أن تفعل شيئاً مختلفاً عما اعتدته في أيامك ليس جنوناً. الجنون ليس بهذه البساطة. يلزم ذلك الفعل المختلف أن يكون خارقاً يهز سقف بيتك أو يُغلي الدم في رأسك ! لكن كل ذلك لن يثير إعجابي أنا بالذات. ذلك أنني أعتقد أن الجنون هو ما اندفع إلى العقل و عبث في خريطته بلا استئذان. وهذا ليس عملاً جميلاً. إنه عمل عظيم. والعظمة لا تعنِ الجمال دوماً. فهنالك عظائم بمعنى الفظائع. كأن ترى بقرتين تدخلان إلى مقهى و تطلبان شاياً بالنعناع. أو أن تسمع كلبتين تثرثران لبعضهما عن فضائح سيدتيهما العاطفية. يمكن أن يكون الجنون هو أن يبدأ اسمك بحرف الراء بدل الألف. لمَ أعتبر أن ” أشعار” هو اسم يبدأ بالألف؟ لماذا يبدأ العد من اليمين؟! مالذي يجعل ابتداء الإسم بحرف الراء خطأً ؟ و لمَ تكون إعادة ترتيب الأحرف بغير ما اتفقَت عليه قواعد اللغة جنوناً؟ هذا كله سهل. فالتمادي في التفكير عن صحة هذه المرئيات و الاعتقادات قد يحولك إلى موسوس لكنه لا يرقَ إلى جنون. أو هكذا أعتقد ( يقال أن كثرة الاعتقاد تؤدي إلى الجنون). لكن الذي يرمي بالمرء إلى جنون قاتل يجعله يعتقد أن الإنسان فيه صار حماراً و أطفاله الجميلون تحولوا إلى أرانب و كل هذا غير صحيح و لم يحدث إلا في خياله..هو فوضى الأفكار.
أن تنقلب الأفكار في رأسك إلى عشرين رأساً. لمَ عشرين؟ لأنني أريد أن تكون عشرين. بإمكانك قلب أفكارك إلى أي عدد تحب من الرؤوس، و دعني أختار أنا كم رأساً أريد لأفكاري أن تنقلب. عمَّ أتحدث؟ عن كل شيء يتحول إلى هوس هستيري عندما نعطِ تفكيرنا فيه حق التحول إلى غابة. الغابات تحجب نور الشمس. و الغابة حين تدلف إلى رؤوسنا تفجِع حتى الليل. إن تطاولها يمكن حتى أن يفقدنا الأوكسجين. تخيل أن تعيش طوال عمرك لا تتنفس سوى رائحة الصراصير. لا تسألني عن رائحتها.لا أعرفها..استطيع شمّها فحسب. إن الأفكار عندما تعيث بلا خطة ولا خط نهاية يقسِّم جموحها إلى مهام متتالية حسب الأهم ثم المهم , و الأكثر تفاهة ثم الأقل تفاهة، تتحول إلى نيقولاي غوغول نفسه !
في أحوال أخرى يمكن أن تتحول إلى اميل سيوران أو ميشيل فوكو أو هنري ميللر أو الفريدة يلينك أو محمد الرطيان ! لا تسأم الآن. لا تمد لسانك..لا تبرم شفتيك..لا تتأفف. السعوديون مجانين دون حاجة إلى الرطيان. إنهم مجانين بطريقتهم الخاصة. مجانين ربانياً ! بلا دوافع ولا نصائح ولا تمارين. لياقة الطبع العشوائي فيهم ليست مسجلة في عداد قياس تابع للزمن. لكنني أحاول أن أصف لك مدى خطورة تبعثر الأفكار أو بشكل أدق..فقدان العقل. تضييع أسمائنا وهوياتنا ليست مشكلة.فبدل من الإسم هنالك أسماء بعدد ذرات الهواء و حبات الرمل. كما أن تضييع عناوين منازلنا وأرقام هواتفنا وهواتف أقربائنا ليس مصيبة. فأهل الخير كثيرون ! الكارثة في تضييع تضاريس خريطتنا الذهنية. المعرفة ..العلم..القدرة على تمييز الفرق بيننا كحيوانات مطورة و بين الحيوانات المطورة كحيوانات أولية. من هي الحيوانات المطورة المتفوقة علينا كحيوانات مطورة؟! إنها الحيوانات الأولية ذات بعض الأفعال الآدمية التي لم نستطع نحن الآدميون الحفاظ عليها في عصر الرأسمالية و ثورة الربيع العربي الذي لم يزد من لم يشارك منا فيه سوى خريفاً أصابه الصلع.
