191

– اشتريت لوحة مرسوم عليها شلالات نياجارا. نعم إنها تشبه الشكل التقليدي للوحات المعلقة على مداخل البيوت”من زمان”. لم تضجرني كلاسيكيتها.بل على العكس أعادتني إلى ذكريات وحنين جميل أحتاج إلى تخليده. لا أعرف من صاحب اللوحة..إذ أنها رسم لا صورة. فقر الأوكسجين النقي في الأيام الأخيرة أحوَجني إلى الاحتفاظ بشيء من الطبيعة أمام عيني..وإن كان إيمائـياً. أخاف من النبات الذي يزرع في أصص لذلك لم أفكر فيه..مرة و أنا صغيرة اصطحبتني جدتي لزيارة جارتنا التي خرجت من المستشفى بعد إجراء عملية. على شباك غرفتهم كان هناك أصيص فيه نبتة لا أعرف اسمها حتى اليوم. فجأة خرج أكثر من صرصار من تربة الأصيص. و هربت إلى بيتنا ولم أدخل بيت جارتنا حتى اليوم. منزلي الجديد في جِدة بعيد عن المستشفى التي أعمل بها و عن المستشفى التي أتعالج فيها و بعيد عن البحر أيضاً ! منطقة صناعية حية يحبها أي أحد عداي. عشت دوماً في أحياء هادئة هنا و عندما كنت في ليدز و لندن..رغم أن لندن ليس بها متراً لا يشكو من ثرثرة المارة. الأرواح من حولي و رائحة بعض المطاعم نصف الحديثة نصف الشعبية تمتص الأوكسجين النقي كاملاً ولا تبقي للخجولين من طلب الفرصة مثلي ذرَّة نقاوة واحدة. لذلك أنا اليوم مبتهجة بلوحة الشلالات..علقتها في صالة البيت..وكلما رأيتها أخذت نفساً عميقاً وشعرت أني في هواء عليل.

– شهور قليلة و أنتصف. عندما أفكر أن خمسة أعوام أو أقل قليلاً بقَت حتى أصل إلى عتبة الثلاثين لا أنزعج أو أحزن كالأخريات جميعهن؛ بل أخاف. يبدو الأمر مثل أن الجحيم على بعد خمس خطوات وعندما تنظر خلفك هناك هاوية. بالطبع أفضّل ألم السقوط في الهاوية على ذوبان جلدي في الجحيم..لكنني لا أستطيع اختيار شيء أوليته ظهري..بالأحرى هو من أجبرني..هو دوماً منذ أول يوم في حياتي يجبرني على التقدم ولم يسألني مرة ماذا أريد. عندما ألتفت لاختيار الهاوية أراها مثل جرح مفتوح يلتئم أمامي بسرعة..جلْد سميك ينبت أمامي بتسارع مهول و يسدّ كل الحواف و المساقط و تختفي الهاوية وتتحول إلى درب مجهول مزروع بأسوار تمنع المشي فيه. فأستدير لأتأكد من حرارة الجحيم لأنها قد تكون برداً و سلاماً عليَّ إذ أنني عشتُ طيّبة مع الناس و عاملت الحياة كأنها أمّي !

