دفاتر راسكولينكوف 2

– الصعلوك

الماكثون في المنزل. لا المنعزلون. هؤلاء الذين قد يكونوا نحن. و نحن الذين قد نكون أنا. لا أتحدث عن نفسي بالجمع تفخيماً، بل تشتيتاً. إقناعاً بأنني لستُ وحدي في المكوث. مثلما لم أكن وحدي في المخالطة النفاقيـة. فلتكن هذه الهلاوس هكذا مثل من يغني شيئاً غير مفهوماً في زقاق حي العاديّين. هل تخيلتني سأقول زقاقاً يؤدي إلى حانة؟ هذا تصنُّعٌ فج لم أعد أطيق قراءته في قصص المقلِّدين فضلاً عن كتابته. إن أحياء العاديون ثملة أيضاً. محملة بسُكر أحلام قاطنيها الكبيرة والصغيرة والممكنة و بعيدة المنال. قد تجد أعظم حلم لدى فتاة في هذا الحي أن تقتني هاتفاً من شركة عالمية و تنشيء حساباً في السناب شات. كما أن أصغر حلم لدى فتى الحي المشاغب أن يصبح مليونيراً يشتري بالأموال طائرة يجوب بها العالم ويفعل كما يفعل الأسيـاد في النزوات. تبدو الآن الأغنية التي لم تكن مفهومة، واضحة مثل عنوان كتاب مقروء. اراها بخط أزرق ” هيا نرتمي في غرفة لارا” لحنها كريه بالنسبة لي. مثل لحن كل أغنية روك أصمم أن الهدف منها إحداث ارتجاج في الدماغ.

ينعزلون. أولئك الذين خشيوا أن يصيدهم الحُب قبل أن يصطادوا بعضاً من حياة. أو كما أوصى إنسي الحاج، أن لا يجعلوا الحنان يلتف عليهم. قال احذروا. تُجبرهم الحرب على المكوث كعجائز ينتظرون ما تبقى من أمل على شكل أحفاد يزورونهم في عطلة الأسبوع و يملأون الدار لهواً و فوضى و رائحة كعك و حلويات. تمر الأسابيع و تصير سنيناً و يشب الأطفال ويصبحون نساءً و رجالاً ولا أحد يذهب إلى الدار القديمة المأهولة بالجدة. للمكوث صور كثيرة. خطرت هذه لي لأنني اشتقت إلى جدتي. كنت لا أتركها تتأمل قُربي منها. عشتُ معها و شبعتُ من رائحة الريحان في جدائلها و رأيت ابتسامتها الراضية حين غفت في حضن الملائكة. قيل لي بعد أعوام أن ذلك كان اسمه موت.

ينعزلون. الصعاليك المتفوقين بصِدقهم على مرتادي المقاهي و صالونات الأدب. لستُ مع معتقد لوباتشيفيسكي بأن الأدب كالسياسة لا ينجح دون أن يكون الكذب سنامه العالي. ربما كان يشير إلى المخيلة. فالأدب يتجمل بالتخيل. لكن الكذب كالتملق، وجهين للتضليل. أجد نفسي منحازة بلا مجهود إلى صعاليك الحي الشعبي لأنني لا أبحث عن الحقيقة وأنا معهم. تجلس الحقيقة معنا وتحتسي الشاي بدلاً من القهوة و المكسرات بدلاً من الكعك الإنجليزي و نقرأ معاً سأم باريس بدلاً من رواية عضو النادي الأدبي و حجز قاعة في يوم العطلة للثناء عليه والتأكيد أن من في رأسه عقل لن يفوت قراءة رواية رهيبة كرواية الرفيق عين.

نُستأمَن وإن لم نكن آمنون. الإنعزاليون. أنا و رفاقي. أتحرر قليلاً من لهجة التشتيت و الربكة و أتضح كسِمة ليل. يمكن للبعض أن ينعت الضحى بالصباح. والعصر بالظهر. لكن الليل واضح. ليس هنالك أسوَد غامق و آخر فاتح. نتميز بعدم قدرتنا على شن الحروب. إن أعيَتك الوحدة تعال نمكث وحيدين كل منا منفصلٌ في حالهِ معاً. لن تخاف من أفخاخ محاكم التفتيش معنا. نشعر بالذعر كثيراً ولا ننام. لا نأكل في العادة. لا نرتدي ملابسنا الجميلة والجديدة المرتبة في الخزانة كأغراض عيد. وحيدون كما رغبنا، كما احتجنا. لا نشعر بالأمان كثيراً، ليس دائماً. أوقات و أوقات. حسب الظروف. لكننا بيتُ أمان لا تكسر له نافذة لمن يأوي إلينا من المتماهين مثلك مع أفراد القطيع، مع أهداف المجموعة. الهاربون على سبيل السأم أو خيبة أمل وقتية جرَّاء موقف غير مستغرب علينا لو عرفناه. ربما سنضحك و نقول ” قديمة”. وربما سننفعل ونقول: لهذا لا نحب أن نخالط الناس. يسمِّنا البرجوازيون صعاليكاً لأننا عصبة الطبيعة. أعداء التنميق. مناهضي صناعة الإنسان. أن تكتشف الإنسان ليس كأن تصنعه. الصناعة جريمة في عُرفي. الاكتشاف عبقرية. بناء شيء من الاكتشاف جنون. هكذا أفسر الأمور وهكذا ينفر منا أصحاب الياقات البيضاء فرارهم من الجامعيين الباحثين عن عمل. لم أجرب البحث عن معنى صعلوك في القاموس. أعرفه من قصص المثاليين كما عرف الجميع. إن كان الصعلوك هو من يعيش في الهامش. فيجب أن نتمسك بهذا الشرف فرحين مثلما يفرح لاعبو كرة القدم بجائزة اللعب النظيف. و إن كنت سأطلق اسماً على قطيعي، فنحن عابرو السبيل. مأوانا مقاومة التوطٌّن في مكان يخبرنا أن علينا الخروج إلى الناس. الثناء عليهم إن منحنا أحدهم كوب ماء ونحن ضيوف في منزله. أو إن قال لنا موظف الاستقبال أن هناك غرفة شاغرة عند دخولنا إلى النزل كي نبيت فعلاً فيه. نُحب ملاذاتنا الصغيرة، أحياناً الكبيرة. اتَّسمنا على سبيل المبالغة بأننا مشردون يعيشون في أوكار ضيقة. قد تكون خيالات النرجسيين حصرَتنا في هكذا مضائق. وجوهنا متعبة لا من طول المسير، بل من البحث عن تفسير.

حقائبهم لا تخلو من كتاب لفرناندوا بيسوا و كافكا. قائمة الأغاني في هواتفهم مفعمة بكلاسيكيات عبدالحليم و فيروز و ألحان السنباطي و محمد عبدالوهاب. يتحرَّجون من الإفصاح عن كراهيتهم لماركيز و ابراهيم نصر الله. يخشون التصريح عن استثقالهم صوت أم كلثوم. لا يمشون بجانب الحائط بل يسيرون في خطٍ متعرج و يضيّعون أنفسهم بين الحشود في الأسواق المخصصة للبسطات و الباعة الوافدين و الأسر المنتجة والمنسوجات اليدوية. ينتظرون الليل كل يوم كي يستردون كرامتهم التي أهدروا ما استوجب عليهم هدره منها نهاراً كثيرانٍ اسبانية. يلعقون جروحهم، أقصد نلعق جروحنا التي أحدثها فينا الاجتماع بالأنيقين رجالاً و الفاتنات نساء. ضمادنا ضوء القمر و ما تيسر من كلام لوركا و حزن تشايكوفسكي.

قال شيخٌ عجوز جلس جواري في الحديقة يوم عطلة أن الانعزاليون هم صفوة الخَلق. سألته إن كانت الحيوانات صفوة خلق أيضاً. أحب الحيوانات و سأحب التأكد من أنها صفوة كي أفرح بثناء الشيخ من حيث صنفني وكأنه يعرفني منذ مئة عام. جاوبني أن الحيوانات فرعٌ أرضيٌ للملائكة. ذلك أنها لا تخطئ أبداً. أما صفوة الخلق فهم يخطئون، لكنهم يشعرون بالندم ويقتلون أنفسهم إن تعاظم سخطهم ولا يعرف الغرور إلى ناصيتهم مكاناً. سألتهُ إن كان يمكن للصفوة أن يكونوا صعاليك. سرقَ وردة قلبي ببسمةٍ عذبة وقال بصوتٍ كترنيمة، من اعتاد العزلة عرف مساوئ الجاهلين و تآلف معها وكان نأيَهُ عنها هوايةً. خلدت تلك الليلة إلى النوم بروح نورس مهاجر عن الصوالين إلى الشارع. عن الشواطيء إلى السواحل، عن الأرض إلى السماء، عن منازل الآخرين المدعوة إلى احتفالاتهم إلى منزلي. عن جموعهم إلى وِحدتي. عن جهلهم إلى وعيي. عن سوئهم إلى شفقتي عليهم حين قالوا أن الوحيد هو في الحقيقة شخص قد غضب الله عليه.

كُنا نهرب. وكان الهروب انحيازاً لنظرية أن تنجو. لا أن تبقى و تغرق ليقال أنك صابر. هروبنا لم يكن انتقال من بلاد إلى بلاد. إنما من قَلْبٍ إلى أنفسنا. كان لزاماً كمخلوقات عاشت على نفس الكوكب أن نمر بنفس التجربة. كلنا، أي كل الناس. نحن والآخرون. تباينَت خيبة الأمل والنتيجة أيضاً كانت متباينة. خاب أملهم فأحرقوا السفينة على ربَّانها. و خاب أملنا فهربنا من سفينتهم إلى أنفسنا. أعشاشنا سفنٌ ترسى على أعتى الشواطئ بلا خُطاف. يا للعزلة. كم هي تذكرة عبور VIP إلى مدينة ويلز. إلى كلاب تلعب معنا ولا تعض. إلى حدائق نتنزه فيها و نفرح بالتحايا مع اللطفاء، لا نأوي إليها بعد انتظار خاوي الوفاض. يا للحياة وحيداً، كم تطوقك بالسلام أيها الصعلوك العظيم الذي اختار الهامش و نبذ متن المتسكعين على أكتافك كبكتيريا لا تعيش دون كيانك كمزرعة لهو وتكاثر و.. أمان.

” بعد أن كشفت عن اللغز و عرفت السير نمت في طمأنينة. في رعاية شذى تلك الأعشاب الساهرة الحـارسة.” – نيرودا

دفاتر راسكولينكوف 1

رأيتُ قطعان المطبلين في أرضي ينسلّون من أملاكهم و يبيعون الجوهرة المشعة كاليورانيوم من بين أعينهم باسم الوطنية، و رغم أنني تفرجت ولم أنضم إلى الحفلة فقد شعرت نيابةً عنهم بشعور النطفة التي ضيَّعت تاريخها. كانت الفوضى موقف. ثم أصبحت طبعاً، و أضْحت عقيدة. أحببت نفسي أكثر عندما اتخذت الفوضى قطعة لا تنفك من ملابسي و فكرة لا تنفصل عن عقلي. إن كنت تظن أن الصواب هو أن تكون رزيناً، محاذياً قدر المتوفر للجنون، لا متورطاً فيه، فلا تعبأ بما يزين الرصيف على الجانبين. عامل الطرقات كالشاطئ و أبحر بلا ماء. البحر في قلبك. الأمواج كلها في رأسك الهادر. أنصحك بالانتحار إن شعرت أن رأسك يوماً قد خلا من التموج و استكان. الهدوء يجلب كل الخطايا إلى مقدمة العالم و تنطلق رصاصة الطاغوت قبل أن تفكر في التوبة أو تدافع عن كل ذلك بأنه حرية شخصية لا خطايا ولا رزايا ولا يحزنون. أنا في الواقع لا أحب أن أكتب تعريفات للحياة. فعلتها أحياناً و شعرت ببغض الوقوع في مغبة السخف و الفلسفة القائمة على الفراغ فتراجعت. لكن هناك حوادث تفرض تعريفاً للحياة يناسب الموقف للنجاة منه بأقل اندلاق من ماء الوجه. أتعاطف مع هذه الحالة. لا مفر منها عند التمسك بعدم تعريف الحياة سوى بالتجاهل والفرار. أحياناً تكون الضريبة فقدان الحرية. وأحياناً ضرب مبرح، أو حتى الموت. عندما لا تعرف ماهي الحياة ستجعلك تعرف على الأقل ما هو الموت. الآن لك أن تتخير ما الذي تبدو معرفته أكثر رحمة أو أقل طيناً من الآخر، معرفة الحياة؟ أم الموت؟ وكأنك تسأل نفسك، معرفة الجنون؟ أم العقل؟ معرفة الفوضى؟ أم السكون؟ معرفة طعم الكوكايين؟ أم رائحة الكافور؟ عند تساوي الأمور في لحظة، لا يعود مهماً أن يسأل المرء نفسه عن شيء من هذا أصلاً. سيكون الخلاص هو الأهمية الوحيدة لا قبل ولا بعد.

عرَّفني دايس على آلن غينسبرغ الذي رثى أولئك الهبائيون، أصحاب الحق المسلوب، الذين ” تحدثوا بلا توقف لسبعين ساعة من منتزه إلى غرفة إلى بارٍ إلى مصحة بيليفو إلى متحفٍ إلى جسر بروكلين.” أولئك الذين ” تسكعوا دائرين ودائرين في منتصف الليل بين السكك، حائرين أين يذهبون، وذهبوا، دون أن يتركوا وراءهم قلوباً كسيرة”، ” من توحدوا على الذمة عبر شوارع آيداهو متقصِّين ملائكةً هندية كانت ملائكةً هنديةً رائيــة. من فكروا أنهم بالأحرى مجانين عندما تألقتُ بالتيمور في نشوة تفوق الطبيعة. من قفزوا إلى الليموزينات مع صبي صيني في أوكلاهوما بحافزٍ من مطر منتصف ليل شتاء لنور الشوارع في بلدةٍ صغيرة. من تمددوا جياعاً ومستوحشين عبر هيوستن بحثاً عن جاز أو جنس أو حساء. وتبعوا الإسباني الألمعي ليتحاوروا بشأن أمريكا والأبدية. مهمة ميئوساً منها، وهكذا أبحروا إلى إفريقيا.”

أفكر أنني لو تعرفت على هذا الشاعر الصاعقة من أحد غير دايس لربما لم يكن ذي تأثير. المتأثرون بأحدهم يتفوهون بأشياء مثل يا إلهي كم أن هذا الرجل كتب كلاماً يشبه ما أريد قوله ولم أعرف كيف أفعل. لكنني لا أقول هكذا، بل ألجأ. عندما أجد وميضاً مشتركاً بيني وبين من لا أعرف، وما لا أعرف، ينتابني شعور الضال الذي وجد ظلاً يلجأ إليه. الظل الذي تبعثر أمامي حين قرأت قصيدة عواء لغينسبرغ لا يجرؤ خائف على الانتماء إليه. إلا أنني من زمرة أحادية. أي غير سائدة على الأرجح. زمرة الذين يضلون راغبين. هناك حرية و حلول مشاكل بعضها موجود و بعضها على وشك أن يحدث بفعل حماقتنا أو تعقُّلنا وكل هذا في ظل الطرق الموحشة، المهجورة التي يسلكها الحيوان ليقضي حاجته و يعود إلى الجحر. أما الإنسان، فلا يقترب أبداً. و أخْلَص من هذا أن من يرتاد طرق الإنارة المكسورة تلك قد لا يكون إنساناً. هذا القرين في حياة أخرى. الحصان المجنَّح كما رسمني أحد الأطفال في العزل مرة. كانت الوحيدة التي أحببتُ فيها صورتي دون أن أتصنع التواضع وأحاول إقناع الآخر أنني أسوأ من أن يتخيلني هكذا. ربما ثرثرت كثيراً مع دايس كشلال جارف لأجل هذا السوء الذي يرفض أن يتداعى. عندما وجد شريكاً في سوء لم يُحكى، سوء تم التعبير عنه كقصيدة، سوء هو في الحقيقة صواباً تم اعتبارهُ سوءاً لأنه قيل تحت إجبار العقل على التنحي عن طبيعته ذات الصفاء، سوءٌ حين يتفوه به أصحاب المقاهي الشعبية أمام أصحاب الياقات البيضاء، سوءٌ لأنه يكسر تابو الكرامة لمن اعتادوا التحدث عن الإنسانية قولاً وكتابةً و غناء، لكنهم لم يتعاملوا بها لا مع الإنسان ولا الحيوان ولا مع أخشاب الشجر و قيعان البحار. سوءٌ هو جزء أصيل لا يتجزأ مني. يرفض أن يُنحى في بقعة عتم عندما أتلقى مديحاً على مِزية أنا التي أروض سوئي كما يروض أكثر الأشخاص وداعةً تمساحاً زحف إلى كوخه ذات فيضانٍ جر كل ما استطاع من البحيرة إلى اليابسة. أشبهُ في معركتي مع الخير والشر للفوز بالحد الأدنى من التوازن باباً سرياً في البيت أعرف مكانه وحدي. يبدو هادئاً يفضي إلى بلاد عجائب. لكنه في الحقيقة باب يقود إلى كوميديا إلهية لا تعرف للهوادة ملْمحاً ولا احتمال. حتى أن هذا الباب، والبيت، قد يكون مكانهما في فراغ يستوطن قلبي. أعني هذا القلب حقاً. رأسي مختنق بأزمنةٍ و وقائع وذكريات و نوايا و أشغال شاقة مؤبدة لم تدع مكاناً لبيت ولا لعُشٍ يكفيني أن يكون القش بابهُ و وسادتي فيه.

