مويه بارد

يخرج كل يوم ويمشي في ” الخان” وهو ساحة السوق الشعبي. يمشي و يجر أمامه صندوق معبأ بقوارير ماء متوسط البرودة.

يحمل بيده قارورة ماء منها و ينادي .. ” مويه بارد .. مويه بارد ” .

ليس أجنبياً. منا و فينا .سحنته السمراء محلية بحتة. تستطيع أن تعرف هذا دون الحاجة إلى التأكد بسؤاله عن جنسيته أو طلب بطاقته الشخصية مثلاً. عمره 17 عاماً. أحياناً يضع صندوق الماء في مكان استراتيجي يشاهده المارة والمتسوقين و يجلس على الرصيف يستريح و يقرأ كتاباً .

مرة شاهدته يقرأ كتاباً يبدو أنه سياسي أو ديني مسيّس , هكذا اعتقدت. اقتربت منه بتردد و طلبت منه قارورة ماء باردة من الصندوق.. إنها حيلة لأسأله سؤالاً لم أعرف كيف أمهد له.. وتحول السؤال إلى حوار .

- ما شاالله انت من جد رجّال يا .. الاسم الكريم ؟

- عبدالله .

- والنعم يا عبدالله. انا افتخر بالشباب المكافح اللي مثلك. الله يوفقك حبيبي.. احرجك لو اعرف كم عمرك ؟

- الله يسلمك. لا ابد مافي احراج. ابيع مويه وعندي هوية وشهادة ثانوية انحرج اقول عمري؟ 17 سنة يبوي.

- ما شاء الله..باين عليك تستاهل كل خير يا عبدالله. بصراحة ما اخبي عليك الكتاب اللي جالس تقرأه خلاني اسأل عن عمرك..صغير على كتب زي كذه بس باين عقلك اكبر من سنك الله لا يضرك.

- هذا الكتاب الوحيد اللي اشتريته من معرض الكتاب. ثاني مرة اقراه. مرتاح اني ابيع مويه و احيان مساويك وميداليات بعد صلاة الجمعة قريب من المساجد.

- مافهمت يا عبدالله.

- حاول تقرأ الكتاب و بتفهم.

- طيب ولا يهمك ..انا ما ابغى احرجك واطلب اتعرف عليك بالرغم من إنك أثرت فضولي .. لكن راح ادعي لك الله يوفقك ويرزقك ويفتحها عليك وابشر ..ولد في سنك يقرأ كتاب بالمستوى هذا لابد أهتم بنصيحته ..أخليك تشوف رزقك الآن وما اعطلك..في امان الله يا عبدالله.

- الله معاك .

مشي الرجل خطوتين بعيداً عن الرصيف الذي يبيع عليه عبدالله و أخرج هاتفه الجوال و كتب ملاحظة جديدة : الملوك المحتسبون . منصور النقيدان.

ذهب إلى البيت . فتح جهاز الكمبيوتر, ضغط ” الملوك المحتسبون ..منصور النقيدان ” في محرك البحث.. ابتسم و شرب كأس ماء بارد جداً, بداخله بعض قطع ثلج . قام بتحميل الكتاب و شرع في القراءة.

بعد أسبوع..

ذهب برفقة رجلين ملتحيين إلى الخان الذي يبيع فيه عبدالله. ترقبوا حضوره منذ الصبح حتى بداية المساء. عندما لم يظهر سألوا صبيةً أفغان يبيعون ماءً : أين عبدالله ؟

الصبية الأفغان لم يعرفونه في البدء.

وصف ملامحه و عمره لهم. قالوا أنهم يعرفون صبياً بهذه المواصفات يبيع الماء و الساعات والميداليات النسائية أحيانا لكنه لا يأتِ كل يوم.

جاء الرجال في اليوم التالي و بدأوا بالترقب كيوم أمس. جاء عبدالله بعد صلاة العصر؛ و وضع صندوق الماء على الرصيف بجانب إحدى الدكاكين و أخذ قارورة ماء في يده و بدأ ينادي ” مويه بارد .. مويه بارد ” .ثم أخرج رزمة ورق مجلدة بشريط لاصق عادي..ذات غلاف مكتوب عليه ” غرد بأمان ” و بدأ يقلبه و يقرأ..

تقدم منه الرجال و قال الذي حاوره قبل أيام .. ” كيفك يا عبدالله ؟ ”

- ابتسم له الصبي ببراءة و قال ” بخير هلا الله يحييك كيفك انت يبوي ؟”

- الحمد لله يا عبدالله. اسمع انا قلت لك هذاك اليوم إني معجب بكفاحك وحرصك على تعليم نفسك بنفسك.. كلمت اصحابي اللي تشوفهم عنك وحابين نعزمك عندي في البيت..

نظر عبدالله إلى الرجلين الآخرين و قال: بس انا مااعرفكم كويس وبصراحة ياعمي انا مو اجتماعي كثير. ماعندي وقت ..اشتغل كل يوم من الصبح للساعة 11 وارجع البيت ميت من التعب وانام.

ابتسموا له وقال أحدهم بصوت أقرب ” للوشوشة” : بيت ابو سلطان قريب يا ولدي..و تلبية الدعوة واجب. تعال نص ساعة بس نتشرف بالتعرف عليك و أنا أرجعك لمكانك بنفسي.

ابتسم لهم عبدالله و قال ” دقيقة أكلف أحد اصحابي هنا ببيع المويه اللي معاي واجيكم.”

..

في قصر ابو سلطان, الموزع عدد حارسين على كل غرفه وأطرافه..

بعد عبارات المجاملة العادية من سؤال عن الأحوال وتبادل الأسماء ” المزيفة”..

الرجل الملتحي الأول : ممكن تعطيني عنوان حسابك في تويتر يا عبدالله ؟

- ماعندي تويتر.

- بس لما جيناك قبل شوية كان معاك كتاب اسمه غرد بأمان ..والكتاب هذا يخص مستخدم تويتر ويقدم له نصايح للحفاظ على حسابه من السرقة “.

- حبيت اقرأ أي شي عن هذا الموقع بس ما عندي انترنت اتصاله جيد..عشان كذه ماسويت حساب فتويتر.

الرجل الملتحي الثاني: عندك كمبيوتر ؟

- ايه .

