بمرور الوقت، إذ كان كل جزء من ظهرها المفرط في ليونته يستجيب لملمس خيوطه واحداً واحداً، ويتحسس مادته استمراءً للدفء.
وبتواطؤ خفي ، ضم القميص بياقته عنقها الغض، ومسح عظمة كتفها البارزة برفق ، قبل أن يضيق كلما أوغل في النحر، ليغلق عناقه فوق نهديها تماماً، ويتشرّب ضوعهما ببطء. من هناك، انسلّ الجانب الأيمن منه بلذة غائرة حيث دسّت بأصابعها النحيفة أزرّته الدائرية الكبيرة في الفتحات المقابلة لها في الجانب الآخر. ثم كما لو كانت تداعب رأس قطة فارسية، مرّرت يديها لتمسّد الجزء الذي يتشبث بخصرها منه، ليصدر هو بدوره خشخشة ناعمة رقيقة ويوغل في التخدّر فوق هذا الجسد. حين انتهى كل هذا، وقفا معاً في وداعة أنيقة أمام المرآة ، يتبادلان نظرات الامتنان، ويشعران بافتتان للطريقة التي يكملان بها بعضاً.
لم تسعف القميص الحريري الأزرق آثار الاتساخ القديم التي لمحتها تلك اللحظة تحت ضوء المرآة. وهكذا، بعد محاولة عابرة لغسله، سرعان ما استبدلته بآخر وخرجت، دون أن تلتفت لترى القميص المبتل يجفف دموعه فوق حبل الغسيل ، قبل أن ينكمش على زرقته.

 

عبد العزيز _ أديب .

هل تتذكر النص الرسالة التي كتبتها لقطعة السيراميك في غرفتي ؟ ربما لم تكن تقرأ لي حينها. أعتقد أن لديكَ كتابي. ستجد ذلك النص فيه. رغم ركاكة الكلمات لكنني كنت أكتب لقطعة السيراميك تلك من قلبي. الآن أيضاً أشتاق إليها . كانت في منزلي القديم بمدينة ليدز. أنسنة الجمادات ليست في الحقيقة أنسنة. أنا منذ خلقتُ لا أثق كثيراً بالإنسان. جربتُ عاطفة الحيوانات مثلاً..ولاؤهم و إحساسهم الأقوى مما قد يحدث من صديق غير صدوق. الجمادات بصفتها الفيزيائية عديمة الروح و الحركة لم تحمل في نفسي يوماً هذه المكانة الدنيا. إنها تحمل تماماً تلك المكانة التي تشبه طقم الأسنان المنظم في فمي. وهذا ليس مجازاً..فلحسن حظي الشيء الوحيد الذي لم يفسد فيَّ على مر الأعوام هو طقم أسناني. وذلك لا يعني بالطبع أنها لم تؤلمني مرة..بل تؤلمني كل مدة و مدة لكنني لا أخلعها أو بالأحرى أترك حل الخلع في الأخير. لا أحتمل النظر في المرآة و رؤية ابتسامتي قبيحة لأن أسناني مائلة بفعل الفراغات. بالطبع هنالك حل التركيب لكن إن كنت لا أملك قيمة التركيب سأؤجله و أهتم بالأهم. أعتقد أن الجمادات ذات خاصية مرادفة للروح التي تختص بها الكائنات الحية. لنقل مثلاً أن الجمادات ذات شعور يقوم مقام الروح. إذ أن هذا الشعور يجعلها تخلص لك قدر اهتمامك بها و عدم تخليك عنها. عندما أهمل قميصي الجميل سيعاقبني و يفسد و هذا طبيعيٌّ و مفهوم..حينما أتذكره يوماً و أشتهِ ارتداؤه لن يكون عليَّ الغضب إن وجدتهُ قاسياً كأنه ملبد بحلوى أو منسولة أطرافه و كأنني اشتريته من محل قطع مستعملة بينما هو غالي الثمن رفيع الجودة. كَذا كان يحدث عندما أتخلى عن بعض أحذيتي الجميلة . أحبها لكن يندر أن تأتي مناسبة لارتدائها. أنسى تنظيفها من الغبار أحياناً. في الحقيقة دائماً ! أنسى. لأنني في العمل أرتدِ أحذية طبية. وفي مشاوير السوق و المطاعم أرتدِ أحذية ” فلات”. الأحذية المطرزة أو تلك الجلدية الفاخرة مخصصة للمناسبات الكبيرة..حفلات الزواج و الأعياد و النجاح و هكذا. مرةً قررت حضور حفل زواج و عندما أخرجت حذائي ذي اللون الخمري انخلع فصه الأمامي الكبير فور لبسته ! جديدٌ و غالٍ هذا الحذاء. لم استهلكه سوى مرتين. لكنني حينها عرفت أنه كان حزيناً لأنني هجرته و لم أعتنِ بنظافته فعاقبني بأن خذلني في الوقت الذي احتجت إليه. مثل ذلك مع أدويتي التي أخذتها معي من السعودية. تركيزها يناسبني لكن مع الأدوية البديلة التي أوجب علي الطبيب استخدامها ركنت الأدوية ذات الصنع المحلي و عندما نفذ علاجي البديل ذات مرة جئت لآخذ الدواء المحلي فوجدت تاريخ صلاحيته قد انتهى رغم تأكدي عند اصحابه أن صلاحيته كانت ممتدة إلى عامين بعد ! لم أملك تفسيراً سوى أن تلك الكبسولات كانت مستاءة من عدم نفعها رغم أنها نفعتني قبل ذلك سنين طوال.

