Memoirs of a Madman

أن تفعل شيئاً مختلفاً عما اعتدته في أيامك ليس جنوناً. الجنون ليس بهذه البساطة. يلزم ذلك الفعل المختلف أن يكون خارقاً يهز سقف بيتك أو يُغلي الدم في رأسك ! لكن كل ذلك لن يثير إعجابي أنا بالذات. ذلك أنني أعتقد أن الجنون هو ما اندفع إلى العقل و عبث في خريطته بلا استئذان. وهذا ليس عملاً جميلاً. إنه عمل عظيم. والعظمة لا تعنِ الجمال دوماً. فهنالك عظائم بمعنى الفظائع. كأن ترى بقرتين تدخلان إلى مقهى و تطلبان شاياً بالنعناع. أو أن تسمع كلبتين تثرثران لبعضهما عن فضائح سيدتيهما العاطفية. يمكن أن يكون الجنون هو أن يبدأ اسمك بحرف الراء بدل الألف. لمَ أعتبر أن ” أشعار” هو اسم يبدأ بالألف؟ لماذا يبدأ العد من اليمين؟! مالذي يجعل ابتداء الإسم بحرف الراء خطأً ؟ و لمَ تكون إعادة ترتيب الأحرف بغير ما اتفقَت عليه قواعد اللغة جنوناً؟ هذا كله سهل. فالتمادي في التفكير عن صحة هذه المرئيات و الاعتقادات قد يحولك إلى موسوس لكنه لا يرقَ إلى جنون. أو هكذا أعتقد ( يقال أن كثرة الاعتقاد تؤدي إلى الجنون). لكن الذي يرمي بالمرء إلى جنون قاتل يجعله يعتقد أن الإنسان فيه صار حماراً و أطفاله الجميلون تحولوا إلى أرانب و كل هذا غير صحيح و لم يحدث إلا في خياله..هو فوضى الأفكار.
أن تنقلب الأفكار في رأسك إلى عشرين رأساً. لمَ عشرين؟ لأنني أريد أن تكون عشرين. بإمكانك قلب أفكارك إلى أي عدد تحب من الرؤوس، و دعني أختار أنا كم رأساً أريد لأفكاري أن تنقلب. عمَّ أتحدث؟ عن كل شيء يتحول إلى هوس هستيري عندما نعطِ تفكيرنا فيه حق التحول إلى غابة. الغابات تحجب نور الشمس. و الغابة حين تدلف إلى رؤوسنا تفجِع حتى الليل. إن تطاولها يمكن حتى أن يفقدنا الأوكسجين. تخيل أن تعيش طوال عمرك لا تتنفس سوى رائحة الصراصير. لا تسألني عن رائحتها.لا أعرفها..استطيع شمّها فحسب. إن الأفكار عندما تعيث بلا خطة ولا خط نهاية يقسِّم جموحها إلى مهام متتالية حسب الأهم ثم المهم , و الأكثر تفاهة ثم الأقل تفاهة، تتحول إلى نيقولاي غوغول نفسه !
في أحوال أخرى يمكن أن تتحول إلى اميل سيوران أو ميشيل فوكو أو هنري ميللر أو الفريدة يلينك أو محمد الرطيان ! لا تسأم الآن. لا تمد لسانك..لا تبرم شفتيك..لا تتأفف. السعوديون مجانين دون حاجة إلى الرطيان. إنهم مجانين بطريقتهم الخاصة. مجانين ربانياً ! بلا دوافع ولا نصائح ولا تمارين. لياقة الطبع العشوائي فيهم ليست مسجلة في عداد قياس تابع للزمن. لكنني أحاول أن أصف لك مدى خطورة تبعثر الأفكار أو بشكل أدق..فقدان العقل. تضييع أسمائنا وهوياتنا ليست مشكلة.فبدل من الإسم هنالك أسماء بعدد ذرات الهواء و حبات الرمل. كما أن تضييع عناوين منازلنا وأرقام هواتفنا وهواتف أقربائنا ليس مصيبة. فأهل الخير كثيرون ! الكارثة في تضييع تضاريس خريطتنا الذهنية. المعرفة ..العلم..القدرة على تمييز الفرق بيننا كحيوانات مطورة و بين الحيوانات المطورة كحيوانات أولية. من هي الحيوانات المطورة المتفوقة علينا كحيوانات مطورة؟! إنها الحيوانات الأولية ذات بعض الأفعال الآدمية التي لم نستطع نحن الآدميون الحفاظ عليها في عصر الرأسمالية و ثورة الربيع العربي الذي لم يزد من لم يشارك منا فيه سوى خريفاً أصابه الصلع.
عن نفسي أقبل أن أنساق إلى ذلك الجنون المتوارث عن جنون نيوتن الذي فقد طوال حياته منفعته في النقد..فاحتجب عنه.لقد كان نيوتن مجنوناً بأبحاثه متواضعاً بتبرير نجاحاته الشاطحة فيها فهو الذي قال حين قويَ هجوم هوك على أفكاره واتهمه أنها جمع بين شتات أفكار عدة لعلماء آخرين: إن كنت أرى أكثر من غيري..فذلك لأنني أقف على أكتاف العمالقة.
و قد اعتبره المؤمنون بنظرياته والداعمون لها و الذين تأكدوا من نجاحها من خلال اختبارها أنه متواضع. ذلك التواضع الذي ينفر الخلائق منك لأنه يضغط على مراكز النقص فيهم. و أحياناً على أشياء لم يألفوها و صدّقوا أن صحيحها هو ما يعتنقه المجتمع و يتداوله من أطلقوا على أنفسهم باحثين و مفكرين وهم ليسوا أكثر من مهرطقين و مدّعين.

