118

1 سبتمبر 2010

..

.
” لا يجوز للمظلوم أن يعتمد على ضمير الظالم .
فالظالم حين يظلم لا يشعر بأنه ظالم , ذلك لأنه ينظر في الأمور من خلال منظار خاص به يختلف عن ذلك المنظار الذي ينظر من خلاله المظلوم ” . علي الوردي

لا أحب الكتابة عن الظلم . ولا الحديث عنه . رغم أنني أفعل . لكنني خففت من الحديث عن هذا الموضوع حتى أنني أكاد لا أتحدث عنه أبداً . أقصد عند المقربين بالطبع . عدم الحديث عنه عند الغرباء الذين لا يعرفون غير الحكم على الأمور من طرف خصم واحد هو سلامة و أمان . قد يجاملك أحدهم و يقول لك فعلاً لقد أخطأ فلان , لا عليك .. العالَم ملئ بالمرضى و السفهاء . لا تكترث , لا تعطِ الصغائر أكبر من حجمها . لكنه من خلفك يفعل واحداً من أمرين .. إما أنه لا يتورع عن إقامة حرب بينه و بين أول مختلف معه في أي شيء كان . و إما أن يدور على الجيران ليخبرهم أنكَ تتسول صدقة معنوية من خلال إظهار نفسك ضحية أشخاص قد يفكرون في النمل لكنهم يتورعون عن التفكير بك فضلاً عن ظُلمك . عندما حكَت لي زينب عن قصة الرجل الذي ظنها في بداية علاقتهم هشة متسولة لأنها اشتكَت من صديقته السابقة , قالت أنه قبلها بأيام كان ينصحها أن تصنع لنفسها فضيلة اسمها سخافة . قال أن صديقته السابقة نجحت في كسب قلبه لأنها كانت تحمي فرصتها . حاتم هو فرصة سارة . جاءت بعد فشل في فرص كثيرة كانت تخوضها بلا فضيلة . الرجال السابقين في حياتها لم يكونوا يرغبون في امرأةٍ خائفة , مترددة , ذكية , مثقفة , و حريصة على تصنيف العلاقات أو في أضيق الأحوال .. تضفيرها . حاتم رجل شيطلائكي . النساء يحبون هذا القالب من الرجال . نعم تماماً .. هو نفسه الرجل الذي يكذب على المرأة ليرضي غرور أنوثتها . بعد تجربته مع سارة خرج شبيهاً بزينب . لكنه لم يصِب في فهم كلامها عندما كانت تريد التأكد أن سارة لم تترك في نفسه قناعات تسد النوافذ على الطيور الآتية بعد رحيلها . إنه أمر صعب ؛ بل هو من أصعب الأمور أن يفهمك أحد اصطفيته للحب , الأصعب أكثر أن تحاول فهمه كما تفهم نفسك . أن تحاول فهمه بطريقتك الخاصة , طباعك و عاداتك و ثقافتك و سلوكك و ظنونك . هذا لأنك عاجز عن فصل قلبك عن عقلك أثناء التفكير في الناس . لا أتذكر اسم صاحب مقالة تتحدث عن أخطاء الثقافة عندما تكون إرثاً يفعَّل في التعاملات الإنسانية قبل تفعيل التجربة و التطبيق . إرث المقولات و التعريفات و الاقتباسات و القصائد . لا يُمكنك أن تؤمن حتى بجدوى التأني و ضرورة الإنصاف إن لم تجرب و تتوجع .

أصبحت عندما أُظلَم , أكتب لأستطيع التفكير في طريقة لنسيان الظلم بدلاً من الشكوى و خفض جناح الذل . نصوصي عن الظلم ليست كثيرة . لأنني لحسن الحظ لا أُظلَمُ كثيراً . في مراهقتي كنت غامضة ضبابية لا يفهم الناس كلامي و بعضهم يظنون أنني كنت خرساء و انفكَّت عقدة لساني للتو و أحتاج إلى وقت لأركب جمل مفيدة بشكل مفهوم . بعد العيش مع الموجوعين و إسقائهم الدواء بيدي , تحولت إلى شمس مشرقة رغم كرهي للشمس . أقصد أنني أكرهها دون التصريح بكرهي لها لأنها من آيات الله ! صرتُ أصنع للناس رسوماً شجرية بها طرق عديدة لنسيان الألم . طرق عديدة للتفاؤل , طرق عديدة لإعادة صلة الرحم بأمِّنا الأمَل , طرق عديدة لاستخدام الطبيعة في التشافي و إتمام الأعداد الناقصة , و تنقية الألوان الممزوجة , و تفهُّم الشتائم التي تهطل من أفواه أهم أسباب تلوث الطبيعة , تلك الحصى المتساقطة على سبيل الشماتة أو التهكم أو حتى المزاح .