- كيف اشتريته من فلوس البسطات ؟ ولاّ تشتغل شغل إضافي ؟

- لا..بالتقسيط . انا اشتغل بياع مويه ومساويك وحاجات ثانية من خمس سنين. احياناً أمي تساعدني لو بغيت شي ضروري من فلوس شغلها في تنظيف الحمامات في أحد المولات.

ابو سلطان : طيب يا عبدالله انا ابغى اتفق معاك اتفاق. تبطل قراء كتب سياسية. بدل هالكتب اقرأ قرآن ياابني! لا تقرأ كتب سياسية خصوصاً قدام الناس ..في الشارع ..في استراحات شبابية..في مقاهي..ماتقرأ الكتب هذي قدام أحد ولا تقرأها انت كمان اش لك بوجع الراس ياولدي ..انت ما تحب أمك ؟تبغى تحرمها منك وتقضي بقية عمرها تبكي عليك ؟

عبدالله: أولاً أنا اقرأ قرآن وأصلي ومحافظ على ديني الحمد لله. ثانياً مافهمت ايش دخل أمي في إني اقرأ. انا أحب القراءة وهذي هوايتي من لما كنت صغير. أمي أول اللي شجعوني عليها. وعلى فكرة ابغى اوضح شغلة .. انا اقرأ كتب منوعة. قرأت عن الطب و كيفية انشاء مشاريع و قرأت كتب تطوير ذات و تنمية فكرية و أدب و فلسفة و سياسة . هل من حقي اسأل ايش الغلط في كتاب الملوك المحتسبون عشان تحذرني منه ؟

- كل الكتب اللي من النمط هذا يا ابني.أنا قرأت الكتاب وشفت إنه من الكتب اللي يقال عنها شر جليس.ما يجي من وراها الا الخساير والتمرد واحنا دولة أمن وأمان الله لا يغير علينا.

يوشك عبدالله على المقاطعة فيسكته ابو سلطان بإشارة من يده و يكمل :

ما كملت لك باقي الاتفاق. تبطل تقرأ كتب زي هذي قدام الناس ولو قرأتها بينك وبين نفسك مو مشكلة خد راحتك.. بس ما تكتب حرف عن كتب زي هذي وابغى الآن لما تخرج من عندي مع ابو محمد تمر على البيت وتعطيه كتاب الملوك المحتسبون عشان يحرقه. لاتنسى انك دخلت بيتي ياولدي وكله سلف ودين..هذا طلبي الوحيد منك وأوعدك ماتشوف مني بعدها إلا كل خير .

وفي المقابل لك وظيفة في شركة مرموقة مايقل راتبها عن خمسة ألاف ريال في الشهر. تشتغل عندهم سنة و لو أثبت جدارتك في الشغل يعطوك منحة داخلية لوحدة من الجامعات هنا تكمل فيها دراستك .

ينظر عبدالله إلى الرجل نظرة ما بين استغراب..ازدراء .. استياء.. تفكير .. ويبادله الرجل نظرة بليدة تنتظر موافقة لا مناص منها على الاتفاق.

بعد عام.

يكتب عبدالله على تويتر باسم ” التائب ” , لديه 1200 متابع. و يتابع عشرة فقط.

نعرف من تغريداته هذه الأخيرتين :

” القراءة عدو الإنسان الأول. محكمة تفتيش عصرية. اللحظة التي تقرر فيها الدخول إلى المدرسة تكون قد حكمت على نفسك بالإعدام. ”

” بيع الماء على الأرصفة طريقة وقائية للحفاظ على حريتك , أما القراءة فهي طريقة انتحارية تنادي بها: خذني إلى شقتي خلف الشمس ”

يقفل تويتر , و يأخذ عدة أدوات تنظيف و يخرج إلى أحد المساجد القريبة من المنزل..و يبدأ بالتنظيف وعلى ظهره ..تظهر عبارة مكتوبة بحبر سري ” شفاف” : بقي خمسة أيام على انتهاء العقوبة ” .

 

تمت.

كُتب في الكاميرا بتتكلّم | إرسال التعليق

جهل المرء عدو من صنع المرء نفسه

لماذا نحس دوماً أننا مستهدفون من قبل عدو ؟ من هو هذا العدو ؟ هل هو عدوٌ فعلاً أم أنّا صنعناه و نفخنا فيه العداوة ؟

إن رغبتم في الإجابة جاوبوا بعيداً عن الكليشيهات المحفوظة: إبليس , إسرائيل , أمريكا , إيران ! فهذا السؤال موجه لهم أيضاً: لإيران , أمريكا , اسرائيل , إبليس .

قرأت كتباً كثيرة عن صراع الحضارات، الأنسنة ، المال، العلوم. و شاهدت مثلها أفلاماً. وثائقيات, دراما, بيوغرافي, كوميديا, وحتى فانتازيا لأعرف كيف يفكر من يصدقون فكرة العدو و كيف يقومون بتعريفه و إقناع بخطره . تحدثت مع أشخاص يتحدثون دوماً بأسلوب نظرية المؤامرة..لأنهم يعانون من أذى الذين يكرهونهم وينصبون لهم الفخاخ في العمل و الحياة الشخصية. حتى أنني تحدثت مع نفسي ! بصفتي لست منزهة من الاندماج و التأثر بهذا الخليط الموجد للتبريرات الكافية و فوق الكافية لفكرة النضال ضد عدو انتصاراً للكرامة بمختلف مسمياتها..حرية , حقوق أو أي شيء آخر.

كانت نتيجة كل هذا اللف و الدوران : لا يوجد عدو.

نحن من صنع العدو. أوجدنا الفكرة ثم تحفَّزت غريزة البقاء ( حب الحياة) فرعَت الفكرة و ربّتها حتى جعلت منها كائناً وحشياً صار في أغلب الأزمات ” إله” . أتباعه يؤلهونه و أعداءه ” نظير العدو عدو/ الند بالند ” يؤلهونه أيضاً. كأنهم يلعبون لعبة المقص ! يتعاملون مع الإله بطريقتين متعاكسين تخلص إلى إنتاج متماثل هو تعظيم العدو .. و تحويله من وهم إلى واقع .. ومن واقع إلى كابوس. و من كابوس إلى جحيم يقضي على الهدف الأول من تكوين الإنسان له وهو رغبة الاستئثار بالحياة فيودي به إلى الموت !

