
بعدما قرأت هذه الرواية تذكرت إحدى صديقاتي . قالت لي مرة حديثكِ عن معاناتك أمام العامة في تويتر يظهركِ بمظهر الشاكية ، والناس تنفر من المتشكّيين. أجبتها حينها أنني متصالحة مع آلامي.لا أكتب عنها بقصد الشكوى فأنا أعرف جيداً أنَّ لا أحد بإمكانه مساعدتي وأعتقد أن المقربين مني يعرفون جيداً أنني أغلق الباب بوجه من يبدي لي وجه الشفقة..فأنا لا أحتاجها. وإنما أنا إنسانة قد تحتاج أحياناً للتحدث عن همومها بين البشر لتستأنس ليس أكثر. لتقلِّص الوحشة التي تشعر بها وهي وحيدة بوقت الوجع ليس أكثر. الأمر بسيط جداً بقدر حساسيته الفائقة. كما أنَّ حسابي في تويتر شخصي. أكتب فيه كما يحلو لي و على من يتابعني إما أن يقبلني كما أنا أو يلغِ متابعته لي بلا حرج. بعد ذلك الحديث بأيام قرأت بالصدفة رواية ” أرجوحة النفس” للروائية الألمانية هيرتا مولر..الحاصلة على جائزة نوبل للآداب في عام 2009 عن نفس الرواية والمترجمة في عنوان آخر بـ ” أعرف أنك ستعود ” . أول درس تعلمته من الرواية هو أن الحديث عن الأحزان سموُّ فائق عن طاقة الآخرين..أولئك الآخرين الذين لديهم أحزانهم أيضاً. لايوجد قلب خالٍ من معاناة. حتى أولئك الأغنياء الآمنين في بيوت منيفة و الذين لديهم مال و بنين لديهم معاناتهم الخاصة التي قد تكون عدم شعورهم بالسعادة رغم كل هذا الثراء..ذلك أنه لم ينجح في تأليف قلوب بعضهم على بعض. أو ربما لأن هذا الثراء نفسه لم يعصم أحدهم عن أخطاء كبيرة قد تودي به و بكل ما يملك من جمال و جاه. لايمكنك بعد قراءة سيرة نفي شباب يافعين و آخرين عجائز و بعضهم أطفال ألمانيين إلى السوفيت وتشريدهم واتهامهم بجرائم لايعرفون عنها شيئاً إلا أن تعذر أي أحد لا يستطيع فهم لمَ أنت تتحدث عن الألم أمامه. أنا مثلاً عندما أشاهد أي أحد يثرثر كثيراً و دوماً عن آلامه أحترمه و أعطف عليه لكنني لا أشفق عليه أبداً. العطف ليس هو الشفقة. العطف هو الرحمة. و الاحترام هو تقدير صبر هذا المتألم الذي لم يختَر إنهاء حياته بنفسه ليضع حداً لهذا العذاب الذي لا يستحقه.
كلنا عندما نتعذب بشيء نرى أننا لا نستحقه نتألم أكثر. نثرثر حول ألمنا لا لأننا نتألم بل لأننا نشعر بحرقة ظلم خفيّْ. أما أنا كمسلمة مثلاً فإنني لا أشعر بتلك الحرقة إلا في لحظة ضعف لذلك حبانا الله بنعمة الاستغفار والذكر الدائم فهما خير علاج نفسي عندما تضيق بنا أجسادنا و قلوبنا و الحياة بأسرها .
أنا لا أكتب الآن عن رواية أرجوحة نفس .
إنني أكتب عما كان يجب على التاريخ أن يفعله إزاء المنفيين الألمانيين المدنيين إلى السوفيت. أقل ما وجب فعله هو تخليد أسمائهم واحداً واحداً ليعوضهم المستقبل أياً كان مكان استقرارهم وحتى لو ماتوا فلابد أن أحداً من أهلهم ما زال حياً متضوراً من الحسرة على سلفهِ المعاقب بجريمة لم يرتكبها.
