نوستالجيا عاشقة الطوابع

 

جمع الطوابع كان بداية هواياتي التي تعلقت بها شكلاً و مضموناً. أقصد كنت أصغر من الثامنة عندما كانت هوايتي تمزيق المجلات بيدي لأن المقص كان ممنوعاً عني..و لزقها على الثلاجة و الأبواب الداخلية لخزانة ملابسي بعشوائية كنت أظنها أشكالاً جميلة؛ فأدّعي تارةً أنني صنعت قطة وأحياناً وردة عملاقة لكن ذلك كان هراء..و بالطبع لم يكن ذو علاقة بالكولاج! بحثت في مخزن البيت في الشهور المنصرمة كما لو أنني أضعت كنز علي بابا..كنت أحمل أملاً بالعثور على ألبوم طوابعي البريدية الغريبة والكثيرة من مختلف الأحجام. كانت تباع في قرطاسية الأفق بجانب بيتنا. و أحياناً أجد طابعاً بالصدفة في مجلة ماجد. بعد ذلك وجدت عشرات الطوابع في أسواق الروس الشعبية بجدّة..تزخر تلك الأسواق في الحج و تستمر شهراً أو اثنين.تم منعها منذ سنوات. كانت إحدى علامات طفولتي التي لا تمحى. بكيت لا إرادياً عندما أسفر بحثي في المخزن عن لا شيء. يبدو أن عائلتي لم تحافظ على بعض نفائسي عندما قامت بتعزيل و ترميم البيت بواسطة شركة بعد زواج أخي الأكبر. لا يمكنني الآن أن أتخيل أين كان مصير ألبوم طوابعي. كنت أحب الطوابع العربية ولم أعرف أنها عربية..أحببتها بسبب اسم الدول المكتوب عليها لأنه كان إحدى تجارب قياس مهارتي في القراءة. لكنني أذكر جيداً أن الطابع الأجنبي الوحيد الذي تعلقت به كان طابع تركيا، فرنسا, و بريطانيا. لا أتذكر كم طابعاً تركياً جمعت.قليلة..لكن واحداً منها كان عثمانياً قديماً جداً مثل هذا ولا أذكر إن كان مطابقاً له أم لا

لا أتخيل مهتماً بالتاريخ لم يهتم بجمع الطوابع البريدية و لو على سبيل التجربة لوقت قصير. عن نفسي لا يمكنني القول أني مهتمة بالتاريخ الموسوعي. لكنني مهتمة بعلامَات حركة الدول و نشاطها و حياتها و حضارتها في عصورها الذهبية القديمة لأنها تلهمني بطرائق عدة للصبر على عصرنا المنحط الذي نعيشه اليوم. قد أعيش نوستالجيا ليست بمفهومها الاصطلاحي بل القيَمي. في بريطانيا قرأت في مكتبة الجامعة الكثير عن تاريخ البريد البريطاني الذي ينسي القارئ نفسه! متعةً و حباً لهذا الإبداع الخالد. تعجبت من ملامح رولاند هيل Rolland Hill مؤسس طابع بريطانيا وهو أول طابع بريد في العالم أصدر في 1841م.. لو رأيت صورته في قائمة صور مبتكرين و مبدعين لخمّنت أنه مبتكر خرائط الملاحة مثلاً, أو أنه قبطان اكتشف غابات مائية في قاع الأمازون!


في ذلك الوقت عرفت اسم مبتكر فكرة طابع البريد اللاصق لأول مرة. يعرف طابعهُ اليوم باسم الطابع الأسود مرسومة عليه صورة الملكة فيكتوريا.إنها أجمل بكثير من الملكة اليزابيث ! يقال أن هذا طابع نادر من عصر الملكة فيكتوريا لم يستخدم أبداً بسبب غلاء ثمنه, معروض اليوم في مزاد للنوادر بلندن بقيمة تتجاوز النصف مليون دولار.