لم يذكر هذا الكلام في الكتب التي قرأتها ,ولا الأفلام ولا أحاديث الآخرين. على العكس جميعهم يؤمنون بالعدو التقليدي المتعارف عليه. (ليس نسياناً هو عدم التأكيد أن لكل قاعدة استثناء. و أن في منزلي و منزلك هناك فرد صالح و آخر أقل صلاحاً و آخر أكثر صلاحاً و قد يكون هناك من لايعرف للصلاح خريطة. )

العرب عدوهم امريكا و اسرائيل..السعوديون عدوهم الشيعة , الليبراليين , والعقل غير المعطل عموماً ! أما اسرائيل فعدوها العرب و إيران عدوها السعودية و أمريكا عدوها كل من في أرضه ثروة . عدوهم بالأصل هو نقاط قوة غيرهم .. ينشدون تجريدهم منها و تحويلها إلى نقاط ضعف إن لم ينجح إعدامها إعداماً تاماً بكامل آثاره التشويهية.. دون محو أو تشذيب. فتلك مباهاتهم في الانتصار لغريزة حب البقاء في أنفسهم غير السوية و ليس على الأخيرة هذه اختلاف ..أليس كذلك ؟

قد يتراءى لك أنني أعتقد بأن حب البقاء هو السبب الأول في خلق عدو ما. لكنني على العكس تماماً أقر و أعتنق نظرية ” كل موجود له موجد.” و على ذلك فإن الأذى هو موجد العدو عموماً.

قد يكون الأذى غيرياً , و قد يكون ذاتياً.

فالأذى الغيري كان دوماً هو المصاغ بطريقة ظلم أو اعتداء حوَّل مرتكبه فوراً و بأسرع من سرعة الضوء إلى عدو. سواء عرف المعتدى عليه عن خطيئة هذا العدو أم جهلها. و إنني لأعتقد أن عدواً معروفاً أكثر أمناً للأفراد و الشعوب من عدو مجهول.

أما الأذى الذاتي فهو أي شيء و كل شيء متخلِّق من فطرة حب البقاء وهي التي أحب أن أطلق عليها حب الحياة. مهما تحدث أحدهم عن الانتحار و رغبته في الموت فإنه لا يستطيع إنكار أن هذه الرغبة بل ذلك اليأس كان موجده هو أذىً مس حبه للحياة .. فعافها.

في كتاب ” خيانة المثقفين ” للراحل ادوارد سعيد يقول أن الفلسطينيون لا يستطيعون قبول فكرة أن يهود اسرائيل جاؤوا إلى فلسطين ليبقوا, ولن يرحلوا مثلما لن يرحل الفلسطينيون..لأنهم لازالوا يفقدون أراضيهم ويتعرضون للاضطهاد اليومي. أو كما قال بعبارة أخرى.. اليهود الإسرائيليون و العرب الفلسطينيون عالقون في رؤيا سارتر للجحيم ! والذي هو ” الشعب الآخر” .

أما في كتاب ” صراع الحضارات ” لصاموئيل هنتنجتون فهناك اعادة صياغة النظام العالمي وانتقاد و تعرية لعيوب السياسة والعقلية الغربية لكن كل هذا البحث الموسع كان تأكيداً على : حافظ على البقاء متألقاً و قوياً ما استطعت. وهو هنا يخاطب الجميع و يندد بحظوة الغرب لأسلحة قوة كثيرة تفوقوا بها على الدول غير الغربية وتناسوا أنهم استلبوها من تلك الدول التي أصبحت أمريكا ” مثلاً” خطراً عليهم ..أو بالأحرى عدوة لهم . في فيلم Inside Job الوثائقي الحائز على الأوسكار قبل عامين ..والذي حلل كيف أصبح الاقتصاد فجأة عدواً قومياً أولاً كانت المادة هي الأمير المتوج على إحدى عروش غريزة البقاء. فالمرء لايمكن أن يعيش بلا مال. و المال لايمكن أن يكون إكسيراً للحياة إن مسه حد فوق طبيعي من الاستئثار. عندما لا تكون عناصر هذي الغريزة الموحّد وجودها في جينات كل امرئ على الأرض متناسقة معها فإنها ستسبب خللاً كما يحدث في عمل أي آلة تسير وفق نظام دقيق ينبغِ لسلامتها عدم الانحراف عنه.

و بعيداً عن أسلوب الفلسفة أو التنظير في الحديث ، أقول ببساطة أنه لايوجد بيننا عدو إلا ما سمحنا لأذاه أن يعظمه لدينا إلى مرتبة العدو و هكذا نحن مع أنفسنا عندما نبغض أحداً فنتوهم أن معنا حق عقابه على ما أبغضناه فيه ! فقد يكون ذلك البغض لأنه صاحب ثروة , أو لأنه لم يشبع نهمنا بحب الاستئثار بأي شيء يجعل للحياة لذة في جوارحنا.

نحن عالمٌ من فشل ! لأننا عشنا في الحياة التي نحبها ” اختياراً أو بلا إرادة” عميان. لا نرى أن الأرواح التي تشاركنا الحياة نفسها لها نفس الحق في الاستمتاع . وعلى ذلك اخترعنا أقوالاً جعلناها مأثورة و حكيمة و مخلدة وهي ليست في أصلها سوى مخدرات للحقيقة . مثل القول أن العدل لولا الظلم ما كان ليكون ! أو أن الشهداء لم يكونوا ليضحوا بأرواحهم في سبيل الله لولا الحروب التي منحتهم فرصة الحصول على هذا الوسام.

إنه لأمرٌ مدرَك هو حقيقة أن الخير والشر غريزتين متأصلتين في كل نفس مثل غريزة حب البقاء. و أمرٌ مدرَك هو أن فاعل الخير يكون صديقاً و فاعل الشر يكون عدو . لكن غير المُدرَك هو أن ” وجود” عدو يختلف اختلافاً صاعقاً عن ” صناعة ” العدو .

وفي ذلك تنافس الجاهلون بكل امبراطوريات العبقرية و السطوة و التأثير التي امتلكوها .

فهل من لحظة تهدأ فيها رئة الحياة من نفخ العداوة التي حولتها من حياة إلى نسخة فيلمية لـ بازوليني ؟!