في قصة ” يوميات مجنون” تتعرف على مجنون من طراز يلعب جيداً دور الكوميديا. لكنه مأساويٌ حد أنك تتمنى لو تتحول إلى شخصية أدبية تُكتب على ورق هذه اليوميات لتنقذ المجنون وتعيده إلى بعض رشده وإن كان واقعهُ رتيباً باعثاً على الجنون مرة أخرى! هل كانت الرسائل التي يقرأها بين الكلبتين مادجي وفيديل هي رسائل كتبتها الكلبتين حقاً؟ وهل ستقرأ شيئاً يدفعك إلى الشك أن المجنون ليس ملك إسبانيا كما تخيل نفسه؟! عن نفسي.. لست أشك. أنا أصدقه تماماً. نعم..هذا هو ملك اسبانيا الثامن. وأولئك الذين يصبون الماء البارد على رأسه ليسوا سوى مجرمين يعذبونه لأنهم لا يستطيعون الوصول إلى التألق الذي وصل إليه رأسه الحليق. ليس لديهم حاشية كحاشيته ولا كوخ روسي يطل على حديقة العقلاء بعد حدود إيطاليا مباشرةً.

لا تظن أنك ستخرج من هذه الرواية بلا فائدة. على العكس تماماً. هل تحب التاريخ؟ إن كان التاريخ يعني لك شيئاً أصيلاً فستشعر بعد قراءة يوميات مجنون أنك عملاق من عمالقة الإغريق الذين قال جون قرين في كتابه “الكشف عن حافة الزمن” أن نيوتن نفسه قد يكون منهم في ذلك الوقت. هذه الرواية لاتجعلك تفكر في جنون معاصر. في الحقيقة ليس بيننا اليوم مجانين يشبهون غوغول. يمكن وضعهم في صف المجانين المعذبين مثله.لكن يوميات مجنون تدفع بك إلى الشعور بجنون يذكِّر بالميكانيكا الكلاسيكية. هذه نظرية لنيوتن تهتم بقوانين للحركة و نظرية للجاذبية. استدعتها ذاكرتي بعد قراءة يوميات مجنون لأن الطريقة التي وصف بها غوغول حركة ذاك المجنون و تسلسل يومياته بطريقة حاول أن تكون رتيبة بيد أنها كانت كلاسيكية مثل بذور التفسيرات الأولى في عصر نيوتن لحركة الكواكب حول الشمس وحركة الأقمار حول كواكبها..كانت طريقة أدت بي إلى الخوف من عقلي. ليس عقلي تحديداً..العقل عموماً. إنه كائن محترم و ثابتٌ في احترامه..حتى أن المرء الذي لا يقدم له روتين حياته شيئاً جديداً يعلمه أشياء جديدة يملُّ ذاك الثبات في حركة عقله المحترمة و يبدأ برجِّه رجاً قوياً شيئاً فشيئاً حتى يفكك أجزائه غير المرئية عن بعضها وعند ذلك ينشأ عالَمٌ جديد غير مألوف للعقول التي لم تخض التجربة.