أخرجُ إلى الشارع بعد يوم طويل. لن أقول عبارة فذلكية من نوع يومٍ طويل مليء بالللاشيء. بواقعية شديدة الجمود أقول أنه يوم طويل ملئ بالإنقاذ. أنا بصفتي حقيبة إسعاف كما أسخَر من نفسي، أقرر كمجنونة بعد انتهاء كل شيء واستقرار الحياة في أوصال الأبدان أنَّ السير في الشارع دون وجهة معلومة هو الراحة المنشودة. أخرج وأبحث عن أشجار عنب ولا أرى سوى الجليد يغمر ويغطي ويطمر كل شيء و كأنه يذكِّرني أن شِفرَتي اللونية في الحياة هي الأبيض. لا يمكن أن تتشابه شفرة كائنين بشريين على وجه الأرض مهما تشابه لونيهما. يا إلهي كم عشقتُ دوماً أن أكتب قصيدة عن الجينات و خرافة الوراثة و دهاء صناعة التوريث. فيما مضى كنت ما بين خطوتين أقف مبهورة بهذا العالَم الملئ بأصوات القنابل. في كلمات الأغاني الراقصة قنابل مدسوسة، بين صفحات كتب الطلاب، في المحادثات المتفجرة من الهواتف اللاصقة بالأيدي كسلاح أضعف الإيمان. حتى في نظرات الصامتين على مقاعد الحديقة و المقاهي و محطة القطار، كنت أستشف صوت قنابل. إحباط، غضب مكتوم، حقد مُبصر وآخر أعمى، رفْضٌ مشروعٌ وآخر كلاّ. كل هذا هو ثاني أوكسيد كربون يُطبق على رئتاي وأنا أمشي في خروج الخلاص إلى الشارع فأتوقف مريضة في زمن مضى. ربما قبل عام، أو خمسة أشهر. لكن الاعتياد آفة. بل وباء، لأنه مشيمة الروتين. بتُّ أُدهَش من القدرة لا على توليد كل هذه القنابل من كل ذيك الأشكال والأنواع والدرجات والأصوات والقتل والتدمير، بل من الحفاظ على هذا الثُقل الذي تنأى الأرض عنهُ لو كان لظهرها أنينٌ يُسمَع أو صوت يقول كفى، لقد مت. تحولني الدهشة وأنا في منتصف الطريق بين الزحام إلى دخانٍ متماوج، و أنظر إلى المدخنين بجانبي و أكاد أهتف لهم قائلة أنني لفافة التبغ هذه. لا أرسمُ صورةً تراجيدية هنا. أقول فقط أنَّ العالم مشتعلٌ بهدوء، يوهمنا صراخ المرضى والمفزوعين والمهدودة منازلهم بقذائف المبيدين أن العالم فائر مثل تنين مجنّح. لكن الممتطي طائرة خطوط كندية أقلعت من مطار ادمنتون الدولي إلى مطار شيريميتييفو على ضفاف موسكو، يُدرك كم أن هذا الفوران هدوءٌ كافٍ لاكتشاف كوكب آخر وتجهيزه للهجرة إليه إذا ما سئم قاطنوا هذه الحياة من مباهجها التي أمثّلُ أحدها بصفتي شايَ الياسمين. مغلية تحت هذا العالَم بلا انسكاب على الحواف، أو هكذا أُرى من الخارج. آه كم هي الأشياء تبدو.. أشياءً.. عندما يُنظر لها من الخارج. و آهٍ كم هي الأشياء، يورانيوم لا يعرف للأشكال عقيدة إذا ما تهاود معها، يشوه كل شيء، من الداخل، من الأعماق، من الأسطح، من المرئي لللآخرين واللامرئي. كم تمنيت طوال حياتي لو كانت الأشياء هلاماً مقرفاً مثيراً للغثيان بدل كونها مبيدات، محض مبيدات، لظللتُ أتقيأُ اشمئزازاً و أنا ممتنة كلما طفح بي الصبر بلا تعب ولا ضمور.

مثل كفٍ تنشغل بالتضميد بدلاً من التلويح، أمتنّ. كل الذين لوَّحوا في زمني حزانى وقتيين. لا أرغبُ أن يكون المودِّع حزيناً أبدياً. لكنني لا أرغب أيضاً أن يكون منافقاً. لغة الكفوف تحملُ في مخيلتي جمالاً يصل إلى وصفها بلغة نمو العشب في الهواء غير المستقر، مثل تُخمٍ منحدر. أو رائحة عطر تتلفَّت ولا مخلوق.. لا تعلم من أين تسلل كالعبق إلى القلب. صورة حزن سامية. ولا أريد أن أبدو غريبة وأنا أتحدث عن الرقة بعد ذلك العصف. لكنها الحقيقة. أمرٌ يحدث و يغيظ مثلما يغيظك وأنت تتمشى بجوار البحر مرور طفل في السادسة يدخن بشراهة ويبتسم كصعلوك. لا يثير حنقه لعب الأطفال بالطائرات الورقية ولا الآخرون لاعقوا الآيسكريم. بعض تلويحات العدميين الذين وإن شعروا بالحُب إلا أنهم يأبون الاعتراف به هي تلويحات كصولجان.. يؤدي لعبة موت، و في الموت لا يقول المرء مع السلامة. يقول وداعاً ربما، ودائماً الوداعات كالحشرات، منها ما هو فراشة، ومنها ما هو بعوض.

يلحقني منذ الكلمة الأولى سؤال أسود. ما الذي أفعلهُ هنا؟

هل أتسكع في مواقيت التعب مثل طفل يحبو باحثاً عن أمه غير مكترث بما سكبَ من الحليب؟ أم أدخن لفافة سخط لا هواء أنفثها فيه سوى هذه الورقة؟ هل أنني أتسكع دون أن تدركني الأسطر؟ أم أحرث عقلي كمن يحفر في الصخر بلا مطرقة ولا مجرفة ولا أدوات؟ هل ألعب في العتمة لعبة الضال الذي يريد التحدث كيفما اتفق علهُ يجد الضوء كشعرة شمس بين كومة حظ ليلٍ مطحون؟ أم أذهب وأجيء كلعبة بندول وما أنا سوى خدعة جدار معلقة إلى لوحة رسام مجهول وجدها بعض أهل الحي ملقاة في باحة بيت خلفية باعهُ أصحابه قبل عام؟ لستُ أخجل من غبار نسيانٍ يعتليني، ويعتريني. قد يكون الغبار ردائي عندما تعريني النوستالجيا، فأضئ بذات غباري كذرات ذهب خام لم يصل إليها عمال المنجم والصاغة، ولم تمر فوقها قاطرة نقل النفايات إلى أحواش إعادة التدوير. أعترف أن التسكع بعد يوم أشغالٍ طويل يبدو مثل لعب مع حمَامة بيضاء أمام الذهاب إلى بيت لا يستقبلني فيه أحد. الضياع بين جموع المهزومين والمغادرين والواصلين و المتنزهين والمتعجلين والمشغولين والفارغين والأصحاء والسكارى بل والشرفاء والمجرمين، ضياع مجيد أشتريه ببقايا عافيتي. الانسياب في ضمور الوقت و إن كان على وسادة بجوار مدفأة تعالج صقيع هذا الدم المتجمد في العروق أعرف أنه انتحار بطئ لا يُقدِم عليه سوى الجبناء. قد لا ترى بأساً في الخلاص جباناً. لكنني أيضاً لا أرى بأساً في التجلِّي باصطياد الضياع اللجوء، بدلاً من القطن الجِدار. هذه الأحادية أنا، عندما تذكر اسمي افتح قوسين و اكتب ( يقظةً أبدية). عندما تذكر اسمي، تبرأ ولو بالرصاص والدم من قوسين وضع فيهما ( نوماً وقتياً). وإذا مرَّ خطٌ في الأفق، قل هذي رفيقتي عادت من غبارها و احترقت، أو تفتَّحَت.

221

مرحبا،

لقد عدت مجدداً. إلى الهذيان. لا إلى عزيزي هزاع. ولا إلى أحد آخر ولا إلى نفسي. لماذا الآن؟ سأجيب و أعرف أن من سيقع عليه القصد لن يغضب. أريد إصمات الأصوات التي تطلب مني منذ عام و بشكل مستمر لم يتوقف أبداً.. أن أكتب. لم تزعجونني. لكنكم لا تعرفون أنني صمتت طويلاً لأنني أعاني من نزيف لا يتوقف. لا أريد من أي نقطة دم أن تنسكب هنا. لا أرغب بهذا في دفتر المذكرات. رجوت نفسي كثيراً أن تتوقف عن الكتابة كفعل نشر غسيل. و أن تفعل عوضاً عن ذلك انثيالاً حتى إن كان ترنُّحاً كالمجانين. لا أصدق أصلا من يدَّعي أن بالإمكان على عاقلٍ فيما مضى أن يكمل في حياة اليوم بصيغة أخرى غير الجنون. ليس تعمُّداً بل تحولاً تلقائياً لأمثالي. زمرة اللامنتمين إلى قطيع مثقفين ولا إلى سرب حمائم ولا منظومة راقصات باليه. بالمناسبة، هل الاكتئاب سمة للمجنون؟ أم الجنون سمة للمكتئب؟ أم لا علاقة بينهما؟ وجدت على الأقل خمسة عشر مذكرة في عدة دفاتر و قطع مناديل في حقائب عملي كتبتُ فيها اقتباسات و اسماء أشخاص تحدثوا عن الاكتئاب. لا أتذكر مناسبة كتابة شيء من تلك ال notes و أنا بالمناسبة أيضاً لست ممن اعترفوا في ما مضى أنهم من ضحايا و مرضى الاكتئاب. لدي اعتقاد أن ما أعيشه منذ تعرفت على بعض مني الى الآن هو شيء يشبه ليل دائم بلا قمر وهذا ليس اكتئاب. إنه فقط ليل دائم بلا قمر. أو كما قال المحضار في قصيدة:

“خرجت نفسي من قوقعتها، قالت لي أنت تضيع، في لجة النسيان، و مكر التاريخ العجيب. فقدت العنفوان، و غدوت مجرد حطام و هشيم، أنت الآن في مفازة، و الطريق طويل، يمتد عبر رمل ساخن، و ليل بلا قمر. ”

ليس مهماً على كل حال ما إذا كان للاكتئاب صلة بالجنون أم أنه كيان مستقلٌ بنفسه كالمحترمين. لا أدري ما المهم. العقلُ لم يعد مهماً أيضاً. نحن نستخدمه في الوقت المناسب رغماً عنا. قد يكون هذا الضغط الوحيد الذي لا أعترض عليه ولا أفكر بالتذمر منه مهما اشتد و حبس أنفاسي. هو يفعل أصلاً، وأنا استسلم و استجيب. لكنني أميل و أخرج كالممسوسة من النسق ما إن حاد بي العقل إلى ضرورة الاتفاق مع قطيع في فكرة. أولئك الذين أعمل معهم بتناغم و تكافل يمتنُّون لي عليه بصفتي قائدة الفريق، هم أفراد فريق عمل، لا فريق أفكار. هذا النوع الوحيد القابل للتناسق لأنه يُنتج أسرع و يمنحني وقتاً مباركاً لأفكار عشوائية عن استثمار العزلة في حياة فردية بلا فريق. لا أقول أنني لا أسمح لفريقي بطرح الأفكار. نعمل في مهنة لا تتطلب هذه المهارة من الجميع عموماً. بالرغم من ذلك، مستعدة دوماً على قبول فكرة تُنجح العمل شرط أن لا تكون مشتركة. أو على الأقل، لا تتطلب مشاركتي. أجل، أنا لستُ رحِبة بالمعنى السائد. أنفذ حين يتوجب التنفيذ. أقبل حين تخدم فكرتك مريضي و تساهم في تعجيل الشفاء، لكن إما أن تكون فكرتك أو فكرتي. سنعمل سوياً للنجاح. لكن لن نفكر سوياً. أراهن أنك تشعر بثقل في رأسك وأنت تقرأ هذه السطرين. أرأيت لماذا لا أرنو إلى العقل كقاعدة في العيش بل فقط إلى سلاح حماية حين تحين المناسبة؟ لستُ فراشة ولا شمعة ولا شعلة أولمبياد. لا أحب هذه الصور فائقة الملائكية بينما قد أكون فائقة الشيطنة. إن كان لا بد من صورة تأتي إلى الذهن أثناء ذكر اسمي، فقد أصبحتُ مؤخراً شرشفاً أبيض. لسرير طوارئ أو سرير غرفة نوم لا يهم. بالنسبة لي لدي شرشف أبيض في البيت مثلما لدى المستشفيات شراشفها البيض أيضاً. أحب أن أشبه حقيبة قماشية بيضاء أيضاً. من التصميم الكوري. تُقفل بواسطة شريطة ساتان بيضاء. توجد حقائب مطابقة لا محدودة في مواقع الشراء الالكترونية. حصلتّ على واحدة لم تصل بعد. هل تتساءل لماذا أشبه هذه الأشياء البيض؟ بالإمكان قول إجابة بسيطة تشبه اللون الأبيض وهي: أشبه هذه الأشياء فقط لأنني أحبها. لكن سأكون قد كذبت. تقريباً كذبت. ربما حبي لها سبب أيضاً. لكن هناك إجابة صادقة واحدة هي أنَّ روحي أصبحت خاوية مثل لون التلاشي. أقول أن التلاشي faded لونه أبيض. في نقطة بلوغ الذروة يصبح أبيضاً شفاف. يسمى في لهجة أهالي مكة، أبيض موية. أي مثل لون الماء.