إنني أنسى عندما أكتب . أعبئ كيس البياض بنُشارَتي الملونة و ريشي المنتوف و بقايا قش كان يخص عشي القديم الذي هدمته حركة التطوير . أحب الصوت الصادر من رأس قلمي الجاف و هو يطاوع أصابعي . ولا أقوم بتدليك أصابعي بعد طي الورقة عندما يؤلمني انتفاخها لكثرة ما كتبت . لا أحب عنونة الكلام الذي أكتبه لأفكر من خلاله و أتداوى . ولا ذلك الذي أكتبه لأنسى و أتجلَّد ضد الصفح . أحب أن يكون كل ما أقوله هامش على صفحة الكلام الجميل الذي أخرج به للطيبين . عادةً أقابلهم و كأنني لا شيء .. سوى أنَّ بحوزتي كل شيء .
شيء يتشبث بي الأخيار عندما يستمعون إليه . و شيء يتركهم يتجولون في سوق الحياة دون أن يتذكروا فتاة تنتظر هداياهم في البيت الحميم .

117

1 سبتمبر 2010

 

.

1

أعرف أنني أختلف . لستُ مختلفة . أتعمد أن أختلف . لا يناسبني السائد و المعلب و المستهلك و المتداول حُباً كان أم تشهيراً . جربت . كنت أمرض , نعم أمرض عندما أفعل شيئاً بداعي التواضع و مماشاة النسق ولا أستطيع . أنجح أحياناً .. لكن أحداً لا يعرِف أنني أمرض نتاج هذا الإجبار . ليس لديَّ أم تلوي ذراعي على شكل ” برضاي عليكِ تروحي تسلمي على خالك , برضاي عليكِ تجيبي هدية لبنت عمك ” ليس لديَّ أقرباء يستغلون نقاط ضعفي لإرضاء مطامعهم و غرورهم السلطوي . عندما أُساير و أتكرر و أمضغ المستهلَك .. أفعل هذا بمحض إرادتي . في كامل وعيي , لا أكون تحت تأثير بروزاك ولا الكبتاجون . أقوم بهذا لأنني أريد أن لا أبالغ في التنحِّي . أريد أن لا أفرِط في الاختلاف . ليست جميع الدوائر خانقة . البقاء في بعض الدوائر خطة أمان على الحُر أن يُدرك كوْنها ليست سجناً ولا قبواً ولا مصيدة . لكنني أمرض , فأشذ . في سنوات خلَت كنت معروفة لدى أقراني بلقب ” سنفور معارض ” لأنني كنت مثل الجِن .. أبلِغ الناس برفضي للمواضيع التي علينا القيام بها في آخر لحظة و بعد أن تكون جميع ترتيبات المهام قد اكتملت و أصبحت جاهزة للتنفيذ. أفسِد عليهم أعمالهم رغم أنهم أذكياء و أقوياء يعرفون كيف يسدون الفراغات لكنهم دوماً عند اسمي .. يقفون عاجزين عن سد الثغرة . لأنهم دائماً يوكلُون إلىَّ مهمةً يضايقهم تنفيذها , أو واجباً ثقيلاً على نفسهم , أو استخدام شيء لا يقدرون على التواضع معه . عليَّ القيام بما يضايق الآخرين و يفعلوه . لأنهم في وجودي يبحثون عن مخرج من النفاق و التبعية و الانصياع . و كنت أرحمهم كثيراً , و أخشى مجدداً من تبعات التنحي فأنصاع لهم كما انصاعوا لغيري ؛ لكنني أمرض !
أتحدث عن ماضٍ كدَّسني مثلما كدَّستُ كتب ملف المستقبل و روايات عبير في أغلى خزائني ! هذا أن أرخصها ثمناً هو أوسعها مكاناً و هو الموقع المناسب للكتب الثمينة التي يجب أن تبقى قريبة و نظيفة من الغبرة و العتم . اختلفت في السنوات الثلاث الأخيرة حتى نسي بعض أكثر من كانوا يعملون على تحويلي إلى آلة تكرار ملامحي . نسوا صوتي و كيف أقول ” it’s ok ” التي عرفوا معناها و ألِفوا نطقها بعد نبرتي . أولئك الذين أتحدث عنهم كلهم كانوا أميين . حكماء في الحياة . مكافحين أشداء , عائشين على الشقاء و العطاء , إن استراحوا يوماً .. ماتوا . لكنهم لم يعرفوا لغة الكفار كما يصفونهم ولا لغة الكتب . احتجت إلى خدمة طارئة من أحدهم اليوم . هاتفته فسألني أين سمعت صوتكِ من قبل ؟!

