1
الثلج يتساقط.
في الخارج ليس شتاءً. الفصلُ خريف. يبدو أن الكاتب قد نسي. لم يخطئ ، مثل هذه ليست أخطاء. هي هفوات صغيرة يجب الانتباه إليها قبل النشر.. فالقارئ لا يرحم. يبدو ايفان في داخل المنزل الدافئ مشوشاً من زاك آرنوكوف , الأول هو كاتب القصة التي سأقولها بعد قليل , الثاني صديقه عازف الغيتار .. عفواً، إنه عبقري الغيتار الذي كان يخشى جميع الهواة في أكوشا من تخيل فكرة منافسته..إذ أن النتيجة محسومة سلفاً. وأكوشا هي مدينة صغيرة في داغستان.. لكنها متخمة بالفنانين و كتَّاب القصص، لم يخرج من أكوشا روائيٌ واحد. ايفان مشوش من آرنوكوف لأنه يسقط عليه إلهامات أقوى من إلهامه قصير المدى الذي أوحى إليه هذه الأيام مثلاً بفكرة العلاقة الغزلية المحتملة بين كائنين من الطبيعة . أحياء بالطبع , أو ذوات أرواح. كالعلاقة بين شجرة و بحر مثلاً. أو بين جبل و مطر ، أو بين أفعى ذهبية يبرق جلدها و قط شيرازي في منزل صياد سمك فقير . زاك آرنوكوف يمكن لإلهاماته أن تردي هذه الفكرة أو تملأها بالهفوات أثناء كتابتها بجوار شيء أقوى منها. و بالطبع فإن مخيلة ايفان تأتي له بأفكار قوية عطفاً على إلهامات آرنوكوف لكنه لا يستخدمها .. إنه يرجّ رأسه بقوة عندما يوحي إليه آرنوكوف بفكرة لقصة قد تهز العالَم و تشغل القراء لأيام و أعوام. إنه مخلصٌ لإلهامه مهما كان ضعيفاً. وهو يقول دوماً لنفسه : ” الطبيعة العظيمة القادرة على هدم منزلي فوق رأسي كما قدرتها على منحي الدفء دون حطب و نار عندما تتعامد شمسها على أرضي ..هي ليست إلهاماً ضعيفاً. إنني قوي , بقوَّة ما تمدّني به الطبيعة من أفكار و أبطال افتراضيين أحركهم كما أشاء . إن آرنوكوف يعجبني ، يلهمه شكل الأحرف الموسيقية المفتون بها و تلهمه قصَّة شعر المرأة الفرنسية ذات العينين اللوزيتين , بيضاء كانت هذه المرأة أم شديدة البياض. سيرة حياة بيتهوفن تلهم آرنوكوف أيضاً، و فيلم أماديوس رغم اعترافه أنه لم يسمع في حياته سيمفونية واحدة لموزارت ! آرنوكوف يكره تشايكوفسكي ، لأنه تفوق عليه في بداياته بكسارة البندق و بحيرة البجع. يعترف آرنوكوف بهذا الكره بالرغم من أنه ليس مؤلفاً موسيقياً لكنه يؤمن بمقولة : المؤلف الموسيقي و ملحن القصائد مثل الرجل الذي لا يصبح إنساناً دون امرأة و هو أيضاً مثل المرأة التي لا تستقيم بلا رجل. آرنوكوف اليوم له سبعون سوناتا.. عزفها بالغيتار فقط. من بينها ” نوفمبر الجميل ” ، و ” الوردة اسمها آنا اخماتوفا ” ، و ” الطفل العربي للسيدة الإنجليزية فيرجينيا وولف.”