كُتب في Notes | إرسال التعليق

سحر حلال

+

 

كُتب في و لأهل العشق ببيع الدّوا | إرسال التعليق

E N J O Y* *T H E* *R I D E

لا أستطيع أن أنسى إلحاح بعض متابعي المدونة على معرفة هزاع. كانوا يصدقون تماماً أن بطل رسائلي التأملية إلى هزاع ليس من كائنات الخيال. انظر إلى الرسائل هنا

و هزاع لا يحب الفلاشات لذلك لم يعطني قبولاً مرة لأكشف عنه هويته. اليوم سأريكم شيئاً.. نصاً سريعاً كسرعة سيارات السباق. كتبه هزاع .. أخيراً ها ؟ نعم أخيراً. هذا نص كتب في دقيقة و سبع ثوان و ثلاثة أجزاء من الثانية. اربطوا الأحزمة .. هذا نص سريع , لكنه لهزاع. أفضل مصور للبديهة ..الأفضل في العالم من هذا النوع .

ــــــــــــــــ

لستُ أعلم مالذي يحدث عندما أستقر في قمرة القيادة ، أسابق الزمن في كل شيء ، أشعر في أحيان كثيرة بأني بطل لفلم حركة لايقل عن المهمة المستحيلة 2 ، أشعر بأنني مراقب ويجب أن أصل للمنقذ في أسرع وقت .
قد يكون المنقذ هذا هو العمل أو الصلاة أو زيارة لأحد الأقارب .. المهم لدي أن أنجز هذه الأمور في أسرع وقت ممكن .
لا أعلم ماهو السبب وراء كل هذا ! هل يعقل أن آب أغسطس وراء ذلك ؟ أو هل من الممكن أن يكون عملي هو السبب ؟ لا أستطيع حقيقة أن أفصح عن عملي لكي تشاركوني الحديث حوله ولكنني أستطيع القول بأنه عمل خطير يحتاج منك لعين صقر وقلب أسد ويد جراح ماهر وأضف الى ذلك تكنيك شوماخر ملك سباقات الفورملا 1 !
وفي الحقيقة المُرّة أنها عادتي في كل شيء ، تسرب الي هذا الشعور أن كل شيء لابد أن يُنجز في أسرع وقت ، لماذا التأخير ولماذا الإنتظار ولماذا التروي ؟؟؟
مالمرجو من تبريرنا لكل شيء بكلمتين إما كل تأخيرة فيها تأخيرة ، أو إملأ الأنتظار بالإستغفار ! وهذا لا يعني أنني أكره الإستغفار .
الحياة عبارة عن مغامرة ، وتقبع تحت ضغط القدر ، كل شيء مصرّف ومكتوب ومقسوم بالتساوي بيننا وبين كل شيء فعلام الهدوء ؟
كنت أعشق المثل الشعبي الذي يقول ( الحي يحييك والميت يزيدك غبن ) فكنت عند التعاطي مع المجتمع أُعجب كثيراً بالرجل الحرْك والفتاة اللهلوبة ، يسرني العامل السريع صاحب الرقصة الجاكسونية عند التنقل من مهمة إلى مهمة ، وأهيم بالفتاة التي تربط شعرها وترفعه الى الاعلى ثم تحكم حركته( بشباصة )عتيدة ، ثم تستقبل الناس بوجه حي وقلب منطلق ، تتحرك.. بسرعة .. تجمع اوراقي.. بسرعة.. ثم تحاول صفصفتها بحركة ديناميكية تارة تضربها بوجه الطاولة وتارة تضربها بكفها الأيسر لتأخذ الأوراق ذلك الشكل المتسق ثم تقول تفضل وعيناها تعطي إنطباع للمتلقي أو الزبون بأنها مبتسمة .

حدث أنني سافرت عن طريق البر الى صلالة ( ما ابي اقولكم اني سافرت لكن سياق الحديث فرض علي ذكر القصة ، لا يجي أحد ويقولي : يعنني :D   )
وكان صديق السفر آنذاك صهري الرائع ، كانت الرحلة عبارة عن عدة توقفات تشمل بعض مدن الإمارات وبعض قرى سلطنة عُمان ، وما أن إنطلقنا من الرياض حتى أتت الصدمة المؤلمة ، كان يقود السيارة بسرعة 100 ك متر في الساعة ، حقيقة أنا صابني إنهيار في العقل والجسد والحالة النفسية ، وبعد أن قطعنا قرابة الـ 300 ك صدح في عقلي مقطع من أغنية أم كلثوم ( دنا فاض بيّ وملييت ) اتصلت عليه مباشرة وطلبت منه عقد صفقه فالأمر لم يعد يحتمل سيما وأنني سبق ووضعت خطة محكمة للتوقيت ومحطات الوقوف ( واسألوا بينالتي عن الذاكرة الجغرافية ) . ولكي لا أطيل الحديث اتفقنا بأن اطلق العنان للسيارة حسب المخطط وهو يلحق بي على حسب مخططه !
كانت الرحلة مملة ومتعبة جداً كدت أن انتحر خمس مرات في الطريق جراء هدوئه ورزانته المبالغ فيها .

أخي الأكبر يعرف هذه العادة جيداً ، يعرف أنني مغرم بالسرعة دون أي شيء ، ذهبنا سوية للتسوق قبل سفرة ما ، فأخذ يمشي على ( الهون ) ويقلب هذا القميص ويقيس ذاك ويضحك مع البائع هذا ويمدح ذاك ، أما أنا فقد جمعت كل أشيائي في أقل 55 دقيقة بالضبط ومع ذلك أذهلت المعجبات حتى حصلن على توقيعي ؛)
المهم أنه أرسل لي هذا الصباح كليب جميل ، شاهدته كثيراً وتفكرت فيه آلاف المرات حتى أفقدني لذة الذهاب لأخذ قيلولتي المعتادة التي تمتد إلى العاشرة مساءا :D

ما رأيكم لو نتابعه ؟

كُتب في Daily | إرسال التعليق

صباح الفن أيتها القصة

1

الثلج يتساقط.

