194

1

في رمضان زارتني قطة بلا ميعاد. استضفتها فقد كانت نظيفة و وديعة..و زدت على ذلك أن نظفتها بنفسي. لكنها لم تكن تقبل البقاء في البيت عندما أكون في العمل. ولا تبقى أيضاً عندما أكون في البيت و منشغلة بشيء. أراها حين أهم بالنوم. تتململ بجوار سريري و عندما أستيقظ تستيقظ دون أن أقوم بإيقاظها. أحضر لها طعاماً فلا أجدها. القطة في خمس و عشرين يوماً لم تأكل مرةً في بيتي. لم تظهر أبداً إلا عندما أهمّ بالنوم. تغادر عندما أستيقظ دون طرد أو حث على الانصراف. و منذ يومين اختفت تماماً. لم أعرف من أين جاءت ولا إلى أين رحلَت. لست مطمئنةً تماماً و أنا أتحدث عنها كقطة..ليس مستحيلاً أن القطة كانت أحداً آخر.. ماذا؟ لا يهم.. فمن الأرواح التي يُمكن استضافتها في المنزل لا أتآلف مع غير القطط و الوَرد.

2

النوم ليس مجرد غريزة. إنه أكثر, هو للظالم عبادة, لأنه راحة للمظلوم من شره. أما للمُتعَبين فالنوم نعمةٌ تجزى لمستحقيها! لذلك حدث أن صليت البارحة ركعتي شكر لله عندما استيقظت من نوم استغرقت فيه ست ساعات بعد أرق دام ثلاث ليال لم أرَ فيها الفراش بل كانت صلتي بغرفة النوم منقطعة! ضحكت على نفسي عندما انتهيت من صلاة الشكر. أول مرة أفعلها و أصلي شكراً لله لأنه جعل النوم يطاوعني بلا معارك نفسية. لكن الوقت كان قد حان للذهاب إلى الحرم من أجل صلاة العيد. و في الحرم حدث أن غفوت فجأة بعد انتهاء الصلاة. استندت على عمود و غفوت ولم أشعر أني فعلت كل هذا إلا بعد أن أيقظتني قريبتي تسألني بقلق إن كنت بخير! و قد كنت بخير. بعض الأمور لا أملك لها تفسيراً لكنني ألمح خلفها أحياناً ظل ابتسامة أمي و أبي رحمهما الله, و أوقات أخرى أشعر بإشارة غيبية تحرضني على تجاوز ما حدث و عدم الإفراط في التفسير. سبحانك ربي.

3

– أول من قالت لي you are invisible girl مريضة عالجتها قبل عام لشهر دون أن نتقابل. كنت أشرف على علاجها البسيط دون الحاجة إلى تشخيصها سريرياً سوى مرة واحدة أول ما جاء بها زوجها وكانت شبه فاقدة الوعي..إنما لم تتذكر أني فحصتها. كان آخر يوم لي في التدريب بقسم الباطنة. وكنت سأنتقل بعده إلى قسم الجراحة. طلبت من مشرفي أن يترك لي استكمال معالجة الحالات التي استلمتها آخر يوم من تدريبي و وافق. ولم تكن لدي سوى حالتين. هذه و أخرى أجريت لها عملية استئصال لوزتين بعد ثلاثة أيام من انتقالي لقسم الجراحة. الحالة الأولى لم تستطع رؤيتي لأني دوماً كنت في غرفة العمليات. كلما طلبَت من الممرضة طلباً قالت لها يجب علي الاستئذان من الدكتورة أشعار أولاً. و كلما طلبت المريضة رؤيتي يخبرونها أن لدي جراحة. بعد سبعة و عشرين يوماً تقابلنا صدفة..كنت أغادر المستشفى في السابعة صباحاً بعد انتهاء مناوبة ليلية فالتقني ممرضتي في قسم الباطنة وقالت أرجوكِ قابلي مريضتك سارا لقد انتهى علاجها وبرغم ذلك ما تزال تطلب رؤيتك. قابلت المريضة و كانت بصحة رائعة.. كنت محرجة و أخشى أن تقابلني بوابل من السخط ظانة أنني عالجتها عن بُعد! لكنها استقبلتني بحماس و كأنها ترى صديقة بعد فراق و شوق ! قلت لها مرحباً..فأجابت: ها هي الفتاة الخفيّة! أخبرتها بعد ذلك أنني فحصتها مرة و أنها ليست مريضة لكن حساسية دمها جعلت وعكتها تستغرق في التعافي وقتاً أطول من فترة الحضانة المفترضة. بعد ذلك صرت أتلقى التعليق على كوني فتاة خفيّة عدة مرات في فترات مربكة. فأنا لست فتاة خفيّة أو غير مرئية إنما طبيعة حياتي تجعلني لا أتواجد مع اليومييّن في دائرتي يومياً. لماذا أتذكر هذا الموضوع ؟ لأنني أصبحت أشعر أنني غير مرئية لنفسي. لم أعد أستمع إلى استفقاد الآخرين بل يلح علي كثيراً استفقاد نفسي لي.

