192

1

اليوم عندما عدت من العمل نمت أمام مدخل الصالة . هكذا، تماماً كالفتاة التي في الصورة مع فارق أني نمت ببدلة الطوارئ. حدث هذا لأول مرة. لم أعيه. عندما استيقظت و وجدت نفسي على الأرض و ظهري يؤلمني وصداع يفجّر أوصال مخي. ظننت أنَّ لصاً اقتحم البيت و رمى بي في الصالة ليفتش عن غنائم تحت السرير! مضحك أليس كذلك؟ لا يفكر المرء في أمور وجيهة بعد الاستيقاظ من نوم مزعج. أربع ساعات. هي أول نوم لي منذ 70 ساعة. ليس موضوعاً مهماً جداً لأطيل التفكير فيه. الأمر واقعي و بسيط. لشدة التعب لم أستطع إكمال الطريق إلى غرفة النوم و تهاويت أمام باب الصالة. عندما استيقظت جلست على أريكة في الصالة نفسها و أخذت أحدق في بيتي و كأني أراه لأول مرة. بقيت عشر دقائق على وضع جلوس واحد. قمت إلى المطبخ بشهية مسدودة ..شربت كوب عصير و أكلت طبق أرز بالخضار كنت قد احتفظت به من طعام أمس لأنه أعجبني. كان يدب بجسمي التعب نفسه يوم أمس فلم أطبخ..اشترى أخي طعاماً صينياً من محل قريب. كان تجربتنا الأولى مع هذا المطعم. توقفت عن الأكل على صوت آذان العشاء. كنت أظنه المغرب. وانتبهت حينها أن تصرفاتي منذ استيقظت قبل قليل كلها ناقصة غير مرتبة ولا هي تصرفات عقل واعٍ بعد. فلم أبدل ملابس العمل, ولا حملت حقيبتي و أغراض الفحص الطبي إلى الغرفة. ولا دخلت غرفتي أصلاً. بل حتى لم أذهب إلى الحمام! ينتهي عملي في السادسة مساءً. عادةً عندما أعود إلى البيت انتظر أذان المغرب فأصلي و أنام قليلاً حتى العِشاء. لكن العافية حين تنطفئ كشمعة..يختل معها ضوء العقل و الذاكرة و كل شيء يصلني بالحياة.

أعدت عقلي إلى الميزان بعد انتهاء صلاة العشاء و نظمت كل شيء ثم نظرت إلى هاتفي فلم أجد رسالة ولا اتصالاً من أحد. فاتصلت بعائلتي للسلام عليهم و أغلقت الهاتف. أحياناً لا أرَ حاجة إلى التواصل مع العالَم. بالأحرى لديَّ في المنزل ما يجعلني أشعر أن صلتي بالعالَم لم تنقطع. أغراضي و كتبي و أفلامي التي أحبها و أرتبها كل يوم حتى إن كانت مرتبة..هي أهم حبال تواصلي مع العالَم إلى حدٍ كافٍ لتبديد بعض الوحدة. حيث لا شيء يبددها كلها سوى حضور صوت أحبه و أحاول التأقلم مع تداعيات فراقه لي منذ مدة.

عندما تلتبس عليَّ الحياة هكذا أشعر أنَّ الموت الذي أريده دوماً..بعيد جداً. كأنما يريد أن أكون عندما يأتي لاصطحابي..طبلة جوفاء.أو ربما في أفضل الاحتمالات..نخلة لم تعد تطرح رُطباً. نسيت اسم ذلك الرجل الذي كان يناديني في إحدى الملتقيات بالماجدة! مرةً سألني في معرض إحدى ردوده على واحد من مواضيعي التي لا يرد عليها الأعضاء بل يستغلونها فرصة للسؤال عني ” كيفك أشعار ؟ وين الغيبة ؟ فرصة حلوة شفنالك موضوع يا اشعار! ” فقال: هل يزعجكِ أن أناديكِ بالماجدة ؟ كتبت بلا تفكير : أبداً.. لكنني أريد التنويه أنني لولا نخلة أبي التي زرعها في ” حوش ” بيتنا ما كنت ماجدة ولا عرفت كيف تعيش النخلة فأقلدها.