في الخارج ليس شتاءً. الفصلُ خريف. يبدو أن الكاتب قد نسي. لم يخطئ ، مثل هذه ليست أخطاء. هي هفوات صغيرة يجب الانتباه إليها قبل النشر.. فالقارئ لا يرحم. يبدو ايفان في داخل المنزل الدافئ مشوشاً من زاك آرنوكوف , الأول هو كاتب القصة التي سأقولها بعد قليل , الثاني صديقه عازف الغيتار .. عفواً، إنه عبقري الغيتار الذي كان يخشى جميع الهواة في أكوشا من تخيل فكرة منافسته..إذ أن النتيجة محسومة سلفاً. وأكوشا هي مدينة صغيرة في داغستان.. لكنها متخمة بالفنانين و كتَّاب القصص، لم يخرج من أكوشا روائيٌ واحد. ايفان مشوش من آرنوكوف لأنه يسقط عليه إلهامات أقوى من إلهامه قصير المدى الذي أوحى إليه هذه الأيام مثلاً بفكرة العلاقة الغزلية المحتملة بين كائنين من الطبيعة . أحياء بالطبع , أو ذوات أرواح. كالعلاقة بين شجرة و بحر مثلاً. أو بين جبل و مطر ، أو بين أفعى ذهبية يبرق جلدها و قط شيرازي في منزل صياد سمك فقير . زاك آرنوكوف يمكن لإلهاماته أن تردي هذه الفكرة أو تملأها بالهفوات أثناء كتابتها بجوار شيء أقوى منها. و بالطبع فإن مخيلة ايفان تأتي له بأفكار قوية عطفاً على إلهامات آرنوكوف لكنه لا يستخدمها .. إنه يرجّ رأسه بقوة عندما يوحي إليه آرنوكوف بفكرة لقصة قد تهز العالَم و تشغل القراء لأيام و أعوام. إنه مخلصٌ لإلهامه مهما كان ضعيفاً. وهو يقول دوماً لنفسه : ” الطبيعة العظيمة القادرة على هدم منزلي فوق رأسي كما قدرتها على منحي الدفء دون حطب و نار عندما تتعامد شمسها على أرضي ..هي ليست إلهاماً ضعيفاً. إنني قوي , بقوَّة ما تمدّني به الطبيعة من أفكار و أبطال افتراضيين أحركهم كما أشاء . إن آرنوكوف يعجبني ، يلهمه شكل الأحرف الموسيقية المفتون بها و تلهمه قصَّة شعر المرأة الفرنسية ذات العينين اللوزيتين , بيضاء كانت هذه المرأة أم شديدة البياض. سيرة حياة بيتهوفن تلهم آرنوكوف أيضاً، و فيلم أماديوس رغم اعترافه أنه لم يسمع في حياته سيمفونية واحدة لموزارت ! آرنوكوف يكره تشايكوفسكي ، لأنه تفوق عليه في بداياته بكسارة البندق و بحيرة البجع. يعترف آرنوكوف بهذا الكره بالرغم من أنه ليس مؤلفاً موسيقياً لكنه يؤمن بمقولة : المؤلف الموسيقي و ملحن القصائد مثل الرجل الذي لا يصبح إنساناً دون امرأة و هو أيضاً مثل المرأة التي لا تستقيم بلا رجل. آرنوكوف اليوم له سبعون سوناتا.. عزفها بالغيتار فقط. من بينها ” نوفمبر الجميل ” ، و ” الوردة اسمها آنا اخماتوفا ” ، و ” الطفل العربي للسيدة الإنجليزية فيرجينيا وولف.”

عن السوناتة الأخيرة.. يقول ايفان أنه قرأ في مذكرات آرنوكوف بعد وفاته اسم طفل السيدة الإنجليزية وولف.. وهي سيدة لم يتحدث عن ظروف اختراعه لشخصيتها..لكنه كان معجباً بعندليب العرب عبدالحليم حافظ ، فألحقه نسباً بالشخصية الموسيقية , وهو بالطبع يلمح من خلال هذا الاقتران العجيب إلى أنَّ اللحن الإنجليزي الذي ألّفه لهذه السوناتة سوف يحدث فيه انحراف _ حرص آرنوكوف على أن يكون عظيماً _ يقص على أذن المستمع قصة بطل عربي كان طفلاً موهوباً لتلك السيدة الأديبة. إلا أنك إن لم تكن خبيراً في الألحان المكبلهة لن تستطيع فهم السوناته ( المكتوبة على شكل قصيدة سرية أولاً) إلا على أنها مزيج سيريالي بين أجود ما لدى الشرق و الغرب. لكن آرنوكوف يشرح في حاشية نوتة السوناتا أنها من الدقيقة الخامسة عشر حتى الخامسة و العشرين تصبح شرقية يجب على المسرح الذي تُعزَفُ عليه أن يجعل خلفيتها مشهداً متحركاً لنهر النيل . كان آرنوكوف يحب ايفان حباً جماً. لم يعامله كصديق ؛ وهي الصفة الرئيسية للعلاقة بينهما ، بل عاملهُ كخصم مفترض. كان يتوسل إليه أن يتقمص روح تشايكوفسكي ويتحداه أن يصنع لحناً أجمل من ألحانه ليوقد فيه نار إبداعٍ لا تهدأ إلا بولادة معزوفة يكون ايفان أول من سمعها. أما ايفان فكان كثيراً ما يعترض على طلبات آرنوكوف ويقول له : دعك من استخدام تشايكوفسكي حطباً لعبقريتك يا زاك , أنت لاتحتاج إلى الكره بل إلى الطموح ,إلى الحب و الرغبة. إنني على كرهي لشهوانية الرجل حين يكون فناناً لكنني أناديك الآن لإطلاق رغبتك في أي امرأة فرنسية ذات شعر قصير دائري و عينين لوزيتين و لسوف أكتب لك قصةً تصورها أمامك من لحمٍ و دم فتتبدَّد فيها بلا تحكّم ولا هوادة ! لم يكن آرنوكوف يرفض نصائح ايفان ، ينفذ ما يقترحه عليه بكامل تفاصيله و يصنعان معاً أجمل القصص و الألحان الغرائبية ، لقد كان آرنوكوف يلحن عبارات كثيرة من قصص ايفان، تلك التي تحدث في نفسه إيقاعاً موسيقياً يستفز جنونه بالتلحين. لكنه يعود بعد الانتهاء من كل ذلك إلى التوسل لصديقه بأن يتقمص تشايكوفسكي ليصنع شيئاً ينقسم القمر من جماله إلى قسمين و تتحول الأرض إلى ثلاثة أجزاء.. يابسة , ماء , و موسيقى زاك آرنوكوف.

