(يؤتي الحكمة من يشاء)

*سألتُ الثلج: ما معنى التماهي؟

فقال: بأن تظل على وصالِ

سألتُ الثلجَ: ما الأرواح قل لي؟

فقال الروح من أمر الجلالِ

بكاءُ الثلج مثل بكاء قلبي

كريمٌ في الجنوب إلى الشمالِ

ومهما تبلغ الآلام فيه،

يعلمها الطموح إلى الزوالِ

سألتُ الثلجَ: ما حبٌ و دفءٌ؟

فذابَ الثلجُ، لم يكرِم سؤالي!

bkh

– الصورة من حساب الدكتور عبدالرحمن/ أحد الأطباء العاملين في الحج.

رحل كل شيء وبقيت وحيدة تماماً. هكذا كان شكل كتابتي لمذكراتي حتى وقت قريب. ثم انجلى سواد كان يحجب بدراً لا ينقص منه شيء متى ما تناقص الشهر ابتداءً وانتهاء، فبان لي أن كل شيء رحل لأن الله يحفني برضاه، اختار لي و لم يخيِّرني، لو خيَّرني لكُنت أعاشر ذلك النفاق و أصدّق ادِّعاءات المحبة والصداقة والتمنن على كذبٍ عذرهم الوحيد حين تمادوا فيه هو أنني صدَّقته. لقد ارتجف جسدي بكل جوارحي عندما وقعَت حادثة رافعة الحرم الشريف و تدافع حجاج منى فرأيت ما كان يُمكن أن يثير اشمئزازي من حزب الرمَد نفسه، لولا أن ما رأيت لم يكن جديداً على أيامنا هذه، ولا غريباً..بل نحنُ الغرباء! صعَد في قلبي امتنان عظيم لله على الخير الذي قدَّره لي بإبعاد هذا النمل من الناس عن طريقي. لقد سخَّر الأسباب التي كنت أظنها ظلماً، ثم أيقنت أنها عدالة الله من حيث لم يسعى الظالمون. أن تقوم باستغلال دماء الحجاج وضيوف الرحمن لتصفية حساباتك مع الملِك ( حكومةً) فتظن أنك أدليت بصوتك كفرد من الشعب و لم تمس الشعب بسوء فقد وقعت في عقر دار الجهالة وأسفي عليك أنك لن تجد الطريق إلى باب الخروج إلا إن أدركت في أيِّ دارٍ حططت راحلتك. لقد تساءلتُ ملء استغرابي، هل كل ما تم توثيقه من جهود تطوع خيرة شباب ( الشعب) من رجال و نساء ( أطباء، ممرضين، إسعافيين، جنود، دفاع مدني) كان هشاً أمام الغمة التي يفاخِر بها من طعنوا في براءة هؤلاء الصفوة من جناية التسبب في ما كان من وفيات و جرحى؟ نعم أيها الخائن. عندما تستغفل من يقرأ ما تظنه اعترافاً بالمشاكل و مطالبة بالإصلاح ومن يسمع ما تزعم أنه حب للوطن و نقد خطأ لتلافيه فتعتقد أنه مريض نفس مثلك لا يفرق بين الوطنية والمواطنة وحب الوطن و وجوب النقد فيها كلها كي تستقيم كوجوب إقرار الحق والشكر عندما يوفَّى الواجب بإخلاص.. فأنت قرن شيطان أعور. قد تظن أو تخاف من أنه يجب اجتثاثك. لكنك أصغر من أن يتم الإنشغال بما تحركه من برَك الحقد و الكيد. أن يكون موسم الحج هو فرصة تصفية الحسابات السياسية، فهو أجهل ما يمكن الجهل به سياسياً. إذ أن ميدان المشاعر في الحج ليس تنظيماً حكومياً قدر ما هو تنظيم أبناء وفتيات الحجاز البررة بالتراخيص النظامية، تجلس متنعماً قبالة جهاز التكييف في غرفتك وأمامك طبق التفاح والكيوي و بجواره كوب القهوة المزخرف برسوم من معالم نيويورك التي تسبِّح بحمدها وتضع في انستقرام صور رحلاتك إلى متاحف الشمع التي تجسم فنانين هوليود و تملأ الخط الزمني في وسائل التواصل والتفاعل باقتباسات عن الإنسانية والحرية والعدالة والفن الكامن في أن يكون المرء حكيماً لكنك تعجز عن اقتباس حياة أبناء ( شعبك) أيها المواطن أو المقيم المتظاهِر أنه من الشعب، تعجز عن اقتباس حياتهم في أعظم ميدان على وجه الأرض في صغر مساحته وعدد القاطنين فيه لآداء مهمة واحدة موحدة تجمعهم. ميدان في أشرف بقاع وطنك يفوق عظمةً على ميدان شارلي ايبدو (الجمهورية) وميدان الحرية و ميدان تقسيم! هل اتهام منظمي الحج بالجناية هو المطالبة الوطنية بالإصلاح حباً في الوطن بغيةً لوطن أجمل محاذياً لجمال دبي و اسطنبول و..نيويورك و صنعاء وطهران؟!

راعني أن كل الأسماء (الطبيعية) لهذا الطعن هي أسماء عشاق قراءة. جلساء كتُب وأدب و فن. لا يفتأون القيام بتدوير روابط الكتب الإلكترونية ولا يذخرون عن متابعيهم نشر روابط أجمل المقالات والأفلام عن أعظم أدباء العالم الذين اختص أدبهم بالإنسانية و المعالجة الإجتماعية. بل أن بعضهم احترف القراءة الفلسفية وتغزل مرات عديدة بإمبرتو إيكو و طال عقله الوضاء محاورات أفلاطون أيضاً! كنت أصدِّق كل شيء. فصفة “قارئ” تكفي لتغليف شخصية بالهيبة وإن كانت الشخصية اسم رقمي في مجتمع وسمه البرمجيون بالإفتراضي. ألم يكن من الممكن القول أن هناك قراء مدَّعون للقراءة؟ كاذبون؟ لا يقرأون شيئاً لكن يغريهم مجتمع القراء فيزجون بأنفسهم فيه زوراً؟ بلى. ليس ممكناً فحسب، بل وقع أيضاً، لكن لا أحد كان ينتبه للكذب إلا بعد اللسع من الجهل الفاضح. أو كما قال رفيق العقل عبدالعزيز ذات تساؤل: كالحمار يحمل أسفارا.

عندما حاولت نشر الحقيقة أصابني اتهام بالجامية. فتيقنت أن الجهل أطبق على العقل بإحكام لا مجال لرفعه كي يشم الهواء ولو بعد تيقظ وندم، إذ أنه كان مغلفاً بغشاوة سميكة السواد حجبت عن ذلك العقل الانتباه إلى أنني لم أدافع عن ملِك، بل عن نفسي وأبناء مدينتي ومنطقتي، سهرنا وتحملنا عوائق و مشاق وآلاماً أكثر من أن تحصى أو تحصر في قائمة شرف أو صفحة دفتر! _ لم أتشرف بالعمل في الحج هذا العام، بل العامين المنصرمة_ ولم نبغِ من وراء عملنا جزاءً ولا شكوراً، حافظنا على ابتسامتنا وروح اللطافة مع ضيوفنا حتى عدنا إلى بيوتنا فاقدين الوعي من الإعياء، لنصل إلى مطاف نطالَب فيه بالتماسك أمام اتهام جنائي ممن يزعمون حب الوطن. ثم عندما يجتهد جميع الوطنيين حقاً في إيضاح الحقيقة بشتى الوجوه والصور والفيديو وتصريحات المرابطين لا تسمع لهم صوت اعتذار ولا ” أيقونة” خجل، فضلاً عن ندم. يخجلون من إعادة تدوير الإنسانية في أبناء وطنهم، ويفاخرون بإنسانية كل امرئ من أمريكا، واوروبا. يشبهون بؤرة نار ينفخ فيها الشيطان ولا يذر. إنها ليست نارنا التي نوقدها لنتدفأ، ولا الأخرى التي نشعلها لنطهو عليها الطعام.

مشروع سكيتش نوتس العظيم فيما يبني ويعطي ويعلِّم كتب عبارة في صفحته على الانستقرام اليوم يقول: قبل أن تتعلم الرسم يجب أن تتعلم كيفية النظر للأشياء.

أجبته: أصبت. رؤية البصيرة تسعة أعشار ما يراه البصر.

و هكذا، فإن كان المرء بلا بصيرة، كان أشد عمى من الأعمى، إذ أن الأعمى يرى من بصيرته، ولا تعوزه عينه ما دام يفكر ويستبصر.

أحدهم _ مجهول الإسم_ كفاني كل شيء كتبته في الأعلى، بالقول: لستُ الآن مع أي شيء أو ضده، أنا الآن وحيد تماماً وتغمرني الوحدة بالرضا والارتياح. لم أعد أهتم بإثبات تفوقي أو إشعار الآخرين بدناءتهم، ولَّى زمن المشاحنـات والمشـاكل.

وهكذا، أكتشف وإن كان في عُمرٍ قصيٍّ عن البلورة، أن من قالَت يوماً في إحدى صفحات التواقيع: “أن تكون وحيداً، فهذه عقوبة الله لك” كانت تناجي نفسها، ولم تتحدث عن الوحدة حقاً، أو عن الوحيدين الذين وجدوا السلام و قصعة الوضوء خالية من الزحام على طاولة خارج المنزل، أمام باب الفناء الخارجي تماماً. حيث يمر العابرون الجميلون خِفافاً، ليسوا مثل نسمة، أو ريشة تسافر إلى حتفها، بل مثل وحيد في الداخل، يغزل قصصاً رغم خلو محيطه من القاطنين، لأنه الوحيد، البطل الذي يلهو وحيداً بسلام، إذ عرِفَ أن الله معه عندما يرحـل كل شيء.

– اللهم ارحم المتوفين من ضيوفك الحجاج وتقبلهم شهداء في جنتك واشفِ المصابين شفاءً عاجلاً غير آجل و جازِ المرابطين في خدمتهم و خدمة بيتك الحرام إحساناً و رضوانا.

الأبيات في البداية لعبد الرزاق الناعمة.

غيض من فيض، ذكريات أحفظها لنفسي لا للجاهلين..