قطعة السيراميك كان طرفها المكسور به نقطة سوداء صغيرة بحجم شامة. كنت دوما أشعر أنها كائن صغير يحدق بي في المجئ و الرواح و يريد أن أنصت إلى معاناته و كيف يتمنى لو يُخلع و يوضع في أي أرض خارج البيت..إذ أنه اختنق و يحتاج حاجةً ماسة إلى تنفس هواء نقي تحت سماء الله الواسعة.

قد لاتكون تقصد هذه الأمور و أنت تصف تخلي المرأة في القصة عن قميصها الذي يمنحها مظهراُ فاتناً دون عناء. لكنني شعرت برديف الروح في ذلك القميص. شعورهُ كان الهيولي الذي يحيط به نفسه و نحن في الحقيقة لا نتدخل ولا نساعد في ترقية تلك الهالة في أي جماد إلا بقدر ما نتذكره و إن لم نقم باستخدامه. إنَّنا عندما نخذل جماداً متجاهلين لمعة الحياة التي يمدنا بها نكون كمن حول هذه الجمادات إلى أنقاض بيزنطية . أو كما قال الشاعر رياض الحسين ” قطيع من الموتى في فمي ” ..ومثله في أفواه الآخرين و أعينهم . و مثله على المناطق التي يستخدم فيها كل جماد..

أحببت هذه القصة. و تحسست ملابسي و بعض قطعي التي تحسن مظهري كلما ارتديتها بحنان..

 

كُتب في الصالحُون لصداقتي, ضلال | التعليقات مغلقة

فرحتي الوحيدة..هي أن أتأكد أنكم على ما يرام

ما من جدوى للكلمات يا رفيقتي..أمام هذا اللغز الفظيع : يأتي وجه حبيب ، يعيش , يتكلم ، يكبر معنا ، و فجأة يختفي بهدوء ..من دون أن يلتفت. فلمَ هذا القتل اليومي و المتعدد للقلب ؟ من أين نأتي؟ إلى أين نذهب؟ ما المعنى الذي يميز كل هذه الأشباح الحبيبة على وجه الأرض؟