” يقول الكثير من الناس إن تجهيز الحقائب للسفر مسألة تدريب، يتعلمها المرء من نفسه كالغناء والصلاة . نحن لم نتدرب وليس لدينا حقائب. فعندما ذهب أبي إلى الجبهة لأداء خدمته الإلزامية في الجيش الروماني. لم يكن هناك مايجب تجهيزه. فالعسكري يحصل على كل شيء مع البدلة العسكرية ، ماعدا بعض الحاجات الخاصة بالسفر وحاجات أخرى ضد البرد. نحن لم نكن نعرف لماذا وجب علينا التجهيز. فالمرء لايملك لحظتها مايمكن أن يقول عنه : صح. المرء يرتجل لحظتها. ليصبح المغلوط ضروريا، أما الضروري فيصبح عندئذٍ الشيء الوحيد الصحيح ، ذلك فقط لأنه متوفر. “
أما السفر فهو في كل أحواله اغتراب و وحشة ..مهما كان المكان حبيباً إلى النفس أو بغيضاً سافر إليه المرء قسراً. السفر للعلم , التنزه , العلاج ، اللجوء..يختلف في ظاهره فقط عن السفر كـ منفيّْ. أو عن الترحيل المسمى مجازاً بالسفر. في كل هذه الأسفار شيء من عقوبة نائمة لا تستيقظ إلا عندما يقرص الحنين قلباً كان رغم كل عيوب مدينته الأم إلا أنه يشعر بالأمان . إن السفر شكل من أشكال الألم. لكنه ألم اغتراب مخفف في أحايين كثيرة بحسب نبل البلد التي يسافر إليها أحدنا. سويسرا مثلاً ليست كروسيا ! و كندا ليست مثل موسكو .
” كنت قد ربطت حذائي الجبلي و جلست على الطاولة أنتظر منتصف الليل ، وجاء منتصف الليل. لكن الدورية تأخرت عنه. ثلاث ساعات..وقت طويل يصعب على المرء لحظتها تحمله. وقفت أمي تحمل بيديها معطفي ذا الرباط المخملي الأسوَد..حيثُ دلفتُ فيه بمساعدتها. بكت أمي حين لبستُ قفازاتي الخضر. وهناك..على المدخل الخشبي تماماً..حيث عداد الغاز، قالت جدتي: أنا اعرف أنك ستعود.
حفظت هذه الجملة عن ظهر قلب دون قصد مني. و أخذتها معي دون انتباه إلى المعسكر. فأنا لم أدرِ يومها أن هذه الجملة سترافقني. لقد كانت جملةً ذات شخصية مستقلة. عملت وعلّمَت فيَّ مالم تستطعه كل الكتب التي حملتها. ” أنا أعرف أنك ستعود” صارت رفيقةً لجروح القلب و غريم ملاك الجوع. و لأنني عدتُ فعلاً فإنه يحق لي أن أقول : مثل هذه الجمل تعينك على البقـاء حياً. “
أنا أعرف أنك ستعود. أنا أعرف أنك ستتعافى . أنا أعرف أنك ستكون سعيداً يوما ما. أنا أعرف أنك ستحرك قدميك ذات نهار, أنا أعرف أنك ستعيش عمراً طويلاً بصحة جيدة ، أنا أعرف أنك ستموت و حولك أحفادك يبتسمون لأجلك حتى تغمض عينك قرير البال.
أنا أعرف أنكِ ستكونين بخير .