2

قلبي مفتوح . لم يغيره السأم من طلبات التقليد . ولا الانصياع إلى كثيرها . ولا هجرانها و التحرر منها أخيراً . قلبي مفتوح , يلتقط الغرائب و مكروهات البشر و يحتويها . يُنتج منها أفكاراً لأعمال جديدة . يثق أن الناس سيحبونها لأنهم عاطفيون . حتى أولئك المجرمين و السفلة . لديهم لحظاتهم العاطفية . يعيشونها سراً خوفاً من الافتضاح . يظنون أن الزهر الفواح في القلب عار يشبه الأنثى ! أفعل أشيائي الخاصة و أنا فرحة مطمئنة أنها جديدة على عيون و ذاكرة الناس . فأفاجأ أن أحداً سبقني إليها منذ زمن طويل . و تصلني رسالة من أحد معجبيهم : ” مهما حاولت تقليد صديقي لن تنجحي . هو الأصل و أنتِ النسخة ” ! حتى في المرات القليلة التي استطعت البدء بفكرة لم يسبقني إليها أحد في المكان الذي أقمتها فيه و جاء من قلدني . لم يلاحظ أحد . لأنني لم أعلق على رأس فكرتي شمعة . ظننت شمع المضمون و شعلة المعنى تكفي لإضاءة الشارع . لكنني نسيت أن في عصر الحداثة ما عاد الناس يرغبون في الاستنارة بالشموع . يريدون مصابيحاً كهربائية . ثقافة الشحنات ! و أنا بدلاً من مجاراتهم .. زرعت في قلبي المفتوح نخلة و كوخاً ليس على ذوق أحد من المعاصرين .

3

أبهرتني نظرة الدهشة في عين أخي عندما قرأ نصاً في مدونتي . طلبته إما سبباً أو تعليقاً . قال : لا تسعفني ذاكرتي بجمل مفيدة لك في حياتك . كلامكِ إما مبتور و إما عصبي و إما غير موزون . مدهش أن تكوني بهذا التناسق عندما تتكلمين بأصابعك . هل هذه أنتِ ؟ أم الإنسان السرِّي الذي لا نعرفه بداخلك ؟
سألته إن كان يرى التناقض بين الشخصيتين تميزاً أم عيب . عندما قال : اختلاف .
أُبهِرت من جديد .

4

لا يثير استغرابي نزقي الذي يوحي أنني جاهلة بالحياة . إنه يكشف لي عن بقايا براءة لم تفسدها التجارب و لم تشوهها الجروح . هذه البراءة هي ما تجعلني أجنح للاختلاف عندما أصطدم بها . لأنني أخشى أن يعرف الناس مكامنها فيسلبونني إياها .

5

تاريخي مكتنز بالعيبيَّات . هذه ليست مجاهرة بمعصية ! اعتدنا أن يرى المجتمع في كل ما نقوم به عيباً إن كان مخالفاً للموروث . و أنا ابنة هذه البيئة النمطية . لست مختلفة لأنني أفعل العيب . لكنني أختلف بمحض إرادتي عن نظرية العيب لأصطفَّ مع مجموعة المكتوبة أسماؤهم على ورق المناديل .