في هذه اللحظة التي يملأ فيها قلبي خيال شقيقك تغزو رأسي كل هذه الأسئلة الأبدية و غير المجدية. وتزيده قلقاً وحصراً. آه لو أنني أتمكن فقط من شد يدك. كعزاء في هذه اللحظة. نعرف أنه لاوجود لجواب. غير أن هناك أيادٍ تشد بعضها بعضاً بحرارة ودفء. رفيقتي..رفيقتي العزيزة. ما أجمل الرحيل ، لقد أحسست بذلك عميقاً في ساعاتٍ صعبة. بلوغ الضفة الأخرى و إنهاء هذه المأساة المكتوبة بشكلٍ رديء. هذه المأساة الباطلة. وحده الذي يحب.. قادر على المقاومة .

ـ

و بعد مرور ثلاثين عاماً ظل محافظاً على القلق ذاته والشك ذاته. نحن الآن في آنتيب و نيكوس يكتب ” تقرير إلى غريكو ” بعصبية فائقة. مع التحضير لرحلتنا إلى الصين. وأكّد أننا لانخشى أي سوء من هذه الرحلة، كما أن الأطباء أكدوا لنا ذلك. غير أن صفارة الإنذار ربما كانت تدوي في لاشعوره. فلم يكد ينتهي من كتابة المقدمة حتى قال لي بنبرة تأثر: ” اقرئي يا صغيرتي..أرجوك، اقرئي ما كتبت. لستُ أدري حقاً. إن كان ما كتبته ذا قيمة. ”

أجمع أدواتي : البصر ، السمع ، الذوق، الشم ، اللمس ، الروح.

حل المساء. و انتهى يوم العمل. أعود إلى بيتي مثلما يعود الخلد إلى التراب. ليس لأنني متعب من العمل، لستُ متعباً.. غير أن الشمس تغيب.

هذه المرة غامت عيناي أنا. و اختنق صوتي..ما الذي يدفعه إلى الحديث عن الموت هذا اليوم؟ فكرت و أنا أحاول إتمام القراءة..لماذا يتقبل الموت.. لأول مرة اليوم ؟

تظاهرتُ بالغضب.. وتذمرت. فظل محافظاً على هدوئه و وضع يده على كتفي..كعادته : اطمئنّي يا رفيقتي. سوف أعيش عشر سنواتٍ أخرى ! لقد سبق لنا الاتفاق أننا لا نموت إذا كان لنا هدف نريد بلوغه !

المنشق / نيكوس كازنتزاكيس

كُتب في Daily, الصالحُون لصداقتي | التعليقات مغلقة

ليس محالاً أن يصبح نيكوس كازنتزاكيس مسلماً.

هذا مقال جميل و مستفز _ إيجابياً _ عن نيكوس كازنتزاكيس صاحب رواية ” المنشق” التي أحبها هي و تقرير إلى غريكو أكثر من حبي لروايته الأشهر من جميع أعماله على الإطلاق ..زوربا. بدلاً من عملية النسخ و اللصق التي لا أحبذها أضع رابط المقال في مجلة جسور و سأكون في غاية المسرة لو ثبتَ أن كازنتزاكيس من أصل شرقي فضلاً عن كون أسلافه مسلمين..من يعلم ؟ قد يصادف مسلماً شرقياً أو غربياً يحدثه عن الإسلام بحقيقته الجميلة لا بالحقيقة المشوهة المنتشرة في مجتمعاتنا ..قد يسلم. و حينها سأبعث له برسالة عاجلة أرجوه فيها رجاءً واحداً : لا تختَر دولةً عربية للسكنى . فنحن لا نسكن أوطاناً..بل غابات.