يراودني أحياناً بعض شغف مثل اشارة رادار وامضة ضعيفة في عرض المحيط الذي ليس به اتصال بالواقع، ولا بأبراج حماية الأرواح و الحفاظ على الحياة و إنقاذ البشر الخائفين من الغرق. أو الراغبين في النجاة. فأقوم مثلا بقراءة رواية أو الاستماع الى اغنية لأن كلمةً أو نغمة وقعت في نفسي، أعادت إيجادي لشيء مني. في الحقيقة لا أدري إن كنت لا زلت أريد استرجاعي أم أنني قررت بأن الأسلم هو تركي أصارع ما يجري في الليل الأجدب بلا قمر. ذهبت البارحة الى السينما و شاهدت الجوكر. كنت مدفوعة بحبي العريق لواكين فنيكس. لكن شيئاً في قلبي أخبرني أن اليوم مناسب لتدوين مذكرة بواسطة شخص آخر غير يدي و قلمي، و كان آرثر، و كانت يدهُ المرتعشة و خطه المتعرّج تحت أثر عقله المصدوم بعُنف من ظُلم و ظلمات العالم. و كان دفتر مذكراته المهترئ، و القول العظيم الذي لم يكن مختلاً عندما كتبه بل واعياً يقظاً و مختلفاً عن ضباع الأرض : ” إنَّ اسوأ جزء من الإصابة بمرض عقلي هو أن الناس يتوقعون منك أن تتصرف كما لو كنت لست مصاباً به.” خرجت من القاعة و أنا أواسي نفسي بأن المرء إن كان مكروهاً فإن هذه رأفة أكثر من أن يكون مثيراً للشفقة. قبل البارحة بليلتين قرأت رواية غرفة جيوفاني. كدت أهيم في الشوارع رعباً وأنا ألتقط عدداً من التقاطعات بين أفكاري و أفكار ديفيد و كلما أوغلت القراءة زاد عدد التقاطعات. كلا، نزعة الرغبة في الكمال الدفينة بخجل في قاعي السحيق تريد أن أتقاطع ولو بمواربة مع فلسفة جيوفاني. تمعنت فيما يقوله ديفيد و وجدتني أعارضه من حيث نتشابه في بعض التضاريس و الظروف و الحالة. فأنا أيضاً تلفتني الحرية بلا رقابة عندما أكون تحت سماء غريبة غير سماء مدينتي. لا أحد يراقبني ولا عواقب تترتب علي من الذين يعتقدون أن بناء سمعتهم قائم على أفعالي. أقول أن الأمر يلفتني، لكن لا أقول أنني قمت باستغلاله. ربما فعلت لكن ليس كما يتصور و يتخوف أفراد البيت في الوطن. نعم أرغب في التأكيد لنفسي و لهم أنني حافظت على بنائهم العاجي سالماً من الدناءة و خدوش المروءة و نجحت في ذلك بكل الأحوال. تحت سمائنا الوطنية، و سمائي الحرة. لكن، لست أفهم لمَ قال ديفيد أن هذه هي الحقيقة الناصعة لخرابنا. هو يبرر بأنه لا شيء أثقل من الحرية حين يحوزها المرء. لقد فرحتُ هنا. فهذه نقطة اختلاف من حيث تشابه النعمة الممنوحة. لا شيء أكثر خفة كخفة جناح عصفور من الحرية حين يحوزها المرء. هذا بالعموم يا ديفيد. ثم يأتي الاستثناء الذي أفهمك و أوافقك و عايشت كثيراً مما تخوفته في زمني. الحرية حين يحوزها المرء الذي وجد المتعة في الجريمة و الإفساد في الأرض، صوتها ليس كصوت الحرية حين يحوزها المرء الذي يفضل السيطرة على جزء الشر في نفسه الأمارة حتى ولو اقتضى الأمر أن ينتحر على ألاّ يقطف زهرة من غصن. أو يوقظ طيراً نائماً على صغاره في عش. نحن حزب الذين لا مانع لديهم من النوم متأوهين وجعاً بعد ضرب و سرقة قطاع الأزقة لهم اثناء عودتهم من العمل إلى المنزل يا ديفيد. لا نكترث بمبدأ رد الضربة بلكمة ولا رد البذاءة ببصقة ولا رد السرقة بتكسير دراجة خادم زعيم العصابة. نستحق أن نحوز على الحرية كما يحوز المشلول على جناح ليطير. تكمن المشقة الكبرى في أن نقول للحياة نعم. دعني أردد خلفك مثل كورال غير مأخوذ بالحماس، نعم. هذا اتفاق ضمني مع تساؤل جاك الوجوديّْ: لا أحد يبقى في جنة عدن. اتساءل لماذا؟ الحق يقال، لا أحد يعرف قيمة جنة عدنه. لأن كل منا يظن أن شيئاً آخر يحبه هو جنة عدنه ويجهل أنه مخدوع بالضوء الزائف في آخر الطريق الذي ذكرته أنت. لا أعرف لماذا أحدثك و كأنك ستقرأ رأيي. ربما أعتقد أنك لو كنت بيننا الآن ستكون مهتماً بمعجبة من عرض الناس لن تصدق أنها قد قرأت قصتك في رواية. ليس لأن وجهها و شعرها و عينها و ملابسها مختلفين عن المسوَّق له في القصص و الأفلام عن مدمنات القراءة، بل لأنها طبيبة جراحة يستحيل عليها الإعجاب بمن أفصح عن سره الداخلي الدنئ المكوم في جزئه المظلم. لدي أسراري السوداء في نظر القوالب المعروفة أيضاً، لكنني أختلف عنك أنني لا أفصح ولن يحدث أن أفصح عنها ولو على لسان شخص متخيل آخر في قصة موقعة باسم لا يشير لي. يجب أن يكون السر سراً. فاتك ذكاء كان كفيل بالحفاظ على الحد الأدنى من قبولك لنفسك في خلوتك و ووحدتك العارمة أمام النافذة التي تعكس صورتك الغريبة عنك. ذكاء يشبه ستارة مشتراة من محل اقمشة لذوي الدخل المحدود. فعلتُ هذا مع حاجياتي و ها أنا. أستطيع تبرير عيوبي لنفسي على الأقل في الأوقات الحرجة التي يتكاثر فيها بقُّ الأخلاق في الوجوه المقنَّعة. يكفي أن وجهي حقيقي مهما اخطأ و اقترف.

لا أرغب في التحدث إليك أكثر الآن يا ديفيد. أنا مأخوذة ببعض فلسفتك لكنني أتعاطف كما أتقاطع و أتشابه مع جيوفاني في بعض العربدة التي لا تظهر على الواقع عندما أكون برفقة أحد، حتى لو كان مُقرَّباً لمناطقي المظلمة. أودعك وأنا احمل شيئاً قلتَه أشعر بحيرة عدم اتخاذ قرار الموافقة او الاعتراض عليه، أنت تقريبا منقوش في ذاكرتي بسبب قولك أنَّ ” العالم منقسم غالبا بين المجانين الذين يتذكرون و المجانين الذين ينسون. أما الأبطال فهم نادرون.” اتساءل لمَ لم يخطر لك أن المجانين هم الأبطال النادرون؟ و أن العالم منقسم بين حاقد يتذكر لينتقم و مجروح يتذكر لأن دمه لا يتوقف عن الهدر و بين مستهتر ينسى و متعافي نجح في إيجاد سلوان ؟ هؤلاء كلهم عاديون بدرجات متباينة. المجانين هم الأبطال أكانوا يتذكرون أم ينسون.

قيل أن اعظم انتقام هو أن لا تسأل ” لماذا”. يراودني اسم القائل لكنني لا أتذكر بوضوح. و إن تذكرته ربما لن استفد شيئاً سوى التزود بالأسى. أنا لم أعجب في حياتي سوى بالبائسين والمأساويين. و أعرف أن المرء يقع في حب أشباهه. ولا أمانع أن تكون شخصيات مثل مكسيم غوروكي و فرناندو بيسوا و اميل سيوران و فرجينيا وولف من أشباهي، أو أكون أنا شبيهتهم بما أنني أعقُبهم بأجيال لا معدودة. في الحقيقة أشعر بالإساءة لنفسي وأنا اتفوه بكلمات شريرة كهذه حتى على سبيل الرأي. كلمة انتقام اقصد. أنا لست من هؤلاء الناس. لا أعرف كيف يتم فعل هذا الشيء. أنا الفتاة التي تتناول وجبتها الوحيدة في مطاعم الأحياء الرخيصة وسط أغانٍ لا تشبه ذوقي لكنها تفسر حالتي المادية لو كان للحالة المادية لسان تعبر به عما تشعر. إنني أعمل كثيراً و أقرأ و أشاهد أفلاماً و مسلسلات و أكتب بجنون في كل ورقة و منديل و علبة دواء. لا يتبقى في قلبي مكان لمشاعر انتقامية أحملها تجاه أناس قاموا بإيذائي و آخرون يسعون في مناكب الأرض بحثاً عن فرصة حقيقية لا الكترونية، للإيذاء. أما عن عقلي. فإنَّ عقلي يشفق كثيراً على شكل ضحك. يضحك دون صوت. كلما كبرت يوما ازددت لا مبالاة و أدركت أن إحدى وجوه الحُسنى أن لا تبالي. و أدركت أيضاً أن الخجل من البغض والانتقام وإن كان ردة فعل مشروعة، هو درجة عليا من درجات الحياء.

لا أحد يعرفني حين أسير في الممشى. سبعة كيلوات يومية تقصر أحياناً عندما أكون مريضة أو وقتي قصير لكنها لا تزيد. أنا أعرف العديد ممن يجاورونني في التمرين. هذا يشبه الدخول إلى حفلة و التفكير في الحاضرين بدلاً من التفكير في نفسي. بينما الفنان على المسرح ينتظر التصفيق له كلما رفع صوته بنشاز محموم. ربما لم تفهم ماذا أعني. لقد كنت أعني أنني أشعر ببعض الراحة في التمرين. إذ أعرف العديد من المشاة ولا أحد يعرفني. بل لم أثر فضول أحد ليسألني من أكون. سقط أحد المشاة مغشياً عليه مرة إثر انخفاض السكر و كان مثلي عادياً لا يعرفه أحد لكن حين سقط تجمهر عليه العابرون و حاولوا إيقاظه. بالصدفة وصلت حين هموا بالاتصال على الإسعاف و فعلتُ اللازم و اعطيته عصير البرتقال الذي جلبته معي في الحقيبة من البيت. كانت زوجة المريض تشتري قهوة من كشك قريب و وصلت بعدما استيقظ زوجها وسألتني من أكون فاكتفيت بالقول: طبيبة. قالت شكراً و انفض الجمع. شعرت براحة عجيبة لأن الموقف مر دون احتفاء أو مديح لي. ميزة هذه المدينة أن أناسها عمليون. يعرفون جيداً أن من يفعل الواجب لا يستحق الإشادة. حسناً، قد يكون الأمر عكس ما أقول، أو ليس بهذا المعنى المجحف. لكنني صارمة في تفسيره هكذا لأستطيع كبح جماح نفسي التواقة في بعض المواقف إلى سماع كلمة ثناء غير لازمة. هؤلاء المشاة أصحاب الجاه و المال والشهرة الذين يرونني أمشي معهم يوميا على نفس الطريق ويعرفون أنني غريبة عن سربهم لكن لا يأبهون. كم هم رائعون هؤلاء اللامبالون!

أتدري؟

نمت بالأمس دون متاعب. استيقظت متعبة مثل تعب غريق اعياه التمسك بطوق النجاة المطاطي و يوشك ان يختار الموت عوضاً عن الاستمرار في التمسك به مع كل هذا الألم الصاعق في الكتفين و أصابع اليد و تنمُّل القدمين. جاهدت لأتذكر أي شيء حلُمت به و بدد راحتي ولم يخطر ببالي سوى قول أحدهم ” البحر مالح لأن الغرقى ما زالوا يبكون.”

– أكتب هذا المقطع في يوم و أنا في يوم آخر الآن. لا تكذبني إن قلت أجهل ما التاريخ. و إن قلت أنني لا أطيق الذهاب الى الشاشة الرئيسية لأشاهد التاريخ. أجريت خمس عمليات و انتهيت الآن من العمل كاملاً لكنني أشم رائحة الموت حرفياً. لا أجيد وصف التعب عندما يبلغ مني حد الروح كما يفعل الآن. أنا متعبة لآخر ما يذهب اليه التخيل و كفى. لكن أريد أن اكتب. أعود الآن الى البيت بالحافلة وأنا لا ألجأ اليها إلا عندما تثلج الأرض. صديقتي تخشى قيادة السيارة على الثلج. الاحتياطات متينة هنا لهذه الأجواء. لكن لا زلنا نرى و نشاهد حوادث انزلاق سيارات على طرق جليدية. أتذكر الآن أننا في نوفمبر. شهر ولادتي التي بات ذكرها يضحكني. يجدر بالمرء فعلاً أن يخجل في يوم ميلاده. لا أن يحتفل. أنا لا أحتفل. لكنني أخجل من هؤلاء الذين يحتفلون بي و يبعثون الهدايا ويجب أن أشكرهم و أدون اسماءهم لأرد لهم المعروف بهدية مساوية. لم نخلق انبياء. عندما اتذكر آثامي أضحك كثيراً من أن نوفمبر لازال لصيقاً في ذاكرتي بإسم Sweet November. في الأسبوع القادم سيبدأ برنامج علاجي أخضع له سنوياً في نوفمبر. يتطلب البرنامج نوماً في المستشفى. و ربما تخديراً كاملاً لبضعة أيام كما حدث في الثلاث سنوات الأخيرة. لم أتقدم بطلب اجازة بعد. هناك اجازتي السنوية بعد شهر. فقط أشعر أن ثقل الأعباء في نوفمبر قد تخفف قليلاً بفضل المرض! هل أدركت لمَ بت أضحك عوضاً عن البكاء؟ إنه تخفف لا إرادي نادر في حياتي. حيث كل تخفف آخر كان من سعيي و قراراتي الصائبة في اللامبالاة عند المكان الصحيح. التخفف اللا إرادي يحمل ميزة وحيدة تجعلني ممتنة لتسيير الله من حيث لم أبتغِ؛ ميزة عدم خسارة الشعور عند احتياج هذي الروح الممزقة إلى الأنين. حيث الأنين ربحاً على فراش المرض. بينما هذا الأنين نفسه سقوطاً و خسارة شعور بالمقاومة عند التخفف الإرادي الذي أريد من خلاله القول أنني لا أهتم.

أفكر في أنه كم من المؤسف أن يغرق الإنسان اللامنتمي لفصيلة الناس في وحشة الوجود دون فنار يضيء ولو في آخر الطريق. حين يمكن للعين بقليل من التركيز التقاطه ومن ثم الجريان مهما كلف الأمر من الطحن والتكسر للوصول اليه و الاحتماء امام المدفأة المسجاة في غرفة الحارس. الحارس الذي ذهب قبل خمسون عاماً لإنقاذ طفل جرفه النهر الى قرب الفنار. فاختطفته موجة عالية و ظفرَت بكليهما، الحارس والطفل، ملاكين تحت الماء لحماية الأسماك و شقائق النعمان. بدت لي غرفته المكان الأنسب لمستوحِشة مثلي فقدت القدرة على جذب رجل من الإنس فانتمت ولو على سبيل اللجوء مؤقتاً.. إلى دفء نار في فنار ينبض بالحياة من خلال حبل الضوء الذي يبثه بلا انقطاع الى عرض المحيط.

او كما قال وديع سعادة:

” خطوة واحدة..

واحدة فقط،

كان عليه أن يمشيها بعد..

كي يرى.”

لقد استهلكت معرفتي في العد. و طاقتي في العدْو، لم أعد أعرف أي خطوة متبقية لأرى. أتنازل عن كل شيء لأقبض ثمن سبعة و عشرون عاماً من السير وحدي بلا رفيق. حتى و إن كان الثمن نوماً في فراش دافئ بلا كوابيس عوضاً عن شريك أقول له كما قال غسان لمَي: ” إنني أقول لكِ كل شيء لأنني افتقدك. لأنني أكثر من ذلك، تعبتُ من الوقوف دونك.” لم أعد بحاجة إلى امرئ يدخل متاهتي ليخرج منها بعد إصابتي بالافتقاد. يعصرني الوقوف لوحدي في كل المعارك مثل دون كيخوته الذي جعل بقصته كثيراً ممن حولي يظنون أني أحارب طواحين الهواء. كنت أقدم الأدلة على حقيقة معاركي و أشخاصها و ألغامها و أشراكها التي تزيد كلما تجاوزت أحدها ولا تنقص. ثم عندما أرتني الحياة أن طواحين الهواء هم من قدَّمت لهم تلك البراهين. أصبحتُ أشعر بالرثاء على من يفكر أن لذة الكفاح هي ان يكون برفقة شخص يصفق و يقول Keep going. سيتبخر عندما تحين جدواه الشخصية على ضفة أخرى. مع شخص آخر. سيقول كنت مضطراً، و أنت خير من تتفهمين. لقد وقفتُ معك و صفقتُ لك أثناء كفاحك. والآن دورك، صفقي لي بعدما أرحل لأ بني برجي في مكان آخر و أسكن فيه اسماً آخر فنّياً أكثر من اسمك و ظلاً أطول من ظلك.

هناك عديدون يشبهونني في واقعيتي و انعزاليتي و بؤسي إن شاء لك أن تسمي ما أعيشه بؤساً بينما أراه محض مخاض مجهول زمن الخروج من عنق الزجاجة. أولئك العديدون القليلون الوحيدون مثلي. أقول لهم ماقرأته في اقتباس اجهل قائله: ” حين تكونين وحيدة وأكون وحيداً، تعالي نجلس وحيدين معاً.”