الحياة بقالب: عمل- نوم. ليست سوى تعريفاً سافراً للعبودية. إن أضفت إلى قالبي روتين ثالث هو العلاج. تصبح الرائحة التي توصف بها حياتي هي رائحة المستشفى فحسب؛ ذلك أنني لا أقضي في البيت سوى ربع ما أقضيه في المستشفى. عملي في أقصر ساعاته يستغرق 10 ساعات.أما طبيعته فتستغرق من 12 إلى 14 ساعة يومياً. أنا لا ألتزم بساعات العمل المدونة في العقد و المستشفى التي أعمل بها تعشق هذا النوع من المخالفات إذ تعتبرها تضحية محمودة بالأخص عندما تكون مجانية كتضحيتي! أما أنا فلا أنظر لاهتمامي بمريض تحامل على ألمه كي يصل إلى باب الطوارئ و يحصل على أي شيء يسكِت وجعه على أنه تضحية. الواجب ليس أدباً أو قصيدة تحتمل العديد من الأسماء. صوت الرقيب في رأسي يشعر بارتياح.. لكن أنين قلبي و جسدي يمنحانني بعض الشرعية للتحدث عن هذا النوع من العبودية الاختيارية بنوع من التعب..لا الحسرة. حتى أنني لا أؤمن أن ما أفعله محض اختيار. إن قلت أنه اختيار سأكون قد أطلقته اسماً على الواجب الذي قلت للتو أنه واجب ولا اسم آخر يجوز له. عندما يصبح طالب الطب طبيباً. لا تكون العبودية التي غاصت فيها حياته محض اختياره المتمتّع به..إنما هي الواجب الذي في أضيق مجالات التصرف بوجهه يمكن القول أنه الحتم الذي لا حتم غيره للطبيب المخلص, أما الطبيب التاجر أو المتفاخر فهو و بلا تطرف من لا تجد في أيام عمله منذ بدأ ممارسة الطب حتى تقاعد يوماً واحداً زائداً عن ساعاته المدونة في العقد..