عن السوناتة الأخيرة.. يقول ايفان أنه قرأ في مذكرات آرنوكوف بعد وفاته اسم طفل السيدة الإنجليزية وولف.. وهي سيدة لم يتحدث عن ظروف اختراعه لشخصيتها..لكنه كان معجباً بعندليب العرب عبدالحليم حافظ ، فألحقه نسباً بالشخصية الموسيقية , وهو بالطبع يلمح من خلال هذا الاقتران العجيب إلى أنَّ اللحن الإنجليزي الذي ألّفه لهذه السوناتة سوف يحدث فيه انحراف _ حرص آرنوكوف على أن يكون عظيماً _ يقص على أذن المستمع قصة بطل عربي كان طفلاً موهوباً لتلك السيدة الأديبة. إلا أنك إن لم تكن خبيراً في الألحان المكبلهة لن تستطيع فهم السوناته ( المكتوبة على شكل قصيدة سرية أولاً) إلا على أنها مزيج سيريالي بين أجود ما لدى الشرق و الغرب. لكن آرنوكوف يشرح في حاشية نوتة السوناتا أنها من الدقيقة الخامسة عشر حتى الخامسة و العشرين تصبح شرقية يجب على المسرح الذي تُعزَفُ عليه أن يجعل خلفيتها مشهداً متحركاً لنهر النيل . كان آرنوكوف يحب ايفان حباً جماً. لم يعامله كصديق ؛ وهي الصفة الرئيسية للعلاقة بينهما ، بل عاملهُ كخصم مفترض. كان يتوسل إليه أن يتقمص روح تشايكوفسكي ويتحداه أن يصنع لحناً أجمل من ألحانه ليوقد فيه نار إبداعٍ لا تهدأ إلا بولادة معزوفة يكون ايفان أول من سمعها. أما ايفان فكان كثيراً ما يعترض على طلبات آرنوكوف ويقول له : دعك من استخدام تشايكوفسكي حطباً لعبقريتك يا زاك , أنت لاتحتاج إلى الكره بل إلى الطموح ,إلى الحب و الرغبة. إنني على كرهي لشهوانية الرجل حين يكون فناناً لكنني أناديك الآن لإطلاق رغبتك في أي امرأة فرنسية ذات شعر قصير دائري و عينين لوزيتين و لسوف أكتب لك قصةً تصورها أمامك من لحمٍ و دم فتتبدَّد فيها بلا تحكّم ولا هوادة ! لم يكن آرنوكوف يرفض نصائح ايفان ، ينفذ ما يقترحه عليه بكامل تفاصيله و يصنعان معاً أجمل القصص و الألحان الغرائبية ، لقد كان آرنوكوف يلحن عبارات كثيرة من قصص ايفان، تلك التي تحدث في نفسه إيقاعاً موسيقياً يستفز جنونه بالتلحين. لكنه يعود بعد الانتهاء من كل ذلك إلى التوسل لصديقه بأن يتقمص تشايكوفسكي ليصنع شيئاً ينقسم القمر من جماله إلى قسمين و تتحول الأرض إلى ثلاثة أجزاء.. يابسة , ماء , و موسيقى زاك آرنوكوف.
تمنى ايفان كثيراً لو كان هو صديقه زاك. إنه يشعر أنَّ الإلهام الذي تمده به الطبيعة لا يكفِ لخلق قصص مبهرة جديدة ؛ قد يحافظ على القديم منها..بحيث تشعر وأنت تقرأ إحدى قصصه و كأنك تقرأها لأول مرة. لكنه لن يلهمه بفكرة اكتشاف كائن بحري جديد مثلاً .. لم يعرفه القارئ من قبل. إنه لايريد اكتشاف ماهو موجود في الطبيعة، بل أن يستمد من الطبيعة ما لم يوجد بعد, ينشد إيفان خاصية الابتكار. إنه محبط لأن الطبيعة التي أمامه تفتقر إلى الابتكار. فالثلج يتساقط في الشتاء بنفس الطريقة دوماً، و الأزهار البرية تزين الجبال في الربيع بالنسق نفسه كل موسم. حتى القمر لم يتغير شكله منذ نظر إليه لأول مرة و ظنَّهُ كرة قدم معلقة في السماء ! هو كقاص يتحلى بحاسة فنية كان يأمل أن يرى القمر على شكل حبيبته الراحلة. ايفان لم يعشق بعد محبوبته أحداً سوى الأرواح غير العاقلة. ربَّى العديد من القطط و الكلاب و الأرانب و الدجاج . أحياناً كان يصيد الفراشات الملونة ليتذكر روح فتاته المرحة .. كان يشبهها بعلبة ألوان لا تباع في المكتبات. لأنها صنِعت في قلب ” دِين” ..طيفه متموج الألوان الذي أضاء حياته و أطفأها بعد أن اختفى كنجمة قطب خرافية. و دين هو اسم محبوبته التي كانت تغنِه عن الطبيعة كإلهام وحيد.. وعظيم . لكنه لم يكتشف عظمته بعد كل القصص العظيمة التي خلّفها إرثاً أبدياً لروَّاد التراجيديا . كان يحلم في بعض الليالِ التي يصاب فيها بالحمى أنَّ دين تأتيه .. تأخذ بيده من خلف طاولة الكتابة إلى جوار الشباك و ينظران معاً إلى النجوم ، ثم تقول له بآداء مونولوجست فكاهي :
حبيبي إيفان ..