إنني أكبُر. وكلما كبرتُ غرقتُ كالوحوش الضارية في عمل يمتص أنايَ حتى يمحيني. غرفة العمليات يصفها الناس بمعمل العظماء المجهولين في الأرض المعروفين في السماء. لكنها تمتصني وتسحبني إلى اسفل التلاشي كما تفعل رمال متحركة في مكان ظنه السائح آمناً لهدنة. فكان أرض الموت. لا أقول هذا تذمراً، و لا انعدام رضا. بل أريد القول أنني بسبب هذا الحتم الذي تقولبتّ فيه لم أعد أشعر ولا أفهم ماذا تعني كلمة ( حُب). لم أعد أبحث عنها. توقفت منذ اكتشفت أنها ليست الزر المناسب لقميصي المقدود. انتشلت الفكرة والحاجة من قلبي منذ تنبَّهت أن الحب لا يبحث عني كما فعلت. ليس لايبحث بل لم يبحث. لم يحدث أن وجدني. الحُب لا يتقاطع مع طريق ساكني غرف العمليات و قاطني غرف التنويم بعد السقوط من الإعياء. ثم أقول و هذا الأهم، أنني أصبحت أبحث عمن يفهمني. يقبلني ككائن يشبه الشجرة السحرية عديمة الملامح صديقة ماليفسنت في مملكة مورس the moors. ( فيلم مالفيسنت). خذ مثلاً، أبحث عن شخص واحد في هذا الكون الفسيح، عندما أبعث له رأياً، أو حتى عاصفة من غضب، في رسالة طويلة. لأنه يرفض التحدث، لا يقول يا إلهي كم أنت خارقة لا تتعبين من كل هذه الكتابة؟! و إن جرؤت على الرد بثلاثة أسطر، يطلب صراحةً أن لا أبعث شيئاً لأنه لايستطيع قراءة رسالة طويلة. حيث أن الأمر مزعج و غثيث. أبحث عمن لا يترك لب الأشياء و يعصف حياتي بقشوره وقشورها. لقد قبلت أن أكون من فصيلة القاع. الغرباء عابري السبيل. لكن هذا لم يعني بأي حال أنني قبلت إهانة لنفسي من أي نوع متداول بين فصيلة المنتشرين في الأرض كالجراد الأصفر. تسطيح عقل بذل قوة عقلين او عدة عقول معاً ليتأقلم مع الحياة كمخاض طويل قرر فيه أن لا يفلت جماح جناحه الشفاف الأكثر حدية في الجرح والقطع من باقي مكوناته الروحية، كي لا يؤذي قدر ما يمنح سلاماً و أمان، هذا التسطيح لعقل كعقلي المشعثر من شدة البذل والطرح، بمثابة جريمة اغتصاب. أقر ان لدي ضحايا يشتمونني من خلفي لأنني تركتهم إثر جرائم إصرارية كهذه في حقي. اشتمني. أنا اشتم كل يوم عدة أشخاص و أشياء. لكن لا تغتصبني. أنا غريبة، بوهيمية، أتطاير أثناء تمرين المشي كفلامنجو أضاع مشيته، أجيء إلى دعوة حفل زفاف شاحبة كالموتى بلا مكياج. أذهب يوما فجائيا في السنة الى العمل بمكياج كالمجانين. أتناثر كحبر مسكوب حين اكتب، أي أنني لا أكتب. قد يكون هذا أي شيء عدا كتابة. أقبل كل هذا، لكنني لست سخيفة ولا من زمرة الصعاليك. إن لم يكن على الكوكب سوى أمثالك. فأنا فتاة المدفأة في غرفة الحارس بعليّة الفنار، و أكتفي.

يا عزيزي المهزوم في رحلة تشبه رحلتي، البحث عمن يفهم.

لقد قربتنا الهزائم.

و لو قدِّرَ لي أن انظر إليك في نزعي الأخير،

لقلتُ لك أنني حتى أنا،

رفيقة الوحشة و الليل الذي بلا قمر،

لم أكن لأفهم من حاجتك،

سوى أن تبحث عن قمر،

بينما أنا، كان يعوزني دوماً..

ضياء القمر.


أشعار.

قطة القرية لا تبحث عن سمكة السردين

4c631ac0d25750f43e721a6caafd7786

جسرٌ بتّرته بكاءات القلقين و الخائفين، ثم جسرٌ فرحت القرية حين زف لهم مجنونهم أن البلدية أعلنت عن التفكير في تشييده. توقف عند مرحلة التخطيط ، عرقلته قلة حيلة المفكرين في أسباب ما يحدث رغم أن الحال من الخارج يوحي بالكمال. حدث ان اكتشف الأولاد أن كل شيء في الحياة حر كذرة هيدروجين. قرروا أن الحرية هي التحرر من كل مبالاة بأي شيء، وأن من يتفلسف عن ضرورة الحفاظ على تراث يجعل من الشيء حصناً حين يغزو العمالقة سور القرية، هو محض منافق يريد أن يسلبهم حقاً بأن يكونوا غوغائيين لأن الحياة صوت ضاجٌ بما تفتعله الأرواح و آلاتها لا أكثر، وهو الوصف الذي يؤطره كبار القرية العاقلين بالفساد، وآخرون يرادفونهم بالقول أنه العالَم الآيل للانهيار. يتفق الجميع أن الحفاظ على القرية هدف أسمى يجب التحرك انطلاقاً منه كما تنطلق هليكوبتر من مهبط على سطح ناطحة سحاب. أي أن تكون الانطلاقة بعيداً عن عين من يقطن أسفل السافلين. المتواضعون في أحلامهم، أصحاب قضية الخبز و المأوى و كفى. هؤلاء أمام أصحاب قضية الرؤوس النووية و الجسور الجوية و المعابر النهرية و أنفاق مناجم الفحم والغاز، قضايا في قضية شكواها و بغيتها الوحيدة هي كيف تصبح مدير العالم بلا نائب ولا وريث. ينبغي عليك زراعة جناحين خلف ظهرك كي تكون ساحراً بهي الطلعة مهيوب الحضور حين تعلن أن الحفاظ على الأرض هو الرسالة التي كلَّفت بتوصيلها و تعمل بكل قوتك على إيصال كل سطر منها إلى المرسلة إليه دون تمزيق شيء من الورقة في الطريق. يحدث أن تصل الرسائل مثل هذه إلى أهالي القرية قبل أن تُكتب! هذا الوضوح في الخطوات ما يجعل الخبازين و المزارعين ومعلمي المدارس و مساعدي التمريض في مستوصف القرية يقلقون لدرجة الخوف من سوءٍ سيحدث، و إذ يحدث.. مثل جسر ناتئ في جسد الطبيعة منعهُ خيرٌ هو حب الله، أو ما سمي دوماً في قانون الفوقيين بأريد ولا أريد، و ليس تريد أو نريد. يخترقني وأنا أتواسى هكذا قول وديع صاحب السعادة ” لا تقل إنك مستعجل، و صائبٌ تماماً كالطلقة../ ساعدني قليلاً، للاستلقاء على هذا الرصيف، ومنع العبور إلى تلك البقعة، ساعدني فقط، لكي يمر الهواء.”

عملية خفة. هذا كل ما تحتاجه روح ظل قصير. في الحقيقة هو عند اقرانه طويلٌ و فارع السمعة كنخلٍ ذي طلع نضيد، إلا أن الأمور لا تسير هكذا في شارع الصخب والعنف و العين البصيرة والكلمة القصيرة. شقيقة المعلِّم المغتربة في بلاد على مسيرة كوكب و قمرين، في كل مساء تعد الجدران و الأحذية و كم تفاحة و برتقالة وعلبة حليب و حبة بسكويت تبقت في الثلاجة. إنها تمعن في اجراء الخفة على ما تصل إليه يدها و كَلِمتها حين تقرر أن هذا لازم التواجد هنا و هذا يجب رميه إلى حاوية الشارع المجاور.. أي إلى طريق بلا رجعة. تستعيدها عنوستها بفضل كلمة أخيها الطولى في رفض جميع الرجال و تتدلى من حافة السرير كمن يُدلي حبلاً إلى بئر لإنقاذ ما تبقى من الروح. تظن أنها تستعيد روحها من حفرة تختلف عن الحفر التي يقع فيها الآخرين على غفلة. إذ تم حفر الهاوية لها أمام حياتها مُذ كانت ترى. اختارت ان تعيش عدَّادة بعد أن ماتت فرص نجاة النور الذي كان في قلبها. تعُد ما تبقى لها من كل شيء، من أي شيء، و تتخفف كمن يتبرع بممتلكاته للمستحقين لأن رائحة الموت تسللت إليه وبات يعرف أنه سيغادر في وقتٍ يظن ذويه أنه بخير. مثل هذه الفارعة في الجهاد على جبهة شخصية تتبرع للبحر والشارع وحاوية النفايات و كلاب الأزقة الخلفية لأن هذه قيمة ما سُمح لها بأن يكون طوع يدها إلى أن تغرب عن وجه الخاسئين. و مثلها صديق كاتب المحتوى في مجلة الشعب الممنوعة من النشر ورقياً. عرفت أن اسمه عبدالقوي. سخرية الخطأ الذي مزق خطة الإحراج. كانت النظرية بين الصديقين: لنضع حقيقتهم في وجوههم كي نوقعهم في حرَج يشمت عليه جيران الكواكب والقبور، في كل مرة أجبرتهم التهديدات على التراجع كانوا يبررون الأمر بمحاولة خاطئة سنباغتها بصوت جديد من مكان غير متوقع. كان الجميع يعرف كاتب المحتوى بالرجل ذي الأفكار الإبداعية. وعندما يحيل الفضل إلى صديقه مؤسس المجلة ترتفع صيحات التشجيع قائلةً أنه الظل الطويل لمن زرع البذرة الأولى في حقل مفخخ بالألغام بدلاً من السنابل، إذ أنَّ الحقل يقع في منتصف القرية، حيث تحيطه أكواخ الأهالي من كل صوب.

في فطرة القرية يحب الناس بعضهم. تتقارب أرواحهم كلما تقاربت خطواتهم الفوضوية أثناء الركض إلى الأشياء في الشوارع. يشبهون الغمام وهو يلون الزرقة بنقاءٍ أبيض إن لم يشي بمَطر، وشى بنفحة لُطف من الرحمن. ستبحث كثيراً بين جموع السائرين في القرى و جموح العابرين إلى حُمرة الغوايات عن لسانٍ واحد لا يضجر من نفسه و منك حين ينطق كلمة فِطرة، هذا إن تذكَّر ماذا تعني، وهل هل وجود في القاموس أم اخترعها من لم تكفهم مفردات اللغة مثلما اخترعوا كلمة “ثقافة” وهي غير منتمية إلى لغة هذا المكتوب. مثل امتنانٍ لم يصل إلى صاحب الفضل أحملُ حديث صلاح الحيثاني حين كتب “كان وحيداً، كجهة تغيب عن المكان، وتتفقد طريقها إليه. تأمل.. و أراد أن يقول شيئاً، فسكَت المكان، و أصغى هو.” بيْدَ أن المكان في أحوال القرية لا يسكُت. يثور كما ثيران الساقية التي عطَّلتها عجلة التنمية منذ وقتٍ بعيد. يتبجح كما مرتزقين يرفعون شكاوى التخوين على المشغولين في كسب أقواتٍ قليلة كما تحارب سفينة القراصنة مركِب صياد السمك. ويصغي النائحين على أطلالهم الباقي من روحها شيء ينفع أن يُنقذ لو انتبه إلى عِرق الحياة فيه أحد، يصغون في أسوأ ذكرياتهم كمن يصلي في مسجد تم تفجير مآذِنه، ولم يعد يرتفع فيه صوت الأذان جهوراً بل خجولا. أما في أحسن حالاتهم، أولئك المصغين.. فإنهم يبكون بترنُّم يشبه تمزق فيروز وهي تغني ” بتذكر أخر سهره سهرتا عنا؟ بتذكر كان في واحدة مضايق منا؟ .. هيدي أمي، بتعتل همي.. منك إنتا.. ملا إنتا. ../ كيفك قال و عم بيقولو صار عندك ولاد، أنا و الله كنت مفكرتك براة البلاد.”

أن تستفيق على صوت النسَّاجين في الأكواخ و بائعي البخور و المساويك في السوق الشعبي و تشعر أنه حقاً صباحُ الخير فتباغتك أخبار نِسَب البطالة وفي صفحةٍ أخرى خبر بحجم دبابة عن برامج توظيف جديدة ستقضي على كل ما يسمى شخصٌ نائم على سيرته الذاتية الحافلة بالعِلم بلا عمل. تتباطأ ضربات قلبك ويعتريك حزن مشوبٌ بخيبة أمل في من أثبتوا أنهم سادة باب الكذب العالي. كنت تواسي نفسك بأن البقاء في البيت و كسب الرزق من خدمة الآخرين الكسالى في انجاز شؤونهم الشخصية هو عطاء أقدار يجب أن يُشكَر بعبارة انظر إلى ما تم اعطاؤنا إياه لا إلى ما تم أخذهُ منا. تقاطعك دوماً أفكار هي في الحقيقة أحداث مهمتها الوحيدة إيصال ما يغزوك من تفكير بأن الخطأ هو الصواب لأنه الواقع الذي يجب أن تتعايش معه بدلاً من النزوح إلى مصحَّة الوهم و تخيلات بلاد الصلاح الخيرية. تتساءل ما الذي كان سيخسره أصحاب هذه الأفكار لو تقمصوا ثوب جنيَّة التوت التي تسحَر الألباب بحلوُ كلامها و جاذبية وعودها التي و إن لم توفى، فقد أوقعَت في القلب وقوداً يدفئ حجرة الأمل الخاوية على عروشها كعَراء بلا ضوء قمر. تدرك جيداً ما الفرق بين الكذب الفج و الإيهام الخلاب. لذلك تتساءل برعونة من سرقَ منه سطلُ السمك و شبكة الصيد. تقول، برغم وضوح الأجوبة و حشد المنتظرين عيداً. جاءت أعياد آخرين لم يصوموا ليستحقوها، ولم يأتي عيدنا نحن اللذين أسرفنا في الصوم عمّا حرَّمتهُ السلطة و ردده الكورال بثمن باهظ رغم النشاز.

العمر أقصر مما يكفي للشعور بالملل من التحمل و اليأس من طول حدوث لا شيء كلما تفاقم التعب أو تضاءل أو حتى حلت محله استراحة مسافر يتفادى أن تترجمهُ الأقدار إلى عابر سبيل. عندما تفعل شيئاً يتطلب الانتظار لجمع المحصول، يعتريك شعور متطاول البصر في سيماء أبدية. هل تعرف هذا المشهد؟ التحديق في المحيط الهادي بعد منتصف الليل؟ التمعن في سواد الماء الحالك بحثاً عن لمعة نجمٍ غارق تستطيع الاستيلاء عليه؟ ثم الشعور بدُواخٍ حاد إما يسقطك في المحيط بلا هوادة أو يمنح غريزة حب الحياة فيك فرصة التقيؤ و السقوط على بطن القارب المسكين. عندما مررتُ بهذه الحالة يوماً ، أو لأكن صادقة، أكثر من يوم، أعني أكثر من مرة، أسميتها بحالة الاغتراب الشقي. لم أكُن أنا الشقية بل كان اغترابي، لأنه ذهب دون اختياري إلى محلاتٍ ضالة. تفصح لوحاتها عن شيء و ترى في مكونات أرففها شيئاً آخر لا يمكن الكتابة عنه! أما أنت فربما تشعر أنك مثل مركب مشيد على مناكب ناطحة سحاب ليس بها نوافذ ولا شرُفات.

في القرية نويت الرحيل يوماً، فعاودني الظمأ إلى حرث حياة كريمة فيها و كأن لسان ترابها يؤنبني. حدَّثتُ خياطة القرية عن هواجسي فأخبرتي أن التراب كان يحذرني. تراب الطيبين الأشقياء بكدحهم ليس مثل تراب الطيبين أيضاً لكن القاطنين في حاضرة الشمال. هناك حيث لا أحد يميز الطيب من الخبيث سوى الأسلاف الذين دونوا ما لحقوا عليه من تاريخ بعض الحقائق، و هناك حيث المواقف لا تكشف ما يسمى بالمعادن البشرية كما يجب، إذ تندلع هنالك ثورة اسمها مونتاج الحياة.

في ليلة بعيدة عن ليالي الوعي و التفكير في بشاعة الأشرار وكيف يمكن ايجاد حل يوضع قيد التنفيذ دور المرور على بيروقراطية و ديكتاتورية السلُطات ، استودعتُ قوت عُمري في تربة الحقل المجاور لبيتنا. منذ شهور لم نعد نعرف إن كان الحقل قد بيع من قِبل صاحبهِ أم تم اختطافه منه بالقوة. اختفى السيد غريب فجأة مثلما جاء و استوطن القرية فجأة كما قال المختار. قطته ترفض النوم على عتبة باب بيته كما كانت طوال سنوات وجوده. أصبحَت تتسكع في كل مكان و لمحتها مرتين متسخة و مصابة بجروح. أردت مساعدتها فتوحشّت. عرفتُ أن هناك قطاع طرق ضربوها و حاولوا تعذيبها أو ربما نجحوا في تعذيبها و هربت منهم قبل أن يدركها القتل.

كنت قد نويت كما قلت، ثم بعد ذلك، اتخذت بالنأي عن القرية. و النأي ليس هجراً، بل نحيبٌ لا يُسمع و انحياز لحق استراحة محارب أثناء الحرب. يستحق من سلاحهُ في الحرب الصبر و الرفعة اجازةً مدفوعة الأجر أكثر من المتسلح بالرصاص ولا شيء غير الرصاص. ثم وجدت أن في الزوايا اطمئنانٌ يشبه هدوء الخالي من العشق. إحدى الزوايا أن تتكلم بلسان قطة أو فأر حقل. زاوية الذي يُدرك أين الحل ولا يبالي. لا لأنه ضعيفٌ بمفهوم لا يُمكن إنكاره و ان احتوى على الذل، بل لأنه في عالَم ديزني الملئ بحكايا الطيبين الآمنين، كائنٌ خصص له مكان بعيد في بلَّورة النبلاء الذين سيصلون إلى قصورهم يوماً إن ساروا على درب الشظايا و الورود على حدٍ سواء.. بأقصى ما يستطيعون من الهدوء، الجَمال، و عدم الأذى.