CP09C6PUsAA9oOS

mor9989

ooooo

CP23uSbUEAArNsZ

CP2i41VUEAAx-i7CP2i41MVEAALEkg

أحمل خبزي، و رغيف خبز آخر ليس خبزي

1

عن ماذا ؟ عن الإعجاز في اسم الاستفهام ماذا ؟ أم العجز عن شتم هذا و ذا . عن الذين يعيقون المعوز إلى العزلة أن ينعزل ، يبسطون درب الانغماس في سرطان الناس و يقطعون له تذكرةً محفولة أكثر مما ينبغي في أضيق نزل. عن الذي يريد الانفصال أكثر من الانعزال، لا يمانع فكرة الغناء و الرقص و إلقاء الشعر في جمعٍ غفير واقف بملل في ساحة غربيّة..ينتظرُ إدهاشاً يجهل تاريخه و لغته من شرقٍ أو جنوب لم يزره قط سوى في صحف المعادين و قنوات المضللين و كتب المستشرقين المغرِّبين ! يأتي البطل الذي يبحث عن انفصالاً عن الجموع و القبائل و العشائر و الشعوب و زملاء العمل و أصدقاء الإستراحة و أهل البيت و شريك/ة الغرفة فينفض عن عيون المستهلِكين في الشارع نعاسها و يعزف لحناً خليجياً على عود مهترئ لا يعرف كيف يعزف عليه. الناس تصفق ، الناس تقول كلاماً مختلطاً يخشى أن يسألهم معناه فيرشقونه بأي شيء يذكّره بفشله في الانفصال عنهم، أي شيء يبدد فكرته المتسيدة على اختلاطه بكل أحد منذ ماتت أمه فنبت في حقلهِ الذي كانت تفلحه عندما كان طفلاً.. فزاعة، سألها مرة ما اسمها..قالت : تشرّد. منذها لم ينعزل و هو يعلم استحالة الانعزال في قرية تنبذ المنعزلين لأنها تظنهم مجانين مضرين بعقل أولادهم و يمحقون بركة الله المتنزلة على حقولهم عندما يتجولون فيها بخطوات عشوائية كما يفعل أي مجنون! منذها أصرَّ أن يعيش ما بقى من بؤسه محاولاً أن ينفصل. و لم يجد طريقة حتى في أرض الحرية و العدالة و الديمقراطية و الحقوق الأخرى التي يشاع صباح مساء أنها الخلطة السحرية للمظلومين و المتعثرين و منحوسي الحظ و محبوسي النفَس و المحرومين من فيتامين دال و دفء الشمس و وجوه قمرية مات شعراء الغزل قبل أن يهجو بعضهم بعضاً إن سبق أحدهم آخر في التفحش غزلاً بها. عن صعوبة الطبع السوي عند فقدان البساطة . عن سهولة النزق عند استبداد صوت الناس كصوت ريح عاتية أو صرير نافذة متوجعة من عاصفة كتوجّع كبدٍ من سرطان أطبق يأكلها بلا هوادة. عن السذاجة في نظرية : أنا على الأرض، إذاً أنا أتنفس. عن سوء الظن بالأحلام عندما قيل أنها تأخذ من الأوكسجين قسطاً يسلب النائم راحته في الحلم فيستيقظ مفزوعاً ظاناً أن حلمه كان كابوساً ! عن الوحدة الفعلية لا الروحية في منتصف سهرة محتدمة الكلام و النظرات و التلامس العفوي و المدروس. عن الذين يحبهم و يحبون غيره ، عن الذين يريدهم.. يذهب إليهم.. يدق على بابهم.. يترك ورقة مكتوب عليها جئت أزوركم.. يسأل عنهم الجيران عندما يتأخرون في الرد عليه أياماً.. ثم يسمع من بائع البقالة المجاور لحيّهم أنهم قاطعوه لأنه لم يدعوهم إلى حفل زفاف أخته التي هربت مع عشيق و تركت خلفها ورقة على مرآة مغسلة حمام الضيوف : قولوا للناس لا نملك مالاً نقيم به حفلاً..زوجناها بيننا و رحلَت مع زوجها إلى المكسيك لدراسة الماجستير في علم الأخلاق. عن عبده خال الذي لا يحبه القراء الذين أعرفهم، لديه عبارة في رواية مدن تأكل العشب لا أتذكر اسم بطلها تقول ” لا أحد يسأل الهارب إلى أين يمضي” لكن آحاد و عشرات يسألون و يحاكمون أهل الهارب عن جريمته في فكرة الهرب نفسها لا في أسبابها و الفواجع التي تركها الهارب خلف دولاب ملابسه و بين صفحات دفتر كشكول يخص رفيق أسراره الوفي له في الخطأ و الشر مثل وفائه معه في الصواب و الخير..بل أكثر. علَّه يمده بجرأة لترك زبائل عُمرهم و اللحاق ببعض سنوات نظيفة في مكان يجهلونه و يجهله بسطاء الحي العالقة عقولهم في لا أدري أين ولا إلى متى ستبقى دون نجاة ربانية ولا إنقاذ إنسانيّْ. عن الألوان الخشبية لا تجمِّل اللوحة إن اختلطت بألوان مائية..ذلك أن الواقع في مكان قد يكون من التباين عن واقع في مكان آخر حد الخيط الفاصل بين الحقيقة و الخيال، أو الجمال و القبح، أو الممكن و المستحيل. عن فتاة صارت طبيبة قبل أوانها و تعرف أن السعادة ليست بين حروف ” لم أكن كالآخرين ” بل بين كلمة ” أحبك” التي لا مكان لها في آمال الباحثين عن دواء بأي طعم و إن كان مُراً لا عن عواطف لا تقيم صُلباً ولا تهدِّئ إلتهاب. أنا التي أرى كل شيء لا يصدق الذين أحبهم أني أراه ، ولا أني أفهمه، ولا أني اكتشفت أموراً حقيقية عندما تصورت معه، ولا أني سعيت إلى تقديمه هدية للخونة و الغشاشين عندما سمعت صوته البشع اللائق بمستواهم. أنا لم أعد أريد الموت من أجل الذين أحبهم، ولا الانتقام لهم ممن أدخلوا حزناً إلى قلوبهم ، ولا نسيان حزني الذي لا يعرفونه و أعرف وحدي أن له عليَّ حق..أنا التي أصبحت أريد الحياة من أجل الذين أحبهم ، أدخل السعادة في قلوبهم من حيث يُفرحهم أني أنا من أدخلتها عليهم لا من حيث يزيدهم حزناً على حزنهم أن الذين أدخلوا الحزن إلى قلوبهم لم يكونوا هم من عادوا لمحوها و إبدالها بسعادة لم يكن من حقي أنا تقديمها لهم.. و إن كان بجوارها وردة مقطوفة من حديقة شخصية و نجمة مقطوفة من سماء مشاعة لكل الحالمين حيث الرغد، حيث الخلود الذي لا ملل منه مهما طال بالعُمر أعمارا..حيث مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. عني عندما نويت و أنا أهمُّ بمغادرة قلبي أن أكون فيرونيكا التي تقرر أن تقطف محاصيل الجنائن لا فيرونيكا التي تقرر أن تموت.

2

الأولون في دق الأجراس، الآخِرون في الجلوس حول مائدة الطعام. الأولون في الجلوس تحت ظل شجرة لم يزرعوها ، الآخِرون في منع الحطاب من قطعها لأنها لم تثمر. الأولون في دفع المال للجائر ، الآخِرون في دفع لحمهم للجائر عندما يغضب من عدم الدفع أو التردد فيه. الأولون في جمع كل ما أسقطته النخلة من رُطب، الآخِرون في الاستخفاف بسنابل جيرانهم غير الوفيرة. الأولون في الحفاظ على أسماء قتلة الأمير السفاح الذي قتل آبائهم الفقراء، الآخِرون في اللحاق بآبائهم إلى القبور نفسها بسيف خلفاء الأمير. الأولون في دق الأجراس، الآخِرون في الخروج إلى بيوتهم التي ينتظرهم فيها غداء شهيّ بنفس سرعة من يخرجون من فواصل الدراما فور سماعها.

3

لم أكذب دون كيخوته في حياتي، و الآن أيضاً لست أكذبه..في أنَّ من الجبن أن يهاجم الفارس من لا يستطيع الدفاع عن نفسه. لذلك لن أهاجم العزلة التي لا تستطيع الصمود دون أن يغريها الجنون فتسلِّم نفسها للتيه عن فهم كل ما كانت تعيه قبل أن تغلق الباب على نفسها. تقديراً لنوايا العزلة الطيبة لن أكون جبانة و أهاجمها أثناء نسيانها لمكان سيفها المسلول. لكنني أيضاً لن أهاجم الانفصال عن الجموع إنما ليس تقديراً..بل رأفة. الانفصال عدو نفسه عندما يتحقق، يبدأ بهجو العزلة التي هي أمُّه بالأصل، يهجوها بتخبط و شراسة كما يهجو الليبرالي تلميذه بعد أن يفرغ من أغراضه التي أزعج بها من لا يكترثون بالأحزاب و الألقاب، الانفصال كالانتماء تماماً.. لا يعرف إلى من ينتمي، و عمَّن ينفصل و أي عزلة يجب عليه طرق بابها كلاجئ سياسي تحميه من فوضى الدساتير و هو أغبر ضال مثل كلب فقد حتى شهوة السعار ، فلم يجد بداً من تمثيل الوفاء كمن سلَّم نفسه إلى محكمة الهالكين.. لا يقبلون أن ينجو غيرهم، فيخطفون من يده رغيفه الذي أكل نصفه و قاوم لئلا يوقع النصف الآخر فيموت جائعاً محسورا.

4

” لا تهربي.. أيتها المخلوقات الجبانة الخسيسة، فإن من يهاجمك ليس إلا فارساً واحداً. ”

– دون كيخوته.. و هو يطارح طواحين الهواء..

202

ليست مسألة كارثة، رتم الدمية التي نفخت في نفسها الروح مكسور..و الصوت خديج لا يفهم في دوزنة الألحان..غنَّى على الرتم فتحول الاستديو هائل الضخامة..الاستديو الذي يتحرك فيه البشر جميعهم كخلية نحل و دبابير يحاولون القضاء على بعضهم بعد أن فشلت بينهم كل مؤتمرات الأقلمة..أقول تحول هذا الاستديو إلى جحيم. بالطبع ما زال في النبض بعض دقات طبيعية ترى من الدمار كارثة.. بينما يراه آخرون..الدمار أقصد،أو الجحيم.. طريقة تعبير.

التقليد القائل بأن على الكاتب قول شيء في افتتاحية عام و خاتمته كنت أتبعه مع قناعتي التامة أنني أكتب لكني لست كاتبة..ليس بالمعنى المقولب للكتابة الأدبي الثقافي الضاج بالكذب و التصنع و التمثيل و اختراع الفضيلة بمبدأ أن على المرء إن لم يمتلك فضيلة أن يخترع واحدة. هذا لم يكن كلامي في السابق بالطبع. قد أغيِّر أفكاري بين دقيقة و لاحِقتها ولا أجد إثماً في خصلة التذبذب سيما أنها من العلامات الحيوية القليلة التي تعرِّفني على مصطلح : أن أعيش. لا أن أحيا. الحديث عن بداية عام أو نهايته بات يشبه الكلام عن أحد لا نحبه ولا نكرهه..إذ أنه أعطانا و أخذ منا و لم يتحيز إلى مَيْل. على الأغلب نبدأ بهجاء شخص عندما نتكلم عن روايته الأخيرة أو فيلمه الأول إن كان مخرجاً.. كل الفنون التي تهتم بترجمة الواقع إلى ما تراه نفس المترجم من طريقة..كتابة، تصوير، رسم ، موسيقى.. و أشياء ليست محل الحصر في هذا الموضع هي في الأصل مخاطر قد تودي بأصحابها. يبدو هذا وثيقاً بكل شيء يؤخذ من الواقع كخزعة من نخاع العظم. أو كما يقول سيوران في رفضه الكتابة عن كاتبٍ ما : لا ينبغِ الكتابة عن أحد أبداً. لقد اقتنعت بجدوى هذه الفكرة إلى درجة أنني كلما ملت إلى فعل ذلك، كانت فكرتي الأولى أن أهاجم الشخص الذي سأكتب عنه حتى و إن كنت معجباً به. ليست مسألة عناد أيضاً. عدم الرغبة في الكتابة عن العام الذي أدار ظهره تقريباً و سيكون فقط في الأيام الخمس المقبلة منشغلاً بإخراج طرف عباءته السميك من درفة الباب الذي أغلق بمفتاح بالغ الثقل و سينجح..إذ أنه قوي بما يكفِ لإنقاذ نفسه في الوقت المناسب الذي يفرقع فيه العالم ألعابه النارية و يضيء منتصف الليل بـ welcome 2013 أو 2013 Start. لم أكبر فيزيائياً..لكنني أرى في هذه المتعة من التفاهة حد يبعث فيَّ رغبة الانتحار وسط جموع المحتفلين بضياع حزمة أعمار لا تحصى. كنت أقول أنها ليست مسألة عناد.. بل في الحقيقة..انسداد شهية. رائحة العنف و الدم و القذارة الملقاة على تجاويف قلوبنا تفوق النزر اليسير من الإرادة..هذا الذي نقاوم به اضطرارنا للسهر ليلتين لإنجاز عمل أو انتظار شفاء شخص يهمنا أن يعيش. لا أكثر والله. لا أكثر من هذه الإرادة موزعة علينا عشوائياً و كأنها قطفة مما يحتمله المؤمنون يوم يسيَّرون على الصراط فيعبرونه ناجين أسرع من غمضة عين. لم أجد جواباً كاملاً موثقاً لسيوران على سؤال مصيريٍّ وجّه له في إحدى المقابلات: كيف نتحمَّل الحياة ؟ مقطع وحيد من الجواب كان مفهوماً وهو ” الكتابة انتحار مؤجل”؛ و أحاول منذ قرأته تفهُّم أن سيوران كان يتحدث عن طريقة مثالية نوعياً لتحمُّل الحياة و هي طريقة تتأجج بالكتابة و القراءة. لو أني سئلت هذا السؤال لأجبت أن التنازل عن كرامة الشك و خفض جناح الذل لآنية يقين متوسطة السعة طريقة فعالة. إذ أن الكتابة مهما حاولت استخدامها سلاح نقض و نقد و رفض و إعدام ستقع صدفة أو حباً في هوة انتماءٍ ما. الانتماء شكل لليقين. الشكل المتبرِّج. اللسان الذي إن تحدث نطق سفوراً من الإيمان بأشياء. لسنا بمحدودية إرادتنا من القادرين على الإيمان بشيء واحد. لا كتاب واحد، لا فيلم واحد، لا خطوط طيران واحدة، لا امرأة واحدة ولا رجل واحد! هذا الرقم الواقف كعود ثقاب ينتظر غطرسة أحدنا ليشتعل على رؤوسنا يبدو ألاَّ وجود له في غير السماء. إنني أكتب الآن لا متفتقة من الحزن على مضي هذه الأيام ساديّة الكثرة من عُمري، بل محاولة لملمة ما ألحق به من محتوياته في قلبي و غرفتي و حقيبة أدواتي الطبية و بدلة الجراحة ذات اللون النيلي و شريحة جوالي و.. الثقوب الحمراء التي تغمر يسراي مثل نجوم بركانية صغيرة منطفئة..رامزة إلى عدد لا نهائي من حقَن غسيل الكلى الذي زادت مراته و كأنّ كليَتي الوحيدة المعطلة ترفض أن يتطور كل شيء من حولها و يفيض العالَم قدماً بالطيب أو القوة و تظل هي مكانك سر ! عندما تؤلمني فجأة..يتناهى لي صوت سيوران رفيعاً حاداً يقول عبارة شهيرة له: ما مِن منفذ إلا تحويل هذا العدم إلى امتلاء. أقلد أحداً لا أعرفه و لم أره سوى في مخيلتي.. أبتسم بسخريَة و أشبهه. أحب أن أشبهه..هذا الشخص غير الموجود إلا في أوهامي الأليفة.