الطبيعة ابتكار الله ؛
دين التي يحبها إيفان ابتكرها الله أيضاً..
ايفان الذي تحبه دين ابتكره الله أيضاً ..
الله .. يا الله .. شكراً لك على هذا الفن ..
نحن مخلوقاتك التي تتوسل يا الله ..
بثَّ في أرواحنا شيئاً من فن الابتكار..
مدَّ إيفان بالخيال ليبتكر ,
امنح حبيبي ايفان القوة لغرس نجمة جديدة دامعة..
بين نجوم السماء اللامعة ..يا الله ،
حبيبي ايفان ،
أتنصت ؟ أترى ؟ أتحبني ؟
استجب إذن لصوت الطبيعة في قلبك ..
قلبك ابتكار الله ؛
تلك النبضات خرائط إن أنت استمعت إليها..
ستصل إلى الكنز الذي خبأه لك الله ,
خالق الطبيعة، خالق إيفان ، دين، و النجوم..
حبيبي إيفان ،
هل تتذكر عندما كنت تضمني ؟
ضمَّ كنزك الآن ,
إنه ابتكارك المنشود ..
إن أنت اعترفت بالحصول عليه ،
لن تغشاكما ضلالة عن بعضكما بعد اليوم ,
حبيبي إيفان ..
النوم ليس للمبتكرين ،
الحمى لليائسين و الضائعين ..
قم إلى رحلتك ..
من يدري ؟
قد أكون هناك.. بجوار كنزك الخلاق ,
قد أكون كنزك الخلاق.
يعترف إيفان أنه عالمٌ بخطئه في الاتكال على الطبيعة لتقديم ابتكار جاهز يستخدمه في خلق قصص لم يسمع بها بشر من قبل. ذلك أن افتقاره للابتكار لم يكن في الطبيعة بل في نفسه. ناجحٌ هو إيفان ، لكنه ناقص التجربة. إذ أنَّ الابتكار فن، و الفن عدد لا متناهٍ من الفنون . كل فنان يتسم بالطمع ، يبحث عمَّ ينقص الجزء المحزون من قلبه رغم الأجزاء المضيئة فيه ..تلك الأجزاء التي عشقها من عشقها من المتذوقين فتحولَت إلى مسرحٍ حي.
كان زاك آرنوكوف يفتقر إلى قصائد متقنة يقوم بتلحينها بالرغم من جميع السوناتات المذهلة التي صنعها. وخلطته السرية في تلك السوناتات هي القصائد التي كان يؤلفها ويلحنها في الوقت نفسه. زاك كان أمياً. لم يقرأ و يكتب في حياته. لذلك كان يتخيل عبارات لطالما اعتبرها هراءً لكنه لحنها لأنه لم يرد أن يثقل على صديقه القاص إيفان. فهو يعلم أنه لا يكتب شعراً..بالرغم من أنه كان منقذه الأول حين يعوزه تشبيه مؤثر في عبارة درامية أو مشهد طريف في عبارة فرائحية. و عندما تخرج المعزوفة ناضجةً من فرن زاك كان ينسى أو ربما .. يتناسى الكلمات التي خرجَت هذه الألحان على أكتافها. إذ أنه كان متمسكاً بصفة عازف الغيتار أمام الهواة و النقاد و المتذوقين. فلم يعلم أحد أن زاك كان شاعراً إلا بعد وفاته بأعوام..عندما تحدث إيفان أخيراً عن مآثر صديقه بعد أن أضناه الشوق ، كان يشعر أنه امتداد لظُلم زاك لنفسه وهو يخبئ أسرار فنه العظيم عن الناس. تفوق زاك على تشايكوفيسكي دون أن يعلم. فقد كان مؤلفاً و ملحناً من حيث لم يعتبر نفسه مؤلف موسيقى. آرنوكوف كان لا يعرف أن ما فعله هو تجسيد بهي كبهاء الكون الذي عمَّت فيه ألحانه لكلمة ” ابتكار ” . وهكذا فقد كان هو أيضاً ذو تجربة فنية ناقصة ، لقد نقصها أن يعرف الاسم الكونيّ لعبقريته التي تعلم على أبجديتها عشرات الآلاف من الفنانين .. ذلك الاسم هو ” الابتكار” .