هذه ليست شعارات , لا ولا جملٌ معلَّبة. ولا حتى بوارق أمل و تشجيع تقال بدافع شفقة أو ضجر. كل هذه حين تسمعها من قلب يحبك و يعرف جيداً من أنت..ستعرف أنها أحراز تحفظك في غربتك و تقول لك كلما تذكرتها أن قائلها يحبك..ينتظر أن يسمع عنك خبراً طيباً. و حينها لن يجوز أن تسمي نفسك متشرداً, ولا منفياً, ولا متشكياً , ولا متذمراً, ولا ضعيف إيمان. أنت طبيعيٌ جداً. و الناس طبيعيون مثلك في عدم تحمٌّل ما تبديه أمامهم. آمِن أنهم طبيعيون و أن الطبيعة لعبت دورها معك أيضاً و سيجدف قاربك إلى بر السلام .
عشرات الرومانيين المنفيين منذ ذلك الوقت عاشوا هناك و تزوجوا من الروس و انخرطوا بينهم بعد ذلك حتى أن بينهم عباقرة استطاعوا إثبات مواهبهم و أحقيتهم بعيش أفضل من حياة الملاجئ والحرمان و الأميَّة فحصلوا على ما يستحقون بعد انهيار الإتحاد السوفيتي و نهوض روسيا بمقاليد حكم جديد و دستور يحفظ للإنسان حقه .
” حكت لي: اختبأت عن أنظار الدوريات أربعة أيام متواصلة في حفرة في حديقة الجيران خلف الخم. غير أن الثلج أتى وأصبحت الخطوات مرئية بين البيت و الحفرة. ولم تستطع أمها بعد ذلك أن تأتي لها بالطعام سراً.لقد كان بإمكان كل إنسان أن يتتبع أثر أقدامها فوق الثلج في كامل الحديقة و يقرأها.
لقد وشى الثلج بها. لتخرج طائعةً وبملء إرادتها من المخبأ , فالثلج أجبرها على الخروج باختيارها. لن أغفر للثلج فعلته مادمت حية..قالت هي. لايمكن محاكاة الثلج الطري. الثلج لايمكن رتقه..ليبدو وكأنه غير ممسوس. يمكن إعادة ترتيب التربة. قالت ترودي..و الرمل أيضاً. حتى العشب يمكن إصلاحه. إذا مااجتهد المرء في ذلك. الماء يعيد تشكيل نفسه بنفسه لأنه يبتلع كل شيء ثم ينغلق على نفسه بعد البلع فوراً. أما الهواء فلا يؤذي تشكيلته شيء، لأن طبيعته هكذا و الإنسان لا يستطيع رؤيته. كل شيء كان يمكن أن يسكت إلا الثلج. قالت ترودي بيلكيان. أن يكون الثلج هو المذنب الرئيسي..وأن يسقط في المدينة وكأنه يعرف أين هو. و كأنه يستضيف نفسه في بيته..و يضع نفسه فوراً في خدمة الروس. فذلك يعني أني هنا بسبب غدر الثلج بي. “
يا لؤم النصاعة ! قلت لنفسي كثيراً طوال حياتي أن البياض ليس بريئاً في كل حال. يمكن القول أنه سهلٌ ممتنع. كما لا يستطيع أن ينسى مخلوق كائن من كان أن اللون الأبيض مثلما هو لون أجنحة الملائكة و لون الندف و الثلج الذي ينتظره المتسلّخة جلودهم من الحر هو أيضاً لون الموت.. و الجسد بعد انطفاء حرارته. قرأت المقطع الملون بالأزرق من الرواية ودرجة الحرارة في المكان الذي أجلس فيه 5 تحت الصفر. تأملت صداقتي مع الثلج و خفت منه حين تخيلت أنه قد يفضح أسراري لأنه عصيٌ على التسويه. إخفاء بعض الأسرار المصيرية لايشبه أبداً عملية صنع رجل الثلج ذو الطاقية الحمراء و معطف الصوف الملفوف حول عنقه !