– أحاول أن لا تنقطع صلتي بالأدب العربي. ما زلت أسير مثل غريب يجوب العالَم على غير هدى..ذلك الغريب الذي لا يبحث عن مأوى بل عن معرفة و راحة. بعد كل هذا العمر أوقن اليوم أن ارتياح المرء ليس في دراسة التخصص الذي يحب أو في الزواج و الإنجاب سواء حباً في الأطفال أو حفاظاً على نسل القبيلة..ارتياح المرء ليس في زيارة مدينة فاتنة أو مكتبة شاهقة أو سوق يخطف البصر لروعة الأزياء في هذا المحل و تصاميم القلائد و الخواتم في المحل المقابل و ألعاب ديزني في المحل المجاور. ارتياح المرء ليس في صلة الرحم أو الجزالة في العطاء. كل هذه أشكال حياة متغيرة. نفعلها و نفعل غيرها كثيراً لأنها تبعث فينا حرارة نشوة و سرور.. لكن شيئاً منها ليس أرضاً تُبنى عليه حياة ثابتة. فالزواج قد ينتهي بالطلاق يوماً..المدن الفاتنة قد يغمرها فيضان أو يدمرها زلزال أو تعمّها مجاعة. المحلات قد تفلس و يتغيّر مستوى بضاعتها أو تغلق أو تستهلك نفسها فلا يعود لديها شيئاً فريداً. المكتبة الشاهقة قد يظلمها مقص الرقيب والمحتسبين أو قد يصاب المكتباتي فيها بحالة نفسية مشهورة لدى المكتباتيين بل و كل صاحب تجارة أصيلة أصبحت تكسد كثيراً بعد ثورة التكنولوجيا و هوس ركوب الأمواج. كل شيء قد يكون باعثاً للمسرة لكنه ليس تربة صالحة لنبوت شجرة لا تقتلعها الرياح مهما قسَت عوامل التعرية.

أعرف اليوم أنَّ الاستقرار وهم يحلم به الجميع لإنصاف غريزة الراحة المتأججة فيهم. مهما ناضل المرء يظل نضاله بحثاً عن ليلة ينام فيها بلا خوف من شقاء ينتظره صباح الغد. و أعرف أن أحداً لا يمكنه التحجر نحو شيء أحبه ثم فقده أياً كان سبب الفقد. رعب الفراق و الفقد أكل جمالنا..ذلك الظاهر و الآخر المبثوث من أرواحنا. انطفأنا و نحن نرتعب و نهدهد ارتعابنا بكلمات الأمل ولا تطاوعنا قلوبنا لأن الواقع لا يسمح لها بالانفصال عنه. وجدت نوع الحياة الذي يبقيني على حد من الرضا. و أنا لا أطمع في رضاي كثيراً. إن جاء على شعرة بين قلبي و عقلي..أقبل به و أثبّت طرفه بمشبك زينة.

أصبحت أعيش كالغريب. هناك من لا يفرّقون بين الغريب و الدخيل. يجب على المرء أن يكون ذكياً كي لا يقع في هذا المأزق. سيبغض نفسه إن شعر أنه دخيل على أحد.. هذا الأحد قد يمثل لنا الحياة. حدث هذا كثيراً معي. تأزمت لهكذا إحساس حتى فارقني قلبي و كنت أموت تعباً لكي أصل إلى لبن العصفور ! لأنَّ قلبي لشدة ما كان يقسو عليَّ..كان لا يرضى بالشعرة التي لا ينظر إلى غيرها في أحواله العادية..بل حتى عندما ينفطر حزناً. إنما في الغضب لا يرحم. أن تكون غريباً يعني أن تكون ريشة. ليست كل ريشة في مهب الريح تضيع. هناك ريشة تشعر بخفة الطير و هو يحلق فتغمرها الحرية بالحياة كما تغمر الطير..أن تمشي و تمنح لا يعني أنك تهيم. المشي غريباً هو حديث مع الأرض. ليس حديثاً بأقدامنا التي تجوب مناكبها..بل بقلوبنا..أفكارنا و أحلامنا التي قد تزيد و تتجدد كلما مررنا بشيء أضحكنا أو أبكانا. في المساء و أحياناً في الصباح باكراً..اقرأ كتاباً يصنع يومي حتى آخره إن كان خفيفاً كخفّة المشي في الحياة غريباً. و أحياناً أشعر بهيبة الزمن و جزيئات الحياة بكل تفاصيلها بذلك اليوم إن كان الكتاب كلاسيكياً يأخذني من عنقي إلى ساحة دراما حربية أو مأساوية. أتذكر صباح أحد الأيام التي بدأت فيها بقراءة آنا كارنينا. كان يوم كل شيء حدث فيه منظم و أنيق، لكن صورة آنا كارنينا بعدما ألقت نفسها أمام القطار وتخبط نيكولاي ليفين المسكين حولني إلى كائن معقد. فأصبحت أنتقد و أستريب في شكاوى المرضى و تعقيم الممرضات للأنبولات قبل تعبئة الحقن بسائلها و هكذا..