جمعية أصدقاء نيكوس كازنتزاكيس

كُتب في Daily, الصالحُون لصداقتي | التعليقات مغلقة

أنا أعرف أنك ستعود

بعدما قرأت هذه الرواية تذكرت إحدى صديقاتي . قالت لي مرة حديثكِ عن معاناتك أمام العامة في تويتر يظهركِ بمظهر الشاكية ، والناس تنفر من المتشكّيين. أجبتها حينها أنني متصالحة مع آلامي.لا أكتب عنها بقصد الشكوى فأنا أعرف جيداً أنَّ لا أحد بإمكانه مساعدتي وأعتقد أن المقربين مني يعرفون جيداً أنني أغلق الباب بوجه من يبدي لي وجه الشفقة..فأنا لا أحتاجها. وإنما أنا إنسانة قد تحتاج أحياناً للتحدث عن همومها بين البشر لتستأنس ليس أكثر. لتقلِّص الوحشة التي تشعر بها وهي وحيدة بوقت الوجع ليس أكثر. الأمر بسيط جداً بقدر حساسيته الفائقة. كما أنَّ حسابي في تويتر شخصي. أكتب فيه كما يحلو لي و على من يتابعني إما أن يقبلني كما أنا أو يلغِ متابعته لي بلا حرج. بعد ذلك الحديث بأيام قرأت بالصدفة رواية ” أرجوحة النفس” للروائية الألمانية هيرتا مولر..الحاصلة على جائزة نوبل للآداب في عام 2009 عن نفس الرواية والمترجمة في عنوان آخر بـ ” أعرف أنك ستعود ” . أول درس تعلمته من الرواية هو أن الحديث عن الأحزان سموُّ فائق عن طاقة الآخرين..أولئك الآخرين الذين لديهم أحزانهم أيضاً. لايوجد قلب خالٍ من معاناة. حتى أولئك الأغنياء الآمنين في بيوت منيفة و الذين لديهم مال و بنين لديهم معاناتهم الخاصة التي قد تكون عدم شعورهم بالسعادة رغم كل هذا الثراء..ذلك أنه لم ينجح في تأليف قلوب بعضهم على بعض. أو ربما لأن هذا الثراء نفسه لم يعصم أحدهم عن أخطاء كبيرة قد تودي به و بكل ما يملك من جمال و جاه. لايمكنك بعد قراءة سيرة نفي شباب يافعين و آخرين عجائز و بعضهم أطفال ألمانيين إلى السوفيت وتشريدهم واتهامهم بجرائم لايعرفون عنها شيئاً إلا أن تعذر أي أحد لا يستطيع فهم لمَ أنت تتحدث عن الألم أمامه. أنا مثلاً عندما أشاهد أي أحد يثرثر كثيراً و دوماً عن آلامه أحترمه و أعطف عليه لكنني لا أشفق عليه أبداً. العطف ليس هو الشفقة. العطف هو الرحمة. و الاحترام هو تقدير صبر هذا المتألم الذي لم يختَر إنهاء حياته بنفسه ليضع حداً لهذا العذاب الذي لا يستحقه.

كلنا عندما نتعذب بشيء نرى أننا لا نستحقه نتألم أكثر. نثرثر حول ألمنا لا لأننا نتألم بل لأننا نشعر بحرقة ظلم خفيّْ. أما أنا كمسلمة مثلاً فإنني لا أشعر بتلك الحرقة إلا في لحظة ضعف لذلك حبانا الله بنعمة الاستغفار والذكر الدائم فهما خير علاج نفسي عندما تضيق بنا أجسادنا و قلوبنا و الحياة بأسرها .

أنا لا أكتب الآن عن رواية أرجوحة نفس .

إنني أكتب عما كان يجب على التاريخ أن يفعله إزاء المنفيين الألمانيين المدنيين إلى السوفيت. أقل ما وجب فعله هو تخليد أسمائهم واحداً واحداً ليعوضهم المستقبل أياً كان مكان استقرارهم وحتى لو ماتوا فلابد أن أحداً من أهلهم ما زال حياً متضوراً من الحسرة على سلفهِ المعاقب بجريمة لم يرتكبها.