عن نفسي أقبل أن أنساق إلى ذلك الجنون المتوارث عن جنون نيوتن الذي فقد طوال حياته منفعته في النقد..فاحتجب عنه.لقد كان نيوتن مجنوناً بأبحاثه متواضعاً بتبرير نجاحاته الشاطحة فيها فهو الذي قال حين قويَ هجوم هوك على أفكاره واتهمه أنها جمع بين شتات أفكار عدة لعلماء آخرين: إن كنت أرى أكثر من غيري..فذلك لأنني أقف على أكتاف العمالقة.
و قد اعتبره المؤمنون بنظرياته والداعمون لها و الذين تأكدوا من نجاحها من خلال اختبارها أنه متواضع. ذلك التواضع الذي ينفر الخلائق منك لأنه يضغط على مراكز النقص فيهم. و أحياناً على أشياء لم يألفوها و صدّقوا أن صحيحها هو ما يعتنقه المجتمع و يتداوله من أطلقوا على أنفسهم باحثين و مفكرين وهم ليسوا أكثر من مهرطقين و مدّعين.
في قصة ” يوميات مجنون” تتعرف على مجنون من طراز يلعب جيداً دور الكوميديا. لكنه مأساويٌ حد أنك تتمنى لو تتحول إلى شخصية أدبية تُكتب على ورق هذه اليوميات لتنقذ المجنون وتعيده إلى بعض رشده وإن كان واقعهُ رتيباً باعثاً على الجنون مرة أخرى! هل كانت الرسائل التي يقرأها بين الكلبتين مادجي وفيديل هي رسائل كتبتها الكلبتين حقاً؟ وهل ستقرأ شيئاً يدفعك إلى الشك أن المجنون ليس ملك إسبانيا كما تخيل نفسه؟! عن نفسي.. لست أشك. أنا أصدقه تماماً. نعم..هذا هو ملك اسبانيا الثامن. وأولئك الذين يصبون الماء البارد على رأسه ليسوا سوى مجرمين يعذبونه لأنهم لا يستطيعون الوصول إلى التألق الذي وصل إليه رأسه الحليق. ليس لديهم حاشية كحاشيته ولا كوخ روسي يطل على حديقة العقلاء بعد حدود إيطاليا مباشرةً.
لا تظن أنك ستخرج من هذه الرواية بلا فائدة. على العكس تماماً. هل تحب التاريخ؟ إن كان التاريخ يعني لك شيئاً أصيلاً فستشعر بعد قراءة يوميات مجنون أنك عملاق من عمالقة الإغريق الذين قال جون قرين في كتابه “الكشف عن حافة الزمن” أن نيوتن نفسه قد يكون منهم في ذلك الوقت. هذه الرواية لاتجعلك تفكر في جنون معاصر. في الحقيقة ليس بيننا اليوم مجانين يشبهون غوغول. يمكن وضعهم في صف المجانين المعذبين مثله.لكن يوميات مجنون تدفع بك إلى الشعور بجنون يذكِّر بالميكانيكا الكلاسيكية. هذه نظرية لنيوتن تهتم بقوانين للحركة و نظرية للجاذبية. استدعتها ذاكرتي بعد قراءة يوميات مجنون لأن الطريقة التي وصف بها غوغول حركة ذاك المجنون و تسلسل يومياته بطريقة حاول أن تكون رتيبة بيد أنها كانت كلاسيكية مثل بذور التفسيرات الأولى في عصر نيوتن لحركة الكواكب حول الشمس وحركة الأقمار حول كواكبها..كانت طريقة أدت بي إلى الخوف من عقلي. ليس عقلي تحديداً..العقل عموماً. إنه كائن محترم و ثابتٌ في احترامه..حتى أن المرء الذي لا يقدم له روتين حياته شيئاً جديداً يعلمه أشياء جديدة يملُّ ذاك الثبات في حركة عقله المحترمة و يبدأ برجِّه رجاً قوياً شيئاً فشيئاً حتى يفكك أجزائه غير المرئية عن بعضها وعند ذلك ينشأ عالَمٌ جديد غير مألوف للعقول التي لم تخض التجربة.
لماذا تذكرت قصة يوميات مجنون اليوم؟
الملل من الدائرة المغلقة التي أركض حولها ( عمل، بيت، علاج، نوم/ نوم، علاج ، بيت، عمل) حولني إلى مسرحية كوميدية مقتطعة من عدة مسرحيات لم أشاهدها على الإطلاق! ذلك أنني فقدت القدرة على الاحتمال لكنني لم أتخلى عن الدائرة ذلك أنها خريطتي الذهنية في أيام العوز إلى إنجاز. حدث فقط أنني استدعيت أشياء غير مألوفة لي في محاولة لكسر قاعدة لا لزوم لها. ظننت أني سأستمتع ..والحقيقة أنني تحسست رأسي علِّي أجد أي أثر لذلك الذي إن تاه سمِّي المرء بعكسه وهو الجنون.
* قرأت فيما مضى ترجمات للرواية لم تقنعني. فقرأتها بهذه الترجمة الرائعة ( Memoirs of a Madman )