من وقت لوقت أستجيب إلى فضول نزعتي التصنيفية. مثلاً ألاحظ أنني أكثر من قراءة الأدب الأجنبي بالإنقليزية أو العربية..يبدو الأمر كجزيرة الكنز. كلما اعتقدت أنني شارفت على إكمال قراءة جميع الخوالد الكلاسيكية كلما تكشّف لي كون هائل من كلاسيكيات أخرى.. متألقة مثل شمس ظهيرة صيف. وبالرغم من ذلك فإنَّ غيرتي على إبداعات العرب من الظلم إن لم نتعرف عليها و إن لم نفعل حيالها شيئاً سوى التعرّف و حسب..يدفعني إلى قراءة ما يجرفني إليه حدسي. غسان كنفاني مثلاً الذي لم اقرأ له في حياتي سوى ثلاثة أعمال آخرها مجموعته القصصية الأولى ” موت سرير رقم 12″ , وكم كنت خجلى من تكشّف الحزن الذي كتبه غسان بواقعية قديرة في هذه القصص. الرمزية المعقولة في قصة البومة , الكتاب الملون “ديوان عمر الخيام” الذي لوَّن قلبي في قصة لاشيء يذهب، نبل إبراهيم حتى وهو مسجى في القبر شهيداً في قصة منتصف آيار. حميد ماسح الأحذية الذي يحول الحذاء إلى مرآة وبائع الكعك لزوار السينما بعد انتهاء الأفلام..في قصة كعك على الرصيف, الرسالة المكتوبة إلى حبيبة في قصة ” جنازتي” أظن شجنها أوصل السماء بالأرض يوماً، لكل منا تجربته في الحياة..وقد تكون تجربة أحدهم الوحيدة في الحياة هي تجربة في الحب..هذا ما تقوله قصة الأرجوحة, عجلة إنسان تدور في إحدى المدن بشراسة إلى حدود أسطورية..سعد الدين و عيب العودة من وادي الذهب بلا ذهَب..وقصة لؤلؤ في الطريق.

أما قصة موت سرير رقم 12..فهي الأسى حين يجعلك تموت ضحكاً كما كان يخشى المرسِل على صديقه أحمد..المرسَل إليه. كيف يموت الشاب العماني صاحب الثروة الصغيرة, الفقير جداً, الذي لايجيد الشكر, بائع الماء.. محمد علي أكبر على سريره العالي في المستشفى؟ ليس لأنه مصاباً باللوكيميا..ليس لأن المرة الوحيدة التي شعر بصلته مع العالَم هي حين سمع صوتاً يسأله: ماذا في هذا الصندوق العتيق؟ بل مات كمداً. و يبدو أنني لا أنسى أن هذا الهذيان سيُنشر في مدونة يقرؤها مخدوعين بي..فأحسب حساب تأثرهم بالكتب التي اقرأها و أكف عن حرق بعض تفاصيلها.

قبلما اقرأ هذه المجموعة بيوم كنت قد قضيت وقتاً لطيفاً مع قصص بعنوان “أعرف أن الطواويس تطير” لبهاء طاهر. اللطف في وجداني يشبه صوراً استهلكها التقليديون حتى فقدت بريقها..كصورة قطرة الندى, أو عطر الأرض بعد المطر. لكنني على أية حال استخدمها وقتما وجدت شيئاً مدلوله ينافس تلك الرقة أو يقتبس منها..قصة سكان القصر حملَت رائحة روسية أحبها..وكان بهاء طاهر صادقاً في الاعتراف بتأثير الأدب الروسي عليه هو وابنه الطفل فكتب مقدمة جميلة للمجموعة القصصية يتغنى فيها بهذا الحب و كأنه هو الطفل نفسه. لقد شعرت بكائنات المنزل و الحديقة اللطيفة تطير كلها لأن قصص بهاء طاهر أجادت التحليق بالروح.