2
الثلج يتساقط . أضع أجزاء من كعك دافئ على سليوليد لم يتبقَّ بحوزتي غيره اليوم. تقطعت سبلي إلى مموِّلي بأدوات التصوير. يبدو أنه عاد إلى مخبأه تحت جسر المدينة لأن مخرج أفلام الرعب لم يكلفه بدور جديد. إنه كومبارس محترف . لو أنني مكان ذلك المخرج لمنحته فرصة بطولة في فيلم مدته سبع دقائق. و للسبع مبرراتها. دقيقة للمقدمة ، دقيقة للرسالة المكتوبة بعد مشهد النهاية ، ثلاث دقائق للوحة بورتريه بعنوان “فتاة مريضة ” للفنان المستحيل ميخائيل نيستروف (تقف الكاميرا عند تلك اللوحة بصمت لثلاث دقائق دون تأثير فني أو موسيقي) ، دقيقتين لقصة فيرونيكا ، و هذه هي القصة :
فيرونيكا فتاة نحيلة يدور بذهنها طوال الوقت تناول قالب كعك كامل محشوٌ بالكرز. لكن جاك..متسول القرية ، يسرق كعكها دوماً ويترك لها فتاتاً منه يكفي بالكاد لإطعام مناقير العصافير. فيرونيكا وضعت ذات يوم سمَّ فئران لجاك ..وضعته في قالب الكعك. يومها أشيع في القرية خبر سقوط جاك من عربة قش عالية و جرح في رأسه ثم أخذته جدته إلى بيتها في القرية المجاورة لتعتني به. النبأ الذي أبهج فيرونيكا أنساها أنها وضعت سم فئران في قالب الكعك، أكلت منه قطعة.. صغيرة..قطعة صغيرة. صغيرة جداً. تكاد تكفي لإطعام ثلاث مناقير لعصافير صغيرة. ماتت فيرونيكا. في عامٍ تلى ذلك العام، رأى أهالي الحي روح فيرونيكا المتخلقة من روحها الأولى ( التي قد لاتكون روحها الأولى ) تجوب الأنحاء و تتسول من الباعة قطعة كعك وإن لم تكن محشوة بالكرز.
لا نعلم ماذا كانت فيرونيكا في روحها الأولى ؛ ربما كانت ملِكة أثيوبيا ! و ربما كانت نورساً يحمل فتات الكعك إلى رفاقه في السرب , أما روحها الثانية فربما كانت قارئة .. أو معلمة قراءة تأخذ بيد الأطفال إلى عالم الكلمة السحريّْ. فيرونيكا النحيلة التي تعشق الكعك المحشو بالكرز ليس معروفاً أي نسخة من أرواحها كانت تحمل. ربما هي روحها الخمسة آلاف. أو الخمسمائة ألف و عشرة. إننا نعلم فقط عن تلك النسخ التي شاهدناها .
هذه القصة تحولَت إلى فيلم مدته سبع دقائق. فككت محتوى الفيلم للقارئ في بداية القصة. استخدمت بعض الخروق البالية للتعبير عن التسول؛ كما استعنت ببعض قطرات البول و قطرتها على جزء آخر من السليوليد لأعبر بالتأثير المتروك عن سم الفئران. أسميت الفيلم ” ملهاة المساكين ” . حصل هذا الفيلم على جائزة عالمية في مهرجان للأفلام القصيرة و هذا المهرجان معروف .. إنه مهرجان الصورة التذكارية. هذا هو اسمه. و بعدما حملت أوسكاري الذهبي الجميل , عدت إلى بلدي و لم أمر على أيٍ من الأهل أو الأصدقاء , اتجهت مباشرةً إلى منزلي . و اتخذت مكاني خلف رجل الثلج الذي صنعته بالقطن لأحتفظ به داخل المنزل فوق طاولة العمل , و كتبت برقية إلى ممولي ليزودني في أقرب وقت بأشرطة سليوليد جديدة , ثم أخرجت قطعة كعك بائتة من البرَّاد و تناولتها على أنغام فيلمي ” ملهاة المساكين ” الذي كان يعرض في القناة الناقلة لمهرجان الصورة التذكارية آنذاك.