لماذا تذكرت قصة يوميات مجنون اليوم؟
الملل من الدائرة المغلقة التي أركض حولها ( عمل، بيت، علاج، نوم/ نوم، علاج ، بيت، عمل) حولني إلى مسرحية كوميدية مقتطعة من عدة مسرحيات لم أشاهدها على الإطلاق! ذلك أنني فقدت القدرة على الاحتمال لكنني لم أتخلى عن الدائرة ذلك أنها خريطتي الذهنية في أيام العوز إلى إنجاز. حدث فقط أنني استدعيت أشياء غير مألوفة لي في محاولة لكسر قاعدة لا لزوم لها. ظننت أني سأستمتع ..والحقيقة أنني تحسست رأسي علِّي أجد أي أثر لذلك الذي إن تاه سمِّي المرء بعكسه وهو الجنون.

* قرأت فيما مضى ترجمات للرواية لم تقنعني. فقرأتها بهذه الترجمة الرائعة ( Memoirs of a Madman )

كُتب في Daily, الصالحُون لصداقتي | التعليقات مغلقة

183

مرحبا عزيزي ريمي ،

مر زمن طويل. صح؟
معظم رسائلنا نبدأها بهذا السؤال. نحاول الإلماح بلطافة إلى ضرورة الاقتراب أكثر ولا نقترب. هل ضعفنا أمام الدوامة الهائلة؟ كيف كنا نواجهها و ننتصر عليها عشر مرات في المرة الواحدة فيما مضى؟ مالذي حدث الآن..شيء يشبه أنقاضاً تزيِّن الدوامة بها رقبتها و تلوح بها للعالَم هاتفة : لدي غنائم.
أحبك يا ريمي. أنا على عهدي لا أكابر ولا أتخفى عن الحب..فقط حين يبدأ و ينتهي باسمك.و عندما أضطر إلى شرح علاقتنا لأحد المتطفلين المبهورين بحسن سيرتك و الغيورين من الكاريزما المشعة من عينيك فإنني أصمت قبل أن ينطق لساني لأنه لايعرف ماذا يقول عنك سوى أنه يحبك. هذا اللسان وذاك القلب و تلك العيون و الأصابع و النغمات. هل تعلم كم مرة فكرت أن يكون كتابي القادم عنك ؟ لا أعرف كيف أتحدث عن ريمي كإجابة على سؤال. لكنني أعرف كيف أنسكب كمحبرة على ورقة بيضاء أطوِها من المنتصف و أفتحها فتخرج لي فراشة هي نتيجة آخر لمسة لصوتي داخل فمك.