صالح اليامي

مرحباً صالح،

كيف حالك اليوم؟ هل قابلت أخي عماد في الجنة؟ ماذا تحدثتما عني؟ ألم تشتاقا إلى رؤيتي بعد؟ أنت تعرف أنني مصابة بـ insomnia لذلك كنت أتطلع إلى زيارة من أحدكما لي في إحدى مناماتي التي أخضع إليها مرة كل أسبوع تحت تأثير البنادول نايت. هل أخبرك سراً وضيعاً؟ هو ليس بنادول نايت، لكنني لا أستطيع ذكر اسمه الآن. زُرني مرةً و سأشاركك إياه إن كنت تشكو مثل أرقي. لكن هذا غير معقول. في الجنة لا يستطيع المرء النوم أصلاً. تبلغ السعادة منتهاها في النعيم حتى أنه لا تعود هنالك حاجة للنوم، إذ ليس في الصباح عمل يجب الذهاب إليه ولا بعد الظهيرة مناقشة معقدة مع المينتور ولا بعد المغرب مراجع للأبحاث يجب أن توثق بالشكل الصحيح من المكتبة. كما أن المساء عندكم لا يفرِق عن بهجة الصباح في شيء. و هو ليس ليلاً للسبات مثل عندنا. أنا الليل عندي إما لمشاهدة حلقة من مسلسلاتي المفضلة أو لكتابة رسائل ذهب من ظننته يحبها بعد أن قال أكرهكِ و أكره رسائلك الطويلة فاغربي عن حياتي. أنتم الليل عندكم متوحد مع النهار. يتمايزان فقط بانتقالات متناغمة من نعيم إلى نعيم لا تمل العين من رؤيته ولا الأذن من سماع أصوات ملائكته ولا القلب الذي هنئ أخيراً على خبيئة الخير التي بينه و بين الله حيث كوفئ عليها بهذا الفردوس. أحاول دوماً أن أخبئ مثل خبيئتكم، لكن يبدو أن أخطائي أكثر أو ربما أكبر، من أن تغفَر لكي يأتي القطار الذي انتظر يومياً وقوفه لاصطحابي، هو أصلاً، لم يمر من هذه المحطة بعد. و عليه، ها أنا يا صديقي أقطع الطرقات إلى حيث أسعى كل يوم مشياً على قدماي التي أصابها مبكراً جفاف و شقوق. و أتعب، أتعب كثيراً و ألهث بهلاك حتى بعد استراحة، لأنني أتذكر آخر ما قلته لي قبل أن ترحل إلى السماء ” تراني معك وجودياً بمعركتك.” لم يكن هنالك من رافقني قبلك يا صالح، ولا بعدك. لا وجودياً، ولا هلامياً ولا هيولياً ولا أي شيء. لم يقف على مناكب رأسي سوى عناكب غرني لون خيوطها الذهبية فظننتها نجوم. أسرفتُ عليها من لمعة عيْني كلما خفتت لمعَتها في خريف الزمن والمكان. كانت طوال سنوات تتظاهر بما ظننتها. حتى قويَت خيوطها فانقضَّت و أوقعَت جرَّة الإكليل من قلبي. أخبرني كيف أكون آسفةً إليك؟ ضلّلتني أنياب الوِحدة التي تعمي عقلي عن التبصر والحذر كلما انغرسَت في احتياجي إلى صوتٍ يحدثني. خادعني العنكبوت ومثًّل دور الظل الطويل بمهارة آل باتشينو و ذئبُ البراري. طال زمن اكتشاف الحقيقة. لقد كان العنكبوت ضارياً لكنه كسول. استغرق من الوقت سنوات كلها سُرقَت من عمري، صبرتُ وأنا ظانة أن هناك حقلاً من ثمار النجوم سأقص شريطه مع الظل الطويل، صاحب الصوت الأنيق، و القلم البرونز المرصع بشمس منتصف صيف. كل شيء كان يتراقص أمامي مثل أعجوبة من بلاد بعيدة المنال على الآخرين. اختصتني مدينتها الوحيدة لأكون قاطنتها الحبيبة التي لا شريك لها سوى حاكِمها الوسيم. لم تكن أول انقضاضة ولا العضَّة الوحيدة مما ظننتهُ ثمن الإعجاز. كنت أخاتل ذكائي وأقول لا بد أنها كوابيس تسببت بها مشقة السفر حتى الوصول. لكنني كنت في كل مرة أتفاقم وهناً على وهن، أتضاءل قوةً على رتق تمزقاتي التي تتسع بعد كل فاجعة غريبة المصدر، وبالتالي مجهولة السبب. حتى كانت الانقضاضة الأخيرة التي أصابت إدراكي في مقتل و مزقته إرباً عندما حاربتُ خيوطها لأتحرر. أيقنت أن هذا عقاب معقول على البلاهة. قصاصاً عادلاً على سهوي عنك. كيف ظننتُ أن هنالك رفيقاً يشبهك يا جسر الليلك المنثور ما بيني و بين هدأة الليل؟ اليوم أكتب إليك لأطمئنك أنني اعتدت المسير في الطرقات المكسورة. حتى أنني أحياناً أمشي حافية. ليس زهداً، بل رغبةً في التلامس مع طين الأرض كنوع من التنقية و الاستشفاء. أو بالتوازي مع مشهد استنشاق الهواء العليل بعد يوم حافل بحَرثٍ وصل إلى جذور قسمة القوت المقدَّر و قطفها بعَرقٍ مجيد. لقد قمتُ بامتداح الوِحدة كثيراً وبلا رحمة لنفسي في كل يومٍ خاوٍ من صوت إنسيٍ قريب، لكنني دوماً اعترفتُ وأنا أدخل إلى الفِراش بعد كل منتصف ليل أنني اتألم و أحتاج. ليس بالضرورة أنَّ تميز الشيء يعني خلوَّهُ من الشوك. اكتشفتُ أنني احببتُ الحرية التي تحشو بطن الوِحدة مثل كتلة قطنٍ لم يبقع بياضهُ جرح. من أين تأتي الجروح إن كان المدى بلا روحيْن ؟ ثم ما إن يحل الصباح و أخطو نحو العبور حتى تغزّني الصبارة التي غرسَت نفسها ونمى جلدها المشوَّك على حافة المحارة. تعلمتُ القفز منذ تطاول الشوك و كثُر لأستطيع تجاوزه في بعض الصباحات بسلامة جيدة من الوخزات. على كل حال لا تحمل همي وأنت في عليائك الطاهرة من الدنيا بأسْرها يا رفيقي في معركتي وجودياً. فأنت برغم كل محاولات التغيب موجود. الصدقُ في رغبة التواجد يساوي بكل المقاييس كينونة الوجود بكامل ثقلهِ و جاذبيته و قوامه. لستُ وحيدة و محّارتنا المشتركَة ليست مزويةً على طرف الشاطئ من بعيد. على العكس تماماً. نحن في وسط الزحام. بين كل صخب عمَّال الإنتاج الملولين من أعمالهم و عُنف المسؤولين عن ترويض عنادهم. ربما شغفنا إلى تلاقي العيون هو ما يوهمنا أن كلاً منا يسير في نعيمٍ مفصول. لقد استهلك الركيكون صفة النقاء كثيراً حتى باتت منفرة حين وضعها في أي سياق يا صالح. لكنني لن استسلم لما فعلوه و شوَّهوه. سأتمسك بما يصف لك شعوري و امتناني و أقول أن نعيمنا لا زال واحداً برغم ذهابك إلى رحلة. أتفهّم تقدمك. سبقتني في مشوار قطف القوت قبل أن نتعارف لأنك كنت تفكر مثلي وأنت بلا رفيق. تفكر أن حقك على نفسك أن تكون نفْسين. أنت و حلمك مثلاً. أنت وشغفك، أنت و كوب قهوتك، أنت و سيارتك التي أكرهها. أنت و أغنيتك المفضلة. المهم أن لا تصدّّق بأنك وحيد و تخبو قوتك فلا تلحق بموسم الحصاد الذي يحتفل فيه جميع الفلاحين. لكننا كنا سوياً بعد ذاك. نعيمنا المصطبغ بلون نقاءٍ واحد من نفس الزجاجة، و النقاء هو الجين الذي لا يتبدل مهما غاصت أقدامنا في رمالٍ متحركة جرفَتنا إليها حيرة سوء اجواء اعترضت فضاءنا فجأة. و ما يحدُث في حال الفجأة لا يُحكم عليهِ من نفسٍ تتنفسُ حُباً و نقاء.

تحياتي يا رفيق المعركة.

  • صالح اليامي.

صديقي و رفيق سنوات طويلة بتفاصيل جميلة كاحتفالٍ بشيء جميل غير منقطع. يكبرني بسنوات لم تسعفنا الأحاديث الشيقة أن نقاطع استرسالنا مرة و نتساءل عنها. لم نتطرق إلى أعمارنا قط. أنهى صالح دراسته في كندا قبلي و عاد إلى الوطن. استرده الله إليه في 2014 إثر حادث سيارة. الصورة أدناه هي آخر رسالة منه لي. الرسالة الأغلى على الإطلاق من بين جميع رسائل الأرواح في حياتي. لم يحدث أن جرحني صالح في حياته ولا مرة. لم يحدث أن ضايقني مهما انفعلتُ من تفاهات الأمور. كان دوماً يردد نفس عبارته الأخيرة بأساليب طريفة و جميلة كثيرة. مثلاً قال مرة: ” أنا اللوَز اللي ما شلتيها من حلقك للحين! ولو شلتيها وانا مدري فتراني بنكرياسك اللي يعطيك انسولين عشان تظلين زينة وما نشوف شينك يا المتحلطمة من اقل شي. ” طوبى لصالح، كل من وعدوني بأنهم رفقاء كفاح غدروا بي في مفترق الطرق و حملوا أمتعتهم وما ذاب فيها من متاعي، و رحلوا. عدا صالح. حرِصَ أن تكون كلمته الأخيرة أثراً يشبه ملاك رحمة ، و رحل. قطعةٌ من قلبي غادرت مع صالح. لستُ اتأسَّى عليها. هي معه في مكانٍ آمن. يشبهُ قلبه الذي صان رفقتنا بأمانةٍ و أمان.

اللهم خلوداً في الفردوس الأعلى لصالح مع الأنبياء و الصالحين.

017sNQcV

على سبيل الإحياء

large (32)

قررت أن أنسى، و لذلك ها أنا أكتب. أن تكون سجيناً للوقت يعني أن تبدد كل متعك و تبقي دوماً على أمتعتك مطوية بعناية في الخزانة، لأنك لا تتوقع شيئاً غير ما رتبت لحدوثه احتمالياً أو بالتأكيد. كنت أخرج عن زمني و أعاقب مجريات زماني التي أجدها أنصفتك عندما أنظر من بعيد. الخروج من الزمن يعني الدخول إلى لا شيء. المجهول يوازي اللاشيء في عدميته. أنت تريد أن تذهب إلى مستقرٍ هانئ واضح الوجه لأن الحاضر مليء بالغيم الذي يضلل الرؤية و يضِل التركيز فيما يحدث بشكلٍ وحشيّْ. المجهول ليس رهن سبابتك، ولا طوع غرامك الغارق في تفسير الأحداث كإشارات على ما سيحدث و هذا ما جعلك تتهم شخصك الوحيد الذي قلت دوماً أنه فردوسك المنشود بأن كل شيء سيء حدث في حياتك منذ عرفته هو سببه، بالرغم من أن فردوسك ذاك هو الحقيقة الخيِّرة البلهاء الوحيدة في كل شر حدث. المستقبل مجهول، و المجهول ليس ما تفسره ولا ما تظنه ولا ما يمنحك دليلاً قاطعاً على أنَّ ما تثق في كونهِ الحقيقة هو الحقيقة فعلاً. يبدو مثيراً للجنون أن يبقى المرء في داخل زمنه فيتحول إلى شوكة ساعة وظيفتها الوحيدة الدوران حول نفسها إلى أن تفنى في شيء لم يذكره التاريخ ولم تتوصل إليه الفيزياء، لكن هناك من يفكر بأن الجنون أقل جرماً ذاتياً من الإنتحـار من خلال السفر إلى بلاد الصفر. حيث الزمن ليس مختلفاً عن طريقة زمننا، بل هو بالأصل غير موجود. لأنه مستقبل، شيء لم يحدث بعد.

في حين يظن سيوران أن في داخل كل إنسان نبي نائم، عندما يستيقظ يزداد الشر قليلاً في العالم، أظن أنا أن في داخل كل إنسان شيطان ثائر، عندما يغفو يقل الشر قليلاً في العالم.. وما نلبث أن نقتله بسرعة لتعود السيادة إلى السيد شر كما سادت منذ بدء الأكوان. هناك من يضيّع وقته في ادعاء البراءة مما يفعله الشيطان من عبث في عقله كما يعبث القمل في بصيلات الشعر ويحول الفروة إلى قمامة لا تفنى إلا بالكيماويات. من يفكر في أنه برئ من كل قتل يحدث في زمنه فقط لأنه ليس في ساحة المعركة ولا من ذوي أطراف الحرب الأهلية هو شخص ليس مسكيناً، بل يستحق التبخر كدخان، دخان أسود. دخان مصانع وظيفتها الوحيدة عندما تُنشأ داخل المدن هي تسميم رئة المقيمين. البراءة في عالم تتسيد فيه الشياطين محض افتراء يظن الأغبياء أنه ساذج. عدم القتل ليس براءة. عدم التحريض على القتل ليس براءة. عدم الحياة في كوكب يتسيد فيه القتل هو البراءة. التحريض على الانتحار هو أيضاً ليس براءة، لست أحرضك ولا أحثك على فناء لن يخفف وزنك الذي كان أخف من وزن حبة فاصوليا لولا أنك عشت. العيش بخير بينما الدماء و الدموع و صراخ المسلوبين يعلو في كل مكان.. جريمة سمينة تجعل من الانتحار للتخلص من ضغطها بطولة بلا بطل. تجعل من الروح التي تفني نفسها بنفسها فقاعة صابون. لا يهم، أعرف جيداً أن من يريد الرحيل لن يهتم بما يعتقده الماكث فيه، لكنني أعرف بيقين غالب على المعرفة، أننا إن سكنَّا اللغة بدلاً من البلاد، سنكون من أولئك الذي غفوا لكي يقل الشر قليلاً في العالم. و هكذا.. بواسطة اللغة لا الواقع ولا ما يحدث في البلاد، أتفق أننا أبرياء من حيث سعينا إلى تلوين ادعائِنا هذا بما تتفق الأرواح بكافة آصالِها، على تسميته بالجَمال.

لست أهدِف في هذه الكتابة إلى اطفاء النور في عينك. جعبتي لا تحتوي لوناً أسوداً في هذه الأثناء. إنني أكتب فقط ما كان ينبغي أن أذكِّرك به لأن مكاني و مكانك في الأعالي، أعالي اللغة.. بعيداً عن قيعان الشياطين، ليس مكاناً تحفهُ الملائكة. ولا مداراً تدور حوله الشمس. إنَّ مصائرنا محطمة مثلنا مثل أولئك الذين قُتِلوا في المعتقلات و على سفوح الحرية من حيث ظنُّوا أنهم حمائم سلام سيُحتفى بهم في بلاط السلاطين عندما يغردوا بأهازيجها دون صراخ ولا أيضاً.. همهمة، حيث يشك المرء أنها نميمة حاقدين. ما يجعلنا بنّائين في كهوفنا العُلويَّـة هو أننا نتبادل الحُب بدلاً من الكراهية. نوقن، أقصد يوقنون و أنت منهم، فأنا لا أوقن مثلكم، أن الحُب محض كذبةٍ صرفة، و أنه أعظم كذبة صدَّقتها البشريـة، لا لأن الإدمان على كل ما يخدِّر مرغوب. المخدرات عموماً مرغوبة. يركض المرء دون أن يشعر نحو أي شيء يخدر عقله و يبعث في قلبه النشوة كفاقد الوعي و هو يقظان. من يركضون إلى القراءة و الانزواء بين الكتب هم من هؤلاء المغررين بأنفسهم. من يركضون مثلي إلى غرفة العمليات و اجراء جراحة تلو أخرى إلى أن يفقدون الوعي هم أيضاً من هؤلاء المدمنين. كل تفضيل لما يخدر العقل و يصرفه عن واقع نحن ضلعٌ فيه شئنا أم كرِهنا، هو إدمان. كان الحب على مر العصور أقسى ما وُجد من المخدرات. و كان الإدمان عليه هو الشكل الأكثر وحشية، لأن ما يسببه من عذاب و ألم ليس له منافس ولا مثيل. الحب يبني من حيث يدمر. قارن بينه و بين ما يفعله البغض من نهش و تضييع لتعرف كم أننا رائعون لأننا نبني بواسطة ما يهدِم، لا بواسطة ما ينهش. الهدم ليس كفِعل النهش. هاقد قام صديقنا بهدم دكَّانه ليبني عيادةً خيرية. التفريق بين الشيء و طريقة استخدامه هو نفسه الفرق بين الذكاء و الغباء. دعنا من نمطية الأسماء فهذه لا حيلة لنا في تغييرها، قد خلِقت بأسمائها مثلما خلِقنا بأسماء لم نعد نجد من ينادينا بها قدر ما يتكاثر الذين ينادوننا بنعوتٍ قبِلناها ظناً أنها أسمى مم اختاره آباؤنا لنا. إنَّ الطريق الذي نسمح لظنوننا أن تسير فيه هو ما يجعل من الأشياء قيّمة أو مبتذلة. حتماً إنَّ السير في الحي اللاتيني ليس كالسير في زقاق كاتارينا في ريو دي جانيرو.