حياة مثالية, بل شديدة المثالية. مملة إن نظر لها الطبيب نظرة استمتاع. لا يمكن التعامل مع الطب بكوميديا أو ألوان قوس قزح..ولا بوَرد أحمر. الطب مسلسل درامي لا يقدم فيه سوى ورد أصفر,لون التفاؤل و أمنيات حرجَة بالشفاء! ولا ألوان تسوده كاللون الأبيض و الأحمر..لون الألم و الدم. المثالية نمط حياة قاتل لشخصية مثلي قد تقتل نفسها عداوةً للنظام و الروتين. المثالية بالأصل ليست حياة. عكس الواجب..يمكن إلباسها ألف صورة ثابتة و متحركة. أو تجريدها من كل الصور و وضعها في سياق العدم. لأن المثالية هي وجه متبرج للعبودية. عندما يمر اليوم تلو اليوم و الأسبوع تلو الأسبوع و الشهر تلو الشهر و أنا أدور مثل مكوك فضائي على ثلاث مسارات: عمل ,نوم, علاج. فأنا لا أعيش. لست أقول هذا رغبةً في النزول إلى الحياة معكم..أو مثلكم. يبدو أنني أصبحت مملة لكثرة ما قلت أني زاهدة في حياتكم التي تعيشون. يعجبني أن أهتم ولا أكون محط اهتمام. أعرف أنني أضعف من التعبير المادي عن امتناني لمن يهتم..لذلك أغرق نفسي في الاهتمام بأي أحد و أهرب من قبضة أي منهم في فخ اهتمام متبادل. قال لي رقيبي أنها أنانية. في الحقيقة لم أكترث. ربما لطول ما صبرت على آلام مزمنة استطالت اللامبالاة في نفسي حتى صارت طريقاً أرى في آخره خطي الأصفر الذي أريد الوصول إليه. أعرف أيضاً أنني لن أخسر الجميع؛ فأنا لست فريدة..هنالك آخرون يشبهونني في ضعف التعبير عن الامتنان..يعشقون من يهتم بهم دون إرهاقهم بانتظار كلمة شكراً أو هدية مرسلة على أقرب فيدكس. هؤلاء يستسلمون لي تماماً. كلما جاملوني بقول اطلبي أي خدمة ننفذها لكِ صنيع اهتمامك و رفضت بحَسم كلما اطمأنوا أكثر. الإنسان هو التعريف المختصر و الأكثر كمالاً لمصطلح المرض النفسي. إنه الهيولي الذي يضم كل ما تظنه النفس حرية شخصية في طريقة الحياة بينما هي مرَض قد يثبِّته مثل مشبك زينة على طرف الحياة..على حافتها. إما أن تكون تلك الحافة هامش, أو هاوية. و دوماً الهاوية ليس لها شكل عندي إلا الضياع. وليس للضياع شكل عندي إلا الموت.. طريقة من طرق الموت. الطريقة السيئة، الموجعة، المشوهة، المحرَّفة، المثيرة للشفقة، التي لا رداء عزاء على مقاسها. نقطة الغدر التي تورط البحر بها في أصل خلقته مثلما الطيبون منا متورطون بنقطة الشر في كل منهم..يعجزون عيش حياة كاملة دون التورط في تحريك تلك النقطة و إن لمرَّة. هكذا البحر و من يتهمونه بالغدر.. بينما هو أعظم آيات الأرض نديماً للقلب. هل أنا أفهم أكثر مما ينبغِ أم أنني جاهلة بأكثر مما ينبغي عليَّ تعلّمه؟ إن كنت هذه أم تلك.. حقيبة أدواتي الطبية هي ألطف صديقاتي. و رواية 1984 هي سيَّارتي التي قدتها طوال حياتي في نقاط تفتيش لم تطلب مني مرة رخصة قيادة.