” يقول الكثير من الناس إن تجهيز الحقائب للسفر مسألة تدريب، يتعلمها المرء من نفسه كالغناء والصلاة . نحن لم نتدرب وليس لدينا حقائب. فعندما ذهب أبي إلى الجبهة لأداء خدمته الإلزامية في الجيش الروماني. لم يكن هناك مايجب تجهيزه. فالعسكري يحصل على كل شيء مع البدلة العسكرية ، ماعدا بعض الحاجات الخاصة بالسفر وحاجات أخرى ضد البرد. نحن لم نكن نعرف لماذا وجب علينا التجهيز. فالمرء لايملك لحظتها مايمكن أن يقول عنه : صح. المرء يرتجل لحظتها. ليصبح المغلوط ضروريا، أما الضروري فيصبح عندئذٍ الشيء الوحيد الصحيح ، ذلك فقط لأنه متوفر. “

أما السفر فهو في كل أحواله اغتراب و وحشة ..مهما كان المكان حبيباً إلى النفس أو بغيضاً سافر إليه المرء قسراً. السفر للعلم , التنزه , العلاج ، اللجوء..يختلف في ظاهره فقط عن السفر كـ منفيّْ. أو عن الترحيل المسمى مجازاً بالسفر. في كل هذه الأسفار شيء من عقوبة نائمة لا تستيقظ إلا عندما يقرص الحنين قلباً كان رغم كل عيوب مدينته الأم إلا أنه يشعر بالأمان . إن السفر شكل من أشكال الألم. لكنه ألم اغتراب مخفف في أحايين كثيرة بحسب نبل البلد التي يسافر إليها أحدنا. سويسرا مثلاً ليست كروسيا ! و كندا ليست مثل موسكو .

” كنت قد ربطت حذائي الجبلي و جلست على الطاولة أنتظر منتصف الليل ، وجاء منتصف الليل. لكن الدورية تأخرت عنه. ثلاث ساعات..وقت طويل يصعب على المرء لحظتها تحمله. وقفت أمي تحمل بيديها معطفي ذا الرباط المخملي الأسوَد..حيثُ دلفتُ فيه بمساعدتها. بكت أمي حين لبستُ قفازاتي الخضر. وهناك..على المدخل الخشبي تماماً..حيث عداد الغاز، قالت جدتي: أنا اعرف أنك ستعود.

حفظت هذه الجملة عن ظهر قلب دون قصد مني. و أخذتها معي دون انتباه إلى المعسكر. فأنا لم أدرِ يومها أن هذه الجملة سترافقني. لقد كانت جملةً ذات شخصية مستقلة. عملت وعلّمَت فيَّ مالم تستطعه كل الكتب التي حملتها. ” أنا أعرف أنك ستعود” صارت رفيقةً لجروح القلب و غريم ملاك الجوع. و لأنني عدتُ فعلاً فإنه يحق لي أن أقول : مثل هذه الجمل تعينك على البقـاء حياً. “

أنا أعرف أنك ستعود. أنا أعرف أنك ستتعافى . أنا أعرف أنك ستكون سعيداً يوما ما. أنا أعرف أنك ستحرك قدميك ذات نهار, أنا أعرف أنك ستعيش عمراً طويلاً بصحة جيدة ، أنا أعرف أنك ستموت و حولك أحفادك يبتسمون لأجلك حتى تغمض عينك قرير البال.

أنا أعرف أنكِ ستكونين بخير .

هذه ليست شعارات , لا ولا جملٌ معلَّبة. ولا حتى بوارق أمل و تشجيع تقال بدافع شفقة أو ضجر. كل هذه حين تسمعها من قلب يحبك و يعرف جيداً من أنت..ستعرف أنها أحراز تحفظك في غربتك و تقول لك كلما تذكرتها أن قائلها يحبك..ينتظر أن يسمع عنك خبراً طيباً. و حينها لن يجوز أن تسمي نفسك متشرداً, ولا منفياً, ولا متشكياً , ولا متذمراً, ولا ضعيف إيمان. أنت طبيعيٌ جداً. و الناس طبيعيون مثلك في عدم تحمٌّل ما تبديه أمامهم. آمِن أنهم طبيعيون و أن الطبيعة لعبت دورها معك أيضاً و سيجدف قاربك إلى بر السلام .