و لكن هل تساءلت يوماً أثناء قراءة شيء من هذا الهراء الذي أكتبه كله، ما إذا كان شيء في داخلك يتغير بعد الخروج من هنا؟ إن كان هنالك شيء في الداخل يتحرك، فأنت من الذين يظن سيوران أن نبياً ينام في أفئدتهم. عندما اقرأ لنفسي أذهب إلى المطبخ و أحدق في طقم السكاكين. ليس لأن ما أقوله مملاً أو تافهاً، فهذا أنت من يحكم عليه. لكن المشكلة تحدث في بعض اللحظات أثناء الاستغراق في الكتابة، إنها التفكير في ارضاء الآخرين. يبدو فعل هذا عمل طيب من سلالة النبلاء. إذ أن جعل الآخرين سعداء وهم يتحدثون معنا أو إلينا هو شيء أسمِّه إعجازاً متداول. النقطة السوداء في هذا الإعجاز هي أنه يعكس شعوراً لا فكرة. الشعور يحول المرء إلى ممتلكات لغيرهِ بينما الفكرة تبقيه سيِّد نفسه وما عليها. و لذلك فأنا إن كنت قد لاحظت مرة، لا أكتب أبداً عن الجنس. إنني رفيقة سيوران في قوله أن الحديث عن الجنس يفسِد قداسته. المكان الحميم الذي يستيقظ فيه الحب استيقاظ طاؤوس لا آدميّْ، هو مكان مقدس بالعموم، لا ينبغِ الحديث عنه كما الحديث عن حديقة و مقهى و غرفة ضيوف في البيت. لذلك أيضاً، لم أتحدث من قبل أبداً.. عن الكتب التي أحتفظ بها في غرفة نومي، و كل كتاب تحدثت عنه فيما مضى كان مكانه الدائم في صندوق كتب يستقر في المدخل القصير إلى غرفتي. إنني لا أمهِّد لمقطوعة غزلية في الحرية. ولا لخطاب مديح للتحرر من الارتباط بروح انتقل إليها طواعية كشيء يخصها. لن أذم هذه الارتهانات إذ أنَّ التناقض خصلة أصيلة في الآدميين و الأصالة ليس بالضرورة أن تحمل من الجَمال ما تحِمل. ربما يروقني انسلال الروح إلى سيِّد نفْسٍ آخر إن تحقق اعتبار واحد في اتساع هذه النقطة السوداء التي اتفقنا قبل برهة أنها إعجاز متداول، هذا الاعتبار هو الاختيار، لا الفرض. بعض النقاط السوداء تصبح نجوماً شبيهةً بالألماس الأسود إن كانت السماء تمر بحالة عصبية يصطبغ فيها دمها بلونٍ أبيض، نسمه في لغتنا العلوية حيث كفهنا النوراني، بالنقاء. أنا بصدد تفصيل قلادة عند صائغ يفهم أفكاري. غرفة في أعلى فنار يقف شامخاً وضاءً في منتصف البحر. يضيء الغرفة سراجاً على شكل كوخ. أعطيت الصائغ فيلم ضوء بين المحيطات لينسخ جيداً ما أريد. غرفة توم، حارس المنارة و زوجته ايزابيل.. هي السماء المصابة بالابيضاض التي أحلم كل يوم أن تكون ملاذي الأخير فيما تبقى لي من أيام على هذا العالَم إن تركتُ الطب في لحظة تعقُّل، أو جنون.

أفكر في الأمور التي قررت أن أكتبها كي أنساها. هي أمور لا تقال كما حدثت، بل كما خرجتُ من تجربتي معها، أو تجربتها لي. أحقادي مثلاً، عندما أفكر بها أجدها غير موجودة. توهمت أن غضبي من بعض الأعداء حقد متبادل، مشروع، رد فعل. لأرى بوضوح بعد هروبهم للقيلولة في جحورهم أنني حين أغضب، يمتد أسفل أفكاري قاع تترسب فيه الفضلات ولا تبزغ من قلبي نافورة أحقاد. إنَّ الذاتية خطيئةٌ سامية. أن تبقى قريباً منك، في نفس المكان الذي تشعر دوماً أنه لن يُملأ إلا بصديق لم يتسع وقته لك. أن تلحق ذاتك دون انتظار لأن ينافسك على هذا اللحاق صديق يجب عليه هو أيضاً أن يلحق ذاته لينجو. غمامة ينبغي اتخاذها درعاً حاجباً و حامياً من إطلالة غير فريدة على حاوية نفايات. يحدث أن تكون الغمامة خطيئة عندما تعمي عمن يجهل كيف يفعل ذلك، كيف يستطيع الشعور بذاتهِ كي يقترب منها و يرمي إليها حبل إنقاذ. مثل هذا يستحق العون. أن تكون إعانته على شكل رحيل عنه. اتركه يفشل، يسقط، يُجرَح و يُدمى و يتألم و ينجرف إلى حافة الموت.. سينهض بعد كل ذلك وقد أشرقت نفسه بكلمة ( وجدتني) و آنذاك تصبح الكُرة في ملعبه. إما أن يهذب الخطيئة و يعيشها مثل بكتيريا لا بد منها لتدافع عنا من أشرار لا نراهم ولا نُدركهم، و إما أن يعود ظلاً للآخرين يشتعل و يذوي بناءً على ما يفعلونه به وما يطلبونه منه. ازدياد المصائب قد يكون تفاهة. المصيبة التي تحدث لنا بسبب آخرين دليل على تفاهتنا لو أمعنَّا. المصيبة التي تحدث لنا بسبب ذاتيَّتنا التي قادتنا لفعلٍ خاطئ كأن نخيط زر القميص في مكان ليس مقابلاً للعُروة، دليل على الإبداع! أن أتبجَّح على نفسي بما أظنني أقدر عليه هو عناية بشخصيتي من الانحلال في قدوة أخرى قد تكون صديقة أو عدوَّة، لا يمكن إنكار أننا نُعجَب أحياناً ببعض الأعداء. حدث أن أعجبني طبيب يعرف جيداً كيف يعزف على العود في وقت الإستراحة برغم أنه عدوي الذي تحتقره نفسي لأنه يكذب في جميع عملياته بلا استثناء على أهل المرضى كي يتجنب إزعاجهم له بأسئلة كثيرة و تخوّفات قد تفقِد الطبيب الخاثر أعصابه. في الطب يجب عليك أن تضع شخصك في الخزانة و تخرج بدلاً منه شخصيَّتك. كل ما يحدث من آثام عندما يستغرق المرء في شخصه و ينسى تهذيب شخصيته هو انتقام من نفسه لا من الظروف ولا من الآخرين المزعجين. أن تنتقم من ذاتك التي يجب عليك رعايتها بدلاً من العبث بها، هذا هو الكابوس الذي لا أفهم فيه.

سريري مثلاً. عندما أفكر بالسرير المبعثر دوماً أتخيل أنني شخص آخر سيقول عندما يراه أنني بالونة نوم. اتساءل هل هو بؤسٌ أن يكون نومي لا يتجاوز مرتين، ستة ساعات.. كل سبعة أيام و يبقى حال السرير كأن لصاً قام بتفتيشه كي يعثر على بعض الثروة مخبأة تحت الغطاء؟ تعجبني أشيائي في العادة. أقصد أحب ذوقي في الاختيار. الألوان، الأشكال، الروائح. اتأمل غطاء السرير الذي اشتريته من محل تخفيضات و تراودني شهوة كتابة غزل ردئ فيه. لا أعرف قانوناً يمنع التغزل في غطاء سرير أو وسادة. التأمل طريقة للتفكير و التحليل و هي ناجحة لإطلاق حُكم على بعض الأمور. خلِصتُ إلى أن حال السرير منسجم مع نسبة نومي القليلة عليه لأن الفوضى تكسبهُ حياة. النبض علامة حيوية لا يمكن تجاهلها في الجمادات. تعرف أن الشيء ينبض عندما يكون عليه أثر استخدام. الكتب جمادات، هوامشنا المكتوبة على صفحاتها و الثنيَات المثلثة على أطرافها هي نبضها الحيوي. ساعة أخي الراحل إلى الجنة جماد. بصماته و بصماتي عليها هي نبضها الحيوي. ربطة شَعر أمي الراحلة إلى الفردوس جماد، رائحة مخمرية المسك بالياسمين العبِقة بها مِن جديلتها هي نبضها الحيوي. أحب سريري ليس حباً للنوم، بل حباً في وفاء الجمادات من حيث تبقى على حالٍ تركناها عليه غير قاصدين.

طاولة الكتابة مثلاً. اشتريتها للاستذكار أكثر من قصد الكتابة. اتساءل ما إذا كنت من البشر المُسرفين. منذ اشتريت الطاولة وأنا أذاكر و أصنع من كتبي و أوراقي و أقلامي حفلة سرد على السرير، بينما تشكو الطاولة من الوِحدة و اللمعان! بعض أشيائي اتركها نظيفة لدرجة أن يعلوها الغبار. أنسى أن نظافة الجماد عندما تطول فإنه يتعذب. طبيعة الجماد تختلف عن طبيعتنا، هو يرتاح بالعمل حتى يبلى. بينما تكمن راحتنا.. في الراحة. و لأن الطبيب بطبعهِ كائنٌ يرُاعي، بدأت مشروعاً ذاتياً، أي لنفسي، على طاولة الكتابة، كان هوايتي منذ أعوام، في بدايات الصبا. هو مشروع الكولاج. لا أتذكر تحديداً متى بدأت بعمل جدارية لحائط غرفتي في مكة مكونة من كل شيء أحببت القراءة عنه و العمل على تعلمه في حياتي. حالت المصائب التافهة التي حدثت دوماً بفِعل آخرين عن اتمام العمل. لا أشعر بالرغبة في اتمامه الآن أيضاً، لكنني أعامل الجمادات في حياتي كما أعامل مرضاي تماماً، بالعطف و محاولة الحفاظ على حياتهم. أريد فقط أن أعيد الحياة إلى الطاولة. أن أجعلها على خطى السرير النابض بالفوضى، رداء العمل ملقى على اليمين، زجاجة المياة المغلقة على الشمال، دفتر المذكرات بجوار الوسادة، طقم الأقلام عند قدمي. فوطة الاستحمام ملتفة بالغطاء الداخلي تحت اللحاف. و هاتفي عند الوسادة الأخرى التي تجاور قلبي. تنبض الطاولة الآن بالقرآن الكريم، كتابtextbook of surgical oncology . رواية مذكرات صياد و شحاذو المعجزات، دفتر ملاحظات، ملف تقارير عن مرضى انتهى علاجهم بنجاح. لواصق زينة ملونة و مشابك أوراق و طابعة HP. هذا هو تدفق الزمن الخالص الذي أسعى إليه كلما تسرب مني في لجة الصمت و الترك و استحواذ الخارج على الوقت لانتشال أرواح تستطيع الاتكال على ارادتها و الاتكاء على رغباتها الذاتية لكن كان دوماً ينقصها ركل الاحتياج العاطفي إلى قبر و ردمه بالاسمنت. و هكذا إن كنت تريد الاستثمار في الوقت لنفسك و تريد إهانته في الوقت نفسه، يجب أن تفعل. أن تجعل ما يعتمل فيه الزمن مصبوباً في دمك، مهاجراً عن حاجتك، لأن الحاجة بؤرة الذل.

لقد كتبت كل شيء كتبته في حياتي وأنا أرتاب. تتسلل الريبة إلى الكلمات قبل أن تخرج مني، قبل أن أريد أن أكتبها، قبل أن أفكر أنني سأكتبها. كنت اتأذى. أتلقى مديحاً أن نصوصي قطَع كولاج أيضاً، و أفهم هذا الكلام كتحذير من كتابة تشبه لعبة بزل أكثر مما تنافس الكلمات المتقاطعة. تحدث كل هذه الريبة لأنني أنشد الفن في كتابتي، لكنني لست فنانة. كما أنني لست صانعة. لست آلة تحميص خبز. كما أنني لست إسكافيةً ولا حتى صانعة محتوى في شركة. قد يبدو من السطر السابق أنني أكره هذه الأشياء. نعم، في الحقيقة أنا ضد صناعة الأشياء عندما تتعلق بي. أشجعها عندما تتعلق بخدمة الآخرين. يجب على المرء أن يخدم نفسه بما لديه من موهبة، لا بما يستطيعه من صناعة موسيقى جميلة. لا يمكن قول شيء كهذا.. صناعة موسيقى. الكلمتين غير متجانستين. الموسيقى صوت الطبيعة. و الطبيعة له إلـه، خلَق مخلوقات، لا صانع و مصنوعات. خلِصت إلى أن الريبة ميزة من حيث نبذتها. أن أرتاب كلما كتبت يعني أنَّ المحارة التي تجلس بجوار وشاحي كلما ذهبت إلى الشاطئ هي قادمة من البحر، لا من مصنع التحف و الخردوات الشاهق على يمين متجر أدوات الغوص. أحاول كلما اتسع لي الابتعاد عن التصنيف كي اتوقَّى التلف. تمنحني الريبة آفاقاً مفتوحة للتأويل. أظن أنني في مأمن من الشتات مهما كثرت التأويلات ما دمت أخطو على فلَكي، و من بعد.. ما دمت أستطيع فهم ما كنت أريد قوله عندما كتبت، و قلت كل شيء لكن لم أقُله. تعال إلى وجه آخر بلغ من الخطورة عدم انتباه أحد إليه. هو وجه الكتابة بلا كتابة. أن تكتب بانخراطك في حزب يدَّعي الإصلاح مثلاً، ولا يتوقف عنه إلا عندما يكتمل.. و لا يكون اكتماله إلا من خلال هلاك كل ضد. عندما يكون الهلاك صيغة اكتمال هدف. أليس هذا ما يحدث الآن؟ على اختلاف مسميات الأحزاب فأنا لا أتقصَّد حزباً بعينه ولا يمكن أن يروقني التوجه بالمعنى لأحد دون آخر حين يكون الجميع لديه هدف منشود واحد هو القتل، لا الإحياء. أن تقتل من يقف ضدك لاستعادة حياة من يقف معك لا يعني أنك بطل بل أنت قاتل بتجرُّد. و بلا شرعية للتبرير مهما استمع اليك العقلانيون دهراً و غمزوا بعيونهم المخفية وراء نظارة طبية غمزة تفهُّم وهي في الحقيقة ليست سوى مكر و دهاء. هؤلاء لم يصنعوا ما كتبوا. ليس بالضرورة أن تكون الموهبة نقطة قوة. عندما تؤدي بك موهبتك إلى سحق ذاتك فهي وباء. أجل، معيارك الذي تقيس به كل علامة حيوية تقوم بها في حياتك يجب أن يكون نفسك. إن كنت تقوى على تخريب مركز اتزانك الذي ينبغي ان تتخذه رفيقاً يدلك إلى الطريق المضاء لا أن يحطم مصابيحه فحتماً لن تضعف أمام اجتياح الرغبة في الآخرين على استخدامك سلاح تصفية و انتقام. يمكن استلاف ارتيابي و استخدامه بعد ما تبلل ريشتك و قبل غمسها في الألوان. سأحقق سعادة أصدِقك قولاً أنها لا تهمني، لكنها ليست بلا ثمن لا أرفض دخوله في حوزتي، إنها سعادة أن أكون أنا ذاتك؛ نبضك الذي يبعثر سكونك و يبدد وحدتك عندما تخبو إرادتك و تتحول إلى جماد.

المرض معركة من يحبهم الله،

x-QAGn-c

ليس خاطئاً أن تسمى الأشياء بمسمياتها ومن ذلك قد يكون واجباً عند قراءة قول تافه و غبي أن نقول عنه تافهاً وغبياً مثلما نقول عن الكلام الرزين، جميلا أو مؤثراً، لأن النفس المولودة على الفطرة استطابته واستراحت إليه. اقتصصت اسم المغردة المشهورة من التغريدة التي أكتب هذا التعليق عليها لأنه لاتوجد مشكلة لي معها وليس الأمر شخصياً. نقطتي هي التغريدة فقط. وبإمكانكم وضع التغريدة في بحث تويتر وستظهر لكم من حساب كاتبتها.

