Junior Surgeon

لم يفت الأوان أبداً عندما بدأت في العمل كمساعدة جراح و من ثم _ مؤخراً_ جرَّاحة. مع الذين أجريت لهم عملياتهم لم يفت الأوان، لكن عندما اختليت بنفسي في الاستراحة المستقطعة من أول عملية مستقلة أجريتها بنفسي..بكيت من أجل أولئك الذين فاتني إجراء عملياتهم قبل أن أكون طبيبة. قد يجعل الطب من المرء مثالياً و درامياً غير معقول إلى حد لا يطاق..كما يحدث معي الآن. لكنها مجرد خواطر و أمنيات لا يمكن أن تتحول إلى واقع. فالمرء أبداً لا يمكنه إدراك كل شيء. أفكر و أتألم على عدد لا يُحد من المرضى الذين وقعوا ضحية جراحين أخرجوهم من غرفة العمليات بكارثة بعدما دخلوا إليها بإصابة تحتاج إلى مهارة في إصلاحها ليس أكثر. نعم ليس أكثر. هذه ليست عبارة مسرحية. الطبيب الذي يفهم عمله يعرف أن إصلاح إصابة في جسم لا يُطلب أكثر منه في أفضل الأحوال إن لم يكن المريض بحاجة إلى الأكثر ! كأن يجري أحدهم عملية إخراج شظية من كعب القدم ثم يرغب في عملية تجميل للمكان لإخفاء أثر الغرز. كما أن إزالة إصابة دون أضرار لا يطلب أكثر منه في أفضل الأحوال إن لم يكن الطبيب الجراح ماهراً بما يكفي للاعتناء بمريضهِ كما يعتن أحدنا بعينيه و أيضاً.. نظافة و قوة أظافره !

الجراحة ليست كالطوارئ. عملت في طوارئ الحوادث ثلاثة أشهر. ثم انتقلت إلى الجراحة منذ أسبوعين و ثلاثة أيام. أجريت حتى الآن ثلاثة عمليات مستقلة..أعني بمستقلة أي العملية التي كنت فيها الجرَّاح و المدير الذي يوجه طاقمه أثناء الجراحة مثلما يفعل ربان السفينة في عرض المحيط و تحته موجة هوجاء واحدة على الأقل..و رياح تصر على الحركة عكس اتجاه السير. و خرجت بألاَّ مقارنة بين العمل كطبيبة طوارئ و طبيبة جرَّاحة من حيث دوري كمارد يرجو المريض أن يحقق آماله.. سوى أن الأمل في الشفاء لمريض طوارئ خاطرة غير مستعجلة بل لا تخطر على بال أحدهم غالباً.. بينما من يدخل غرفة عمليات يمكن له و لطبيبهِ رؤية عبارة ” أريد أملاً” بين عينيه دون مرآة. نظرة العين و شحوب الشفتين و الإلحاح في إلقاء اسئلة لا تتعلق بأي شيء عادةً سوى قشة كما يفعل غريق..يفعلون أكثر مما تفعله مرايا غرف النوم مجتمعة في بيوت كل المرضى ! كنت أقول للبروفيسور الجراح الذي أشاركه الجراحة أن الحياة كلها محض وضع طارئ يعمل الإنسان على تحويله إلى وضع الأمان أو تركه معلق و محاولة التوهم أنه ليس طارئاً..أو في حالة ثالثة و نهائية..تحويل الأمر برمته إلى وضع الإغلاق. حيث النهاية من حيث نعلم..و بداية طارئ آخر في مكان نشعر به ولا نراه. بالطبع كأي بروفيسور عبقري في العمل مغرور بعِلمه مع التلاميذ اتهمني بالفلسفة و حذرني من تعاطي هذه الأفكار أو غيرها _ مما لا يعرفها _ مع أي مريض كائناً من كان! و هكذا انتهى الحوار الوحيد الذي حدث ..منذ عملي بعد التخرج من الكلية حتى الآن. لكن سر تجاوزي _مهنياً فحسب_ للكوارث التي كادت أن تودي بحياة بعض مرضاي و الرسوّ بهم إلى موقع آمن لم يتغير.. فكرة أن الحياة وضع طارئ هيَ هيَ.. أعاملها كما أؤمن من اعتقادات ستدمرني إن بُحت بها أو ناقشتها مع أحد للمشاركة أو استطلاع الرأي أو حتى الإقناع. بالمناسبة لطالما كان الإقناع عمل همجي أتقرف منه. ليس في العمل..لا مع مريض أو أحد منسوبي المستشفى..بل في حياتي بالعموم. ليس أنني لم أقع في هاويته. بل وقعت كثيراً في فخ الإقناع كغواية و كنت بغيضة إلى حدٍ لا يُنسى أو يغتفر و أنا أزعج أناساً أحبهم بأمور حولتني في أعينهم إلى عدوة.. أو مريضة نفسياً.

لكني اليوم رغم ما أحمله من بقايا غباء تتمتع بعافية أحسد عليها لست غبية الأمس المُعديَة لأذكى الأذكياء من حولها بغبائها الذي هو فطريات قلبها الطيّب.