4

” صور من حياة الصحابة” كتابٌ مثل جرس معلق على باب. لا يدفع المرء إلى الإيمان مخدراً..بل واعياً متفكراً مقتنعاً بعقله. القراءة في حياة الصحابة يرتجف لها قلب المؤمن لكنها لا تفعل فعل الأفيون ولا تغرر بالنفس بل تُحكم العلاقة بين العقل و القلب فتجعلها على وفاق، و إن بدا لأحدهما أنه على صراع خصام مع الآخر فقراءة سير السلف الصالح وأولها سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام تعيد توجيهه إلى أن ذلك الصراع حيرة أو استغلاق بحاجة إلى وميض و ليس خصاماً بحاجة إلى صلح. أطيب الحمّى التي تصيب رأسي فترديه لليلة أو اثنتين صريع أحلام وديعة صافية من الأضغاث و الكوابيس..هي الحمَّى التي تداهمني بعد القراءة في سيرة الصحابية أم سلمة، سعد بن معاذ، خالد بن الوليد، سعيد بن عامر الجمحي، و عبدالله بن عباس، و الزبير بن العوام، و عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين. ليس أن مناقب باقي من قرأت سيرهم من صحابة و صحابيات أقل مجداً أو جهاداً في سبيل الله باللسان والنفس والمال و الدم.. لكن قد تكون النفس وما تهوى, أو تقاطع بعض ما كنت أخجل من إظهاره أمام الناس مِن أفكار يعاملونها كمثالب لا محل لها من مفكرة أحكامهم سوى الملل و الاتهام بالتصنع و التقمص و التظاهر و الادعاء! وبين خصال في أولئك الصحابة كانوا لا يخجلون من الجهر بها ما دامت ليست ابتغاء مرضاة أي وجه دنيوي. فمن سيرة سعيد بن عامر الجمحي رضى الله عنه تيقنت أن التعفف عن شيء لسد حاجة أحد له فيه ضرورة أكثر مني ليس تواضعاً مبالغاً فيه, ولا هو استجلاب فقر يستدعِ نفور الأغنياء من حولي لأنني مثلاً لا أحمل مثلهم جهاز آيفون أو MacBook ! ولا أقتني أغراضي من قوتشي و لويس فوتون و فرساتشي بل من مانقو و نكست و سنتر بوينت..أو ما تسمى في السوق الاستهلاكي بماركات الدرجة الثانية..أو ماركات ذوي الدخل المحدود. إنني أشعر بالسعادة عندما أمسُّ شيئاً جميلاً اقتناءً كان أو استغناء! ففي الاقتناء إرضاء للجزء المتملّك من نفسي و في الاستغناء إرضاء للجزء الباذل منها. لست أدري متى تضخم فيَّ الشعور بأنني المسئولة عن مشاكل المحزونين في العالَم ! يكتب لي بعض قراء المدونة محذرين من حساسيتي التي يرون تفاقمها مع كل موضوع أبث فيه قوتي فيفضح خضوعي أمام تشظي الإنسان..إنساني كان أم إنسان الآخرين. يقول أحدهم أخشى أن أتصفح مدونتك يوماً فأرى صديقتك قد كتبت بدلاً عنكِ نعياً تعلن فيه أنكِ انتحرتِ مدفوعة بكمدكِ على مريض لم يصب علاجك في معافاته من السقم! أجبت هذا الرجل الذي لم يذيل رسالته باسم. قلت أن الطبيب قليلاً ما ينجح في علاج مريض علاجاً تاماً من مرض لا رجعة فيه! فجميع الأمراض غير المزمنة تعود إلى نفس الجسم بشكل أو بآخر. أما الأمراض المزمنة فحتى إن تجاوز جسم مرحلة الخطر من أحدها لم يسلَم من آثارها. إنني لست ضعيفة أو هشة كي أنتحر كمداً على مريض أعرف أن الله ما ابتلاه إلا محبةً له ليمتحن صبره أو ليطهره من ذنب عجّل عقابه عليه في الدنيا كي لا يشتد عليه في الآخرة.