عشرات الرومانيين المنفيين منذ ذلك الوقت عاشوا هناك و تزوجوا من الروس و انخرطوا بينهم بعد ذلك حتى أن بينهم عباقرة استطاعوا إثبات مواهبهم و أحقيتهم بعيش أفضل من حياة الملاجئ والحرمان و الأميَّة فحصلوا على ما يستحقون بعد انهيار الإتحاد السوفيتي و نهوض روسيا بمقاليد حكم جديد و دستور يحفظ للإنسان حقه .

” حكت لي: اختبأت عن أنظار الدوريات أربعة أيام متواصلة في حفرة في حديقة الجيران خلف الخم. غير أن الثلج أتى وأصبحت الخطوات مرئية بين البيت و الحفرة. ولم تستطع أمها بعد ذلك أن تأتي لها بالطعام سراً.لقد كان بإمكان كل إنسان أن يتتبع أثر أقدامها فوق الثلج في كامل الحديقة و يقرأها.

لقد وشى الثلج بها. لتخرج طائعةً وبملء إرادتها من المخبأ , فالثلج أجبرها على الخروج باختيارها. لن أغفر للثلج فعلته مادمت حية..قالت هي. لايمكن محاكاة الثلج الطري. الثلج لايمكن رتقه..ليبدو وكأنه غير ممسوس. يمكن إعادة ترتيب التربة. قالت ترودي..و الرمل أيضاً. حتى العشب يمكن إصلاحه. إذا مااجتهد المرء في ذلك. الماء يعيد تشكيل نفسه بنفسه لأنه يبتلع كل شيء ثم ينغلق على نفسه بعد البلع فوراً. أما الهواء فلا يؤذي تشكيلته شيء، لأن طبيعته هكذا و الإنسان لا يستطيع رؤيته. كل شيء كان يمكن أن يسكت إلا الثلج. قالت ترودي بيلكيان. أن يكون الثلج هو المذنب الرئيسي..وأن يسقط في المدينة وكأنه يعرف أين هو. و كأنه يستضيف نفسه في بيته..و يضع نفسه فوراً في خدمة الروس. فذلك يعني أني هنا بسبب غدر الثلج بي. “

يا لؤم النصاعة ! قلت لنفسي كثيراً طوال حياتي أن البياض ليس بريئاً في كل حال. يمكن القول أنه سهلٌ ممتنع. كما لا يستطيع أن ينسى مخلوق كائن من كان أن اللون الأبيض مثلما هو لون أجنحة الملائكة و لون الندف و الثلج الذي ينتظره المتسلّخة جلودهم من الحر هو أيضاً لون الموت.. و الجسد بعد انطفاء حرارته. قرأت المقطع الملون بالأزرق من الرواية ودرجة الحرارة في المكان الذي أجلس فيه 5 تحت الصفر. تأملت صداقتي مع الثلج و خفت منه حين تخيلت أنه قد يفضح أسراري لأنه عصيٌ على التسويه. إخفاء بعض الأسرار المصيرية لايشبه أبداً عملية صنع رجل الثلج ذو الطاقية الحمراء و معطف الصوف الملفوف حول عنقه !