سيظن الناس الآن أن العبارة الأخيرة في السطر السابق جنسية ! يا لظنون هذا الشعب المسكين. و أتبع وصيتك بعدم شرح شيء لفقراء التعقل.
لم يكن سؤالك عن أحوالي الأخيرة مملاً كما تظن. هذا السؤال لكلينا يا ريمي لا يمكن أن يكون تقليدياً ولا كليشة صحفية. أنا مثلك جربت التحدث عن مايحدث في حياتي إلى أحد صدقت لمدة أنه صديق. رجل أو امرأة. كنت أفعل مثلك تماماً حين كنت تفضفض لصديقك ناصر و يرد عليك بضحكٍ أبله و عبارات مسرحية من نوع يا أيها الفانتازي الحالم لا تتمادى في التأليف فأنا ذكي لن أصدق ما يصدقه الآخرون! كنت أنثال حزناً..أتكلم و أقول كل شيء بلا تخئبة تفاصيل.لو كان الإخفاء يريحني لما تكلمت من الأصل. لكن الصديق يجيبني بتفاهة. بحوقلة و ضحك يسمع صوته الجيران. يقول : لا تلعبي دور سوبر مان يا Pure Girl ! و أعرف بعد كل تجربة بوح لأحد غيرك أن الناس صاروا محض مراء..طوبى لمن تركه.
حياتي تحولت إلى مراكب. تسير و على جنبيها عناقيد إضاءة أفراح معلقة بفَن. لكنها تستسلم لشدة تعبها لمن نعتها بالتشاؤمية ولا ترى أمامها من ذيك الإضاءة سوى الظلام. أي نور في غيابك يا ريمي؟ هل أكون متفائلة حين أرى الحياة نهاراً دافئاً و أنت بعيد؟ أتظن أن لديَّ خللاً في فهم الخيانة؟ عجزت أن أخون. نذرت أن لا أرى في الحياة نهاراً و يدك بيد امرأة أخرى. لو كنت أعرف أنك سعيد في الناصية الأخرى من جنيف أحلامنا لسافرت إلى النهار بنفسي. لكن الليل يتضامن معي بقمره و نجومه و أستاره و صوت ألعاب المحتفلين النارية في السماء. يجيء الحمام..يروح الحمام..و في مجيئه و رواحه يلقِ الرسائل في يدي..و أقرأ قبل صباح أو مساء الخير كلمة ” أشتاقكِ” يا ريمي. رتيبٌ هو الشوق في حياة الآخرين. يتضاءل يوم بعد يوم لأنه مثل رشح البرد. يأتي قوياً و يجف شيئاً فشيء. لكن شوقنا قاتل مثل أن يلمس المرء ذرَّةً من جزيء من جزء من الشمس. تخيل ذاك الجهنم، ثم تخيل ماذا أشعر الآن و أنا أحاول نسيان الأشياء المتداعية بواسطة الكلام عن القراءة كل يوم. هل يروق لك كذبي على نفسي؟ إنه يروق لآخرين أيضاً. يروق للتربة التي صار نباتها يتعطن عندما أسقيه بسيرتنا. لكنه ينمو و يخضرُّ و يثمر عندما أروِه بعناوين كتب جميلة و بذور كلام منمق أجمل. وحدي من أشبه حبوب القمح تحت أحجار الطواحين.
يا ريمي..
المسرح الذي أتحرك فيه ليس فأراً. تجربتي لن تتكرر. و المسرح الذي هو في الحقيقة صندوق الدنيا لن يتحول إلى معمل تجارب دوائية ذات يوم. امنحني أنت مشروعاً حُبيَّاً يبقِ الأرض طيِّبةً مثل بدايتنا قبل عُمر. تعبت أمنح. تعبت أتحمّل. تعبت أفي، و تعبت أتظاهر أني بخير.
أحتاجك. و أحتاج أن تكون الوحيد الذي لا أخجل من إبداء ضعفي أمامه. أنا أتساقط يا ريمي. الرحيل لا يمسني وأنا طال حبل صوتي وأنا أنادي الرحيل حتى خرج عن تحكمي. لو أنني خلقت وحيدة لكان كل شيء في حياتي مثل قمر لا يعوزه قمر آخر لنقارن أيهما أبهى. لكني خلقت و حولي رجال كثيرون. هذا أب و ذاك شقيق و الآخر خال و هكذا..ثم أن أحدهم لم يكن القالب الذي يغطي فتحة قلبي. ثم جئت أنت..ثم تماهيت أنا..ثم تحولنا إلى شجرة و طفل يتفيأ تحتها و اليوم شب الطفل و صار يسخَر من روتين الشجرة. كان يأمل أن تصبح أجمل..كأن تتحول إلى قطة مثلاً ! أو ربما كيم كاردشيان! هكذا يقيس الجمال..و الشجرة صابرة قانتة تنتظر إطلالته عام تلو عام..ولا يطل الطفل. ولا حطاب يأتي فيقتلع الشجرة و تنتهي القصة.
نحن بلا صفحة أخيرة يا ريمي. نحن شيء مثل قوسين مفتوحين هكذا )(
لا ألف تسند أسامينا ولا ياء تمرر حبَّات عرَقها إلى أطراف الأصابع. و وحده القلب يقف مثل الصفحة 55 من كل رواية. لا تفهم منه الحكاية ولا تعتريك أية رغبة بتخمين نهايتها.

كُتب في Daily | التعليقات مغلقة

( علم الإنسان مالم يعلم)

ليس عليك أن تحرق الكتب لتدمر حضارة فقط اجعل الناس تكف عن قرائتها ويتم ذلك.

هذا  القول القصير العظيم هو موضوعي المختصر لليوم . أريد الاحتفاظ بمقولة برادبوري . كلما رأيت حواراً بين جهتين في بلدي كلما أردت الاحتفاظ أكثر بقول برادبوري كي لا يموت ما بنيته من حضارة في قلبي . و الحضارة التي أفهمها هي غذاء العقل و الروح. فبلا غذاء يتحول العقل والروح من حضارة إلى مجاعة . و ذنوبنا كثيرة حد أننا لا نعرف متى تتنزل علينا رحمة الله لابسة ثوب المطر.