6

مجبولة على الغيْرة . محصَّنة من المكائد .
أليس في هذا اختلاف عن طبع النساء ؟

116

1 سبتمبر 2010

..

 

.

صديق غاليانو سأله مرة عن معاصريه ..
اسمه خوان غيلمان . يقول أنه يعثر أحياناً على رجال تفوح منهم رائحة الخوف في بوينس آيرس و باريس .. أو أي مكان في العالم , يشعر أن هؤلاء ليسوا معاصريه . ليس هذا المجتمع الذي حلم بالحياة فيه . لكن هناك صينياً كتب منذ آلاف الأعوام قصيدة عن راع بعيد عن حبيبته , و مع ذلك يستطيع أن يسمع منتصف الليل و وسط الثلوج .. صوت مشطها يتغلغل في شعرها , و هو يقرأ قصيدته البعيدة , وجد خوان أن هؤلاء الأشخاص - الشاعر , الراعي , و المرأة - هم حقاً معاصرون له . الأمل , عدم اليأس من النقاء . هذا هو ما يحتاجه أي بشر سوي . خوان غيلمان كان إنساناً أكثر من غاليانو . هكذا يتحدث عنه لأنه نجح في الغناء رغم أنَّ ناياً كان يعوزه .

عندما طرحت السؤال على نفسي , نظرت حولي , إلى القريب و البعيد .. من كل الجهات , و حتى تلك الجهة الخامسة .. من الخارج و الداخل . عثرت أحياناً على رجال يحلمون بالحرية و في أفواههم ألسنتهم و بأيديهم معاولهم و في حقائبهم جواز سفر و قلم و محبرة و قطعة من أثر الأجداد , لكنهم يشتكون دوماً حرمانهم من الحرية !
عثرت أحياناً أخرى على نساء علمهم طول الكبت و الاستضعاف أن القوة إما في الإرهاب , أو الدخول في سوق المتاجرة بالجسد مع عدم نسيان شكر ” الله ” عندما يُسألن عن سبب نجاح كل صفقة ملصق عليها اسم الفن الذي لا يعرف لمَ جار عليه الزمان حتى أوصله إلى هذه الحانات ؟!
هؤلاء عندما أراهم .. أرفض أن يكونوا معاصري .

بينما هناك في 1941 , كانت امرأة قاومت كوارثها العائلية , نجحت في زواجها و أعمالها و علاقتها الجميلة مع من أعلنوا الحب عليها . احتملَت نوبات يأسها لأنها كانت تعرف أنها تتداعى و تفقد القدرة على استيعاب الأوقات الجميلة مع زوجها الطيب و أختها الموهوبة و صديقتها الحنون . كانت تعي جيداً أنَّ ما عانته من أخيها غير الشقيق أمها في طفولتها كان فجائعياً إلى الحد الذي منع طفلة ترى الحياة فراشات و كؤوس مخملية و فراش نوم وثير و حديقة لافندر تقع بجانبه .. أن تشاهد الحياة بعد ذلك بأي عين غير عين الغربان و البوم . كل ذلك فجَّر إبداعها أثناء فترة محاولتها أن تتزن , أن تثبُت , و تقف و تعيش . فكانت رمزاً لتيار الوعي و الإنسان الواقعي في مقالاتها و علاقاتها و قصصها و رسائلها . حتى تهذبها عندما اختارت الرحيل لأنها تعرف أن لحظة الجنون أتت , و كانت تعرف أن حقيقة الجنون ليست خلابة مغرية كما يبدو على ظاهرها , كتبت رسالة لزوجها تودعه و تطلب منه مسامحتها لأنها ستؤذيه إن ظلت لوقت أطول دون عقل . إنها فيرجينيا وولف . صديقتي الإنجليزية الوحيدة . إنها من معاصري .

115

1 سبتمبر 2010

 

..