ابدأ من الأخير، التغريدة تعتبر أن كل منتصر لقضية ألم أو حق في معركة ( أو مريض متألم منتصر على المرض في موضوعنا هنا) متحذلق! وليس مكافح، صامد، صابر، مناضل، ومقاتل. يبدو أن كاتب التغريدة قد تزاحمت العلوم والثقافة والفهم في عقله حتى نسي أن من صفات الله عز وجل (الناصر).

ثانيا، فقط لأنني طبيبة + مريضة كلى وليمفوما..كنت سأعذر العقل الذي كتب ان المرض ليس عدواً والجسد ليس ساحة معركة. فالمرء عدو ما يجهل. مرة أخرى يبدو ان العلوم والآداب تزاحمت في هذا العقل/النفس فنسى أن هناك آية قرآنية و حديثاً نبوياً يثبتان أن المرض عدو مثله مثل المرء الشرير والنفوس الحاقدة الحاسدة والأفاعي والضباع والنباتات السامة وكل مؤذٍ في الحياة. وأن المرض ابتلاء يشبه الكرب الشديد الذي يجزى الصابر عليه بالحسنات مثلما يجزى الجندي الذي يدرأ المحتل والباغي على الحدود من التوغل إلى الوطن. فالجندي مبتلى ايضا بالخوف والجوع. من وجوه قتال الجندي الصبر على التنقل في الحر والنوم في عراء مليء بالحشرات و خطر الألغام وزحف المجرمين إلى أن يظفر بدحر الأعداء والانتصار ( كمتحذلق كما تصف التغريدة) في المعركة.

على فكرة أنا لا أستخدم الدين للتأثير على رأي من يقرأ التعليق. أكتب ردي في مدونتي التي لا يقرأها سوى أشخاص يثقون برأيي دون أن أطعِّمه بأي شيء من الدين. لكنني ذكرت أن هنالك آية ( وإذا مرضت فهو يشفين) وحديث ( عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { ما يصيب المسلم من نصب، ولا وصب، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه } [متفق عليه] واللفظ للبخاري. والنصب: التعب. والوصب: المرض، لأعبر عن استغرابي من أكاديميين ومتعلمين ومثقفين كما يصفهم قراؤهم ومعجبيهم لكنهم عندما يتفوهون بكلام خارج مجال الكتب والترجمة وأسماء المؤلفين و سيَرِهم وحواراتهم وتاريخهم، أي أنه كلام خاص من حيث هو كلامهم لا كلام مثقف أو كاتب غيرهم، وعام.. من حيث هو كلام خاص قيل في مساحة شعبية ومقصود به أن يقرأه الآخرون، أقول أستغرب أنهم عندما يتفوهون بهذا الكلام فإنه لايعكس شيئاً من صفَتهم الثقافية التي اشتهروا بها. بالنسبة لي، وأعتقد أنه ليس رأيي لوحدي فهو رأي دوستويفسكي و تشيخوف و بولغاكوف ( صاحب رواية مورفين العظيمة) و كنوت هامسون ( لتعرفوه اقرأوا رواية الجوع) و هيرمان هسه و موراكامي، و نيتشه و ديفيد هيوم (المفضل لديَّ)، نعتقد أن الرزانة والتهذب في إذاعة أفكارنا واعتقاداتنا الشخصية عن الآخرين هي من صفات المثقف، والمتعلم الحق. ولا تعني الرزانة أن يمتنع المثقف عن قول أي شيء أرعن وتافه وسخيف. جميعنا لدينا سخافاتنا الفكرية واعتقاداتنا المتمادية لا الخاطئة فقط عن آخرين، لكن المهم هو من ينتبه ويُدرك ما وقع فيه ويعود عنه؟ و من يتبنى اعتقاداته شعارات لا مشاحة فيها ولا مثلبة؟

عوداً على موضوع التغريدة ،

كل امرئ على الأرض له قضيته التي يحارب من أجلها وليس في هذا تناقضا مع الفيزياء والمادة في شيء. فالمرض ملموسٌ و عينيٌّ مثله مثل أي عنصر أذى يحارب صاحب الحق لينتصر عليه. أتمنى ان تزور صاحبة التغريدة اليوتوب وتشاهد أي مقطع قصير للسرطان والأمراض العضال الأخرى لخلايا وكريات الدم الدفاعية وترى كيف يتحول الجسم إلى ساحة حرب شرسة عند الإصابة. وكيف يكون الألم مستفحلا والحمى نشطة ومستقويَة على مخفضات الحرارة طوال حركة الفيروسات وهجومها على الخلايا وتلويثها للدم وكيف أن المصاب يستحق وسام فوز عندما يهتم بالعلاج ويهزم مرحلة من المرض لا تشجيع فقط بعبارة ( حارب المرض وانتصر عليه) .

تقال هذه العبارة دوما لمرضى السرطان والأورام والأمراض المزمنة والنادرة والحرجة كمرضى فشل الكلى و السكّر بمضاعفاته المرعبة عند الإهمال. ولا تقال عادةً لمصاب بإنفلونزا. لذلك اقول انني كطبيبة ومريضة كدت أمنح عذراً للتغريدة فمن الواضح أن بها جهل بصعوبة شفاء المريض من هذه الأمراض وأن ليس كل ماينشر من ابحاث علمية تتوصل إلى تقنيات علاجية نهائية لمرض ما يتم تطبيقها على الفور. مريض السرطان حتى بعد موت الخلايا السرطانية وانتهاء كورسات العلاج الكيميائي واستئصال الأعضاء المصابة يبقى عرضة لعودة الإصابة ويحدث هذا يوميا ونسبة الذين يعاودهم المرض أكبر من نسبة الذين يشفون منه بلا رجعة. لأن نسبة المرضى الذين لايزورون الطبيب ويكتشفون المرض إلا بعد أن تصبح الآلام لا تطاق أكبر من نسبة الذين يهرعون إليه فور شعورهم بأعراض لا يعرفون انها لمرض خطير يستدعي التدخل مبكراً.

ثالثاً، فشلت التغريدة في الإيحاء بتعاطفها مع المرضى الذين لم يستطيعوا الإنتصار على المرض من خلال الاستهزاء بالمرضى المكافحين وضربهم بكلمة متحذلقين . ولأنني أعيش منذ خمسة اعوام في المستشفى إما عملاً أو استشفاءً أكثر مما اعيش في بيتي أقول ويوافقني كل منسوب للصحة أنه لا يوجد مريض مكافح و آخر متكاسل. كل من يطلب رؤية الطبيب أو حتى يفتي لنفسه ويتداوى بما يصفه لنفسه هو مريض مكافح لايريد الاستسلام للوجع. هناك فقط من يلتزم بطريقة العلاج الصحيحة ويصمد كلما طال الملل واستطال البلاء واشتد الألم وهناك من تسبق مشيئة الله إرادته ويتخذ الجسم ردة فعل ضارة على اتخاذه دواءً غير صحيح.

لم أشاهد مريضا في حياتي ينزعج من أن يقال عن مريض آخر قاتل المرض وانتصر عليه.

في المستشفى و العزايم وحتى هنا في تويتر وفي مختلف الأعمال التطوعية التي وقفت عليها ميدانيا كنت أرى تأثر وإعجاب مرضى صابرون بمرضى آخرين صابرين شفوا من أمراضهم.. يقول الذين لم يشفوا بعد للآخرين: انتم قدوتنا وسنفعل مثلكم ونصبر الى أن نشفى. يفرحهم وجود إيجابيين من حولهم حتى أن بعض المرضى هم بنفسهم من يقولون لمن شفي أحييك على انتصارك على المرض.

زيارة واحدة لمركز مكافحة السرطان في أي مدينة و تتأكدوا أن الإيجابية والتشجيع والتحفيز والتهذب هو سمة هؤلاء المرضى من متعافين ومكافحين.. سينتصرون يوما و يشفون.

أخيراً: هي استفزها احتفال المعجبين بكفاح مريض في تغلبه على مرضه و تشبيهه بالمحارب المنتصر، لا بأس، من الطبيعي أن يستفز المرء من بعض الأشياء! أنا مثلاً استفزتني حرارة الحسد والغيرة المبثوثة من التغريدة على شيء لا يحسد عليه المرضى أضعف مخلوقات الله. المرض عدو اشد من الفقر. فيد الفقير تستطيع ان تعمل لتكسب رغيفاً على الأقل. اما يد المريض إن فتك به الألم لن تقدر حتى على حمل كوب الماء وقدميه لن تقوى على حمله للذهاب إلى دورة المياه. وبعد ان يبتعد عن التذمر والتشاؤم ويتناول دواءه و يدعو الله فيشفى نحسده على انه محارب انتصر ؟!

تحيتي ومحبتي لكل مريض حارب المرض وانتصر عليه. ودعائي لكل محارب لم يشفى بعد أن ينصره الله على آلامه ونهنئه عاجلا يارب بفوزه الرائع. و أمنياتي لكل من تستفزه سعادة آخرين لا يحبهم بنجاحٍ نبيل أن يرزقه الله سعادةً توازيها لعل و عسى يفهم ما كان مخطئاً فيه عندما ينال من الخير مثلهم.

هذا الفيديو لمن يتفق أن المرض ليس عدواً _الحمد لله أنهم قليلون_ وأن الجسم ليس ساحة حرب وأن المكافِح ليس منتصراً و طاقة إيجابية محفزة للآخرين على القتال:

مذكرات 7

-JHTbUpK

CRkF-CXI

i4ZUOCTY

مضت أربعة أشهر على الحلقة السابقة. لا يمكن القول أن جديداً لم يحدث لكي أكتبه، بل حدثت أموراً كثيرة أطبقَت على رأسي حتى لم أعد أقدِر على التدوين. لم تكن مسألة وقت، حصلت على إجازة طويلة وهي إجازتي السنوية لكنني نجحت في تنسيق وقتها لتكون في رمضان و العيد. عدم التدوين كان مسألة تعب. ثق أنك ستقرأ هذه الكلمة كثيراً في جميع حلقات السلسلة. إن كنت طبيباً، أو ممرضاً، ستعرف أنها سمة لنا. التعب سمة، الهلاك أيضاً سمة. في العمل لا نصنف عبارات مثل ” انهلكت، رجولي اتكسَّرت، ذبحني الصداع، بموت من التعب” تذمراً، ولا شكوى. بل يبدو غريباً أن يمر يوماً أو اثنان ولا نسمعها من مناوب على الأقل. التعود على الإنهاك لا ينقضه التعبير عنه في وسطنا. قد يحدث هذا في البيت الذي يفترض أن يكون مكان التحرر من كل شيء، لكن يحدث فعلاً أن تكون عائلتك لا تحب سماع شيء عن حالتك النفسية و البدنية و تفضِّل أن تقاطعك وأنت تقول “اليوم تعبت مرة” بنصيحة ثمينة: اخلد إلى النوم الآن وسيزول التعب. بدا لي أن التغيرات التي تطرأ على قواي و بالتالي ممارساتي مع مرور الأيام باتت توضِّح وتعبر عن نفسها بصوت مسموع. أخشى منذ الآن من اليوم الذي سيكون صوتها عالياً، فالعلو في صوت التعب صريخ. وهو ما أحاول التحرر من صداه في أذني عندما أكون في عطلة، صراخ المرضى، الأطباء العصبيون، و أحياناً صراخي في غرفة العمليات عندما أصطدم بمساعدين لم يذاكروا للعملية لأن النوم غلبهم بعد يوم مناوبة طويل بالأمس. الصوت المسموع للتغير أعني به أن عزيمتي باتت تسقط أسرع من ذي قبل، و بطريقة أقوى إيلاماً و أكثر إحباطاً. كما أن التعب أصبحت له حرقة تدب في عضلاتي بعد جهد قصير مقارنة بقبل ثلاثة أعوام مثلاً. كنت أقف على قدمي خمس ساعات وأكثر ما بين غرفة عمليات و طوارئ ولا أشعر بالتعب إلا عندما تصطادني عشر دقائق استراحة و أستعد للجلوس. تئن مفاصلي عندما أريد فرد جسمي و أشعر أن ظهري يتحول إلى لسان يتأوه كطفل لا يعرف كيف يعاقبني على ما تسببت له به. مع مرور السنوات أصبح هذا الصوت يُحرجني و يصبب العرق من جبيني بعد ثلاث ساعات وقوف . أقاوم، لم أفقد القدرة على الصبر بعد، لكن حدث قبل بدء الإجازة بأربعة أيام أن كدت أفقد وعيي لأن إصراري على الوقوف عدة ساعات وعدم تسليم العملية لمساعدي تسبب في استهلاك كامل الجلوكوز في دمي، و سقطت. أسعفتني زميلتي بقطعة حلوى و كوب ماء، اشتعلت ماكينتي من جديد ! وأنجزنا العملية بنجاح.

هذه الحلقة ليست عن التعب ولا هذه الأمور التي يشعر القارئ بالإصابة بها بمجرد قراءتها، لا أرغب أن ينتقل إليكم هذا الشعور. كنت فقط أسجِّل كم أصبح اضطراب علاماتي الحيوية ملحوظاُ ولا أعرف كيف سيحارب قتالي ضده مع الوقت.

بدأت بالعمل على بحث جديد أنوي أن يكون مفصلياً في ملف أبحاثي عن أورام الدماغ. تتزاحم الأفكار في عقلي ، مستعينة بعدد كبير من ملفات مصابين بسرطانات و أورام دماغ أخرى. أربعة منهم متعافين من السرطان. كانوا سعداء عندما سألتهم عن رغبتهم في تضمين دراسة مختصرة عن إصابتهم أجريتها بمساعدتهم أثناء جلسات العلاج الكيميائي في بحث قد يصل بي إلى تقنية علاجية تسعِد مرضى آخرين. عندما وجدت الأدوات و الأفكار و بحوث بعض العلماء جاهزة أمامي أيقنت أن الأمر لن يكون سهلاً وهذا محتوم، لكن الصعوبة هذه المرة ستمتد إلى الوقت. بحث بمواصفاتي لن يكفيه عامان أو أربعة أعوام للخروج بنتيجة يجب أن تكون بشرى و أملاً لمكافحي أورام الدماغ. في الخارج لا يجد الباحث مشكلة في الجهة المتعاونة أو الراعية لبحثه. فدول مثل بريطانيا و كندا لديها نسبة ميزانية عالية مخصصة بالكامل لدعم البحوث العلمية. لذلك تبقى مشكلة الوقت و إبقاء محاور البحث ساخنة مواكبة لتحديثات الأمراض و آخر ما ينشر من أبحاث و علاجات يومياً حول العالم حتى لا يقع الباحث في كارثة التناص العلمي دون أن يعلَم أن هناك من حصل على براءة اكتشاف و سجل بحثه ذو الدراسة المشابهة قبله، أحياناً قبلهُ بأيام! تزول مشكلة الوقت مع الباحث المتفرغ. تعرِف الآن أنني أتحدث عن نفسي. دراسة، عمل في المستشفى، بحث. ليست هذه ورطة كبرى، بل تحدٍ لا يبدو أنني سأكون بخير و أنسى مشاكلي الشخصية إن لم أخُضه.

ما الذي حدث في أربعة شهور خلَت من كتابة المذكرات؟ عمل طويل. هذه المرة نعم كان العمل متواصلاً رغبت في آخر أيامه في اليوم الرابع من رمضان أن أقوم مكتسباتي و نقاطي منه. عدد الجراحات التي أجريتها بالعموم، عدد الجراحات العاجلة، عدد الجراحات ذات نسبة النجاح الضئيلة التي حققناها ( كانت خمس عمليات، أيام مميزة لم أنساها)، عدد حالات السرطان المتعافية، عدد الحالات التي نجحنا أنا و مصابيها في علاجها دون عملية، عدد مرات تعليق اسمي على لوحة شرف الأطباء المتفوقين في قسمي ( مرتين) . وربما رغبت في عد المرات التي انهرت فيها بكاء في عيادتي لأسباب مختلفة أخرج بعدها إلى البيت لتناول دواء لا أستطيع إحضاره معي للمستشفى ، فمن الخطر على الطبيب أن يكون ضعيفاً في الردهة أو بجوار غرف تنويم المرضى. الحنين. تراجع صحة أحد مرضاي ليس دوماً سبباً للبكاء، أعرف كيف أتعامل معه. الحنين إلى العائلة، أو أحداً أحتاجه بشدة، بقسوة و جفاف، كان يغلِب أسباباً وجيهة أخرى للبكاء.