لطالما كانت سيَر العظماء هي حجر الأساس الثاني في تغيّراتي. حجر الأساس الأول هو التجربة. كل شيء جربته مخيَّرة أو مسيّرة كنت أصر على الاستفادة منه..و إن لم أجد فائدة أقوم باختراعها أو توهّمها! لا أطيق فكرة أنني عشت يوماً ضاع بلا فائدة. حتى تلك الأيام التي كانت تنقضي و أنا في غيبوبة على سرير تافه في مشفى يشفق عليَّ أكثر مما يسكّن ألمي على عجل..استفدت منها أن أبعدت اسمي عن ذاكرة الذين لا يعرفون للانشغال بغيرهم طريقةً سوى التحول إلى حجر عثرة. فلا هم قادرون على إماطة أنفسهم عن طريق خصومهم ولا هم ناجحون في إثبات أن الكون لا يدور حول أولئك الخصوم! التجارب هي من قادتني إلى الحجر الثاني في هرم أوسلو الخاص بي! ولأنه خاص بي فهو لم يعد هرم أوسلو بل هرمي. القراءة في سير المؤثرين و العباقرة و الحكماء و العلماء بل و المجانين أيضاً قد تغني اليتيم عن نصائح أمه و أبيه! إلى هذا الحد كان أثرها على حياتي. لم أكف مرة عن التضرع لله ليعطيني خيراً من أمي و أبي اللذان استرجعهما مني وأنا التي أوقن أنه لا خير من أمي و أبي أحد إلا على سبيل التزجية و الرضا بالمقسوم. و هكذا كان. و هكذا أيضاً كان أكثر من أعجبت بسيرَة حياتهم بعد سيَر الصحابة رضوان الله عليهم هم علماء و عالمات و مفكرين وفنانين و عظماء أذكر على سبيل الأفضلية منهم لا الحصر: ابن سينا، المتنبي, آينشتاين، توماس اديسون، جورج أورويل، بيتهوفن، دوستويفسكي، سيلفادور دالي، وودي آلن، فيرجينيا وولف من الأديبات..الدكتورة حياة سندي من العالمات السعوديات و مهند ابو دية من المخترعين السعوديين.

أتذكر الآن أمراً غريباً..كل عظيم _ العرب بالأخص_ رأيت و سمعت من يعيب عليه أو يرمِه بحجر. هم قلَّة سفهاء بين جموع العاقلين..لكنني دوماً حين أرى من يسخر من إنجازاتهم أو يحاول الانتقاص منها أتمنى لو كان هنالك زاجلٌ بيني و بينهم أضع في منقاره أبلغ ما قرأت من أقوال الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز رضى الله عنه عندما شتمه رجُل..فقد قال : لولا يوم القيـامة لأجبتك.

في رمضان لا أتحيز لكتب الدين. رب رمضان هو رب باقي الشهور و الأيام. لكن تداعي جسمي من أثر الصوم و المداومة على تطبيب المرضى شجعني على قراءة ما يعينني على الصبر.. فكان بعض حصاد رمضان:

حياة سعد بن معاذ

محض الخلاص في مناقب سعد بن أبي وقاص

آينشتاين والقضايا الفلسفية لفيزياء القرن العشرين

شخصيات قلقة في الإسلام

صور من حياة الصحابة

أما عن كتاب آينشتاين فهو فلسفي من وجهة نظر علمية لكنني ختمت به قراءات الشهر قبل العشر الأواخر من رمضان و كنت تناولته من باب تنويع الغذاء لروحي التي تعطشت إلى علمٍ و نور، ففتح لي الكتاب عدة أبواب لتأصيل أهمية الإبداع و الابتكار في الإسلام على الأخص إن كان إبداعاً في العلوم. و قد كنت أعرف ذلك لكنني أكرر بعض الأمور على نفسي لأن عزة الدين بما حث المرء عليه من أمجاد و محاربة المتنطعين في كل الأزمان لها كفيلة بإصابة العقل بحيرة و غضب و حزن وإن على حين غفلة أو في موقف ضعف. أما كتاب صور من حياة الصحابة فكما الجميع قرأته منذ سنين لم أحسب عددها.. فرحت لما وجدته متوفراً على الانترنت لأنه اختفى من مكتبتي. فأعدت قراءته و زادت فرحتي و ذوب قلبي بعدما عدت إلى الانسجام مع شخصيات السلف الصالح صحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم رضوان الله عليهم و انفصلت عن الواقع فعلياً وأنا أقرأ و زرت ذلك الزمن الأصيل..زمن الفرسان الذين ليست للحياة عندهم قيمة..فإما الانتصار و إما الهزيمة..إما الكرامة و إما الذل، إما نشر الإسلام و إما الخيبة و الضياع في جب الجاهلية. و قد كانت لهم العزة كلها و النصر كله و أتمّ الله نعتمه عليهم بالإسلام و رسوله عليه الصلاة و السلام.

