190

1

أشعر بالغيرة على فيرجينيا وولف. عندما أرى النساء اللاتي يضعن صورتها في المواقع التفاعلية و يتقمصن شخصيتها بفشل ذريع..بعضهن يعتقدن أنهن عرفنها جيداً لأنهن قرأن رواية السيدة دالاواي أو الأمواج أو شاهدن فيلم الساعات. بعضهن قرأن مقتطفات مترجمة من كتاباتها في ” جيوب مثقلة بالحجارة” و ” أثر على الحائط”. كل هذه الأعمال ينفذ للمرء منها سحر فيرجينا سحراً ليس له مثيل من قبل ولا من بعد. لكنهُ لا يخبر شيئاً عن أوجاعها الحقيقية التي دفعَتها للحياة من خلال الكتابة. سلاحها للمطالبة بحقوق النساء المضطهدات في بلدها. و الإبقاء على توازن عقلها ولو بحد أدنى..لأنها لم تكن سعيدة أو متباهية بنوبات الجنون التي ابتليَت بها إثر مآسي الطفولة..و فقدان أمها. لم أعرف فيرجينيا جيداً إلا بعد قراءة مذكراتها و رسائلها. بل أنني لم أعرفها جيداً حتى الآن. فيرجينيا وولف ليست الشخص الذي يمكن للمرء أن يعرفه مع كثر الإحتكاك. أو طول العِشرة..أو تعدد الزيارات لبيتها و البورتريهات المرسومة لها بريشة شقيقتها. عندما تعتقد أنك عرفت فيرجينيا فأنت تزعم أنكَ عرفت كافكا! وهذا غير ممكن خصوصاً وهما ميّتين. تختلف فلسفة الحياة والمواضيع في أعمال الأديبين لكن صعوبة الشخصية وتراكيبها المتداخلة متقاطعتين.أو على الأقل بينهما علاقة طردية. لم أقرأ جميع مذكرات فيرجينيا بعد..لكن واحدة من تلك المذكرات كانت تشعرني بحجم ضآلتي و أنا أتوجع أمام سيِّدتي وهي تبدع رغم نهش الجنون لوعيها. بالمناسبة ولأن الشراء من الانترنت لم يعد مهمة مستحيلة.. هذا رابط مذكرات فيرجينيا وولف ..

بعد فيرجينيا..احترمت الكتابة التجريبية كما لم أفعل من قبل.كنت أعتقد أن المرء يهدر وقته في تجربة قول أشياء قد تبقى و قد تختفي بنفس لحظة كشفها كفقاعة صابون. لكن جمل فيرجينيا الطويلة في رواياتها كانت رسالة مثل شمس لا يحجبها غربال النقاد و النحويين و أولياء القوالب. يمكن للمرء أن يصف العالَم كله في جملة واحدة..قد تبلغ هذه الجملة عشرة أسطر. قد يصح تقسيمها إلى عدة جُمل. لكن لا يمكن تخطئ كونها جملة واحدة طويلة بلا فواصل ولا نقط. الأمر لا يخص الكتابة..إنني أقصد الشيء نفسه عندما تصف العالم كله بصوتك..لا خطأ في أن يكون نفسَك طويلاً..قل كل شيء دفعة واحدة واترك لي الدهشة أو الاستياء..يبقى هذا انطباعي و يبقى أنك لم تخالف العُرف في شيء!

هل أبدو بغيضة و أنا أنتقد؟ أعرف. إنني أكشف شيئاً من عيوبي التي أعرف أيضاً أنني لست الوحيدة في حقلها. فقط إن كنتِ ممن جرَّبن الغيرة *النظيفة..ستحترمين غيرتي على صديقتي المفقودة..و سيدتي الجميلة ذات الأصابع السحرية. ستعرفين أنني أبكِ لأن النهر لبَّى رقودها فخطفها قبل أن أتحدث مع لسانها الشِّعري أو أضع بين أصابعها باقة ياسمين هائلة. كنت على الأقل..سأصنع إكسيراً يهدئ من روع المرء المبتلى باكتئاب خالد..و كان سيخرج للعالَم باسمها..بعد أن تكون صاحبة التجربة الناجحة الأولى في تجرِّع ملعقة واحدة منه. ربما كنت سأعتزل الطب بعد هذه المهمة. ربما , و ربما..الآمال كثيرة..و الحدث واحد لا يتغير.لأنه موسوم بالموت.