قمت أنظف البيت قبل قليل. وجدت في مدخل الصالة..نفس المكان الذي تهاويت فيه.. قطعة كعك مغلفة لا أعرف من أين جاءت! لم أصنع كعكاً منذ جئت إلى هنا.ولا اشتريت من محل أي حلوى. عندما اشتهيتها مرتين أكلتها في إحدى المقاهي على الشاطئ. بالطبع لم يخطر ببالي أنها معجزة اخترق الطير بيتي من إحدى جدرانه و وضعها لي و رحل! فكرت أن أخي اشترى كعكاً و كأن يأكله أثناء مشاهدته لإحدى المباريات البارحة و نسي قطعة منه. المفيد هو أنني كنت أعاني من انخفاض مزرٍ في السكر منذ استيقظت و تجاهلت الأمر لأن المهام التي تنتظر إنجازها في البيت مستعجلة و الوقت ضيق. برغم أن قطعة الكعك التي لا أعرفها ليست معجزة إلهية! إلا أنني اعتبرتها طعاماً إلهياً في لحظة كنت أفقد فيها الرؤية و الوعي ببطء..ولم يكن من منقذ سوى سعرتين حراريتين من السكَّر !

2

قرأت مقالاً بعنوان ” حكاية الديوان الأخير لمحمود درويش” كتبه الروائي إلياس خوري راثياً فيه موت درويش في ذلك اليوم. و عدت بذاكرتي إلى الجمود الذي أصابني يوم سمعت خبر وفاة درويش مغلف بخلفية صوتية له وهو يلق قصيدة أحنُّ إلى خبز أمي. أول عبارة علقت بها على موته هي لدرويش نفسه.. ” أيها الغياب نقصته..وها قد حضر ليكملك”. عاد الدمع إلى عيني أثناء قراءة المقال و أذكر من المقاطع المثيرة للحب و الذكريات و الإنسانية التي خلفها درويش وراءه تجر أذيالاً في أذيال:

” كانت ليلة حزينة, لا أعرف كيف أصفها الآن. لكنني أراها مثل منامٍ مغطى بالبياض. لم يجعلني كلام علي حليلة أقتنع بأن محمود درويش مات. حتى عندما أضاف أكرم هنية في اليوم التالي بعض التفاصيل الصغيرة..و روى لنا أن درويش رأى في منام ليلته ما قبل الأخيرة معين بسيسو..و تساءل ماذا جاء معين يفعل هنا؟

لم أقتنع. فالموت حين يأتي يتشكل كحجاب سميك يفصل عالم الأحياء عن عالم الموتى. نتحدث عن الميت بصيغة الغائب, و ننسى صوته. لكن مع درويش بدا لي الموت بعيداً. كنت أستمع إلى الحكايات التي تروى. وأنا أتلفت يميناً و شمالاً..كأنني أنتظر وقع دعسات درويش في أي لحظة. لكنه لم يأتِ، تركنا نحكي عنه كما تشاء لنا الذاكرة أن نحكي. و لم يكسر دائرة كلامنا بمزاحه و ملاحظاته اللامعة. ”

” وجدنا أوراقه الشعرية غير منظمة. و كان علينا أن نعيد ترتيبها. من دون أن نمسها تقريباً. كلفت بمهمة إعدادها للنشر. وافقت من دون تردد. و بشكل يشبه النزق. لكنني في الليلة نفسها شعرت بصعوبة المهمة. اعتقدت وأنا أقلب الأوراق أن عملاً كثيراً ينتظرني, و كان اعتقادي صائباً. عملت كثيراً و طويلاً و استشرت عدداً محدوداً من الأصدقاء, و كنت مرتبكاً. لكنني أكتشف الآن.. وأنا أكتب هذا النص..أنني لم أفعل شيئاً تقريباً. و أن درويش كان صادقاً حين روى لنا.. أنه ترك مخطوط عمل شعري جديد في عمان, و أنه شبه جاهز.