تمنى ايفان كثيراً لو كان هو صديقه زاك. إنه يشعر أنَّ الإلهام الذي تمده به الطبيعة لا يكفِ لخلق قصص مبهرة جديدة ؛ قد يحافظ على القديم منها..بحيث تشعر وأنت تقرأ إحدى قصصه و كأنك تقرأها لأول مرة. لكنه لن يلهمه بفكرة اكتشاف كائن بحري جديد مثلاً .. لم يعرفه القارئ من قبل. إنه لايريد اكتشاف ماهو موجود في الطبيعة، بل أن يستمد من الطبيعة ما لم يوجد بعد, ينشد إيفان خاصية الابتكار. إنه محبط لأن الطبيعة التي أمامه تفتقر إلى الابتكار. فالثلج يتساقط في الشتاء بنفس الطريقة دوماً، و الأزهار البرية تزين الجبال في الربيع بالنسق نفسه كل موسم. حتى القمر لم يتغير شكله منذ نظر إليه لأول مرة و ظنَّهُ كرة قدم معلقة في السماء ! هو كقاص يتحلى بحاسة فنية كان يأمل أن يرى القمر على شكل حبيبته الراحلة. ايفان لم يعشق بعد محبوبته أحداً سوى الأرواح غير العاقلة. ربَّى العديد من القطط و الكلاب و الأرانب و الدجاج . أحياناً كان يصيد الفراشات الملونة ليتذكر روح فتاته المرحة .. كان يشبهها بعلبة ألوان لا تباع في المكتبات. لأنها صنِعت في قلب ” دِين” ..طيفه متموج الألوان الذي أضاء حياته و أطفأها بعد أن اختفى كنجمة قطب خرافية. و دين هو اسم محبوبته التي كانت تغنِه عن الطبيعة كإلهام وحيد.. وعظيم . لكنه لم يكتشف عظمته بعد كل القصص العظيمة التي خلّفها إرثاً أبدياً لروَّاد التراجيديا . كان يحلم في بعض الليالِ التي يصاب فيها بالحمى أنَّ دين تأتيه .. تأخذ بيده من خلف طاولة الكتابة إلى جوار الشباك و ينظران معاً إلى النجوم ، ثم تقول له بآداء مونولوجست فكاهي :

حبيبي إيفان ..

الطبيعة ابتكار الله ؛

دين التي يحبها إيفان ابتكرها الله أيضاً..

ايفان الذي تحبه دين ابتكره الله أيضاً ..

الله .. يا الله .. شكراً لك على هذا الفن ..

نحن مخلوقاتك التي تتوسل يا الله ..

بثَّ في أرواحنا شيئاً من فن الابتكار..

مدَّ إيفان بالخيال ليبتكر ,

امنح حبيبي ايفان القوة لغرس نجمة جديدة دامعة..

بين نجوم السماء اللامعة ..يا الله ،

حبيبي ايفان ،

أتنصت ؟ أترى ؟ أتحبني ؟

استجب إذن لصوت الطبيعة في قلبك ..

قلبك ابتكار الله ؛

تلك النبضات خرائط إن أنت استمعت إليها..

ستصل إلى الكنز الذي خبأه لك الله ,

خالق الطبيعة، خالق إيفان ، دين، و النجوم..

حبيبي إيفان ،

هل تتذكر عندما كنت تضمني ؟

ضمَّ كنزك الآن ,

إنه ابتكارك المنشود ..

إن أنت اعترفت بالحصول عليه ،

لن تغشاكما ضلالة عن بعضكما بعد اليوم ,

حبيبي إيفان ..

النوم ليس للمبتكرين ،

الحمى لليائسين و الضائعين ..

قم إلى رحلتك ..

من يدري ؟

قد أكون هناك.. بجوار كنزك الخلاق ,

قد أكون كنزك الخلاق.

 

يعترف إيفان أنه عالمٌ بخطئه في الاتكال على الطبيعة لتقديم ابتكار جاهز يستخدمه في خلق قصص لم يسمع بها بشر من قبل. ذلك أن افتقاره للابتكار لم يكن في الطبيعة بل في نفسه. ناجحٌ هو إيفان ، لكنه ناقص التجربة. إذ أنَّ الابتكار فن، و الفن عدد لا متناهٍ من الفنون . كل فنان يتسم بالطمع ، يبحث عمَّ ينقص الجزء المحزون من قلبه رغم الأجزاء المضيئة فيه ..تلك الأجزاء التي عشقها من عشقها من المتذوقين فتحولَت إلى مسرحٍ حي.

كان زاك آرنوكوف يفتقر إلى قصائد متقنة يقوم بتلحينها بالرغم من جميع السوناتات المذهلة التي صنعها. وخلطته السرية في تلك السوناتات هي القصائد التي كان يؤلفها ويلحنها في الوقت نفسه. زاك كان أمياً. لم يقرأ و يكتب في حياته. لذلك كان يتخيل عبارات لطالما اعتبرها هراءً لكنه لحنها لأنه لم يرد أن يثقل على صديقه القاص إيفان. فهو يعلم أنه لا يكتب شعراً..بالرغم من أنه كان منقذه الأول حين يعوزه تشبيه مؤثر في عبارة درامية أو مشهد طريف في عبارة فرائحية. و عندما تخرج المعزوفة ناضجةً من فرن زاك كان ينسى أو ربما .. يتناسى الكلمات التي خرجَت هذه الألحان على أكتافها. إذ أنه كان متمسكاً بصفة عازف الغيتار أمام الهواة و النقاد و المتذوقين. فلم يعلم أحد أن زاك كان شاعراً إلا بعد وفاته بأعوام..عندما تحدث إيفان أخيراً عن مآثر صديقه بعد أن أضناه الشوق ، كان يشعر أنه امتداد لظُلم زاك لنفسه وهو يخبئ أسرار فنه العظيم عن الناس. تفوق زاك على تشايكوفيسكي دون أن يعلم. فقد كان مؤلفاً و ملحناً من حيث لم يعتبر نفسه مؤلف موسيقى. آرنوكوف كان لا يعرف أن ما فعله هو تجسيد بهي كبهاء الكون الذي عمَّت فيه ألحانه لكلمة ” ابتكار ” . وهكذا فقد كان هو أيضاً ذو تجربة فنية ناقصة ، لقد نقصها أن يعرف الاسم الكونيّ لعبقريته التي تعلم على أبجديتها عشرات الآلاف من الفنانين .. ذلك الاسم هو ” الابتكار” .