أن يكون المرء جراحاً لا يعنِ استمتاعه بالأدوات الجارحة التي تنبغِ عليه البراعة في استخدامها كأسلحة. هو يعلم أن هذه أسلحة إشراق لا تغييب. لكن ذلك لا يزحزح من حقيقة أن لعبتها الأولى هي الجسد. و للجسد أمٌ حنون لا ترحم عندما تقلق : هي الروح.

أن يكون المرء جراحاً يعني أنه في لحظة خضوع جسد و روح بين يديه يتحول إلى ملاك حارس..يوجهه الله من حيث يشاء. إن أودى بالروح إلى وضع الطيران Airplane Mode فقد وجهه أحد اثنين كليهما عاصف..إما الخوف، أو الحقد. هذه البقعة المظلمة التي لا يصدق أحد بوجودها في أماكن دون ضوء..على قلّتها يجب الحذر منها و التنبه إليها، فأن يكون المرء جراحاً يعني في احتمالات جريئة على نُدرتها أنه..مهيَّأ للإجرام. أما الاحتمالات الجريئة نفسها لكن على شيوعها فهي أن الجرَّاح يهيئ نفسه دون معاونة..على أن يكون إله .

تسألني صديقة من زاوية روح عليلة..ماذا عن المرأة حين تكون جرَّاحاً ؟ فأجيبها بوجل : أن ينطوي فيها العالَم الأكبر !

أول عملية مستقلة أجريتها كانت استئصال لوزتين لطفل بعُمر العاشرة. مرت مثل خاطرة قلب ضجِر من حرارة نهار صيف أدى إلى بعض الأضرار.. حساسية جلد, ضيق تنفس, انفلونزا رجعية بعد التعرض لهواء تكييف في غرفة نافذتها مفتوحة على وجه الشمس! تقريباً هذه ملامح اللوحة التي رسمها الطفل بعد العملية. أبقيته يومين تحت الملاحظة فكانت يومين من لُطف استودعته ذاكرة أيامي الجميلة. أقصد تلك التي نكتب عنها في المنتديات ” أيام جميلة لا تعود ” ثم أصبحنا نقول من باب الأمل : أيام جميلة قد تعود. كان أكثر ما علَّقني بذلك الطفل هو ذوقنا المشترك في نوع الآيس كريم الذي لا نستغني عنه. فكلنا نعشق موفنبيك..و كلنا _ أنا و هو _ نذوب تحت فتنة آيس كريم الفراولة بصوصها المحتوي على قطع طازجة منها. كان يوم ثلاثاء..عندما كتبت خروجاً لطفلي الجميل و اسمه وليد ، رأيت طفلاً في استراحة القِسم مستمتع بآيس كريم جاهز أظنه فانيليا بالتوت. فأخذت نوعي و نوع وليد المفضل من محل موفنبيك في كافتريا المستشفى و كان طريقتي في إخباره بأنه سيغادرنا بعد قليل.. ثم كان أنَّ وليد تمنى لو يبقى معي وقت أطول ليستمتع بالآيس كريم بعيداً عن قوانين أمه و أبيه في البيت !

أكثر عملية مستقلة أوقعتني في عاصفة قلق و خوف كانت استئصال مرارة من رجل ستيني مصاب بعدة أمراض مزمنة. ظنَّ جميع من عرفوا بقلقي أنها رهبة الصعاب التي نواجهها لأول مرة.. لكن الأمر تجاوز هذا الاحتمال معي إلى حقيقة يأس المريض و حظه العاثر في الحياة. رأيت كيف يعامله ابنه بحقارة لا تليق بمريض غريب فكيف بوالد ! ثم عرفت من هذيانه أنه عاش ميّتاً في خضم الحياة. كان متعجباً من أن مرارته فقط هي التي تلفت بعد كل هذا العمر من الشقاء.. رغم أن نصف أعضاءه تالفة إنما الأمل في عيشها بصلاحية مستديمة غالبٌ على الأمل من صلاحية المرارة التي فسدت حقيقة..و لأني لست مرهم قلوب سحري عندما يحتدم الحزن في كياني على أحد قوَّست الحياة ظهره، فقد عرفت أن آخر ما قاله لأحد _ غيري_ قبل العملية.. و كان ذلك الأحد هو أخصائي المستشفى النفسي : ” دام اللي بتشيل المرارة بنيّة مانيب زعلان” ولا أعلم حتى هذه اللحظة .. ماذا كان يعني. و تجاوزنا العملية..ابو فيصل و أنا, بهدوء و كأننا كنا ريشتين مسلَّحة بالهواء.

الجراحة هي ميلاد من حيث يظن أحدهم أنه دالفٌ إلى الموت. و هي موت من حين يظن أحدهم أن مصلحته في القبض على تهلكة يضطر لقبولها كنوع من حياة.. يصفها بالصبر المأجور.

عن صفتي هذه الأيام كـ Junior Surgeon ..صرتُ مريضة بالحنان أكثر مما أحتمِل، ولأول مرة أكشف عن وجه لطيف للجفاء .