 

* أي خالية من الرغبة في حياكة مكائد، أو تخطيط لانتقام، أو تعبئة القلب من مصنع الحقد.

2

اليوم كنت أصنع قارباً برمل الشاطئ. لم أفلح. الرمل ليس رطباً كفاية. وأنا لستُ ناحتةً ماهرة رغم أنني اعتمدت كلياً على خيالي..جربت مرة نحت نفس القارب الذي تحبه مخيلتي إنما على لوح خشب. بآلة الحرق المخصصة للنحت على هذه الألواح. أبدعت في رسم مجداف القارب أكثر..ظهر شكل القارب غريباً و كأنه صندوق مجوّف! بينما ظهر المجداف كأنه قطعة تجديف حقيقية مركونة على وجه لوحة خشب! المهم.. عندما عصاني رمل الشاطئ رسمت عليه قلباً كتبت بوسطه ” السأم” و لم أبتئس لأني تذكرت “دينو” عاشق سيسيليا السائم..في جوٍ بديع كجو البحر هذه الليلة. بعدما جاءت موجة محَت كلمة السأم. رغبت فجأة بإعادة رسم القلب و كتابة كلمة ” نظارة” بداخله. بالطبع ضحكت على طرافتي وتخيلت لو أن أحداً كان بجانبي وعرف الموضوع لقال : كم دمكِ ثقيل !

النظارة كانت احتياجاً ماسّاً . الليل أمام البحر هو الظرف الوحيد الذي يكشف ضعف نظري ويذكّرني بقوة أنني لو عشتُ بضع سنوات أخرى قد أعمى. إلا إن غسلتُ عيني بماء البحر! أو لبست نظارة داكنة ليتحول شكلي إلى شيء برجوازي بغيض! أتقيأ شكلي في البحر قبل التفكير في قبوله هكذا. لجأت إلى العدسات الطبية منذ أعوام. فصّلت نظارة طبية..لا تبارح عيني في البيت والعمل؛ لكنها شفافة. و لن أرتدِ داكنة وإن أحرقت الشمس عيني. النظارة تحميني من شطح أحلامي أمام البحر. حتى أمنياتي من الحياة تتغير عندما أجلس قبالة بحري.أتمنى أن أتحول إلى موجة..أو ذرّة ملح. أريد الامتزاج بالبحر، ولو كنتُ صَدَفة..لتزوّجت البحر..وتصبح الدانة طفلتنا! إنني أبكي حتى أمرض عندما أفيق على نفسي الآدميَّة. يمنعني أخي من زيارة البحر لأنه يعرف أنه أمرضني لسببٍ غامض عليه. لا يعرف أخي العلاقة السرية بيني وبين البحر. وعندما أقسم له أني سأتعافى إن أخذني للبحر يعطف عليّْ و يعود فيلعنني عندما أمرض ثانية و تلتهب عيني من البكاء..أخي يظن أنها مضاعفات ملح البحر. برغم حيرته التي ألمحها في عينه وأهرب منها..كان قد رأى أنني لم أغمس جسمي في البحر. كما أن لعبي بالرمل ليس عادة. ألمسه عند الاحتياج إلى مزج علاقتي بأصلي” الطين” مع علاقتي بنديمي “البحر”..هذه طريقة أتبعها عندما أفشل في إزالة اكتئاب من قلبي..عادةً للجمادات في البيت دور في الاحتقان. ماء الاستحمام الصحي لا يعالج شيئاً..يفعل البحر ما يعجز عنه الطبيب و المنزل وماء الاستحمام الصحي و الديكورات.