كُتب في Daily, الصالحُون لصداقتي | التعليقات مغلقة

تحت وَرد القرنفل

اليوم بعد انتهاء عملي عرجت قليلاً إلى قرطاسية صغيرة لشراء بعض الاحتياجات. رأيت في القرطاسية انتشاراً بهياً لنوتات التدوين و الدفاتر الجامعية أيضاً ذات أغلفة قماشية. أشكال زاهية وملونة. نقشات مبهرة و تطريزات تجعل المرء يقرر عدم استهلاك هذه الدفاتر ويحولها عوضاً عن ذلك إلى تحف تسر ناظريْه !
بعض تلك الدفاتر كانت بفواصل ورقية داخلية بين كل مجموعة أوراق و كُتب على تلك الفواصل عبارات أدبية و أخرى تنموية محفزة للكاتب. كلها كانت لأدباء و صحفيين مشاهير. مما يشوق الشخص للقراءة أيضاً.

شعرت بغبطة للجيل الذي ولد بعد ولادتي بعشر سنوات فأكثر. جيل أواخر التسعينات. كل شيء يبدو مغوياً ممهداً و مفروشاً بالورد لأجلهم. ومع ذلك أرى نهمهم على أجهزة الاتصال و اللعب تفوق إقبالهم على الأدب والفن و العلم..أضعاف مضاعفة.
عدت أتأمل في الدفاتر الجميلة و أحدث نفسي..آهٍ لو كانت الحياة حلماً بديعاً مثلما يوحي هذا الجمال.

ثم تظهر أمام عيني صور من طفولتي و كأنني قفزت بقدميَّ إلى فوَّهة أخذتني من سنِّي اليوم إلى عامي العاشر والحادي عشر تقريباً..حين كنت مأخوذة بكامل لبِّي إلى قصص السلسلة الخضراء و مجلة ماجد. في أوقات أخرى بنفس العامين كانت عمتي تقرأ لي من كتاب قصص الأنبياء و الرحيق المختوم. لأنني لم أكن أستطيع قراءة الجمل المشكَّلة و الطويلة بعد. لكن ما إن تخرجت من الابتدائية حتى أصبحت منطلقة في قراءة كل شيء. بتُّ أرى نفسي أكبر من قصص و مجلات الأطفال وكانت بدايتي مع الأدب الأمريكي والروسي بمثابة انطلاقة صاروخية إلى القراءة لم تنطفئ حتى اليوم. تخفت أحياناً بسبب عوامل التعرية! لكن ليلاً لم يحلَّ عليها منذ تعلمت أيُّ عظمةٍ وضعها الله في فعل الأمر ” اقرأ “.

أتذكر أنني في الأصل لم أقبل على القراءة بذاك السن المبكر حباً فيها. مدرستي كانت متواضعة و التعليم فيها كان يمضي كل يوم من سيء لأسوأ. لكن نظام التربية في بيتنا هو ما جعل في الكِتاب لوذي و مآلي.
لم تأتِ عائلتي شيئاً نكراً.. الجميع كان يربي أبناءه بنفس الطريقة. كل شيء كان عيباً و كل شيء حرام يؤد بنا إن فعلناه إلى إغضاب الله و زجنا في النار !
كنت أرى الصندوق الفضي يتوسط الصالة لكنني أُمنع من الجلوس أمامه..عكس إخوَتي الذين كانوا يتفرجون عليه كل شيء مكرر و بائت طوال اليوم بلا ملل. أنا الفتاة الوحيدة بين مجموعة أولاد يحل لهم كل ما حرم عليها.
كما كنت أرى أطفال الحي يلعبون في الأزقة ولا أستطيع اللعب معهم لأن البنات المؤدبات لا يخرجن إلى الشارع إلا عند الذهاب إلى المدرسة والعودة للبيت. حتى في النوم و الطعام كانت هناك بروتوكولات مشددة يُمنع اختراقها. و كنت لا أفهم شيئاً عن لمَ كل هذه القسوة سوى أن هذا هو قانون البيت و يجب الالتزام به و إلا فالويل. ظللت لمدة أظن مثل باقي الأطفال الذين يعاملون نفس ما تعاملني عائلتي دون شرح و إفهام لمعنى تلك المحرمات..أنني لست ابنة عائلتي الحقيقية !! و أقصى ما كنت أتفاءل به أنني ابنتهم لكنهم لا يحبونني لأنني لم أخلق ولداً مثلهم. كنت أبكي في حضن جدتي كل ليلة و أسألها لمَ جاءت أمي بي بنتاً. و متى تصبح لدي أخت تساعدني لأضرب إخوَتي القساة ! جدتي الأمية التي لا تقرأ ولا تكتب كانت الوحيدة التي تشرح لي كل شيء بطهارة لا تفارق أذني و أثر نبرتها النقي لا يفارق قلبي حتى اللحظة. و بالطبع كنت أصدقها. لأن صدقها كان ينفذ كالماء الطهور في قلب الصغار و الكبار والجهلة و المتعلمين و العقلاء والمجانين كلهم..لا أحد كان يستطيع الهروب من سحر جدتي حين تتحدث. كأنها ينبوع تفجر هادئاً بوسط صحراء شقّق الحر أوصالها.
إن كان لأحد فضل في صداقتي غير المقاسة بحد بالكتاب اليوم..فلا أحد سوى جدتي الأمية.