لم أقم بجَرد قراءاتي هذه المرة. لكن على مرآتي ورقة ملاحظات بتاريخ نهاية نوفمبر كتبتُ فيها : أغلقت قبل ثوانٍ الكتاب 39 الذي قرأته هذه السنة. لم أرفع عيني من الورقة.. سرحت بمعلومة قرأتها منذ مدة عن الفرق بين العام و السنة..أجهل تماماً من صاحبها و من أول من قام بنشرها في تويتر. استشهد الباحث بآيات من القرآن الكريم مثل قوله تعالى في سورة العنكبوت : ( و لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً ) يتضح أن السنة تقال على الأيام الشديدة الصعبة أما العام فهو ما كان أيام رخاء و يسر و راحة. و لذلك قال تعالى في سورة يوسف ( ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس ) .شطبت على كلمة سنة في الورقة و كتبتها فوقها عام .ليس تفاؤلاً رخيصاً أبداً، بل ملء لخواء التشاؤم الراقص أمامنا في سوريا و فلسطين على قدمين. أقول تشاؤم على سبيل الاستهزاء..وإلا فنحن نعيش سنوات كابوسية بكل ما عرفته البشرية من معانٍ و صور و أفلام و قصص و أساطير و خرافات تفسر ما الكابوس.

لا أكره اتخاذي للقراءة عزاء و سلوان. لكن السأم غمرني كما غمر كل متخاذل عن دفع دمه ثمناً لإيقاف عجلة الساعة يوماً من سنة! سأقول سراً : أصبحت عندما أقرأ أتحول إلى صيغة جندي يخاف أن يزهق روح المجرم المطلوب لكنه أول ما يراه يشعر بطمأنينة و رغبة في قتله و إنهاء المهمة بنجاح.. يقول إبراهيم الكوني في رواية الخروج الأول إلى وطن الرؤى السماوية ، أن سبب هذا الشعور هو أن الجندي ينسى كل شيء و يبدو أشجع ما يكون..فقط عندما تبدأ المعركة. كنت مهما تأثرت برواية لا أتفصد عرقاً. عندما قرأت رواية نابليون الصغير لفيكتور هيغو لاحظت مطر العرق الناز من جسدي..جبيني و عنقي وما بين أصابعي بالذات. عرفت أن الخواء راضٍ عن طريقتي الثابتة منذ الطفولة مروراً بالصبا و الشباب في ملئه..طريقتي في اختراع فضيلة تنقذني عندما تقترب مني أفعى اليأس من كل هذه الضوضاء..في صفحات الكتب و لقطات الأفلام و زوايا لم ينتبه لها من المهووسين بالتفرج السريع على الصور..أيُّ صور، و إن كانت صور آخر موضة في الحمامات. اكتشف في تشابك تلكم المكونات الناشفة لما يسمِّه العلم التقليدي بتعبئة الفراغ و إبادة الملل سبباً جديداً لكوني أقرأ : كي أزيد الحبر السائل على ملامح كينونتي فيزيد من فرص تعرُّفي عليها ذات يوم.

كتاب الإنسان الأول مشهد إبداع دونته في شريط عامي المنصرم_ تقريباً_ البير كامو يجدد وضوءه بنزاهة كما عودني. التوضؤ من مخلفات عمل إبداعي سابق ترك وباءه في روح الكاتب و عقله و لم يشعر القارئ بشيء من ذاك الوباء و لم يخبره كامو إلا على سبيل اللامبالاة أو دفن جثة تحت شجرة عجوز في رسائله إلى صديقه الألماني مجهول الاسم عندكم، أما أنا فقد أسميته ألمان. يعتقد كامو أن الإنسان المتمرد يجب أن يعترف بالحدود. لأنها هي التي تمنح كل شريك له بعلمه أو دون علمه في الحلم بالحرية فرصة للتحرر المهذب..نعم تماماً مثلما تقف أمام مرآة لامعة تعقد ربطة عنقك الحمراء التي لا تطيقها لكنك اشتريتها متحمساً لها لأنها تخص لباقتك مظهراً و نطقاً أمام مسئولك في العمل الجديد. هذا تأويلي..أو تهكمي على من يصفقون للقول أمامنا و يركلونه عندما ننفض. أتخيل الحشود الافتراضية في مواقع التواصل الاجتماعي و هي تنادي بهذا التهذب في قضايا الحقوق كي تقنع العوام بها و تدفعهم إلى المشاركة في رفع اللافتات! هل يبدو كلامي متوتّراً؟ كامو يدافع عن هذا التوتر أيضاً. يقول أن الحرية و المسئولية يورثان القلق، و هذا القلق يملأ صاحبه بالحياة؛ تماماً مثلما كان سورين كيركيجارد ممتلئاً بالثقة و الدفاع عن كتابه الخالد_ كما تنبأ له_ خوف و رعدة ..و هو يتحدث في يومياته عن أهميته.

ألمح رقصة توشك أن تبدأ عنوة..أول كلمة منها تقول ” أحبك”, و أضحك ملء قلبي المجروح. ثم أستحضر كالعادة قولاً لسيوران يدافع فيه عن الوجود بصفته ضد العدم الذي يدافع عنه كمعتقَد شخصيٍّ أول. فيقول أن الكذب طريقة لإثبات الوجود! هذه عبارة قالها في كتابه الأول موجز التفكيك، ولا تبدو منطقية إذ أنه قالها بكثير من السفسطة و المبالغة التي انتقدها في نفسه لاحقاً و قال أنه لم يكن مخموراً عندما كتب هكذا متاهات لكنه هو وحده من يفهم ماذا كان يعني بها و يستطيع احترامها. لو أنني لحقت به قبل أن يفنى و تبقى كلماته لقلت له أنني استسخف سلوك الاحترام فنحن نوع من سلالة بدائية من الميكروبات ليس ذنبها أنها بحثت عن التطور فانقلب سحرها عليها إذ كنَّا نحن !

أخاف من الملاهي. لكن عندما ذهبت إليها آخر مرة في 2010 ، تفرجت على فيلمي المفضل الذي يبث أمامي مباشرةً : لعبة قطار الموت !

فأر سمين؛ أو ربما قط بريّْ

شاهدت فيلماً..عندما انتهى قررت أن لا أخبرك باسمه أبداً. أنا أعرف ذوقك في الأفلام. أعرف أنك لم تشاهد هذا الفيلم من قبل. وأعدك أن لا تشاهده على الإطلاق. لستُ قاسياً..ولا أفكر بانتقام. سأقص عليك الفيلم ..كاملاً. نعم كاملاً لأثبت لك أنني لست ناقماً عليك. هل تهتم بالفيلم أم بعنوانه؟ كنت دوماً تقول أنك تكره اسمك لأنه ليس من اختيارك؛ تؤكد أنك تحب اللوحة التي رسمتها بنفسك عن نفسك ولا تحتاج إلى عنونتها للتعرف عليها إن اختلطَت بين أنفس البشر في إحدى المحافل التنكّرية يوماً. أنا لست غاضباً من إساءتك ليلة البارحة. تقول أحاول أن أبني ثقافتي على أكتاف المخرجين؟ هل تعتقد أنني أفعل هذا حقاً ؟ كل هذا لأنني قلت لا أحب القراءة؟ أم لأنني صارحتك بعيبك الوحيد..أنَّكَ لم تفقه شيئاً من الأربعة ألاف كتاب التي قرأتها في حياتك؟ لا بأس, إعطاء الجدل حول تأثير الهوايات علينا أهمية يبدد المتعة التي هي أثر هذه الهوايات الوحيد. الأثر الأهم..البصمة المطبوعة بدمعة..أو بسمة..أو عزلة أو طلقة رصاص..لا المطبوعة بحبر رخيص. تعال..سأثبت لك أنني رجلٌ ذو مروءة فنية حرمَك التعصب لجهلك منها. شاهدت اليوم فيلماً..مدته 60 دقيقة. عن لعبة بزل و بعض الأحيان هو لوحة رماية..في أوقات أخرى يتحول إلى صبّارة نابتة وسط البحر الميت..أو سحُب متداخلة تظهر في سقف العقل..يحاول المخرج جاهداً إخراجها للهواء الطلق لكنها تتشبث بعقل غياث ولا تظهر في غير سماء. ما المتعة من سرد هندسة الفيلم هكذا وأنت تهمك النكهة ؟ لقد انتبهت سريعاً إلى أن هذه الطريقة مملة. و مع أن هذه رسالة إلا أنني أدعوك إلى اعتبارها شعيرات شاربك الذي حلقته البارحة غضباً مني وأنا لم أفعل لك شيئاً مغضباً! هل استوت الكبدة التي على النار؟ لا تقل كيف رأيتك. أعرف طقوسك أثناء القراءة. هات صحن الكبدة و رغيف خبزك الأسمر و اعطني رأيك في هذا الفيلم :

0:01 – 0:44 ممر زجاجيٌّ ضيق يمشي عليه ببطء غير حذِر.. صبي يحمل كراسة رسم منزوعة الغلاف..تظهر صفحة مرسوم عليها فأر أو شيء يشبه الفأر لكنه أقرب إلى قط بريٍّ صغير..ملون بلون رمادي. أنفه وأطراف أرجله و أذنيه ملونة بالأسود, بؤبؤ عينيه ملون بالأصفر الغامق..ربما ذهبي ( كلها ألوان خشبيّة)

0:45 – 0:59 بطولة: الكلبة جين. ( لم تظهر صورة البطلة )

1:00 صوت راوٍ يقرأ مقطعاً من رواية ( البيت الأخضر و الأسود ذو الباب الأحمر)

ثم أنني أيها الحمقى لا أحاول إقناعكم بموهبة جين. إن تحريك جين لذيلها ليس مجرد تحريك كما تفعل كل الكلاب. جين تسدي لصديقها الصبي معروفاً عندما تحرك ذيلها, لأنها تشير له إلى حيوان جديد صالح للرسم. حيوان نادر..ليس مُدرَجاً في موسوعة الحيوانات ولا يعرفه حرّاس حدائق الحيوانات حول العالَم. صدّقوا جين أو احضروا معاولكم و اهدموا البيت الأخضر و الأسود فلن نحتاج في مشروع التعريف بموهبة جين إلى أكثر من الباب الأحمر الذي أوحت هي لسيّد البيت بلونه..عندما حركَت ذيلها بداخل مروحة أرضية فانقطع وانتثرت قطرات دم الذيل على الباب..كان بلا لون ذلك اليوم. أما سيد البيت فهو والد الصبي الرسام.

2:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع :

أيتها المسكينة جين.

3:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع :

أخبر هذه الروح التي بوجعها تحتمِل ..هل من نعيم مُحتمَل!

( أسفل المشهد عبارة : مقطع من قصيدة الغراب_ ادغار ألان بو)

4:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

الأزهار في حديقة بيتي لم تتفتح في آخر ربيع لأن أختي كانت حبلى من الحاكِم الشرير. عزيزتي جين..لولا غضب أبي من حمل أختي لما استبدلها بك. فلا تزعجيه بنباحك..إنه لن يزعجكِ إلا إن حبلتِ من كلبٍ ضال اشتهر بعدم الوفاء. ( يتوقف الصبي برهة..يرفع كراسهُ أمام عينه و يخرج من حقيبته الصغيرة المعلقة بشكل جانبيٍّ متقاطع مع صدره قلم ألوان خشبيٍ لونه أحمر..و يرسم شيئاً على نفس الصفحة المرسوم فيها فأراً ضخماً..أو ربما قط بريّْ. لكننا لانعرف ماذا رسم..و يكمل العبور من الممر الزجاجي الضيق ببطء)

5:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

إنني متأثر بتوني موريسون. لا أستطيع التحدث عنها مع رفقائي في المدرسة. إنهم يعتقدون أنني كاذب لأن عُمري ثلاثة عشر عاماً. أتحدث معهم عن علاج نيتشه لعذاباته الجسدية بالفلسفة .. رفض كيركيجارد للإيمان كنتيجة تقود إليها الفلسفة و تبديد مميزات هوية المرء الشخصية عند هيوم فيتهمونني بالكذب و سرقة آرائي من كتب الفلسفة التي يصدّقون أنني لا أفهمها. مرةً تحدثت عن الصوت الغنائي في طريقة توني موريسون عندما تصف شيئاً جميلاً؛ مثلما تصف البيت القديم البارد و الأخضر الذي يضيء مصباح الكيروسين في الليل غرفته الكبيرة..بينما يلف الظلام غرفه الأخرى التي تعمها صراصير و فئران. قد يكون الغناء نشازاً.لكنك ستشعر وأنت تقرأ ملامح البيت البارد في رواية العين الأكثر زرقة أنك تنصت إلى أغنية رثاء غاضبٌ لحنها..يائسٌ صوت من غنّاها. الذي حدث هو أن رفيقي ركلني ركلةً دفعَت بي إلى حائط الفصل و انجرح فمي بمسمار كان معلق في مكان منخفض على الحائط. لكنني عذرت رفيقي. الجهل مدعاة للشفقة. المعرفة مدعاة للألم.

6:00 لقد استغرق حوار الصبي في الدقيقة الخامسة..دقيقة أخرى.

7:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

لماذا يضطر من يتظاهرون بالنخبوية..إلى التظاهر بالذوبان انبهاراً..في لوحات سيلفادور دالي من جهة..و الموناليزا لوحدها من أخرى؟ ألأنهم يجهلون أن الموناليزا و دافنشي نصفان مكملان لدائرة إبداعية واحدة لا ينفصل ولا يعرَّف أحدها دون الآخر؟ هل يجرؤون على التغرل باللوحة التي صوَّر فيها دافنشي عضلات الحصان ذي الشعر الخفيف؟ إنني أحمق لأني أفكر في المستحمقين. هؤلاء أدنى و أمرُّ من الحمقى..فالأحمق قد تكون خطيئته اعتداده بالغباء. أما المستحمق فخطيئته الإنتحـال.

8:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

أكل أحمد التفاحة. أحمد ولدٌ عربيّْ. يحب العرب إطعام أطفالهم تفاحاً و موزاً و برتقال. الكبار منهم يحبون البطيخ في الصيف و لحم العجول في الولائم..بينما تحب قططهم المتشردة الجزء الذي يتبرعون به من طعامهم لحاويات القمامة. ذلك الجزء ليس بقايا طعام؛ أطعمه فاضت عن حاجة البطون..فطُرِدَت.

9:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

العرب لا يربُّون الكلاب.لأنها نجسة. لكنهم بالوقت الآني يعرفون أنها أكثر وفاءً من بعض مستأنسين وحيدي الخلية. أنا أكره دروس العلوم. بعض السنوات في المدرسة تجاوزت العلوم في الدور الثاني من امتحانها.ولا أتذكر من الدروس شيئاً إلا إن حدث ما يستدعي معلومة علمية مثيرة للقرف. العلوم مادة مقرفة. تشبه لزوجة الديدان.

10:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

أخبرني بصدق..

إنني أتضرع..

هل ثمة.. هل ثمة بيلسان في أرض الميعاد؟

( أسفل المشهد عبارة : مقطع من قصيدة الغراب_ ادغار ألان بو)

11:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

يا الله.. أين أنت ؟ كل هذا الصبر ..كل هذه التوبة..كل هذا المسير..الجسارة و النضج قبل الأوان؛ ولا تزال مصراً على الصمت؟

12:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

صدقني يا الله..أنا أصدّقك. أصدق هذه الشمس وذاك القمر..أحترم هذا النهار وذاك المساء. تُبكيني رقة الزهر و ترديني رائحة الياسمين مُغرماً بخالقها. صدقني..أنا أصدّق أنت تمشي معي..رفيق ظلِّي..و صدى صوتي..و السرُّ وراء عدم سقوطي من حافة الممر الذي أسير عليه ببطء خالٍ من الحذر..حيث أتمايل عندما أتذكر عبارةً تطربني..لكنني لا أسقط. صدّقني يا الله..

13:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

كلمني يا الله. هب لي صوت مطر..أو حفيف شجر..أو هدير شلال تحت الممر. أفهمُ طريقتك الكونية في الكلام. إنما..يا الله إنما.. هل تفهمني وأنا الذي أتحدث نفس لغة باقي البشر؟ ألن يضيع وجهي في الزحام؟

14:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

الانتحار أشد هزيمة عرفها تاريخ البشرية منذ قيامها ..الهزيمة التي تشبه الرقم الأخير في أي شيء. الرقم الذي أضعه في محرك قوقل فتظهر النتيجة على شكل كلمة ” موت”

15:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

المصير في لغة سيوران: المياه كلها بلون الغرق.

المصير في لغتي: اليابسة كلها بلون الطفو.

المصير في لغة مدينة جِدة الواقعة في جغرافية الحجاز تحت رعاية المملكة العربية السعودية: السيول كلها غيلان.

16:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

علمتني الكلبة جين أن الفرق بين القراءة و الكتابة هو تفوق الكتابة بجمعها بين إمكانية النباح و التغريد و المواء و أي طريقة أخرى للتألُّم..أما القراءة فلا سمة لها سوى الصوت الإنسان..وإن كان حيواناً.

17:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

أفضل خمس روايات قرأتها في حياتي هي:

1- بنات امستردام

2- عيال الشميسي

3-الموت يطير في شارع صاري

4- * احترامي للحرامي،

5- عندما قادت زوجتي السيارة.

18:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع: أعذب ثلاث مياه في الحياة :

1- البرَك

2- المستنقعات

3- غسَال الحاسدين.

19:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

أذكى رئيسين في تاريخ أمريكا : كلينتون , و جورج بوش الإبن.

20:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

سوف أعرف أن صلاحيتي نفذت عندما تنتفخ بطني كالبالون و أثقبها بملء أصابعي فأكتشف أنها تحولَت إلى صخرة..لا يسفر التنقيب فيها عن نفط ولا آثار.

21:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

من قال أنني صعلوك صغير لا تعويذة له ولا حذاء برباط متين ؟ مليء قلبي بالتعاويذ. أحب بعضها و أحترم أخرى برغم رفضي لها. إحدى تعاويذي التي أحبها حباً يشبه اللون المتفائل للحياة هي ما قاله غاليانو عنها :

الحياة..بلا اسم, بلا ذاكرة, كانت وحيدة, كانت لها يدان, و لكن لا وجود لمن تلمسه. و كان لها فم, و لكن لم يكن هناك من تكلمه..كانت الحياة واحدة. و لأنها واحدة كانت لا أحد.

عندئذٍ أطلقَت الرغبة قوسها, فشطَر سهم الرغبة الحياة إلى نصفين, و صارت الحياة اثنين. التقى الإثنان و ضحكا. أضحكتهما رؤية أحدهما الآخر. وملامسة أحدهما الآخر أيضاً.

22:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

أفكر في اغتيال الكلبة جين. لكنني أخاف من رقابة الله. لايكلمني لكنني أخاف سيفه الشفاف. لست طامعاً في الحياة, لكنني زاهدٌ في سوء النهاية.

23:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

الفتاة التي تكتب هذه القصة كلها تظن أنها تفعل شيئاً فريداً, فإذا بها بعد نشر القصة تحتفل بسوء ظنونها حفلاً تمطر السماء عليه حجارةً عقابا على الإملال.

24:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

أرى من خلال السكون نفسي , و من خلال الضجيج ذنوبي, و من خلال الغناء أحلامي , و من خلال الرقص صلاتي, و من خلال العبور ببطء على جسر زجاجيٍ ضيق شكّي , و من خلال عدم الحذر أثناء العبور..إيماني.

25:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

كلما نبحَت جين, عرفت أن شخصاً حولي في هذا العالَم قد خان مرءاً صالحاً.

26:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

من الروائيين الأحياء أنا متيّمٌ بميلان كونديرا. نويت مرات عديدة أن أرسل له طلباً في تقديم نصائح لي عن الكتابة. أريد أن أكتب شيئاً جيداً. لو أجرِّب طعم أن يقرؤني أحد. النقد البغيض و النفاق الأكثر بغضاً و انخداع أحد القراء ببعض جُملي المقنعة..هذه إغراءات أضعف في أوقات عصيبة أمامها. لم أرسل مرةً لكونديرا..ليس خجلاً ولا يقيناً بالقزامة أمامه. بل رغبة في استفزاز الند الجالس في الجزء المظلم مني. قد أستطيع فعل شيء بلا مشاورة. قد أنجح في التزين أمام المرآة بلا يد تعاونني في إغلاق أزرار قميصي أو نفض نملة تتحرك على ظهري. قد أكتب قصة يأكل المرء على الصفحة المنشورة بها تشيز كيك بالفراولة أو هوت كريسبي ..قد تتوقف الكلبة جين عن النباح إن أنا نجحت بفضل الله و الممر الزجاجي الضيق..لا بفضل كونديرا.

27:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

رفض حافز قبولي في برنامج الإعانة. يجب أن أكون أكبر من ثلاثة عشر عاماً, يجب أن لا أكون عاملاً في ورشة أبي لتصليح السيارات, ورشة أبي المرخصة..أبي الذي كافأني على معاونته في الورشة بتسجيلي في التأمينات الاجتماعية. يجب أن أكون إما مشرّداً..أو ذليلاً.. آنذاك سأتلقى ” الإهانة” برحابة الوطن وما “هوى”

28:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

أنا وحيد. و وجودي يتفجر من وحدتي. أنا إن ازدحمت بكم سأفنى. أنا إن امتزجت بكم سترونني بهياً واضحاً..لكنني لن أراكم, سأكون قد عميت, قد صممْت, قد خرست. ستكونون قد امتصصتم ألواني, سأكون قد أمطرت على نفسي دماً أبيضاً و نثار ظلامٍ أسود. أنا وحيد. مثل شبح يتفجر من شفافيته هواءٌ يستغله في إثبات وجوده بطريقةٍ أو لا طريقة. بقَلبٍ أو بجثّة..بقبرٍ أو بتابوت.

29:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

الحمد لله على نعمة تربية الكلاب, الحمد لله على نعمة لي أب لديه بيت بابه أحمر و ورشة تصليح سيارات مرخصة رفضني برنامج حافز لأنني أعمل بها. الحمد لله على نعمة أنني ولد لا بنت, الحمد لله على نعمة ادوارد غاليانو و ميلان كونديرا و الفقير إلى الأمراء و الغني إلى القوارض و الحرباء, الحمد لله على نعمة العزلة في كهف مهجور ليوم واحد ذعرت من صوت الجن فيه و عدت منكفئاً على وجهي إلى أبي, الحمد لله على نعمة لا طريق للذهاب من المدرسة إلى البيت إلا الممر الزجاجي الضيق , الحمد لله على نعمة الاعتراف أنَّ ثمة نعمة..و إن كانت أعتى ما يمكن أن يصيب المرء من النقم. الحمد لله على نعمة ” الله” .

30:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

تقع أرض صاحب السمو الملكي تحت الممر الزجاجي الذي أعبر عليه.

” يتم استهلاك باقي ثواني الدقيقة الثلاثين بمسح بصريّْ لأرض قاحلة مسوَّرة بشبَك يوحي لمن يجهلها أنها محميَّة حيوانات موشكة على الانقراض..لكن العدسة ما تلبث أن تركِّز على فراغ الأرض إلا من التراب و الشبَك الذي يصرِّح برسالة تُفهَم بالمعنى لا بالكتابة : مُلك خاص ”

31:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

أترنم: يا بلادي واصلي.. الله معاكي واصلي.. حنا وراكي واصلي.. الله يحميكي..يحميكي..إله العالمين..إله العالمين.

32:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

الغيوم تتراكم فوق رأسي. السماء تنذر بمطر. هيه..هذا انت يا الله..حبة برَد أمام قدمي. حبة برَد واحدة.

33:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

لم تسقط حبة برَد أخرى. ليس من فقيرٍ أمامي على الممر لأتصدق عليه بحبة البرد كي تضاعفها إلى مئة حبة برَد يا الله.

34:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

دمى و ألعاب مهمة اشتريتها في طفولتي بالمال الذي كان يهديه لي أبي في العيد..أبي و جارنا الذي مات في حادث شاحنة مريع قبل عام : جومارو , سلاحف النينجا , باربي و زوجها كان, لاعب كرة قدم أجهل اسمه..يرتدي بدلة برازيلية, زوج أم خماس, طائرة سعودية من كشك في مطار الملك خالد.

35:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

غداً يوم ميلادي. سيبدأ مشوار الأربعة عشر عبوراً على القبر الذي سأدفن فيه عندما أصل إلى الستين عاماً..حياً أو ميتاً. هذي وصيتي, و قومٌ كثيرون وعدوا بتنفيذها.

36:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

أرقام قتلة مأجورين , مخصصين لقتل الحمقى و الأنبياء, أوفياء في الحفاظ على حياة المجانين و الأذكياء :

رقم القاتل المأجور الذي لا يقتُل أحداً : 0

رقم القاتل المأجور الأول: 11

رقم القاتل المأجور الثاني: 222

رقم القاتل المأجور الثالث: 3333

رقم القاتل المأجور الرابع: 44444

رقم القاتل المأجور الخامس: 555555

( يتقمص الصبي دور مذيع متجول في ربوع البلاد وهو يعبر عبر الممر الزجاجي الضيق..يقوم بإملاء هذه الأرقام بنفسه كمذيعي برامج المسابقات)

37:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

(سلامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) سورة الرعد

38:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

أريد أن أكتب نصاً مميزاً. يعلّقه القاصي والداني على مدخل بيته كحِرز مقدَّس, أريد أن يكون النص داعياً للجنون مثيراً للتعقّل, منادياً للطفولة محفزاً للنضج, سامياً بالدلال راقياً بالعصبية, غافياً على قرنفلة في قصيدة حب متيقظاً لشفتيْن عاشقتين تهمُّ بكوب قهوة. أريد أن أتحدث عن المعنى وأنا متيقن أنني لا أهرطق باللامعنى من حيث أوجست خيفة. أهيمُ بحمامةٍ حرسَت والدي عندما كان في السجن..طيلة أيامه الخمسة عشر في السجن وأنا مطمئن إلى أن رسائلي المعقودة في ساقها الرفيع فقِدَت قبل وقوعها بيدِ أبي..لكان اليوم متبرئ مني لأنني لم أدخر شتيمةً إلا و شتمته بها في رسائل السخط و الحزن. أريد أن أكتب نصاً أبث فيه توبتي إلى أبي دون طفح نبرة التوسل على نبرة الندم. أريد أن أكتب نصاً للحب, لا عن الحب. للفتاة التي أحبها بكلمات لم تلوكها ألسن العشاق و أرواح الهائمين بلا هدى. حبيبتي هدى..جميع الهائمين في الحب لم يهيموا كما يجب لتجنب الوقوع في هوى أي فتاة عدا هدى. أريد أن أكتب نصاً لا يضع قارئه أمام خيارين..إما المديح أو المجاملة, إما الانتقاد أو الصمت. أريد أن أكتب نصاً يكون الموئل و السبيل لكل ضالٍ و حائرٍ و إن كان كلباً..أو صعلوكاً أفقده الخمر وعيه و فرِح ظانَّاً أنه فقد صوابه و تحول إلى مجنون!

لم أكتب ذلك النص أبداً. أما عن الغد, فما كنت أريده أوكلتُ أمرهُ للريح..إما أن تأتي به دون سعيٍ أو توكؤ على عصا الأمنيات, و إما أن ترمي به كدرهم في طبق عازف كمان متشرد..واعٍ لا يثمل, موهوب لا يقلد أحداً.

39:00 لقد استغرقت نجوى الصبي في الدقيقة الثامنة والثلاثين..دقيقة أخرى.

40:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

ألمحُ شرخاً في الجزء الذي أعبر عليه الآن من الممر الزجاجي الضيق.

41:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

عندما يتم إنتاج الشريحة التي توضع بداخل الرأس لتسجيل أسرار صاحبه و تفاصيل حياته في كل ثانية من الزمن منذ الولادة حتى الوفاة. تلك الشريحة التي عرّفني آلان هاكمان على فظاعتها باحترافية مثيرة للفزع و الرغبة في خلع الملابس على الفور..سوف لن أسمح بوضعها في دماغي. ليس خوفاً على أسراري, بل لأنني لا أرغب بقتل المونيتور الذي سيقوم بإعادة إنتاج حياتي المسجلة على الشريحة. سوف يموت مللاً. ستقتله الرتابة الوفيرة في أيامي. و لقد تعذبتُ من بغاضتي في هذي الحياة, ألا يحق لي التخطيط للحد منها في حياةٍ أخرى سأغادر إليها ذات حين ؟

( تظهر مشاهد عشوائية سريعة من فيلم The Final Cut خلف صوت الصبي..تبدأ مع حديثه و تنتهي معه بغتة..و كأنها جزء مبتور من حياة أحدهم )

42:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

عُمر نعيم هو المخرج المطلوب للنص المميز الذي أريد كتابته, الذي لم أكتبه أبداً, الذي سأودعه للريح لتجيئني به مطبوخاً بلا عناء, أو الذهاب به كغنيمة في طبق عازف كمانٍ متشرد واعٍ و موهوب.

43:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

أيتها الكاتبة..أيها المخرج..كاتبة و مخرج هذه القصة. لأجل بطولتي المطلقة المحفوفة بالمخاطر..لأجل نوفمبر الذي سيحل يومه الأول بعد ساعة. أسمِعاني أغنية Only Time ..أحتاج إلى وقود.

( تبدأ أغنية Only Time بالانسياب بينما يكمل الصبي عبور الممر الزجاجي الضيق ببطء متأبطاً كرَّاسه المفتوح على لوحة الفأر السمين..أو ربما القط البريّْ. )

44:00 Only Time..

45:00 Only Time..

46:00 Only Time..

47:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

عندما أكبر , سأتزوج إنيا. فإن رفضَت الزواج بي, سأتوسل إليها أن تغني أغنيةً خاصة لهُدى. سيرسل الله إلى هدى أغنية إنيا الخاصة معقودةً في منقار الحمَامة التي كانت تحرس أبي في السجن. حينها سأعرف أن الرحيل تقدَّم أخيراً..و أخيراً بدأ يحوم حولي مثل هالة اشتياق متوهجة؛ حين تخبو..ستخبو بطمأنينة و أمان.

48:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

أيها المخرج..هل تعرف من هو ” هام” ؟

سأعلِّمك شيئاً, هام هو أول شمبانزي سافر للفضاء. صعد إليه في المركبة ميركوري و كانت تتصل به أسلاك كثيرة..و كأنه مقسِّم هاتف أو أكثر. عاد سليماً..ثم ظهر في غلاف لمجلة Life و لم تكن رحلته إلى الفضاء نقطة تحول في حياته..حيث عاش ما تبقى منها بعد الرحلة..عاشها كلها..في أقفاص حديقة الحيوان.

لا تضع مشهداً لفضاء ولا لمركبة فضائية. لن نسافر أيها المخرج. ليست فكرة سديدة, فالنتيجة حبس هنا أو في الأعالي حيث لا فرق سوى اتساع أو ضيق القفص..فرق السعة ليس مغرياً و كأنه فرقٌ في الرحابة!

49:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

أتخيل لو كان الذي تحت هذا الممر الزجاجي الضيق نهر النيل عوضاً عن أرض صاحب السمو الملكي المحاطة بشبَكٍ عالٍ. لكنت نذرت عُمري كاملاً في المشي على هذا الممر تعطشاً للنيل..رؤيةً ..أو سباحةً أو شرباً. و إنني أحفظ مقطعاً من أنشودة خالدة قيلت في نهر النيل قرأتها في مرايا ادوارد غاليانو تقول:

أنت تطفئ ظمأ القطعان كلها..

أنت تشرب دموع العيون كلها..

انهض أيها النيل, و ليهدر صوتك!

فليُسمَع صوتك..

50:00 يتابع الصبي نفس مشيَهُ البادئ منذ الثانية الأولى من الفيلم لكنه يبدأ بالتحديق أسفل قدميه وهو يمشي ..يتخيل نهراً في الأسفل, و تندلع خلفه أغنية وطنيةٌ وُجِد في مذكرات الصبي أنه قال عنها: أعجوبة فنٍ وطنيّْ.

http://youtu.be/Nq_8jAYQq58

51:00 الكلبة جين تنبح. الكلبة جين بجوار الباب الأحمر. النباح ضعيف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً . الصبي لا يسمع صوت النباح البعيد. الصبي يتحدث لنفسه بصوت مسموع:

” قبل حوالي خمسة آلاف عام من شامبليون, سافر الرب ثوت إلى طيبة و عرض على تحتمس ملك مصر,فن الكتابة. شرح له تلك الرموز الهيروغليفية, و قال إن الكتابة هي أفضل علاج للشفاء من ضعف الذاكرة و قلة الحكمة. رفض الملك الهدية:

– ذاكرة؟ حكمة؟ هذا الاختراع سينتج النسيان, فالحكمة في الحقيقة, و ليس في مظهرها.لا يمكن التذكر بذاكرةٍ مستعارة.البشر يسجلون, و لكنهم لا يتذكرون. يرددون, و لكنهم لا يعيشون. يعلمون بأشياء كثيرة.و لكنهم لا يعرفون أياً منها.”

تمهل..لا تظهرني بمظهر العبقري الآن. هذا كلامٌ من إعداد حبيبي غاليانو..لم أفعل شيئاً سوى استذكاره لأن بلاد النيل هي موطن الأعاجيب.

52:00 ( و كأن الفيلم قد انقطع أو عطب, شريط أحمر ظاهر على الشاشة بلا رتوش أو نقوش. أسمع صوت نباح مكتوم, إنما لا شيء غير لون أحمر يغطي كل شيء)

53:00 ( لا شيء غير لون أحمر يغطي كل شيء. صوت نباح مكتوم)

54:00 ( لا شيء غير لون أحمر يغطي كل شيء..النباح المكتوم يختفي بوتيرة منتظمة)

55:00 الكلبة جين لم تعد تنبح. الباب الأحمر مفتوح..لا يبدو شيئاً غريباً مكشوفاً خلف الباب. النباح توقف. الصبي ما زال يعبر ممراً زجاجياً ضيقاً. الصبي لم يعد يتأبط كراسته. اختفَت الكراسة, اللوحة, الفأر السمين, أو ربما القط البري. أرض صاحب السمو الملكي تحولَ لونها إلى أزرق داكن ذو حركة موجيَّة. و كأن اليابسة الرملية تزاوجت بالنهر.. إنما لا صوت. لا نباح, لا صبي يحدث نفسه, لا عاصفة, لا هدير.

56:00 تظهر هذه العبارة:

” كان الصبي في حياة سابقة له.. الكلبة جين ”

57:00 تتحرك الكاميرا إلى طاولة طعام قديمة بجوار الباب الأحمر, على الطاولة كراسة الصبي. مفتوحة على لوحة الفأر السمين, أو ربما القط البري. على اللوحة يد تمسك قلماً خشبياً ذو لون أبيض, تهم اليد بتعديل شيء في اللوحة. لكنها تظل متكئة عليها و كأنها مأخوذة بالقلق.