لا تسَل لمَ ابتـئس . أخطاء غير حقيقية . لم أفهم حتى الآن لمَ يحزن الناس و يتمزقون على مشاكل تشبه غابة شعر ناعم تجعِّده امرأة مدللة لا يملأ عينها الجمال حتى أنها تخبز القبح بنفسها ثم تريدنا أن نحزن على ما تلف و احترق. ابتأست ؛ و لأنَّ الخسارة لم تكن حقيقية , لم يكن بؤسي جاداً , رغم ظهوره بكل تلك الدراما التي رأيت . إنه شعوري فحسب . عندما أستاء يتحول قلبي إلى جبل أسوَد . لا التوبة ولا الندم ولا عدم الاكتراث و القليل من الأنانية ينفعوا في إعادته إلى طبيعته الأولى أو حتى تجميله . أصبحت أشبه التي لا تكذب لكنها تتجمل . تلك تجمِّل كذبها لشدة ما هو أبيض و ساطع .. أقصد أنه واضح . هذه هي مشكلتي .. أشعر بالخفايا بوضوح . بقوة . أكشفها و أفهمها دون وسيط . دون شعرَة شقراء أو رائحة كولونيا رجالية أعلى قميص النوم . دون قصاصة مشقوقة عليها بقايا رقم هاتف أو غرفة مُفردة في فندق نائي . و عندما أفهم .. أبتعد . لا أقول , لا أواجه , لا أبتز ولا أجامل أيضاً . تعود ذاكرتي إلى أسراري المائلة لكثرة ما كسر التعنت ظهرها . أعرف كيف أحمي خجلي مِن عيون المرضى و الوضيعين . و أغطي وجهي بجلال صلاتي عندما أتذكر أن جدتي كانت يوم ولادتي توصي بتسميتي ” توبة ” . لا أحد يشعر كم تغيرت . لم يلاحظ أحد أن شعري أصبحَ أجعداً دون تدخل مني . أفكر أن أعود إلى ناموسي الأول دام أحداً لا يكترث , و إن فعل فإن اكتراثه لا يتجاوز كونه حجارة أو رمية بولينق خاطئة ! نعم , يخطئون لأنهم يظنونني مرمى , أو مركز أهداف . كل هذه ليست أسباباً لبؤس جاد . لكنها سيناريوهات مناسبة لفيلم محلي قصير . لم تعد الأفلام تأليفاً , جف خيال الكُتَّاب و الكاذبين الموهوبين في اختلاق القصص . أصبحنا نشاهد أفلاماً كثيرة يقول مخرجوها أنها تحاكي واقع المجتمع و الطبقات المدهوسة فقراً و انحرافاً . هل تصدق ؟ أصبحت أضع طعامي الزائد في أكياس بدلاً من العُلب . كرهت جميع الأشياء المعلبة لكثرة ما استمرأ المنافقون تعليب مبررات أفعالهم و كلامهم . و أفكر ما دخل البؤس في هذه البديهيات , لا أحد خالٍ من النزق و نزعة الاثم و تجربة الانحراف . عندما أتذكر كومة الاسماء الغريبة التي كانت تريدها لي عائلتي أرسم عدة متاهات منتهية بحائط سد مسلَّح . ملاك , بنان , نور , توبة . أرى انعكاس كل هذه الأسماء على حيرتي من البغضاء الآن . أنا الأسوأ منهم جميعهم , أحتار عندما أرى غيري يقوم بسوء فعلته قبله , و أكثر منه . كأنني أريد الاستئثار ببصمة ابليس و شعرائيل لي وحدي . تكوينات هيولية تحيط بنفسي , متضادات تتآلف مع بعضها أكثر من تقارب المتناسبات . ما أؤمن به 1 لا يطيق ما أؤمن به 2 , بينما يبدو كل ما أرفضه رغم أنني أفعله أحياناً , مثل ربطة عنق سوداء , أو قفاز ضيق تُجبر صبية في العاشرة على ارتدائه عند الذهاب إلى السوق . لم أشعر بالبؤس مادة يتفرع منها سيناريو الدراميات , أنا عندما أبتـئس .. فإنني أقول لسبب البؤس أنا بائعة خرز معبَّأ في كف القدَر .

114

15 أغسطس 2010

..