إيفان
أكوشا / داغستان
12-12-2012
3
إنَّ الأشياء التي نحكيها عن الآخرين هي الصدق بعينه مقارنة بما نحكيه عن أنفسنا من أكاذيب. نحن لا نستطيع قول حقيقة واحدة عنا دون رتوش زائدة أو إزالة رتوش لازمة. هب أنني قصصت لك علاقة الحب بين البحر و شجرة استوائية في غابة لا يصل إليها ماء البحر. يبدو الأمر لأول وهلة عصياً على التصديق , لكنه ممكن الحدوث إن قرأناه كمشهد فني . عندما تصل مواصفات الأشياء إلى قلوبنا و نشعر بها ..يكون قد تحقق لها الصدق. وإن لم تكن معقولة. و لكن هب أنني قصصت لك علاقة بيني و بين فتاة تستريب بها أنت و رفقاؤك , إنك إما لن تصدق أنني استطعت أن أرى اللؤلؤ المخبأ في كريات دمها و إما لن تصدق أنها اكتفت بي. تؤثر على آراء الآخرين سمعة آخرين السيئة .بعضهم ذو سمعة عطرة , لكنها سيئة عند واحد أو اثنين , وهذا كافٍ لإحداث ضجيج يعيد قول إلياس كانيتي إلى الواجهة : إن الأشياء الحقيقية التي أحكيها عن نفسي هي التي تبدو لي مثل أكاذيب.
لذلك أنت تصدق الآن ما قصصته لك عن إيفان و زاك آرنوكوف , الأدب و الفن و العبقرية و الابتكار ..كل ذلك بالرغم من السر الذي سأعترف لك به الآن .. لا يوجد أحد في العالم اسمه ايفان , ولا زاك آرنوكوف. لكنني إن قلت لك أنني أنا هذين العبقريين مجتمعين .. أنا إيفان , و زاك آرنوكوف .. لن تصدقني. ستقول أنني مغرور و مصاب بجنون العظمة , ستقترح عليَّ زيارة طبيب نفسي يعرِّي حجمي كما هو دون تضخيم ولا تقزيم . و سوف تكرهني و ترحل و تدَّعي أنك تكره الذين يقولون عن أنفسهم عباقرة و تحب الذين تعتقد أنت أنهم عباقرة وهم متواضعون. تعرف أنك تكذب , أنك منافق يبرع أكثر ما يبرع عندما يشاهد مخلوقاً متباهياً بأدبه و فنه..في السفسطائية و التنظير. هذا يجوز و هذا لا يجوز . هذا يجب و هذا لا يجب , هذا حريٌ بفلان و ذاك عيبٌ على الخلان ! حتى أنك تفوِّت على نفسك لحظة الاستماع إليّ و أنا أقول أنني أيضاً لست أصدق نفسي. لكنني لست أحتقرها. إنني حين لا أصدِّقني وأنا أفخر بأدبي و أترنم بفني و ألمِّع الجوائز التي حصلت عليها نظير ابتكاراتي .. لستُ أؤمن أني كاذب. لكنني أشعر بالأمور التي لم أتوقع أن أقدر عليها يوماً تبدو مثل أكاذيب. و ليست كل الأكاذيب حقيقية , كما ليست كل الحقائق قد حدثت بالفعل. فهناك ما يحدث في الخيال , و هناك ما يحدث على الورق , و هناك ما يحدث على أنغام الوتر , و هناك ما يحدث على الأرض ..المكان الأشد مأساوية فيما عرِف الأدب و الفن و الفكر على مدى الأزمان.