أشعر بقصيدة طارفة على فمي..و رؤوس أصابعي و حواف قلبي. إن قلتها لن تخرج جميلة مسبوكة كقطعة ذهَب تغوي السيدات. أعني أولئك السيدات اللاتي يتشمسن على الشاطئ في ليالٍ بعيدة لا أخلاقية. لست أريد أن تكون هؤلاء السيدات زبائن حديثي؛ لكن..حسناً, مرة رأيت في مجلة..سوار ذهب ترتديه إحداهن.السوار من جرام ثقيل..غالٍ لا تستطيع شراءه سوى الأميرات..أو المغنيات أحياناً كإحدى مغنيات الخليج التي لا يختلف اثنين على نشاز صوتها. في الحقيقة تمنيت أن يكون لديَّ مثل ذاك السوار. أعجبني..نعم أعجبني ونسيته لما أغلقت المجلة..حدث هذا منذ شهور طوال. قصيدة طارفة على فمي الآن..رؤوس أصابعي وحواف قلبي.قصيدة غالية..قوية. إن خرجَت ستكون إما نجمة أو سوار. هكذا أتمناها..و لأني أعرف قدراتي..لن أقولها..فكل شيء قد يحدث أو لا يحدث. الجو بديع هذه الليلة عند البحر..لا أريد إفساده بإخفاق..وإن كان عاطفياً.

عوضاً عن القصيدة المعلَّقة كمصباح ليليّْ.. سأحاول رسم قارب أحلامي من جديد..أو ربما مجداف إن لم يعجبني شكل القارب.أما إن أعجبني فلن أرسم مجداف. القارب ليس أضعف من سفينة.يستطيع تجديف نفسه جيداً إن صفا له البحر. معي في الحقيبة وردة مجففة. سأغرسها بجوار القارب والمجداف. سأعود إلى البيت. وأقول لأخي كنتُ في المكتبة..أشتري علبة ألوان و كراس.

3

أزرع نباتاً أخضر في قلوب الموجوعين. لكن نبتاً لن يخرج من جذوري للحياة. أعرف أن علاقتي بالأطفال متوازية..لن تلتقِ لا بالرحم ولا الأنابيب. هذا الحرمان ليس مدعاة للشفقة..بل للفخر. ينتظرني طفل عند الله. كلا لم أقرأ حديثاً نبوياً عن هذا الشأن. لكن حدسي عن خصوصياتي يُعوَّل عليه.

4

لا أعرف..يلحُّ علي الحلم هذه الأيام. الواقع فاقع اللون أكثر مما أحتمِل. عندما يحدث هذا تتفتح أمامي أيدٍ كثيرة مخضبة بالأحلام. لم أتورط مرةً بأحلامي..أتورط دوماً بالأوهام. أنا ذكيَّة في هذه ولست أمدح نفسي بل أذكِّر لحظات اختلال توازني أنني أذكى ممَّا يطيل بقاءها في رأسي. لم أحلم بشيء إلا تحقق. هبات الله كثيرة لكن أحلامي لم تتحقق على شكل رزق جاءني من حيث لا أحتسب. عامَلني الزمن كفأس يحطب شجرة لوز. لم أكن معه فظة غليظة القلب كي لا ينفض من حولي..فأتشرد. أجيد احترام القسوة عندما تكون في محلها المناسب من الحياة. أقصد أن بعض القسوة تأتي في موت شيء وتزيد موته موتاً! حقيرة مثل دفلى حقود تتباهى بسمِّها الذي لا يشفع لجمالها أو يغيِّر من وسمها الأسوَد قيد قرنفلة. مرةً قرأت كلاماً لفرناندو بيسوا شعرت به يخاطبني..لا أتذكر المقطع الآن. لكن بيسوا كان معجباً بمن لديهم أحلاماً كبيرة تستحيل عادةً على المرء دون مجازفة أو تضحية. و كان يقارن بين أن تحلم بشيء يمكن أن تصحو صباحاً و تبحث عنه على الطرقات فتجده معروضاً على زجاج كشك في آخر الطريق و بين أن تحلم ببناء كوخ على ضفة شلال! من قال أن الثانية مستحيلة؟ من جرَّب أن يعيش في حياته مأساة أخسرَته شيئاً كان في مقام حياته و نور عينه..يعرف أن لا مستحيل..لكن مثله تماماً..هناك وعورة. حيث لا يمكن للصخرة أن تتفتت دون مؤثر خارجي. ونحن مؤثرات أحلامنا الخارجية.. أنا هذه الأيام أحلم أن لا يبقى فقير في بلدي. و إن كان الثمن أن أمتص فقر الجميع فأصبح الفتاة التي تحمل مكنسة لا تستطيع تحويل عصاها إلى طيارة !