” قال كارلي : عندما كنتُ صغيراً عضضت على دراقة ثم تركتها تسقط مع العضة على الأرض. بعد ذلك رفعتها عن الأرض وأكلت منها المكان المتسخ بالرمل فقط و تركت الباقي يسقط ثانية. و رفعتها ثانيةً عن الأرض و أكلت منها المكان المتسخ فيها و أرميها.ثالثةً ورابعة حتى لم يبق منها في النهاية إلا اللب. في النتيجة أخذني أبي إلى الطبيب. لأنني لست طبيعياً..لأنني أتلذذ بأكل الرمل. و الآن أكلت من الرمل مايكفي ولم أعد أعرف كيف هو شكل الدراقة.

قلت : أصفر بشعيرات ناعمة و بعض الحرير الأحمر حول اللب.

سمعنا السيارة قادمة فنهضنا. بدأ كارلي هالمن بالترفيش .عندما كان يملأ رفشه.. كانت الدموع تسري ساقطةً باستقامة. و عندما يقذف هذا الرمل باتجاه السيارة تسري الدمعات إلى اليسار داخلةً فمه و إلى اليمين لتدخل أذنه. “

 

ظل هؤلاء الشباب في المعسكر خمس سنوات. مع كل تجدد معاهدة سلام يظنون أنه سيفرج عنهم و يعودوا إلى أوطانهم لكن أحلامهم تتبدد. بالطبع لا يدعهم الجيش يبقون نائمين بلا عمل. كانوا يعملون في كل المهن الوضيعة ..وأخرى غير وضيعة لكنها بسيطة لا توفر لهم أكثر من ثمن عشائهم لليلة واحدة و بأقل كمية طعام في الطبق. لا تستطيع و أنت تقرأ عن كارلي هالمن إلا أن تدمع عينك معه. كان كارلي مصاباً باضطراب (بيكا) في طفولته..وهذا الاضطراب يجعل الطفل يأكل مواداً غير طبيعية أو غير قابلة للهضم. كان الأمر بريئاً في طفولته. لكنه الآن بعد اعتقاله و تشرده في المعسكر السوفيتي كلِّف بمهمة نقل و تحميل الرمل إلى أماكن تأخذ منها الشاحنات أطنان الرمل لاستخدامه في أغراض بعيدة كلياً عن خدمة المنفيين و مساعدتهم. لذلك كان كارلي يبكي ويأكل الرمل هذه المرة قهراً مميتاً..و ليس لأن البيكا استمرت معه حتى كبر.

كم من الأشياء نأكلها و نمضغها الآن بعد أن كبرنا يظن الناس أننا نمضغها بإرادتنا و نحن نفعل ذلك قهراً كي لا يصل المشرط إلى أوردتنا أو مسحوق أي سُم متوفر في الأسواق الفقيرة ؟

” لقد نسيت كيف آكل بالشوكة و السكين. لم ترتجف يداي فقط بل ارتجفت حتى اللقمة التي أبلعها في حلقي. فقد تعرفت على الكيفية التي يجوع بها الإنسان وكيف يمط بطعامه زمناً..إن حصل عليه.أو يبتلع هذا الطعام مثلما تفعل أفعى. لم أعد أعرف الالتزام بمدة محددة للوك الطعام في الفم ولا متى عليَّ بلعه كي يكون أكلي على الطريقة الراقية. كان أبي جالساً قبالتي. و بدت لي المائدة كبيرة و كأنها نصف الكون. تفحصني أبي بعينين نصف مطبقتين و كان يخفي إشفاقه علي. تحت رموش عينيه أضاء كامل ذعره وردياً كالجلد الكوارتزي لشفته من الداخل. كانت جدتي أفضل من رعاني و حنَّ علي في كل الظروف. فقد كانت تطبخ الحساء الكثيف , ربما لكيلا أضطر و أزعج نفسي باستخدام الشوكة و السكين . “

لا أظنني أجد تعليقاً على هذا المقطع. إلهي أنت إله الرحمة.. بات العالمُ حقنة سيانيد, خفف عنا سمومنا يا إلهنا الرحيم.

كُتب في Daily, الصالحُون لصداقتي | التعليقات مغلقة