إنني أقصُّ عليك الآن فكرتي عن العلاقة الغزلية التي ألمحت إليها عندما تحدثت عن قصص إيفان المستلهمة من خيالات زاك آرنوكوف. تلك التي تؤدي بشغفك الفوضوي مباشرةً إلى درب الولع. هناك حيث الفن . وإن لم يكن المرء مولعاً بالفن , فإنه سيَّان إن كان كومبارساً في فيلم مدته 1,55,8 قررت الرقابة منعه من العرض أو ماسح أحذية . أما إن كان المرء مخلصاً للفن , فإن عليه علاج عقله من التثاؤب عندما تتلى عليه كلمة ” طبيعة ” , ذلك أن ما للفن من فاتحة قبل الطبيعة. وما له من خاتمة غير الطبيعة. بأحراشها , بحشراتها , بفضلاتها, بشهواتها, بفراديسها , بما تبقى من مائها العذب و رملها الناعم, بمصادر الإسمنت التي زوَّدت بها المدنيين حتى شيدوا مدناً إسمنتية تستهزئ بالفن عندما ترى أوراق النقد من فئة الآحاد حتى الملايين.
لم ينجح إيفان في قصصه التي أخلص فيها للطبيعة و أطلق لها دور البطولة بل و جعلها المخرج الذي يتحكم في ” بوز” الكاميرا و ألوان التمييز بين الزمن ..ماضٍ.. حاضر.. مستقبل. ذلك أنه كتب في عصر الطفرة. كفر هواة الفن بالفن و هرولوا إلى حيث سدادات العوز و شلالات الشهرة. في إحدى الإستفتاءات اكتشف إيفان الذي كتب ذلك الاستفتاء بطلب من آرنوكوف ..أن عشرات الهواة كفروا بفضل العزلة في تخصيب الفن. أصبحوا ثوريين اعتنقوا عقيدة الشتائم على كل من يظنونه سبباً في جريمة شعبية أو فردية. فكانوا ينعتون المنعزل بالفاشل العبد . حتى انتحر يوماً رسام تجريديٌ بارع لو عاش لكنا قرأنا اسمه في قائمة أعظم عشرة رسامين في العالم. كان يفرد ورق الجرائد على أرض الصالة في منزله الصغير و يلزق طرف الجريدة بطرف الأخرى ثم يطليها بطبقة خفيفة من دهان أبيض لا يمحي هوية الجريدة بالكامل ..بعد ذلك يبدأ بالرسم على طريقة الكولاج . يرسم بعض ملامح اللوحة بالألوان و يستخدم عناصر خارجية في إبراز بعضها الآخر. مرةً أحدث قطعاً في كفه و عندما تدفق الدم طبعها على مكان مميز في اللوحة. و عندما عرضها على أحد النقاد عرف الناقد على الفور أن تلك الكف طبعَت بدَم لا بلون دهان أحمر . بعد انتحار ذلك الرسام الذي عشق فنه عشقاً جماً دفعه إلى الخلاص من العالَم الذي كفر فجأةً به , دافع بعض الثوريين عن هجومهم الضاري على المنعزلين.. قالوا نحن قلنا المنعزلين , لكننا لم نقل ” الفنانين المنعزلين ” ! و عندما وصل هذا القول إلى زاك آرنوكوف و إيفان . قاموا سوياً بتأليف فيلم قصدوا فيه كوميديا سوداء تعبر عن سخريتهم من خونة الفن فكان فيلماً مدته ثلاث دقائق عبارة عن شاشة سوداء كتبت عليها كلمة فن بخطٍ مطلسم أسمته السينما الصامتة فيما بعد .. بخط الموت .
4
توفي إيفان متأثراً بالألم من فشل آخر قصة كتبها في حياته . قصة لم تكن فاشلة, لكن طفرة الرواية قد اجتاحت أكوشا ؛ حتى تصدَّر ذات يوم عنوان رئيسي في صفحة جريدة المدينة الرسمية الأولى و كان بنفس العدد الذي نشرَت فيه قصة إيفان الأخيرة في الصفحة الأخيرة الخاصة بأصدقاء الجريدة.
العنوان : موت انطون تشيخوف و ميلاد فلاديمير نابوكوف .
الخبر : تعلن رابطة أدباء داغستان عن انتهاء أدب القصة و ولادة أدب الرواية منذ هذا اليوم الذي يوافق اليوم العالمي للكتاب. و على أدباء القصة في البلاد الحضور إلى وزارة الثقافة و الفنون للتوقيع على تعهد بعدم نشر قصة في مكتبات و صحف داغستان من اليوم فصاعداً .. يبلَّغ أمرنا هذا لكافة جهات النشر و صوالين القراءة و ينفذ.
ــــ
4-4-2012 لندن