لكنني خلال الأشهر الثلاثة التي قضيتها في رفقة هذا الشعر في تفاصيله, تسنى لي أن أتعرف إلى درويش أكثر. و فهمت لماذا أصاب موته منا هذا المقتل الحزين. فالرجل ليس شاعراً فقط. إنه يتنفس الكلمات. جاعلاً من الإيقاع جزءاً من دورته الدموية. قلبه ينبض بالصور, فكأنه يرسم بالإيقاع, و يحيا في ثنايا الدوائر التي التي اكتشفها الخليل. لم أستطع أن أفهم اضطرابي أمام موته إلا حين صرت صديقاً حميماً لكلماته. درويش لم يتفجع أمام الموت. بل دخل في ثناياه و تفاصيله. بحيث جعلنا نقترب من الموت في شكل لا سابق له, ودخلنا مع درويش الإنسان في الخوف الذي كتبه درويش الشاعر” .

3

العمل في بيئة طبية سعودية يشبه العيش في مسبح خالٍ من السمك .

4

هذا الأرق بسببك. أذهب إلى عملي قبل الوقت..بلا راحة ولا نوم. لكنني أشرب مضاعفات جزاءك مثل كوب ماء بارد..وأقطّر عليه أيضاً ماء وَرد.

5

لم أعد أستطع قراءة كتاب أثناء الغسيل.عدم استطاعة القراءة لايزعجني مثلما تزعجني مضاعفاته.فهي تعني أني سأتذكرك طوال المدة مما يزيد الألم ألمين.

أصبحت أتسلى أثناء غسل دمي..أدهن بعض أوردتي المتورمة في ذراعي بمرهم يسكن ألمها ببطء. أتسلى بهدهدة الألم كي لا تجئ ببالي مثل ظلٍ هائل لا أقوى على رؤية الواقف خلفه أو القبض عليه. لم يحولني الانقطاع عن الحب إلى مريضة نفسية. و إن فعل..ليس جديداً مثل هذا الاتهام على نفسي. كل من يرتعب من كشف عيوبه النفسية أمام نفسه يتسلى بنفوس الآخرين! لا تبدو هذه العبارة أدبية أليس كذلك؟ أريدها هكذا..كما أقولها في حزني الوفير عندما يخنق أنفاسي. إنني أحاول فقط أن أعبِّر لك كيف هو شكل الضياع في غياب الحب. كيف تفعل الحياة بي و أنت مبتعد مثلما يفعل انسحاب الهيروين من جسم معزول في غرفة لا لون لها سوى لون القبر. ليست هذه محاولة لخلق تراجيديا محفزة للنوم. إنني أقول كل شيء و الكل من حولي في هذا العالَم نائمون..حتى أنت. أنا فحسب.. أنا البومة التي فقد طعم النوم طريقه إلى عينها و أنا التي لا شاهد على إنسانيتها التي تعبر عنها بالبكاء سوى الظلام. من قال أن البومة وحشية؟ انظر إليَّ كبومة. أنا الطير المسالم الأرِق الذي دجَّنه الحزن و روّض استهتار الحب أنيابه فعاد مثل جنين لا يلوي على شيء.

6

اليوم وضعت قائمة بأجمل/أفضل الأفلام التي رأيتها في يونيو. بلا ترتيب:

– Way Down East 1920

The Gold Rush 1925-

Biutiful 2010 –

Dandelion 2004 –

The Pianist 2002 –

A Very Long Engagement –

BBC Ancient Rome –

7

لون البحر لا يُمل. إنه لون السماء أيضاً. أو انعكاس عنه. إنه لون لحياتي. بملحها و عذبها و دلافينها و أسماكها و غيومها و المطر المحتشد في الديم. أحب اللون الأزرق؛ حتى أنني أحاول كتابة خطاب لإدارة المشفى الذي أعمل فيه لتغيير لون بدلة طبيبات الطوارئ إلى الأزرق, و استبدال بدلة أخصائيي المختبر الزرقاء بالبنفسج الغامق الذي نرتديه! إنني أتفاءل به..ولا أصدق أنه لون الموت. فالموت لطالما رأيته بلون أحمر.

8

رغيفك اليابس الذي ورّثته لي يا أبي أصبح “خرزة” تحفظ بطني من الجوع.

9

لا تقلقني المشاعر الغريبة التي تغزوني بلا سبب واضح. اليوم مثلاً.. أشعر أنني كاميرا يديرها جويدو كونتيني . أما يوم غد.. فسأجازف..سأكون ابتهال إلى عرائس الشعر..في روح الشرائع لمونتسيكو.

10

استطعت العد حتى عشرة ! يدي في محفظة نقودي الآن.