58:00 لا شيء غير لون أحمر يغطي كل شيء..الصبي يحدث نفسه بصوت مسموع:

ظلّ يطاردهُ بسرعة و يطاردهُ سريعاً إعصارٌ غير رحوم

و هكَذا حتى أغنياته ظلّت تلازمهُ ضجراً

حتّى مراثي أمله ظلّت تلازمهُ سوداوية و ضجراً

بــ أبداً.. أبداً، ليس بعد ذلك”

لكنّ الغرابُ مايزالُ يُحيلُ روحي الحزينة الى ابتسامة،

سُرعان ما اتخذتُ مقعداً وثيراً أمام طيْر ،و تمثالٍ و باب،

عندَها، و بغرقٍ مخمليّ، ذهبتُ بنفسي لأختَلي

رؤياً بعد رؤيا ، أتخيّلُ ما هذا الطّائرُ المشئوم الأخير!

( أسفل المشهد عبارة : مقطع من قصيدة الغراب_ ادغار ألان بو)

59:00 جين تنبح, الصبي يقول كلاماً غير مفهوماً, تعلو أغنية إنيا و النيل متداخلتان بعضها ببعض..ثم تبدآن بالخفوت.. حتى يسكُن كل شيء و يختفي مثل شهاب اندلع فجأة في السماء لستين دقيقة ثم اختفى في المجهول.

إخراج:

Mercury-Redstone 3

60:00 ……


لندن 13-6

مويه بارد

يخرج كل يوم ويمشي في ” الخان” وهو ساحة السوق الشعبي. يمشي و يجر أمامه صندوق معبأ بقوارير ماء متوسط البرودة.

يحمل بيده قارورة ماء منها و ينادي .. ” مويه بارد .. مويه بارد ” .

ليس أجنبياً. منا و فينا .سحنته السمراء محلية بحتة. تستطيع أن تعرف هذا دون الحاجة إلى التأكد بسؤاله عن جنسيته أو طلب بطاقته الشخصية مثلاً. عمره 17 عاماً. أحياناً يضع صندوق الماء في مكان استراتيجي يشاهده المارة والمتسوقين و يجلس على الرصيف يستريح و يقرأ كتاباً .

مرة شاهدته يقرأ كتاباً يبدو أنه سياسي أو ديني مسيّس , هكذا اعتقدت. اقتربت منه بتردد و طلبت منه قارورة ماء باردة من الصندوق.. إنها حيلة لأسأله سؤالاً لم أعرف كيف أمهد له.. وتحول السؤال إلى حوار .

– ما شاالله انت من جد رجّال يا .. الاسم الكريم ؟

– عبدالله .

– والنعم يا عبدالله. انا افتخر بالشباب المكافح اللي مثلك. الله يوفقك حبيبي.. احرجك لو اعرف كم عمرك ؟

– الله يسلمك. لا ابد مافي احراج. ابيع مويه وعندي هوية وشهادة ثانوية انحرج اقول عمري؟ 17 سنة يبوي.

– ما شاء الله..باين عليك تستاهل كل خير يا عبدالله. بصراحة ما اخبي عليك الكتاب اللي جالس تقرأه خلاني اسأل عن عمرك..صغير على كتب زي كذه بس باين عقلك اكبر من سنك الله لا يضرك.

– هذا الكتاب الوحيد اللي اشتريته من معرض الكتاب. ثاني مرة اقراه. مرتاح اني ابيع مويه و احيان مساويك وميداليات بعد صلاة الجمعة قريب من المساجد.

– مافهمت يا عبدالله.

– حاول تقرأ الكتاب و بتفهم.

– طيب ولا يهمك ..انا ما ابغى احرجك واطلب اتعرف عليك بالرغم من إنك أثرت فضولي .. لكن راح ادعي لك الله يوفقك ويرزقك ويفتحها عليك وابشر ..ولد في سنك يقرأ كتاب بالمستوى هذا لابد أهتم بنصيحته ..أخليك تشوف رزقك الآن وما اعطلك..في امان الله يا عبدالله.

– الله معاك .

مشي الرجل خطوتين بعيداً عن الرصيف الذي يبيع عليه عبدالله و أخرج هاتفه الجوال و كتب ملاحظة جديدة : الملوك المحتسبون . منصور النقيدان.

ذهب إلى البيت . فتح جهاز الكمبيوتر, ضغط ” الملوك المحتسبون ..منصور النقيدان ” في محرك البحث.. ابتسم و شرب كأس ماء بارد جداً, بداخله بعض قطع ثلج . قام بتحميل الكتاب و شرع في القراءة.

بعد أسبوع..

ذهب برفقة رجلين ملتحيين إلى الخان الذي يبيع فيه عبدالله. ترقبوا حضوره منذ الصبح حتى بداية المساء. عندما لم يظهر سألوا صبيةً أفغان يبيعون ماءً : أين عبدالله ؟

الصبية الأفغان لم يعرفونه في البدء.

وصف ملامحه و عمره لهم. قالوا أنهم يعرفون صبياً بهذه المواصفات يبيع الماء و الساعات والميداليات النسائية أحيانا لكنه لا يأتِ كل يوم.

جاء الرجال في اليوم التالي و بدأوا بالترقب كيوم أمس. جاء عبدالله بعد صلاة العصر؛ و وضع صندوق الماء على الرصيف بجانب إحدى الدكاكين و أخذ قارورة ماء في يده و بدأ ينادي ” مويه بارد .. مويه بارد ” .ثم أخرج رزمة ورق مجلدة بشريط لاصق عادي..ذات غلاف مكتوب عليه ” غرد بأمان ” و بدأ يقلبه و يقرأ..

تقدم منه الرجال و قال الذي حاوره قبل أيام .. ” كيفك يا عبدالله ؟ ”

– ابتسم له الصبي ببراءة و قال ” بخير هلا الله يحييك كيفك انت يبوي ؟”

– الحمد لله يا عبدالله. اسمع انا قلت لك هذاك اليوم إني معجب بكفاحك وحرصك على تعليم نفسك بنفسك.. كلمت اصحابي اللي تشوفهم عنك وحابين نعزمك عندي في البيت..

نظر عبدالله إلى الرجلين الآخرين و قال: بس انا مااعرفكم كويس وبصراحة ياعمي انا مو اجتماعي كثير. ماعندي وقت ..اشتغل كل يوم من الصبح للساعة 11 وارجع البيت ميت من التعب وانام.

ابتسموا له وقال أحدهم بصوت أقرب ” للوشوشة” : بيت ابو سلطان قريب يا ولدي..و تلبية الدعوة واجب. تعال نص ساعة بس نتشرف بالتعرف عليك و أنا أرجعك لمكانك بنفسي.

ابتسم لهم عبدالله و قال ” دقيقة أكلف أحد اصحابي هنا ببيع المويه اللي معاي واجيكم.”

..

في قصر ابو سلطان, الموزع عدد حارسين على كل غرفه وأطرافه..

بعد عبارات المجاملة العادية من سؤال عن الأحوال وتبادل الأسماء ” المزيفة”..

الرجل الملتحي الأول : ممكن تعطيني عنوان حسابك في تويتر يا عبدالله ؟

– ماعندي تويتر.

– بس لما جيناك قبل شوية كان معاك كتاب اسمه غرد بأمان ..والكتاب هذا يخص مستخدم تويتر ويقدم له نصايح للحفاظ على حسابه من السرقة “.

– حبيت اقرأ أي شي عن هذا الموقع بس ما عندي انترنت اتصاله جيد..عشان كذه ماسويت حساب فتويتر.

الرجل الملتحي الثاني: عندك كمبيوتر ؟

– ايه .

– كيف اشتريته من فلوس البسطات ؟ ولاّ تشتغل شغل إضافي ؟

– لا..بالتقسيط . انا اشتغل بياع مويه ومساويك وحاجات ثانية من خمس سنين. احياناً أمي تساعدني لو بغيت شي ضروري من فلوس شغلها في تنظيف الحمامات في أحد المولات.

ابو سلطان : طيب يا عبدالله انا ابغى اتفق معاك اتفاق. تبطل قراء كتب سياسية. بدل هالكتب اقرأ قرآن ياابني! لا تقرأ كتب سياسية خصوصاً قدام الناس ..في الشارع ..في استراحات شبابية..في مقاهي..ماتقرأ الكتب هذي قدام أحد ولا تقرأها انت كمان اش لك بوجع الراس ياولدي ..انت ما تحب أمك ؟تبغى تحرمها منك وتقضي بقية عمرها تبكي عليك ؟

عبدالله: أولاً أنا اقرأ قرآن وأصلي ومحافظ على ديني الحمد لله. ثانياً مافهمت ايش دخل أمي في إني اقرأ. انا أحب القراءة وهذي هوايتي من لما كنت صغير. أمي أول اللي شجعوني عليها. وعلى فكرة ابغى اوضح شغلة .. انا اقرأ كتب منوعة. قرأت عن الطب و كيفية انشاء مشاريع و قرأت كتب تطوير ذات و تنمية فكرية و أدب و فلسفة و سياسة . هل من حقي اسأل ايش الغلط في كتاب الملوك المحتسبون عشان تحذرني منه ؟

– كل الكتب اللي من النمط هذا يا ابني.أنا قرأت الكتاب وشفت إنه من الكتب اللي يقال عنها شر جليس.ما يجي من وراها الا الخساير والتمرد واحنا دولة أمن وأمان الله لا يغير علينا.

يوشك عبدالله على المقاطعة فيسكته ابو سلطان بإشارة من يده و يكمل :

ما كملت لك باقي الاتفاق. تبطل تقرأ كتب زي هذي قدام الناس ولو قرأتها بينك وبين نفسك مو مشكلة خد راحتك.. بس ما تكتب حرف عن كتب زي هذي وابغى الآن لما تخرج من عندي مع ابو محمد تمر على البيت وتعطيه كتاب الملوك المحتسبون عشان يحرقه. لاتنسى انك دخلت بيتي ياولدي وكله سلف ودين..هذا طلبي الوحيد منك وأوعدك ماتشوف مني بعدها إلا كل خير .

وفي المقابل لك وظيفة في شركة مرموقة مايقل راتبها عن خمسة ألاف ريال في الشهر. تشتغل عندهم سنة و لو أثبت جدارتك في الشغل يعطوك منحة داخلية لوحدة من الجامعات هنا تكمل فيها دراستك .

ينظر عبدالله إلى الرجل نظرة ما بين استغراب..ازدراء .. استياء.. تفكير .. ويبادله الرجل نظرة بليدة تنتظر موافقة لا مناص منها على الاتفاق.

بعد عام.

يكتب عبدالله على تويتر باسم ” التائب ” , لديه 1200 متابع. و يتابع عشرة فقط.

نعرف من تغريداته هذه الأخيرتين :

” القراءة عدو الإنسان الأول. محكمة تفتيش عصرية. اللحظة التي تقرر فيها الدخول إلى المدرسة تكون قد حكمت على نفسك بالإعدام. ”

” بيع الماء على الأرصفة طريقة وقائية للحفاظ على حريتك , أما القراءة فهي طريقة انتحارية تنادي بها: خذني إلى شقتي خلف الشمس ”

يقفل تويتر , و يأخذ عدة أدوات تنظيف و يخرج إلى أحد المساجد القريبة من المنزل..و يبدأ بالتنظيف وعلى ظهره ..تظهر عبارة مكتوبة بحبر سري ” شفاف” : بقي خمسة أيام على انتهاء العقوبة ” .

 

تمت.

صباح الفن أيتها القصة

1

الثلج يتساقط.