في المساء أكل القمر فطور الشمس .
فعل هذا متأخراً . كنت أنتظره يتخلى عن فضيلة الانصياع منذ خلافي مع الشمس . النار لون حقود . لا تثريب إن حقدت على قدوتي في الإشراق . كان قد اتضح لي يوماً أنها رأس صيفٍ ضائع . محقت به لعنة أمِّه فضاع . ترك جسده على الأرض و ضاع , أقصد طار . أصبح وصمة ثابتة في خد السماء . ضحية . هذا هو ما يحدث دوماً . الرزايا تلتصق بالمسالمين , الصافِين , المتصالحين مع أذى الأصوات الخفيضة تحتهم . تخيل لو أنَّ الأرض كانت عبارة عن صوت ؟ هكذا فحسب .. صوت . مجرد صوت , و خفيض . فكر كيف يمكن أن يكون الصوت الخفيض مؤذياً لجناح طائرة عالية إلى أقصى ما يتخيله ذهن فرسان السباقات الأفقية . هل تتذكر نظرية قطرات الماء الرقيقة التي تفتت الحجر في حال المواظبة على إزعاجه إن هي تساقطت عليه كل يوم ؟ صلابة الحجر خصوصيته . حريته التي لا علاقة للماء ولا الهواء بها , لهذا فإن الماء الرقيق يمكن أن يكون شريراً إن عاند قسوة الحجر , إنه يصبح أقسى من الحجر أيضاً . و لهذا خُذلت في الشمس . صيفها آذى شتائي , قام بتبخير أسراري حتى تساقطت كثفاً على رؤوس المعنيين بآثامي الصغيرة . بُهِتوا . قالوا هذه ليست أسراراً , إنها فواجع يجب أن لا يبقَ عنق المتسببة بها على قيد الحياة . أصوات أفعالي شاركَت في تحبير الوصمة الملتصقة على خد السماء . أنا أشارك الأرض و أصوات المتحركون على الأرض في إيذاء سقفنا الصافي , و كأننا نستطيع إعلاء سقف آخر إن بدد الله سترنا و رمى بنا للعراء . غرور الشمس مُلام أكثر مني . يحب الناس القمر لأنه زاهد و بسيط . يكره الناس الشمس لأنها … ,
يكره الناس الشمس لأنها آذت أشعار .
لم أتردد قبل لحظة . بل كنت أفكر كيف يستطيع الانصياع أن يحوِّل اشياءً عظيمة إلى دمى تتحرك مثل عرائس خشبية في مسرح الأطفال . بالطبع لست أقصد الشمس الحقيقية التي تعرفونها و تصيبكم ضربة في رؤوسهم إن أطلتم الوقوف تحتها مكافحين لأجل عيشكم و خبزكم و محاربة الطابور السابع الذي غزى سياستكم و أعرافكم و عقولكم , و بطونكم أيضاً ! إنني أتحدث عن شيء مشع يحترق أكثر مما يحرِق , ينساق أكثر مما يقود , يقرر أكثر مما يفكر , يتحرك أكثر مما يسمع , ليس له فم . لهذا لا يتكلم . لكن الحركة تعيقه عن سماع أصوات المقربين , لأنه عندما يتحرك فهو يبتعد .. يبتعد عنهم , يبتعد عن الحوار , عن الجاذبية , عن الملامح .. يتجه إلى المجهول . يقترب من السكون , يسبح في عدميَّةٍ موجودة . يراها بعينه , لكنه لا يميز فيها شكلاً ولا أحداً ولا ” نـدَّاً ” . لوقت طويل كانت الأشكال الدائرية تعني أنك لن تعرف أين الطريق . فكل الطرق منحنية و مفرغَة و تؤدي إلى بعضها البعض . أما الآن بعد فكرة تحول الكائنات البراقة التي تنصاع أكثر مما تتعرف على نفسها إلى ركاب طائرة بلا رقم ولا شعار خطوط جوية ؛ فإن خريطةً جديدة لشكل الدائرة توشك أن تكتمل . عندها لن يكون شكل الدائرة كالمتعارف عليه .. ستكون الدائرة على شكل جواز سفر أخضر . لا تنسوا لون الدائرة . إنه لونها الثابت , سيكون لونها الثابت و لن نقبل بتغييره إلا بعد اتفاق جميع دول العالم على أن يعود ليكون لونها الثابت بعد وقت . جواز سفر ( أخضر ) .