 

2

الثلج يتساقط . أضع أجزاء من كعك دافئ على سليوليد لم يتبقَّ بحوزتي غيره اليوم. تقطعت سبلي إلى مموِّلي بأدوات التصوير. يبدو أنه عاد إلى مخبأه تحت جسر المدينة لأن مخرج أفلام الرعب لم يكلفه بدور جديد. إنه كومبارس محترف . لو أنني مكان ذلك المخرج لمنحته فرصة بطولة في فيلم مدته سبع دقائق. و للسبع مبرراتها. دقيقة للمقدمة ، دقيقة للرسالة المكتوبة بعد مشهد النهاية ، ثلاث دقائق للوحة بورتريه بعنوان “فتاة مريضة ” للفنان المستحيل ميخائيل نيستروف (تقف الكاميرا عند تلك اللوحة بصمت لثلاث دقائق دون تأثير فني أو موسيقي) ، دقيقتين لقصة فيرونيكا ، و هذه هي القصة :

فيرونيكا فتاة نحيلة يدور بذهنها طوال الوقت تناول قالب كعك كامل محشوٌ بالكرز. لكن جاك..متسول القرية ، يسرق كعكها دوماً ويترك لها فتاتاً منه يكفي بالكاد لإطعام مناقير العصافير. فيرونيكا وضعت ذات يوم سمَّ فئران لجاك ..وضعته في قالب الكعك. يومها أشيع في القرية خبر سقوط جاك من عربة قش عالية و جرح في رأسه ثم أخذته جدته إلى بيتها في القرية المجاورة لتعتني به. النبأ الذي أبهج فيرونيكا أنساها أنها وضعت سم فئران في قالب الكعك، أكلت منه قطعة.. صغيرة..قطعة صغيرة. صغيرة جداً. تكاد تكفي لإطعام ثلاث مناقير لعصافير صغيرة. ماتت فيرونيكا. في عامٍ تلى ذلك العام، رأى أهالي الحي روح فيرونيكا المتخلقة من روحها الأولى ( التي قد لاتكون روحها الأولى ) تجوب الأنحاء و تتسول من الباعة قطعة كعك وإن لم تكن محشوة بالكرز.

لا نعلم ماذا كانت فيرونيكا في روحها الأولى ؛ ربما كانت ملِكة أثيوبيا ! و ربما كانت نورساً يحمل فتات الكعك إلى رفاقه في السرب , أما روحها الثانية فربما كانت قارئة .. أو معلمة قراءة تأخذ بيد الأطفال إلى عالم الكلمة السحريّْ. فيرونيكا النحيلة التي تعشق الكعك المحشو بالكرز ليس معروفاً أي نسخة من أرواحها كانت تحمل. ربما هي روحها الخمسة آلاف. أو الخمسمائة ألف و عشرة. إننا نعلم فقط عن تلك النسخ التي شاهدناها .

هذه القصة تحولَت إلى فيلم مدته سبع دقائق. فككت محتوى الفيلم للقارئ في بداية القصة. استخدمت بعض الخروق البالية للتعبير عن التسول؛ كما استعنت ببعض قطرات البول و قطرتها على جزء آخر من السليوليد لأعبر بالتأثير المتروك عن سم الفئران. أسميت الفيلم ” ملهاة المساكين ” . حصل هذا الفيلم على جائزة عالمية في مهرجان للأفلام القصيرة و هذا المهرجان معروف .. إنه مهرجان الصورة التذكارية. هذا هو اسمه. و بعدما حملت أوسكاري الذهبي الجميل , عدت إلى بلدي و لم أمر على أيٍ من الأهل أو الأصدقاء , اتجهت مباشرةً إلى منزلي . و اتخذت مكاني خلف رجل الثلج الذي صنعته بالقطن لأحتفظ به داخل المنزل فوق طاولة العمل , و كتبت برقية إلى ممولي ليزودني في أقرب وقت بأشرطة سليوليد جديدة , ثم أخرجت قطعة كعك بائتة من البرَّاد و تناولتها على أنغام فيلمي ” ملهاة المساكين ” الذي كان يعرض في القناة الناقلة لمهرجان الصورة التذكارية آنذاك.

 

إيفان

أكوشا / داغستان

12-12-2012

3

إنَّ الأشياء التي نحكيها عن الآخرين هي الصدق بعينه مقارنة بما نحكيه عن أنفسنا من أكاذيب. نحن لا نستطيع قول حقيقة واحدة عنا دون رتوش زائدة أو إزالة رتوش لازمة. هب أنني قصصت لك علاقة الحب بين البحر و شجرة استوائية في غابة لا يصل إليها ماء البحر. يبدو الأمر لأول وهلة عصياً على التصديق , لكنه ممكن الحدوث إن قرأناه كمشهد فني . عندما تصل مواصفات الأشياء إلى قلوبنا و نشعر بها ..يكون قد تحقق لها الصدق. وإن لم تكن معقولة. و لكن هب أنني قصصت لك علاقة بيني و بين فتاة تستريب بها أنت و رفقاؤك , إنك إما لن تصدق أنني استطعت أن أرى اللؤلؤ المخبأ في كريات دمها و إما لن تصدق أنها اكتفت بي. تؤثر على آراء الآخرين سمعة آخرين السيئة .بعضهم ذو سمعة عطرة , لكنها سيئة عند واحد أو اثنين , وهذا كافٍ لإحداث ضجيج يعيد قول إلياس كانيتي إلى الواجهة : إن الأشياء الحقيقية التي أحكيها عن نفسي هي التي تبدو لي مثل أكاذيب.