كتبت مرة بمجلة قوافل عن بعض مذكرات طفولتي في مكة.. و قلت أنني بإحدى الأوقات كنت أبيع الورد في حارتنا القديمة. لم تعد تلك الحارة موجودة اليوم. مكانها فندق دار التوحيد و أبراج البيت و استثمارات أخَر. لكن الموضوع في المجلة لم يكن عن القراءة. لذلك لم أذكر أنني كنت كلما خرجت إلى مشتل الورد لأخذ الحصة التي عليَّ بيعها فيما لا يزيد عن ثلاث ساعات من النهار..أخبئ كتاباً تحت الجريدة التي أبطن بها صندوق الورد المصنوع من ورق المقوَّى. أستطيع القول أن أكثر كتاب تعطر بالقرنفل في صندوقي كان ” نساء صغيرات” رواية لويزا الكوت. وقد كانت أصعب كتاب قرأته وأنا في العاشرة ، وقتما كنت لا أستطيع قراءة جمل طويلة و مواضيع معقدة عن البسيطة التي قرأناها في كتاب المطالعة بالمدرسة. بالطبع لم تكن في مكتباتنا المتهالكة بمكة حينها طبعات جيدة من تلك الروايات. أقصد الترجمة. دار البحار التي أبغض اضطراري إلى تذكّرها اليوم كانت تغزو رفوف الكتب الأدبية آنذاك. هي و ترجمات رحاب عكاوي و الدار الأهلية و دار العلم للملايين. لكنني اعتبرت نفسي مع نهاية عملي في بيع الورد الذي استمر لعام..أنجزت شيئاً أهم من النقود القليلة التي كان يدفعها العم صدقة في كفي الصغيرة نهاية كل أربعاء. لقد أنهيت بنهاية العام قراءة رواية نساء صغيرات ونجحت في فهم قصتها لوحدي. ركضت بيوم ميلادي أقص حكاية الرواية لجدتي وأتذكر نظراتها الفخورة بي وعندما سألتها عن رأيها في الرواية قالت سأخبركِ في المساء عندما يصل أخاك لنحتفل بميلادك. و عندما وصل أخي كان قد جاء بهدية فاخرة أوصته بها جدتي وهي عشرين رواية عالمية من نفس الدور التي لم يكن متوفر غيرها في مكة..روايات من دار البحار و الحرف العربي و العلم للملايين. مغلفة مع بعضها بسلوفان أنيق مزينة عقدته العلوية بقرنفلة كبيرة وميدالية فضية متدلياً منها أول حرف من اسمي.
تلك كانت هدية جدتي عندما بلغت الحادية عشر ربيعاً. و كان ذلك العام ربيعاً بمعنى الكلمة. نسيت فيه كل قوانين عائلتي و انصهرت مع عالمي الجديد..أصدقائي الجدد المتحركين في الروايات. يضحكون و يتكلمون ويغضبون و يعشقون ويحاربون و ينتصرون ! قرأت أكثر روايات شكسبير و دوستويفسكي و انبحَّ صوتي الضعيف وأنا أصرخ غاضبة منددة بأخلاق شيلوك في تاجر البندقية وأتمنى أن أصل للصفحة التي تخبرني كيف نال عقابه على شروطه ( الشريرة) التي آذى بها انطونيو النبيل.