في الخارج ليس شتاءً. الفصلُ خريف. يبدو أن الكاتب قد نسي. لم يخطئ ، مثل هذه ليست أخطاء. هي هفوات صغيرة يجب الانتباه إليها قبل النشر.. فالقارئ لا يرحم. يبدو ايفان في داخل المنزل الدافئ مشوشاً من زاك آرنوكوف , الأول هو كاتب القصة التي سأقولها بعد قليل , الثاني صديقه عازف الغيتار .. عفواً، إنه عبقري الغيتار الذي كان يخشى جميع الهواة في أكوشا من تخيل فكرة منافسته..إذ أن النتيجة محسومة سلفاً. وأكوشا هي مدينة صغيرة في داغستان.. لكنها متخمة بالفنانين و كتَّاب القصص، لم يخرج من أكوشا روائيٌ واحد. ايفان مشوش من آرنوكوف لأنه يسقط عليه إلهامات أقوى من إلهامه قصير المدى الذي أوحى إليه هذه الأيام مثلاً بفكرة العلاقة الغزلية المحتملة بين كائنين من الطبيعة . أحياء بالطبع , أو ذوات أرواح. كالعلاقة بين شجرة و بحر مثلاً. أو بين جبل و مطر ، أو بين أفعى ذهبية يبرق جلدها و قط شيرازي في منزل صياد سمك فقير . زاك آرنوكوف يمكن لإلهاماته أن تردي هذه الفكرة أو تملأها بالهفوات أثناء كتابتها بجوار شيء أقوى منها. و بالطبع فإن مخيلة ايفان تأتي له بأفكار قوية عطفاً على إلهامات آرنوكوف لكنه لا يستخدمها .. إنه يرجّ رأسه بقوة عندما يوحي إليه آرنوكوف بفكرة لقصة قد تهز العالَم و تشغل القراء لأيام و أعوام. إنه مخلصٌ لإلهامه مهما كان ضعيفاً. وهو يقول دوماً لنفسه : ” الطبيعة العظيمة القادرة على هدم منزلي فوق رأسي كما قدرتها على منحي الدفء دون حطب و نار عندما تتعامد شمسها على أرضي ..هي ليست إلهاماً ضعيفاً. إنني قوي , بقوَّة ما تمدّني به الطبيعة من أفكار و أبطال افتراضيين أحركهم كما أشاء . إن آرنوكوف يعجبني ، يلهمه شكل الأحرف الموسيقية المفتون بها و تلهمه قصَّة شعر المرأة الفرنسية ذات العينين اللوزيتين , بيضاء كانت هذه المرأة أم شديدة البياض. سيرة حياة بيتهوفن تلهم آرنوكوف أيضاً، و فيلم أماديوس رغم اعترافه أنه لم يسمع في حياته سيمفونية واحدة لموزارت ! آرنوكوف يكره تشايكوفسكي ، لأنه تفوق عليه في بداياته بكسارة البندق و بحيرة البجع. يعترف آرنوكوف بهذا الكره بالرغم من أنه ليس مؤلفاً موسيقياً لكنه يؤمن بمقولة : المؤلف الموسيقي و ملحن القصائد مثل الرجل الذي لا يصبح إنساناً دون امرأة و هو أيضاً مثل المرأة التي لا تستقيم بلا رجل. آرنوكوف اليوم له سبعون سوناتا.. عزفها بالغيتار فقط. من بينها ” نوفمبر الجميل ” ، و ” الوردة اسمها آنا اخماتوفا ” ، و ” الطفل العربي للسيدة الإنجليزية فيرجينيا وولف.”

عن السوناتة الأخيرة.. يقول ايفان أنه قرأ في مذكرات آرنوكوف بعد وفاته اسم طفل السيدة الإنجليزية وولف.. وهي سيدة لم يتحدث عن ظروف اختراعه لشخصيتها..لكنه كان معجباً بعندليب العرب عبدالحليم حافظ ، فألحقه نسباً بالشخصية الموسيقية , وهو بالطبع يلمح من خلال هذا الاقتران العجيب إلى أنَّ اللحن الإنجليزي الذي ألّفه لهذه السوناتة سوف يحدث فيه انحراف _ حرص آرنوكوف على أن يكون عظيماً _ يقص على أذن المستمع قصة بطل عربي كان طفلاً موهوباً لتلك السيدة الأديبة. إلا أنك إن لم تكن خبيراً في الألحان المكبلهة لن تستطيع فهم السوناته ( المكتوبة على شكل قصيدة سرية أولاً) إلا على أنها مزيج سيريالي بين أجود ما لدى الشرق و الغرب. لكن آرنوكوف يشرح في حاشية نوتة السوناتا أنها من الدقيقة الخامسة عشر حتى الخامسة و العشرين تصبح شرقية يجب على المسرح الذي تُعزَفُ عليه أن يجعل خلفيتها مشهداً متحركاً لنهر النيل . كان آرنوكوف يحب ايفان حباً جماً. لم يعامله كصديق ؛ وهي الصفة الرئيسية للعلاقة بينهما ، بل عاملهُ كخصم مفترض. كان يتوسل إليه أن يتقمص روح تشايكوفسكي ويتحداه أن يصنع لحناً أجمل من ألحانه ليوقد فيه نار إبداعٍ لا تهدأ إلا بولادة معزوفة يكون ايفان أول من سمعها. أما ايفان فكان كثيراً ما يعترض على طلبات آرنوكوف ويقول له : دعك من استخدام تشايكوفسكي حطباً لعبقريتك يا زاك , أنت لاتحتاج إلى الكره بل إلى الطموح ,إلى الحب و الرغبة. إنني على كرهي لشهوانية الرجل حين يكون فناناً لكنني أناديك الآن لإطلاق رغبتك في أي امرأة فرنسية ذات شعر قصير دائري و عينين لوزيتين و لسوف أكتب لك قصةً تصورها أمامك من لحمٍ و دم فتتبدَّد فيها بلا تحكّم ولا هوادة ! لم يكن آرنوكوف يرفض نصائح ايفان ، ينفذ ما يقترحه عليه بكامل تفاصيله و يصنعان معاً أجمل القصص و الألحان الغرائبية ، لقد كان آرنوكوف يلحن عبارات كثيرة من قصص ايفان، تلك التي تحدث في نفسه إيقاعاً موسيقياً يستفز جنونه بالتلحين. لكنه يعود بعد الانتهاء من كل ذلك إلى التوسل لصديقه بأن يتقمص تشايكوفسكي ليصنع شيئاً ينقسم القمر من جماله إلى قسمين و تتحول الأرض إلى ثلاثة أجزاء.. يابسة , ماء , و موسيقى زاك آرنوكوف.

تمنى ايفان كثيراً لو كان هو صديقه زاك. إنه يشعر أنَّ الإلهام الذي تمده به الطبيعة لا يكفِ لخلق قصص مبهرة جديدة ؛ قد يحافظ على القديم منها..بحيث تشعر وأنت تقرأ إحدى قصصه و كأنك تقرأها لأول مرة. لكنه لن يلهمه بفكرة اكتشاف كائن بحري جديد مثلاً .. لم يعرفه القارئ من قبل. إنه لايريد اكتشاف ماهو موجود في الطبيعة، بل أن يستمد من الطبيعة ما لم يوجد بعد, ينشد إيفان خاصية الابتكار. إنه محبط لأن الطبيعة التي أمامه تفتقر إلى الابتكار. فالثلج يتساقط في الشتاء بنفس الطريقة دوماً، و الأزهار البرية تزين الجبال في الربيع بالنسق نفسه كل موسم. حتى القمر لم يتغير شكله منذ نظر إليه لأول مرة و ظنَّهُ كرة قدم معلقة في السماء ! هو كقاص يتحلى بحاسة فنية كان يأمل أن يرى القمر على شكل حبيبته الراحلة. ايفان لم يعشق بعد محبوبته أحداً سوى الأرواح غير العاقلة. ربَّى العديد من القطط و الكلاب و الأرانب و الدجاج . أحياناً كان يصيد الفراشات الملونة ليتذكر روح فتاته المرحة .. كان يشبهها بعلبة ألوان لا تباع في المكتبات. لأنها صنِعت في قلب ” دِين” ..طيفه متموج الألوان الذي أضاء حياته و أطفأها بعد أن اختفى كنجمة قطب خرافية. و دين هو اسم محبوبته التي كانت تغنِه عن الطبيعة كإلهام وحيد.. وعظيم . لكنه لم يكتشف عظمته بعد كل القصص العظيمة التي خلّفها إرثاً أبدياً لروَّاد التراجيديا . كان يحلم في بعض الليالِ التي يصاب فيها بالحمى أنَّ دين تأتيه .. تأخذ بيده من خلف طاولة الكتابة إلى جوار الشباك و ينظران معاً إلى النجوم ، ثم تقول له بآداء مونولوجست فكاهي :

حبيبي إيفان ..

الطبيعة ابتكار الله ؛

دين التي يحبها إيفان ابتكرها الله أيضاً..

ايفان الذي تحبه دين ابتكره الله أيضاً ..

الله .. يا الله .. شكراً لك على هذا الفن ..

نحن مخلوقاتك التي تتوسل يا الله ..

بثَّ في أرواحنا شيئاً من فن الابتكار..

مدَّ إيفان بالخيال ليبتكر ,

امنح حبيبي ايفان القوة لغرس نجمة جديدة دامعة..

بين نجوم السماء اللامعة ..يا الله ،

حبيبي ايفان ،

أتنصت ؟ أترى ؟ أتحبني ؟

استجب إذن لصوت الطبيعة في قلبك ..

قلبك ابتكار الله ؛

تلك النبضات خرائط إن أنت استمعت إليها..

ستصل إلى الكنز الذي خبأه لك الله ,

خالق الطبيعة، خالق إيفان ، دين، و النجوم..

حبيبي إيفان ،

هل تتذكر عندما كنت تضمني ؟

ضمَّ كنزك الآن ,

إنه ابتكارك المنشود ..

إن أنت اعترفت بالحصول عليه ،

لن تغشاكما ضلالة عن بعضكما بعد اليوم ,

حبيبي إيفان ..

النوم ليس للمبتكرين ،

الحمى لليائسين و الضائعين ..

قم إلى رحلتك ..

من يدري ؟

قد أكون هناك.. بجوار كنزك الخلاق ,

قد أكون كنزك الخلاق.

 

يعترف إيفان أنه عالمٌ بخطئه في الاتكال على الطبيعة لتقديم ابتكار جاهز يستخدمه في خلق قصص لم يسمع بها بشر من قبل. ذلك أن افتقاره للابتكار لم يكن في الطبيعة بل في نفسه. ناجحٌ هو إيفان ، لكنه ناقص التجربة. إذ أنَّ الابتكار فن، و الفن عدد لا متناهٍ من الفنون . كل فنان يتسم بالطمع ، يبحث عمَّ ينقص الجزء المحزون من قلبه رغم الأجزاء المضيئة فيه ..تلك الأجزاء التي عشقها من عشقها من المتذوقين فتحولَت إلى مسرحٍ حي.

كان زاك آرنوكوف يفتقر إلى قصائد متقنة يقوم بتلحينها بالرغم من جميع السوناتات المذهلة التي صنعها. وخلطته السرية في تلك السوناتات هي القصائد التي كان يؤلفها ويلحنها في الوقت نفسه. زاك كان أمياً. لم يقرأ و يكتب في حياته. لذلك كان يتخيل عبارات لطالما اعتبرها هراءً لكنه لحنها لأنه لم يرد أن يثقل على صديقه القاص إيفان. فهو يعلم أنه لا يكتب شعراً..بالرغم من أنه كان منقذه الأول حين يعوزه تشبيه مؤثر في عبارة درامية أو مشهد طريف في عبارة فرائحية. و عندما تخرج المعزوفة ناضجةً من فرن زاك كان ينسى أو ربما .. يتناسى الكلمات التي خرجَت هذه الألحان على أكتافها. إذ أنه كان متمسكاً بصفة عازف الغيتار أمام الهواة و النقاد و المتذوقين. فلم يعلم أحد أن زاك كان شاعراً إلا بعد وفاته بأعوام..عندما تحدث إيفان أخيراً عن مآثر صديقه بعد أن أضناه الشوق ، كان يشعر أنه امتداد لظُلم زاك لنفسه وهو يخبئ أسرار فنه العظيم عن الناس. تفوق زاك على تشايكوفيسكي دون أن يعلم. فقد كان مؤلفاً و ملحناً من حيث لم يعتبر نفسه مؤلف موسيقى. آرنوكوف كان لا يعرف أن ما فعله هو تجسيد بهي كبهاء الكون الذي عمَّت فيه ألحانه لكلمة ” ابتكار ” . وهكذا فقد كان هو أيضاً ذو تجربة فنية ناقصة ، لقد نقصها أن يعرف الاسم الكونيّ لعبقريته التي تعلم على أبجديتها عشرات الآلاف من الفنانين .. ذلك الاسم هو ” الابتكار” .