5

يوجد فوق باب شقتي مصباح مستطيل. يحترق أحياناً بلا سبب مفهوم..بالرغم من أنه أصليُّ النوع. عندما أكون حاضرة لحظة احتراقه أشعر و كأن أحداً أمام الباب قال وداعاً.

6

الرسم يجعل المرء يعيش كما يشاء. قالت فيرجينيا وولف هذه الفكرة في إحدى مذكراتها..ليس بهذه الصيغة الحرفية لكنها كانت سعيدة لأختها فينيسا. تشعر أنها حرة أكثر منها..لأن اللون و الريشة يفسح العالَم بلا قيود أمام الفنان..بل حتى القيود..بعضهم يرسمها ،و تشعر و أنت تنظر إليها أنها أساور لا قيود!

7

أنا و فيرجينيا أيضاً..لدينا عقيدة شخصية..شديدة الخصوصية، لو كانت أمهاتنا معنا لكانت جدائلنا أطول مما هي عليه ولكانت دوماً مضفّرة ومعقودة بشريط دانتيل زاهي اللون. أنا و فيرجينيا أيضاً..لو كانت أمهاتنا معنا لما فكرنا مرة بالانتحار ونحن محاطين بكل تلك الزهور الجميلة و رجل مُحترَم. فيرجينيا معها زوجها..و معي أنا شقيقي.

8

أصبحت أشعر برتابة الكتابة عندما أقرأ لأحد كلاماً عن الخيبة. ربما لأني استهلكت الكلام عنها أكثر مما كانت موجودة على هيئته. أحياناً الخيبة كانت تحضر على شكل وفاة روح غالية خططنا أنا و هي على لقاء حافل بالغناء و الحكايا الحُلوة..حتى لو كانت مختلَقة. وأحياناً تحضر على شكل رجل كاذب في الحُب. يعتقد أن حبيبته خَلقٌ نجس تجب مقاطعته في رمضان. أما أنا..فكنت أجيء لأناس يحبونني أحياناً على شكل خيبة أيضاً..عندما ينتظرون أن أجزل الثناء عليهم و أمتنع..حيث لست أرى ما يستحق الثناء.وتأخذني ربكة الحرج فلا أحسن المجاملة..و يحلّ صمتٌ جزيل.

9

أفكر كيف بالإمكان أن أصطحب البحر معي في قبري.

10

لو كان اسمي بحر.. آهٍ يا أمي. كنتِ ماء الأرض..و جئت أنا بمِلح الحزن على فقدك..ألَم يكن عدلاً أن أكون بحراً بدلاً من اسم يشبه فستاناً بلا قصّة خصر ولا فيونكة مربوطة في الظهر؟

بالمناسبة يا أمي..

لأجل هذا أستطيع أن أعدّ لكِ عدد المرات التي ارتديت فيها فساتين طوال حياتي. هذا و لأن صداقة الT-shirts و بناطيل الحرير و الجينز.. كأنها صداقة مع قبيلة هجينة ظاهرها جمالٌ أخاذ و باطنها الوفاء.

11

غادرت البحر و عدت إلى البيت. وجدت أمام الباب حوض سمك ملصق عليه كرت فيه اسمي. و أقسمُ في قلبي أن ألطف شكٍ يمكن أن تراه في حياتك..هو شك أخي.