إن القراءة على لذتها في تلك السنوات لم تكن مجيرة لي في ظروف سهلة. فقد كنت أدرس و أمرض و أقاوم مع جسدي الهزيل لأذاكر و أنجح بتفوق لم يرضني ولا عام لأنني كنت دوماً أحصل على مراكز متراوحة ما بين الثالث و الرابع ولم أحصل بعد الصف الثاني المتوسط على المركز الأول في المدرسة سوى مرتين.أقصد بعد رحلتي اللامنتهية مع القراءة.

أشعر في تسهيل القراءة اليوم للجيل الجديد تكوين عالم سيعمي نوره أبصار الصغار في البدء. لكنهم سيتحولون إلى عرائس كونية بعد حين عندما يقبلون على هذا العالَم بكل شغفهم وفضولهم لفهم الحياة..و من أين جاءت الأشياء بدءً بالإنسان ..مروراً بالسؤال الذي لم يخلُ لسان طفلٍ منه يوماً :من هو الله ؟!

اليوم أنا مُتعبة بعض الشيء. ببالي أفكار كثيرة متزاحمة عن القراءة. لا أستطيع تدوين كل شيء دفعة واحدة فما زلنا بأول شهر من السنة ! و الكتابة عن القراءة ستستمر حتى نهاية العام إن شاء الله. في أوقات الحمَّى تزورني كثيراً صور من طفولتي. أشتاق إلى البراءة في ذلك الحين وحتى شدة إخوَتي التي أشكرهم عليها اليوم لأن عودي لولاها ما اشتد قبل أوانه ( كما يقال لي دوماً) و اليوم أحببت القرطاسية المجاورة لمكان عملي ذلك أن الجمال المتناثر على رفوفها الضيقة استدعى ما تأخرت حرارة رأسي في استدعائه منذ الصباح لأنني نسيت نفسي وأنا منهمكة في الكشف على المرضى و تحويل عدد كبير منهم إلى أقسام التنويم . البرد يصدر فواتيراً باهظة الثمن على الجميع لكنه في المقابل استرجع لي يوماً نقياً من ماضٍ ما زال حياً دامت الحمَّى صديقة ودِّية .

اقرأوا..

القراءة هي حياة في حياة في عدد لامتناهٍ ولا يمكنك تصديقه من الحيوات. إنها تفتح لك دروباً للعبور إلى الشخص الذي تمنيت أن تكونه بالأمس..تمنحك فرصة أن تكونه اليوم ، و تسدي إلى حزنك نصائح مجانية عن كيف تحول نفسك إلى أشياء عظيمة بديلة لمن لن تمدك المصاعب بفرصة أن تكونه بالغد. القراءة هي الأمل. وهي بالوقت ذاته طريقة شرعية للانتحار..الانفصال عن الواقع شديد الأذية و التماهي مع واقع مهيب دفنه الزمن لكنه بقي حياً في الورق الذي لا يفنى ولا يموت.