قرأت في رمضان. لم أقم هذه المرة باختيار الكتب. تنازلت بالكامل عن أمر الإختيار لفتيات العائلة و قرأت على توصياتهن. لم أكن سعيدة ببعض الكتب ولكن غمرتني بهجة لن أنسى انعكاسها على لقاءاتنا الودودة، بهجة سعادتهن بامتداحي لتلك الإختيارات. فتيات حديثات عهد بالقراءة. شعرت بترددهن أول الأمر عندما اقترحن علي مشروع قراءة كتاب كل ثلاثة أيام و ساعدنا على إنهاء المجموعة أن بعضها كتباً قرأنها من قبل و يرغبون في مناقشتها. ترددن خشية من استسخافي لاختياراتهن البسيطة أمام قراءاتي الرهيبة كما أسمينها. خرجت من هذه الفعالية الصغيرة معهن بثمن عظيم، هو الابتهاج غير العابر ولا المؤقت. صنعن الفتيات لوحة توقيع كتبت كل واحدة منا عليها عبارة شكر و رأي لهذا الاجتماع المبارك الذي وفقنا في اختيار وقته في أفضل شهور العام، و علقناه على حائط صالة البيت.

مرض أخي في رمضان. رفض الذهاب إلى الطبيب. أخي يبغض المستشفيات، لا يطيق رائحتها. حدث أن قلتُ رب ضارةٍ نافعة. قال ” عالجيني، مو انتي دكتورة؟” و تم ذلك بالفعل. لم تكن الإنفلونزا مع أخي شديدة. كان احتقاناً لكنه شابهني في الإصابة بالحمى لأيام طويلة عندما أصاب بالإنفلونزا. تتعب الحمى أخي في كل مرة من 10 إلى 12 يوماً. في هذه المرة، تعافى أخي من الحمى تماماً في أربعة أيام. لم يتفاجأ أحدنا، كلانا نعرف جيداً أن التشخيص السيء وبالتالي العلاج الأسوأ هو سبب تأخر الشفاء. و أيضاً عدم مكافحة الحمى بالكمادات. و عدم التنازل عن تشغيل التكييف برغم أنين الجسد المحموم من البرد! أخي يكابر و يرتكب كل هذه المحظورات فيتأخر شفاؤه. هذه أول مرة أعالج أخي و أعلق له الدواء الوريدي في البيت. كنت سعيدة وأنا أراه يتعافى بسرعة أمامي، لكن كان مسك ختام السعادة عندما قال لي بعد زوال الاحتقان و الحمى : ” انتي علاجي، الله لا يحوجني لغيرك بعد وجهه الكريم.”

أبعدت رداء العمل عني منذ بدأت عطلتي. كانت نصيحة بنات إخوتي التي شكرتهن عليها فيما بعد. كنت بحاجة إلى استعادة نفسي. أشعار ما قبل الطب. أشعار فتاة المنزل و ركن الريحان و شجرة اللوز في فناء البيت. أشعار التي تستنشق في السطح رائحة الملابس و شراشف الصلاة المبتلة قبل أن تعلقها على حبل الغسيل. أشعار التي تقص صفحات الطبخات الجديدة عليها من المجلات وتلصقها على باب الثلاجة كي لا تتسخ على الطاولة أثناء الطهو، ثم عندما يستوي الطعام تخبئ الوصفات وتقول لأفراد العائلة المعجبين بالطعم أنها تعلمت الطبخة من برنامج نسيَت اسمه و اسم القناة! أشعار التي تحاول عبثاً أن تكحل عينها دون أن ينحرف خط قلم الكحل وينتهي الأمر بفشل ذريع. أشعار التي تجلس مع الصغار لمشاهدة مسلسل كرتون و تنشغل بتضفير شعر البنات و تعطيرهن ولا يوقظها من استغراق اللحظة سوى صوت الصغيرة غفران وهي تهز كتفي صائحة: أنا جيعانة أبغى أنام!

شاهدت أفلاماً كثيرة في العطلة . كانت الفرصة متأهبة لأفعل كل شيء توقفت عنه في أربعة شهور خلَت. اكتشفت حبي لنوع أشاهده حديثاً من الأفلام، وهي الفانتازيا النفسية. أقرب الأمثلة إلى قلبي ما كتبت عنه تغريدة قبل أيام في تويتر، فيلم About time ل دومنال غليسون الذي أقنعني منذ أول مشاهدة. صنف الفيلم فانتازيا رومانسية. وهو ما لم يقنعني. صنفته فانتازيا نفسية لأن القصة دارت على مشاعر تيم نحو كل شيء أهمه في حياته وفي طريقه، لم نشاهد اتكاءات فكرية ولا تأملية في الفيلم. هناك أفلام يناسبها أكثر من تصنيف، فمثلاً تذكرت فيلم إيميلي الذي يناسبه تماماً إضافة تصنيف فانتازيا نفسية إلى التاق الخاص به في قاعدة بيانات الأفلام. المفاجأة؟ وودي آلن عميداً للفانتازيا النفسية. لن أقول اسم فيلم لأثبت رأيي، أي فيلم لآلِن يستجيب طواعية لهذا الإتّصاف.

اليوم، أسافر عائدةً إلى كندا. أحمل معي حبي و حزني على فراق بيتي و أحبائي و رائحة مكة و جدة قبل حمل حقائبي و جوازي. أريد أن أقول شيئاً لا أعرف كيف أكتبه على شكل جملة. أحب بلدي حباً هائلاً ها هو الآن يسقط ماء عيني بلا تمهل. كنت لن أذهب لإكمال دراستي في الخارج قبل عام، كنت سأتخصص في طوارئ الحوادث و أبقى في عملي و بيتي لأن لي قلباً تزيد رقته أمام الفراق كل يوم. خشيت الفشل إن سافرت لأكمل حلماً كان هدفاً من دراستي للطب. ثم عندما لم أذق هناءً من البقاء لأن ألم فراق آخر داهمني وأنا في البيت، كان يجب أن يكون الهروب حلاً أنيقاً أمام الكائنات التي تحبني و يتعكر صفوها عندما أنزوي أياماً طويلة مكتئبة محمرة العينين فاقدة الشهية للطعام و الكلام والابتسام. رحلت، كانت الحياة في ألبرتا قاتلة، ليس مكاناً حميماً كما قيل لي من زوار سابقين. لا زالت الحياة هناك جافة و الهواء في الليل يصدر صوتاً كفحيح الأفعى، إلا أنني أرطب الخوف و النفور دوماً بالإقامة قدر ما تحتمل حواسي و قدماي في المستشفى بجوار مرضاي الذين يبادلونني شيئاً ليس قليلاً من السلوان. حتى إذا ما عدت إلى مأواي الصغير أنام من الإنهاك دون تفكير في متاعب النفس و مثالبها.

أعرف أنها حلقة باردة. لكنني أعود إلى الكتابة بعد توقف طال عليَّ قبل أن يطول على من يستفقدونني دوماً ولا يتأخرون عن قول ” اشتقنا لتدويناتك ومذكراتك” فلهم شكراً لا يبور. و ربما هذا الفيديو الذي يرافقني هذه الأيام بإعجاب لا محدود يُكسب الحلقة شيئاً من القيمة و الجدوى :

( له ترجمة عربية مصاحبة في الإعدادات)

يا مثبّت العقل والدين

لم يعد شيء يبعث على التعجب في هذه المرحلة السوداء من الحياة. إلا أنني لا إرادياً أمارس بشريتي في التعجب أحياناً من بعض الأشياء. مثلاً هؤلاء الذين يقولون عن المجرمين قاتلا أبويهما رحم الله الأم و أسكنها جنته و شفا الأب الذي نحمد الله على نجاته وابنه وعجَّل بعافيتهما، يقول من يريد الدفاع عن القتلة بأي شكل معتوه لا يُمكن أن يغتفر، أنهم أطفالاً! أيٌّ أطفال؟ وددت لو أسأل من يعتقد أن سن التاسعة عشر هو سن طفولة _لولا قرفي المستعِر من كل ما حولي منذ وقوع الجريمة_ ماذا كنت تفعل أنت عندما كنت في التاسعة عشر؟!

أنا فتاة. في التاسعة عشر كنت أواصل الليل بالنهار في دراسة مواد الطب في بريطانيا و أقوم بالعمل كعاملة طباعة وأرشفة وكاتبة بيانات خمس ساعات في محل خدمات طلابية تابع للجامعة لأكسب مصروفي وأجمَع قيمة قسط الفصل الدراسي التالي إلى أن تبدأ الملحقية بإعطائي مكافأتي و أذهب إلى المستشفى ثلاث مرات في الأسبوع لغسل كليَتي، و في عطلة الأسبوع أطهو طعاماً و أبيعه لمن يطلبه من الزملاء و أتصل بعائلتي و أتفقَّد أحوالهم واحداً واحداً و أساعد بناتهم في حل بعض الواجبات و أقضي ظهيرة أيام الجمعة حتى الغروب في حفظ ما تيسر من القرآن و قراءة صفحات من كتاب آخر. كنت أمشي للرياضة و ألبي دعوات زميلاتي في المواد لشرح بعض الدروس التي يحتجن فيها إلى مساعدة.

كنت أفعل كل هذه التفاصيل و غيرها مما لا يشاع ذكره لوحدي. وحيدة تماماً دون أي عون. أقرأ كتاباً أو أستمع إلى تسجيلات أحبها أثناء جلسة غسل الكلى لأنني وحدي بلا مرافق ولا ظل مخلوق ذي صلة بي. عشت أربعة أعوام أفعل فيها كل شيء قاسٍ لوحدي ولم يساورني شعور الكُره لعائلتي في أي يوم، ولا حتى جزء من الثانية. كانت أوقات اللوم لأنهم لم يفعلوا المستحيل كي يكونوا بجواري لا تتجاوز دقيقتين بين أوقات طويلة. أحببتهم دوماً و أحبُّوني و قدَّرت لهم كل تضحية و عطاء بذله أحدهم لأجلي. لم يكن لديَّ أبوين يربيانني على الحب و الفضيلة فقد استرد الله أمانته وأنا لم أتجاوز الرابعة. كان سن طفولة يا من تقول على التاسعة عشر طفولة!! لكنني و غيري مئات الأفراد في مجتمعنا المحافظ الذي لم يعد يتوانى كارهوه من أبنائه عن شتمه و الطعن في قيَمه لم نصبح رغم القسوة إرهابيين ولا سفَّاحين ولا حتى شواذ و منحرفين. لم نتعاطى المخدرات ولم تغسل أدمغتنا في حلقات تحفيظ القرآن و المحاضرات الدينية التي كنا نذهب إليها مع كبارنا. لم نصبح حتى متنمِّرين على أصحاب الفضل علينا في بيوتنا. من نحن؟ إنني أتحدث عن كل ابن و بنت في هذه الأرض هم اليوم ممن تستطيع التمخطر في أي مجلس وفي الشارع وفي كل مكان وأنت تتباهى بسيرتهم و سلوكهم الذي يُقد كلًّه بـ كيف يعاملون الناس.. أهلهم، أصدقائهم، و زملاءهم في العمل و المدرسة وكل مكان.

لست أكتب هذه التدوينة لكي ” أهايط” و أمدح نفسي وأزكيها بلا مناسبة. إنني شخص مطمورٌ بالخطايا والآثام والذنوب. لكنني شعرت بالغيظ من كلام المكابرين الذين لم يألوا جهداً منذ الأمس في الدفاع عن الدواعش السفاحين. وغيرهم لم يألوا جهداً لطعن وسب الدين مدَّعياً بمقت سافر أن هذا هو الإسلام وهذه هي سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام في غزواته أثناء نشر الرسالة!! أعرف أنني لو كتبت رأيي في تويتر لن أسلَم من الإزعاج و سوء الظنون. لذلك أبوح لمدونتي التي تفهمني وأفهمها.

التاسعة عشر سن الصبا، المراهقة التي هي أجمل سنوات العمر و أغلاها في حياة آلاف السعوديين الذين حملوا المسئولية في هذا العمر و نجحوا و مر قاربهم بسلام. التاسعة عشر سن يُسأل فيه المرء إن مات على أعتابه و يحاسب و يُحكم عليه بجنة أو نار في القبر إن رسب في إجابة سؤال الملَكين عن الله و الدين و وقتك ومالك فيما أنفقته وعن علمك ماذا عملت فيه . ليست التاسعة عشر سن ما دون التكليف والتعقل و التفكير و الرشد في شي.

مهما قيل من دفاع معيب عن هؤلاء السفاحين، فلن يثني العقلاء المؤمنين (الإنسانيين) الأوادم! أي سبب أو صريخ عن المطالبة بالقصاص عاجلاً من هذين المجرمين. وإلا فمن يدافعون عنهم لا يمانعون أن يُقتل آباؤهم وأمهاتهم على يد أبنائهم أو أي فرد من عائلتهم بيوم. فالكل معذور طالما في عقل الضالِّين قُدرة على اختراع الأعذار و صناعة الأدلة.

اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان ، بديع السماوات والأرض ، ذو الجلال والإكرام ، أن تصلي على نبيك محمد وآل محمد ، وأن تجعل لنا مما نحن فيه فرجا ومخرجا.

 

 


 

كل امرئ حتى الفقير يستطيع التطوع بـ خير

pink and purple flowers via inspired-desing.tumblr_thumb[1]

هل تشاهد أعمال الآخرين التطوعية و تتمنى لو تشاركهم لكن ظروفك لا تسمح لك بالمشاركة في أي شيء؟ للفتيات: ليست لديكِ وسيلة مواصلات تذهب بكِ إلى نقاط التبرع بالملابس و الأطعمة و التعاون في التغليف و التوزيع؟ رأيتِ إعلاناً عن التطوع في المستشفيات و الأقسام النسائية في المساجد وأيضاً يمنعك من المشاركة عدم توفر مواصلات تذهب بك و تعيدك إلى البيت كما أن لديك عائلة فقيرة الدعم والتفهم لوظيفة خيرية بلا راتب؟ تشاهدين حملات تطوعية كثيرة في المولات ولا تستطيعين المشاركة فيها بتسويق و طباعة كروت و غير ذلك لأنك لا تمتلكين الأدوات ؟

للرجال: فقركم المادي الشديد يمنعكم من التطوع في أي عمل لأن الوقت بالكاد يمضي كل يوم في البحث عن عمل بمقابل يسد رمقك أنت و أهلك؟ مريض و تشاهد الآخرون يتطوعون و تتمنى فعل خير مثلهم و يمنعك الألم و نقص النشاط؟ لا تمتلكون مواصلات مؤهلة للذهاب إلى أماكن التطوع البعيدة نسبياً أو كلياً عن الشارع الذي تقطنون فيه؟ تفتقرون إلى مهارة التسويق و الجذب فلا تستطيعون لفت انتباه مشاهير السوشيال ميديا لتغريدات تطوعية و احتياجية تغردونها عن أنفسكم أو عن غيركم وبالتالي يكون التفاعل مع ما تكتبون .. صفراً في العادة؟

هل أصابكم جميعاً الياس و فقدان الأمل و تصاعد أدرينالين الإحباط في قلوبكم جراء صعوبة الحياة و انعدام فرص تقديم الصدقة و مساعدة الآخرين رغم قوة الأمنيات الطيبة الفائضة من أنفسكم؟

أنا لست مفتيَة، ولا متصدرة للفلسفة و النصائح. إنما أذكر نفسي و إياكم بعمل خير عظيم أجرُه مضاعف عند الله كأي خير يفعله المؤمن و يجزى عليه ضعف حسناته. هذا الخير هو: أن تكف أذاك عن الناس.

هل تفيض نفسك رغبة في عمل الخير لكنك حين تقع على اثم فعله مرء لا تتوانى عن فضحه و التنمر عليه و الاعتداء على عرضه و نفسه لفظاً أو عملاً؟ هل تحب أن تساعد الآخرين لكنك تأكل لحم من لا يعجبك من الناس بشهوة ضبعٍ جائع ضل الطريق و تضوَّرت معدته كما يتضور الهائم بلا سبيل؟ هل تتمنى أن تفعل شيئاً جيداً لعزيز في قلبك لكنك مريض بالكذب و خياطة الأذى من كل قول و فعل و إلقائِه كشبكة العنكبوت في طريق بغيض على قلبك؟

هل تعلم أن كل عمل صالح تعمله مُحبَط عند الله و فارغ البرَكة على من يُقدَّم إليهم إن كان من نفسٍ معجونة بالضغينة و تنفث الشر و الخبائث كما ينفثها الشيطان؟

قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً).

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفضِ الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله). رواه الترمذي.

قال أبو ذر رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل ؟ قال : (تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك). متفق عليه.

قيل : يا رسول الله أي الناس أفضل فذكر المجاهد ثم قال: (مؤمن في شعب من الشعاب يتقى الله ويدع الناس من شره). متفق عليه.

قال صلى الله عليه وسلم : إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته من قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار). رواه مسلم.