 

2

الثلج يتساقط . أضع أجزاء من كعك دافئ على سليوليد لم يتبقَّ بحوزتي غيره اليوم. تقطعت سبلي إلى مموِّلي بأدوات التصوير. يبدو أنه عاد إلى مخبأه تحت جسر المدينة لأن مخرج أفلام الرعب لم يكلفه بدور جديد. إنه كومبارس محترف . لو أنني مكان ذلك المخرج لمنحته فرصة بطولة في فيلم مدته سبع دقائق. و للسبع مبرراتها. دقيقة للمقدمة ، دقيقة للرسالة المكتوبة بعد مشهد النهاية ، ثلاث دقائق للوحة بورتريه بعنوان “فتاة مريضة ” للفنان المستحيل ميخائيل نيستروف (تقف الكاميرا عند تلك اللوحة بصمت لثلاث دقائق دون تأثير فني أو موسيقي) ، دقيقتين لقصة فيرونيكا ، و هذه هي القصة :

فيرونيكا فتاة نحيلة يدور بذهنها طوال الوقت تناول قالب كعك كامل محشوٌ بالكرز. لكن جاك..متسول القرية ، يسرق كعكها دوماً ويترك لها فتاتاً منه يكفي بالكاد لإطعام مناقير العصافير. فيرونيكا وضعت ذات يوم سمَّ فئران لجاك ..وضعته في قالب الكعك. يومها أشيع في القرية خبر سقوط جاك من عربة قش عالية و جرح في رأسه ثم أخذته جدته إلى بيتها في القرية المجاورة لتعتني به. النبأ الذي أبهج فيرونيكا أنساها أنها وضعت سم فئران في قالب الكعك، أكلت منه قطعة.. صغيرة..قطعة صغيرة. صغيرة جداً. تكاد تكفي لإطعام ثلاث مناقير لعصافير صغيرة. ماتت فيرونيكا. في عامٍ تلى ذلك العام، رأى أهالي الحي روح فيرونيكا المتخلقة من روحها الأولى ( التي قد لاتكون روحها الأولى ) تجوب الأنحاء و تتسول من الباعة قطعة كعك وإن لم تكن محشوة بالكرز.

لا نعلم ماذا كانت فيرونيكا في روحها الأولى ؛ ربما كانت ملِكة أثيوبيا ! و ربما كانت نورساً يحمل فتات الكعك إلى رفاقه في السرب , أما روحها الثانية فربما كانت قارئة .. أو معلمة قراءة تأخذ بيد الأطفال إلى عالم الكلمة السحريّْ. فيرونيكا النحيلة التي تعشق الكعك المحشو بالكرز ليس معروفاً أي نسخة من أرواحها كانت تحمل. ربما هي روحها الخمسة آلاف. أو الخمسمائة ألف و عشرة. إننا نعلم فقط عن تلك النسخ التي شاهدناها .

هذه القصة تحولَت إلى فيلم مدته سبع دقائق. فككت محتوى الفيلم للقارئ في بداية القصة. استخدمت بعض الخروق البالية للتعبير عن التسول؛ كما استعنت ببعض قطرات البول و قطرتها على جزء آخر من السليوليد لأعبر بالتأثير المتروك عن سم الفئران. أسميت الفيلم ” ملهاة المساكين ” . حصل هذا الفيلم على جائزة عالمية في مهرجان للأفلام القصيرة و هذا المهرجان معروف .. إنه مهرجان الصورة التذكارية. هذا هو اسمه. و بعدما حملت أوسكاري الذهبي الجميل , عدت إلى بلدي و لم أمر على أيٍ من الأهل أو الأصدقاء , اتجهت مباشرةً إلى منزلي . و اتخذت مكاني خلف رجل الثلج الذي صنعته بالقطن لأحتفظ به داخل المنزل فوق طاولة العمل , و كتبت برقية إلى ممولي ليزودني في أقرب وقت بأشرطة سليوليد جديدة , ثم أخرجت قطعة كعك بائتة من البرَّاد و تناولتها على أنغام فيلمي ” ملهاة المساكين ” الذي كان يعرض في القناة الناقلة لمهرجان الصورة التذكارية آنذاك.

 

إيفان

أكوشا / داغستان

12-12-2012

3

إنَّ الأشياء التي نحكيها عن الآخرين هي الصدق بعينه مقارنة بما نحكيه عن أنفسنا من أكاذيب. نحن لا نستطيع قول حقيقة واحدة عنا دون رتوش زائدة أو إزالة رتوش لازمة. هب أنني قصصت لك علاقة الحب بين البحر و شجرة استوائية في غابة لا يصل إليها ماء البحر. يبدو الأمر لأول وهلة عصياً على التصديق , لكنه ممكن الحدوث إن قرأناه كمشهد فني . عندما تصل مواصفات الأشياء إلى قلوبنا و نشعر بها ..يكون قد تحقق لها الصدق. وإن لم تكن معقولة. و لكن هب أنني قصصت لك علاقة بيني و بين فتاة تستريب بها أنت و رفقاؤك , إنك إما لن تصدق أنني استطعت أن أرى اللؤلؤ المخبأ في كريات دمها و إما لن تصدق أنها اكتفت بي. تؤثر على آراء الآخرين سمعة آخرين السيئة .بعضهم ذو سمعة عطرة , لكنها سيئة عند واحد أو اثنين , وهذا كافٍ لإحداث ضجيج يعيد قول إلياس كانيتي إلى الواجهة : إن الأشياء الحقيقية التي أحكيها عن نفسي هي التي تبدو لي مثل أكاذيب.

لذلك أنت تصدق الآن ما قصصته لك عن إيفان و زاك آرنوكوف , الأدب و الفن و العبقرية و الابتكار ..كل ذلك بالرغم من السر الذي سأعترف لك به الآن .. لا يوجد أحد في العالم اسمه ايفان , ولا زاك آرنوكوف. لكنني إن قلت لك أنني أنا هذين العبقريين مجتمعين .. أنا إيفان , و زاك آرنوكوف .. لن تصدقني. ستقول أنني مغرور و مصاب بجنون العظمة , ستقترح عليَّ زيارة طبيب نفسي يعرِّي حجمي كما هو دون تضخيم ولا تقزيم . و سوف تكرهني و ترحل و تدَّعي أنك تكره الذين يقولون عن أنفسهم عباقرة و تحب الذين تعتقد أنت أنهم عباقرة وهم متواضعون. تعرف أنك تكذب , أنك منافق يبرع أكثر ما يبرع عندما يشاهد مخلوقاً متباهياً بأدبه و فنه..في السفسطائية و التنظير. هذا يجوز و هذا لا يجوز . هذا يجب و هذا لا يجب , هذا حريٌ بفلان و ذاك عيبٌ على الخلان ! حتى أنك تفوِّت على نفسك لحظة الاستماع إليّ و أنا أقول أنني أيضاً لست أصدق نفسي. لكنني لست أحتقرها. إنني حين لا أصدِّقني وأنا أفخر بأدبي و أترنم بفني و ألمِّع الجوائز التي حصلت عليها نظير ابتكاراتي .. لستُ أؤمن أني كاذب. لكنني أشعر بالأمور التي لم أتوقع أن أقدر عليها يوماً تبدو مثل أكاذيب. و ليست كل الأكاذيب حقيقية , كما ليست كل الحقائق قد حدثت بالفعل. فهناك ما يحدث في الخيال , و هناك ما يحدث على الورق , و هناك ما يحدث على أنغام الوتر , و هناك ما يحدث على الأرض ..المكان الأشد مأساوية فيما عرِف الأدب و الفن و الفكر على مدى الأزمان.

إنني أقصُّ عليك الآن فكرتي عن العلاقة الغزلية التي ألمحت إليها عندما تحدثت عن قصص إيفان المستلهمة من خيالات زاك آرنوكوف. تلك التي تؤدي بشغفك الفوضوي مباشرةً إلى درب الولع. هناك حيث الفن . وإن لم يكن المرء مولعاً بالفن , فإنه سيَّان إن كان كومبارساً في فيلم مدته 1,55,8 قررت الرقابة منعه من العرض أو ماسح أحذية . أما إن كان المرء مخلصاً للفن , فإن عليه علاج عقله من التثاؤب عندما تتلى عليه كلمة ” طبيعة ” , ذلك أن ما للفن من فاتحة قبل الطبيعة. وما له من خاتمة غير الطبيعة. بأحراشها , بحشراتها , بفضلاتها, بشهواتها, بفراديسها , بما تبقى من مائها العذب و رملها الناعم, بمصادر الإسمنت التي زوَّدت بها المدنيين حتى شيدوا مدناً إسمنتية تستهزئ بالفن عندما ترى أوراق النقد من فئة الآحاد حتى الملايين.

لم ينجح إيفان في قصصه التي أخلص فيها للطبيعة و أطلق لها دور البطولة بل و جعلها المخرج الذي يتحكم في ” بوز” الكاميرا و ألوان التمييز بين الزمن ..ماضٍ.. حاضر.. مستقبل. ذلك أنه كتب في عصر الطفرة. كفر هواة الفن بالفن و هرولوا إلى حيث سدادات العوز و شلالات الشهرة. في إحدى الإستفتاءات اكتشف إيفان الذي كتب ذلك الاستفتاء بطلب من آرنوكوف ..أن عشرات الهواة كفروا بفضل العزلة في تخصيب الفن. أصبحوا ثوريين اعتنقوا عقيدة الشتائم على كل من يظنونه سبباً في جريمة شعبية أو فردية. فكانوا ينعتون المنعزل بالفاشل العبد . حتى انتحر يوماً رسام تجريديٌ بارع لو عاش لكنا قرأنا اسمه في قائمة أعظم عشرة رسامين في العالم. كان يفرد ورق الجرائد على أرض الصالة في منزله الصغير و يلزق طرف الجريدة بطرف الأخرى ثم يطليها بطبقة خفيفة من دهان أبيض لا يمحي هوية الجريدة بالكامل ..بعد ذلك يبدأ بالرسم على طريقة الكولاج . يرسم بعض ملامح اللوحة بالألوان و يستخدم عناصر خارجية في إبراز بعضها الآخر. مرةً أحدث قطعاً في كفه و عندما تدفق الدم طبعها على مكان مميز في اللوحة. و عندما عرضها على أحد النقاد عرف الناقد على الفور أن تلك الكف طبعَت بدَم لا بلون دهان أحمر . بعد انتحار ذلك الرسام الذي عشق فنه عشقاً جماً دفعه إلى الخلاص من العالَم الذي كفر فجأةً به , دافع بعض الثوريين عن هجومهم الضاري على المنعزلين.. قالوا نحن قلنا المنعزلين , لكننا لم نقل ” الفنانين المنعزلين ” ! و عندما وصل هذا القول إلى زاك آرنوكوف و إيفان . قاموا سوياً بتأليف فيلم قصدوا فيه كوميديا سوداء تعبر عن سخريتهم من خونة الفن فكان فيلماً مدته ثلاث دقائق عبارة عن شاشة سوداء كتبت عليها كلمة فن بخطٍ مطلسم أسمته السينما الصامتة فيما بعد .. بخط الموت .

4

توفي إيفان متأثراً بالألم من فشل آخر قصة كتبها في حياته . قصة لم تكن فاشلة, لكن طفرة الرواية قد اجتاحت أكوشا ؛ حتى تصدَّر ذات يوم عنوان رئيسي في صفحة جريدة المدينة الرسمية الأولى و كان بنفس العدد الذي نشرَت فيه قصة إيفان الأخيرة في الصفحة الأخيرة الخاصة بأصدقاء الجريدة.

العنوان : موت انطون تشيخوف و ميلاد فلاديمير نابوكوف .

الخبر : تعلن رابطة أدباء داغستان عن انتهاء أدب القصة و ولادة أدب الرواية منذ هذا اليوم الذي يوافق اليوم العالمي للكتاب. و على أدباء القصة في البلاد الحضور إلى وزارة الثقافة و الفنون للتوقيع على تعهد بعدم نشر قصة في مكتبات و صحف داغستان من اليوم فصاعداً .. يبلَّغ أمرنا هذا لكافة جهات النشر و صوالين القراءة و ينفذ.

ــــ

4-4-2012 لندن