كُتب في Daily, الصالحُون لصداقتي | التعليقات مغلقة

اختراع الفريد نوبل العظيم

تدوينتي القرائية اليوم لن أتحدث فيها عن موضوع ، لكن سأدعو من يهمه الأمر إلى قراءة هذا الكتاب العظيم..أياً من أعداد السلسلة صالح ليكون انطلاقة لبقية أعدادها. ذلك أن جائزة نوبل عظيمة..رغم تحفظي على فكرة الجوائز بكافة أنواعها وسأتحدث عن وجهة نظري فيما بعد عندما أكتب عن هذا الكتاب.أنا تحت وطأة شعور لايوصف منذ قرأت محاضرة الفريدة يلينك..أفضل من كتب أدباً من النساء النمساويات. وأقول هذا عن ثقة رغم أنني لم أقرأ لها سوى رواية عازفة البيانو..الحائزة على نوبل.و رغم أنني أيضاً عندما قرأت مقالاً انجليزياً عن سيرتها شعرت أنها “ليدي قاقا” الكتابة ! لكن بعد عازفة البيانو أستطيع القول أن هذه أديبة مجنونة. ولم أهتم بمن هي خارج الأدب.. كان يكفيني أن أتأكد من مقولة ” الإبداع يولد من رحم المعاناة” وأحياناً لاتكون هذه المعاناة تستحق احترام البعض ! لكنها تظل معاناة لا يشعر بها إلا من أحترق بلظاها. قرأت للأديبة النمساوية إنجيبورج باخمان رواية واحدة أيضاً هي ” مالينا”، كما قرأت لأولجا فلور النمساوية المتقولبة في كتاباتها أو الرصينة أكثر مما ينبغِ أو حتى ” المملَّة” كما يصفها بعض النمساويين مقتطفات قصيرة من نصوص ترجمتها لها مجلة كلية الآداب والألسن في جامعة ليدز ببريطانيا. الفريدة يلينك هي الأولى. كلمتها بعد تتويجها بنوبل تدفعك إلى احترام تلك القضايا التي تعتبرها تابو محرم بينما هو منتهك من نفس أولئك الذين حرموا تداوله في الماضي النازي للنمسا.شأن السطحيين في رفضهم لألفريده يلينك هو شأن من حكموا على هنري ميللر بالإباحية دون حتى أن يقرأوه! وأقول عن ثقة أن أكثر القراء العرب الذين هاجموا ميلر اعتمدوا على حديث أصدقائهم الذين رفضوا جدوى كتاباته جملةً وتفصيلاً. الفريده يلينك يمكن تلخيص هدفها من الجرأة الشديدة في كتاباتها بعبارة واحدة : رفض التهميش.
في كتاب محاضرات نوبل وجدت كل ما يهمني كقارئة عن صاحبة الرواية الصادمة عازفة البيانو. وهو العمل الذي تم تحويله أيضاً إلى فيلم يحمل الاسم نفسه The Piano Teacher في 2001 و أثار اهتماماً سينمائياً لا يقل عن اهتمام الوسط الأدبي بالرواية. و أخلص من كل ذلك إلى قول أنني سررت إلى حد فائق بكلمة يلينك في نوبل..كلمتها المنصفة لنفسها و النساء النمساويات اللاتي اضطهدن في العصر النازي للنمسا و لم تكن الكتابة عنه في رواية أو مسرحية أو قصة أو مقال سوى شكل من المعارضة و الإصلاح.

وجدت أيضاً كلمة جوزيه ساراماغو و ياللهيبة ! راودتني رغبة ملحة في إعادة قراءة رواية العمى و البصيرة بعدما قرأت كلمته. أتذكر جيداً شعوري الأول بعد قراءة رواية العمى التي أهداني إياها أفضل صديق قراءة عرفته في حياتي. كنت أقسم أن هذه قصة وثائقية! ولم أتحدث عن رأيي في الرواية لأحد. لكنني بعد قراءة كلمة ساراماغو اليوم قررت أنني سأكتب عن هذا العمل العظيم. ساراماغو طمأنني إلى عقلي حين يفسر موضوع رواية و يسمح للحدس بالتطفل لإطلاق حكم مثير يخلد اسم الرواية لأطول وقت في ذهني ضعيف الاحتفاظ بالأشياء. ذلك أن ساراماغو قال في كلمته أنه كان يحول الناس الذين يحبهم إلى شخصيات أدبية لأنها ربما كانت طريقته كي لا ينساهم.
و أشياء أخرى سأذكرها عندما أكتب عن ” محاضرات نوبل” قريباً.

اطلعت على ترجمة الكتاب العربية. وهي ترجمة مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم. للأسف كنت كمن يستخلص المعنى العام لقطعة خضعت تحت ترجمة قوقل! لكن للأمانة بعض كلمات الأدباء الفائزين كانت ترجمتها مفهومة وجيدة. أعتقد أن الترجمة كانت تحيد إلى الحرفية و تنأى عن الفنية ، لذلك جاءت حرفيَّتها متناقضة في مواضع كثر. أقول هذا وأنا لست مؤهلة لترجمة نص بشكل صحيح لكنني أظن أن باستطاعتي الحكم على نص عربي اضطرني إلى شراء النص بلغة الكتاب الأولى وهذا ما حدث ولولا الطبعة الإنجليزية لكنت بمزاج سيء الآن لأن الكتاب فتن قلبي و أيقظ ذكريات كل ما قرأته من أعمال لبعض أولئك الأدباء الفائزين بأعظم جائزة.

كُتب في Daily, الصالحُون لصداقتي | التعليقات مغلقة