– لفرط حساسيتي نحو المرضى أوشك أحياناً على قتلهم لأرحمهم من الألم! سيخطر ببالك طبعاً أنني ممن يناصرون مبدأ القتل الرحيم في الطب..أبداً.أتفق مع الرأي القائل أنها جريمة و حكم على روح لا يحق لمخلوق أن يضع حداً لساعتها إذ أنها من أملاك الخالق. يحدث فقط أن الحزن الفائق على موجوع يعرِّي كل وجوه العجز و الضعف في من يتولى مسئولية إزالة الوجع فيزيائياً. بعضهم يتجاهلون العري و يتعاملون بآلية لا يحسدون عليها! إذ أن الآلات تجيد التعبير عن تلك الآلية أفضل منهم..أقصد بتهذّب أكثر مما يعبّرون..على الأقل الآلات تعمل ما بوسعها بصمت. لا تتبجح ولا تنظّر محدودية علاج حالة مستعصية و كأنها تقول للمريض بطريقة ملتوية ” كن واقعياً و مت” ! بعض آخر يدفعه العري إلى الانتحار..يقصر عقله القاصر أساساً مهما كان عبقرياً ممتد الآفاق..عن كيف أنه طبيب ويعجز عن علاج مرض. هذا أمر يشبه ما عجز عنه الأطباء مع سرير رقم 12 في قصة كنفاني! حتى كلامي هذا لا أثق فيه. واضح أنه كلام شخصية مصابة بالتهاب مزمن. إحدى صديقاتي التي ملَّت من حزني بسبب المرضى _ وهو ليس السبب الوحيد للحزن لكنه المكشوف أمامهم_ قالت: الحل بسيط..اعتزلي الطب. لا يلزم الطبيب كثير من التفكير ليعرف أن هذا اقتراح شخص يكره سماع قصص الأطباء العاطفية مع مرضاهم. بالطبع هذه قصص عاطفية..فالغرام ليس هو العاطفة الوحيدة .

قلت قبل قليل أن لكلٍ تجربته في الحياة. ربما تعتقد أن الطب هو تجربتي. لن أنكر..بالأصل إنكار حقيقة تسد عين الشمس كهذه مثار للسخرية..أو قد تظن أن المرض هو تجربتي..و أيضاً ليس بالوسع إنكار حقيقة كهذه لم تعبر جسدي مرة بلا قسوة و شراسة. لكنني نسيت قبل قليل أن أضيف أن لكل تجربته في الحياة و بعضنا لديه تجارب لا واحدة.

إنَّ تجربتي في الحياة هي اليُتم.

و لم يكن لباقي التجارب أن تغيِّرني إلى الحد الذي تعتقده مع كل انكشاف لواحدة من تغيراتي حداً أقصى، لولا وفاة أمي و أبي. إنَّ اليتم يجعل من المرء كوناً لا يهمه أن ينبهر به أحد. على الأقل أتحدث عمّن عرفتهم من أيتام مثلي. اليتم يجعلك متطرفاً..شديد التعصب. وليست هذه نزعات ثائرة دوماً. هي مثل أي نزعة ربما لم تعرفها في أحدهم من قبل لأن موقفاً يستدعيها لم يحدث. يجعل اليتم المرء إما طيباً.. أو شريراً. و ليس هذا التطرف سوى إشارة إلهية إلى هول أهمية الوالدين التي تضاهي أهمية الحياة نفسها. إن كان لا يغيب عن البال أن الحياة و العيش بينهما فوارق و درجات.

– يعرف كل مستخدمي الإنترنت هذه المعزوفة .. أفكر الآن لو أنني أمحو كل شيء كتبته اليوم و أستبدله بها. الجوارح التي تحب و تشعُر تستطيع أن تعيش جميع القصص المتوقعة من عابر ” غريب” على الحياة مثلي..عجيبٌ ذلك النقص الذي يحدث ثقباً في سمعي كلما افترقت لمدة عن هذه الموسيقى :

http://youtu.be/xxevg712Xec

ثم أنَّ..

قمر لوركا الذي يوشك أن يحتجب..أراه بعين حلمي الليلة مكتملاً.. مثل عُرس مقام على طرف شلاّل.