لذلك أنت تصدق الآن ما قصصته لك عن إيفان و زاك آرنوكوف , الأدب و الفن و العبقرية و الابتكار ..كل ذلك بالرغم من السر الذي سأعترف لك به الآن .. لا يوجد أحد في العالم اسمه ايفان , ولا زاك آرنوكوف. لكنني إن قلت لك أنني أنا هذين العبقريين مجتمعين .. أنا إيفان , و زاك آرنوكوف .. لن تصدقني. ستقول أنني مغرور و مصاب بجنون العظمة , ستقترح عليَّ زيارة طبيب نفسي يعرِّي حجمي كما هو دون تضخيم ولا تقزيم . و سوف تكرهني و ترحل و تدَّعي أنك تكره الذين يقولون عن أنفسهم عباقرة و تحب الذين تعتقد أنت أنهم عباقرة وهم متواضعون. تعرف أنك تكذب , أنك منافق يبرع أكثر ما يبرع عندما يشاهد مخلوقاً متباهياً بأدبه و فنه..في السفسطائية و التنظير. هذا يجوز و هذا لا يجوز . هذا يجب و هذا لا يجب , هذا حريٌ بفلان و ذاك عيبٌ على الخلان ! حتى أنك تفوِّت على نفسك لحظة الاستماع إليّ و أنا أقول أنني أيضاً لست أصدق نفسي. لكنني لست أحتقرها. إنني حين لا أصدِّقني وأنا أفخر بأدبي و أترنم بفني و ألمِّع الجوائز التي حصلت عليها نظير ابتكاراتي .. لستُ أؤمن أني كاذب. لكنني أشعر بالأمور التي لم أتوقع أن أقدر عليها يوماً تبدو مثل أكاذيب. و ليست كل الأكاذيب حقيقية , كما ليست كل الحقائق قد حدثت بالفعل. فهناك ما يحدث في الخيال , و هناك ما يحدث على الورق , و هناك ما يحدث على أنغام الوتر , و هناك ما يحدث على الأرض ..المكان الأشد مأساوية فيما عرِف الأدب و الفن و الفكر على مدى الأزمان.

إنني أقصُّ عليك الآن فكرتي عن العلاقة الغزلية التي ألمحت إليها عندما تحدثت عن قصص إيفان المستلهمة من خيالات زاك آرنوكوف. تلك التي تؤدي بشغفك الفوضوي مباشرةً إلى درب الولع. هناك حيث الفن . وإن لم يكن المرء مولعاً بالفن , فإنه سيَّان إن كان كومبارساً في فيلم مدته 1,55,8 قررت الرقابة منعه من العرض أو ماسح أحذية . أما إن كان المرء مخلصاً للفن , فإن عليه علاج عقله من التثاؤب عندما تتلى عليه كلمة ” طبيعة ” , ذلك أن ما للفن من فاتحة قبل الطبيعة. وما له من خاتمة غير الطبيعة. بأحراشها , بحشراتها , بفضلاتها, بشهواتها, بفراديسها , بما تبقى من مائها العذب و رملها الناعم, بمصادر الإسمنت التي زوَّدت بها المدنيين حتى شيدوا مدناً إسمنتية تستهزئ بالفن عندما ترى أوراق النقد من فئة الآحاد حتى الملايين.

لم ينجح إيفان في قصصه التي أخلص فيها للطبيعة و أطلق لها دور البطولة بل و جعلها المخرج الذي يتحكم في ” بوز” الكاميرا و ألوان التمييز بين الزمن ..ماضٍ.. حاضر.. مستقبل. ذلك أنه كتب في عصر الطفرة. كفر هواة الفن بالفن و هرولوا إلى حيث سدادات العوز و شلالات الشهرة. في إحدى الإستفتاءات اكتشف إيفان الذي كتب ذلك الاستفتاء بطلب من آرنوكوف ..أن عشرات الهواة كفروا بفضل العزلة في تخصيب الفن. أصبحوا ثوريين اعتنقوا عقيدة الشتائم على كل من يظنونه سبباً في جريمة شعبية أو فردية. فكانوا ينعتون المنعزل بالفاشل العبد . حتى انتحر يوماً رسام تجريديٌ بارع لو عاش لكنا قرأنا اسمه في قائمة أعظم عشرة رسامين في العالم. كان يفرد ورق الجرائد على أرض الصالة في منزله الصغير و يلزق طرف الجريدة بطرف الأخرى ثم يطليها بطبقة خفيفة من دهان أبيض لا يمحي هوية الجريدة بالكامل ..بعد ذلك يبدأ بالرسم على طريقة الكولاج . يرسم بعض ملامح اللوحة بالألوان و يستخدم عناصر خارجية في إبراز بعضها الآخر. مرةً أحدث قطعاً في كفه و عندما تدفق الدم طبعها على مكان مميز في اللوحة. و عندما عرضها على أحد النقاد عرف الناقد على الفور أن تلك الكف طبعَت بدَم لا بلون دهان أحمر . بعد انتحار ذلك الرسام الذي عشق فنه عشقاً جماً دفعه إلى الخلاص من العالَم الذي كفر فجأةً به , دافع بعض الثوريين عن هجومهم الضاري على المنعزلين.. قالوا نحن قلنا المنعزلين , لكننا لم نقل ” الفنانين المنعزلين ” ! و عندما وصل هذا القول إلى زاك آرنوكوف و إيفان . قاموا سوياً بتأليف فيلم قصدوا فيه كوميديا سوداء تعبر عن سخريتهم من خونة الفن فكان فيلماً مدته ثلاث دقائق عبارة عن شاشة سوداء كتبت عليها كلمة فن بخطٍ مطلسم أسمته السينما الصامتة فيما بعد .. بخط الموت .

4

توفي إيفان متأثراً بالألم من فشل آخر قصة كتبها في حياته . قصة لم تكن فاشلة, لكن طفرة الرواية قد اجتاحت أكوشا ؛ حتى تصدَّر ذات يوم عنوان رئيسي في صفحة جريدة المدينة الرسمية الأولى و كان بنفس العدد الذي نشرَت فيه قصة إيفان الأخيرة في الصفحة الأخيرة الخاصة بأصدقاء الجريدة.

العنوان : موت انطون تشيخوف و ميلاد فلاديمير نابوكوف .

الخبر : تعلن رابطة أدباء داغستان عن انتهاء أدب القصة و ولادة أدب الرواية منذ هذا اليوم الذي يوافق اليوم العالمي للكتاب. و على أدباء القصة في البلاد الحضور إلى وزارة الثقافة و الفنون للتوقيع على تعهد بعدم نشر قصة في مكتبات و صحف داغستان من اليوم فصاعداً .. يبلَّغ أمرنا هذا لكافة جهات النشر و صوالين القراءة و ينفذ.

ــــ

4-4-2012 لندن

كُتب في الكاميرا بتتكلّم | إرسال التعليق