تبدو الظروف رحيمة عندما نصنعها لنفعل ما نريد. تأتي قاسية عندما تباغتنا فجأة. جربت منذ سنوات عندما بدأت بدراسة الطب كيف أصنع الظرف المواتي للنجاح فيه..ذلك أن الظروف الجاهزة لم تكن صديقتي ولا حتى عدوة..بل أشرس من ذلك أضعاف. أعتقد أني تجاوزت كل شيء عندما صنعت زمكاني الخاص. فلم أكن معتمدة على برنامج مهارات الدراسة التي زودتنا بها الكلية و لم أتصفح مرة مقالاً عن طريقة المذاكرة الأفضل لطالب الطب المنتشرة في الانترنت..لم أكن منظمة. ليس أنني تخليت عن مساعدات الخبراء و الأطباء الذين سبقونا و كانت ظروفهم الجاهزة أقسى من ظروف جيلنا فصنعت نظاماً أفضل. حدث أني تخليت أصلاً عن النظام. صناعة ظرف مواتٍ لتجاوز عقبة لا يعني أن هناك صناعة حرفياً. لكنه شيء يشبه طريقة كل منا الخاصة في سلق البيض و صنع الباستا ! الكتب العظيمة كانت طريقتي في إمضاء وقت راحتي القصير الذي يماثل وقت سلق بيضتين لولا أن الملح نافذ و ليس من غازٍ في أنبوبة الموقد! الكتب العظيمة هي The Emergency rescue .

5

أرغب بالكتابة عن أمور شغلت الناس هذه الأيام. عندما أفكر في المراء الذي قد يحدث بعد التعليق على أحدها، أحب أن يكون الصمت هو مقالي المفصل عنها، و أن يكون الكلام عمَّ يضيق به صدري ولا يهمّ أحداً مثل كل الذي كتبته في الثلاثة أجزاء بالأعلى. بعض الأنانية فيتامين. و بعض ما نظنه بخلاً هو أكرم طريقة في التعبير عن الحق. حتى أنني أظن أن الكتابة عن زراعة القطن أجدى من الكتابة عن أهمية محاسبة محمد آل الشيخ على قذفه للسعوديات في تويتر. بل قد تكون أكثر نفعاً من الكتابة عن عفونة عنصرية إحدى الأكاديميات_ رسمياً فحسب_ ضد والد وجدان شهر خاني لاعبة الجودو في الاولمبياد..الذي انتحل أحد الجاهليين اسمه و شخصه في تويتر و كتب معلومة وطنية خاطئة فتكالب عليه الشتامين المتنابزين الكافلين الجنة لأنفسهم وفقاً لألقابهم فحسب من كل حدب وصوب ..و لم يحترم أحدهم نفسه بتقديم اعتذار على ظلمه و فحش غروره و احتقاره لوالد اللاعبة و للاعبة نفسها بعدما صح القول أنه لم يكتب في تويتر. ولا حتى من ظنت أن الكتابة بالفصحى في هاشتاق التسفيل بشهرخاني غطَّت على رائحة جاهليتها الكريهة. قال بعضهم أكثر من مرة دعوها إنها منتنة..و تمادى الأكاديميون و المثقفون و خلعوا أرديتهم و وقفوا عراة أمام المتفرجين من نفس الوقفة التي ظنوا أنها أفضل ” ترصيص” في أوبريت وحدة وطن ضد المضلل المنتحل شهرخاني! ثم.. من أول من استغل نبات القطن في صنع القطن الطبي و قطن حشو الوسائد و الألحفة؟!

6

يدهشني كيف تحافظ القطط التي ترى عيوب الآدميين خلف الستائر في البيوت..يدهشني كيف تخرج من عندهم بكامل قواها العقلية!

7

حبيبي رمضان..أنت المثال الذي أذكره عندما أقول أنني أنجو مرةً كل عام بأخطائي دون إرغام على تصحيحها. إلى اللقاء حبيبي.