” قال كارلي : عندما كنتُ صغيراً عضضت على دراقة ثم تركتها تسقط مع العضة على الأرض. بعد ذلك رفعتها عن الأرض وأكلت منها المكان المتسخ بالرمل فقط و تركت الباقي يسقط ثانية. و رفعتها ثانيةً عن الأرض و أكلت منها المكان المتسخ فيها و أرميها.ثالثةً ورابعة حتى لم يبق منها في النهاية إلا اللب. في النتيجة أخذني أبي إلى الطبيب. لأنني لست طبيعياً..لأنني أتلذذ بأكل الرمل. و الآن أكلت من الرمل مايكفي ولم أعد أعرف كيف هو شكل الدراقة.
قلت : أصفر بشعيرات ناعمة و بعض الحرير الأحمر حول اللب.
سمعنا السيارة قادمة فنهضنا. بدأ كارلي هالمن بالترفيش .عندما كان يملأ رفشه.. كانت الدموع تسري ساقطةً باستقامة. و عندما يقذف هذا الرمل باتجاه السيارة تسري الدمعات إلى اليسار داخلةً فمه و إلى اليمين لتدخل أذنه. “
ظل هؤلاء الشباب في المعسكر خمس سنوات. مع كل تجدد معاهدة سلام يظنون أنه سيفرج عنهم و يعودوا إلى أوطانهم لكن أحلامهم تتبدد. بالطبع لا يدعهم الجيش يبقون نائمين بلا عمل. كانوا يعملون في كل المهن الوضيعة ..وأخرى غير وضيعة لكنها بسيطة لا توفر لهم أكثر من ثمن عشائهم لليلة واحدة و بأقل كمية طعام في الطبق. لا تستطيع و أنت تقرأ عن كارلي هالمن إلا أن تدمع عينك معه. كان كارلي مصاباً باضطراب (بيكا) في طفولته..وهذا الاضطراب يجعل الطفل يأكل مواداً غير طبيعية أو غير قابلة للهضم. كان الأمر بريئاً في طفولته. لكنه الآن بعد اعتقاله و تشرده في المعسكر السوفيتي كلِّف بمهمة نقل و تحميل الرمل إلى أماكن تأخذ منها الشاحنات أطنان الرمل لاستخدامه في أغراض بعيدة كلياً عن خدمة المنفيين و مساعدتهم. لذلك كان كارلي يبكي ويأكل الرمل هذه المرة قهراً مميتاً..و ليس لأن البيكا استمرت معه حتى كبر.
كم من الأشياء نأكلها و نمضغها الآن بعد أن كبرنا يظن الناس أننا نمضغها بإرادتنا و نحن نفعل ذلك قهراً كي لا يصل المشرط إلى أوردتنا أو مسحوق أي سُم متوفر في الأسواق الفقيرة ؟
” لقد نسيت كيف آكل بالشوكة و السكين. لم ترتجف يداي فقط بل ارتجفت حتى اللقمة التي أبلعها في حلقي. فقد تعرفت على الكيفية التي يجوع بها الإنسان وكيف يمط بطعامه زمناً..إن حصل عليه.أو يبتلع هذا الطعام مثلما تفعل أفعى. لم أعد أعرف الالتزام بمدة محددة للوك الطعام في الفم ولا متى عليَّ بلعه كي يكون أكلي على الطريقة الراقية. كان أبي جالساً قبالتي. و بدت لي المائدة كبيرة و كأنها نصف الكون. تفحصني أبي بعينين نصف مطبقتين و كان يخفي إشفاقه علي. تحت رموش عينيه أضاء كامل ذعره وردياً كالجلد الكوارتزي لشفته من الداخل. كانت جدتي أفضل من رعاني و حنَّ علي في كل الظروف. فقد كانت تطبخ الحساء الكثيف , ربما لكيلا أضطر و أزعج نفسي باستخدام الشوكة و السكين . “
لا أظنني أجد تعليقاً على هذا المقطع. إلهي أنت إله الرحمة.. بات العالمُ حقنة سيانيد, خفف عنا سمومنا يا إلهنا الرحيم.