كانت البرازيل و أمريكا أول سبَّاقتين في تتبع فكرة رولاند هيل فأصدرتا طوابعهما البريدية بعد بريطانيا بعامين..أما عن انجذاب الأطفال بالذات لجمع الطوابع بسبب و بلا سبب غالباً سوى الاحتفاظ بها في ألبومات تشبه التي في أول صورة و مثلها أيضاً كان ألبومي فقد كان لأن الطوابع البريدية منذ نشأتها و هي تصنّع بفنٍ محض. لم يكن اختيار التصميم المعبر عن هوية الدولة التابع لها عبثياً أو كيفما اتفق. بل كانت تشكّل فرَق من أدلة سياحيين و خبراء في التاريخ و الحضارات و الفن و الرسم لاختيار أشكال أجمل مما تختاره دولة أخرى لطوابعها ! و أكثر دقة في التعبير عن الدولة و الغرض الذي يتبعه الطابع. فهناك طوابع لأغراض الرسائل التي ترسل بالنقل الجوي و هناك طوابع للرسائل الحكومية و أخرى للخاصة و هكذا. حجم الطوابع الصغير اللاصق و ألوانه و أطرافه المشرشرة جذاب أيضاً. كأنه لعبة صغيرة ! كل شيء في فكرة الطوابع فن. التايبوغراف و اللينوغراف المخصصان كأساليب طباعة للطوابع يشكلان اليوم فناً لأشكال تعبيرية لا متناهية جميعها لا تتعلق بالطوابع بل لأغراض دعائية و انفوغرافيك و شخصية أيضاً؛ و ربما كثير من مستخدميها لا يعرفون أنها كانت تقنية لطباعة الطوابع البريدية. من الأمور التي جعلت البحث عن ألبوم طوابعي فور العودة من بعثتي الدراسية في بريطانيا مهمة عاجلة و ملحة هو ما عرفته عن معاناة رولاند هيل مع فكرته التي كانت كأي فكرة جديدة و غريبة في ذلك الوقت أو حتى الآن..لا يتقبلها المجتمع ولا الأخصائيون في مجال الفكرة بسهولة. قوبلت فكرته بسخرية و استهجان خصوصاً بعد إصدار الطابع حيث استخدم رؤساء مراكز البريد القديم حجةً طريفة لمهاجمة رولاند فقالوا أن صمغ الطابع الذي ينشط بلحسة صغيرة من طرف اللسان سيكون سبب في تجمع الجراثيم بالفم مما يؤدي إلى الإصابة بالطاعون! لكن محاولاتهم لم تفلح فقد كان فاق إقبال الإنجليزيون على الطابع توقعات الجميع بمن فيهم الحكومة البريطانية متمثلة بالملكة فيكتوريا التي لم توقع بسهولة على تنفيذ فكرة رولاند هيل. و كان أن ازدهر الدخل القومي للامبراطورية بفضل فكرة المراسلات البريدية التي يلصق على مظروفها الطابع الخاص بكل مدينة و هي إحدى الفوائد والعوائد التي قدمها رولاند في خطابات دفاعه و تسويقه للفكرة. لمَ تذكرت طوابع البريد اليوم بالذات و كتبت عنها؟ صورة الألبوم في أعلى التدوينة صدمتني..ظننت الفتاة في الصورة قد سرقَت ألبومي! متطابقان تماماً. ثم التفكير في أي حماقة ذهبت إليها بعد إقامة ست سنوات في بريطانيا لم أتذكر خلالها أن أجمع طوابع بريد جديدة! حيث غزت فكرة المراسلات الالكترونية و تكنولوجيا التواصل السريع بواسطة المحمول و صناديق بريد الأساتذة المثبتة بجوار مكاتبهم كل ذاكرتي فتراجعَ اسم الطوابع إلى أعماق لن أغفرها لنفسي. بالمناسبة طوابع البريد اليوم في بريطانيا لا تباع بثمن بخس. على من يريد تجميعها أن يكون ثرياً في بلدٍ غالٍ كهذه تقدّس أثرياتها بلا حدود. مما قلل من فرص الاستدراك و استئناف التجميع من جديد. و مع ذلك سأبحث عن طريقة لشرائها من مكان آخر..البريد السعودي مثلاً يبيع طوابع البريد القديمة و يرسلها إلى بريد المشتري مجاناً..لا يطلب سوى ثمن الطابع نفسه. عندما أعود لهوايتي سأضع صورها هنا حتماً.و بالطبع لا أخجل من وطنيتي في أمر كهذا لذلك لن يكون لي غناً عن الاحتفاظ بهذا الطابع في الصدارة :

هذا مقال ممتع و مثير للاهتمام و المعرفة قرأته قبل قليل أثناء بحثي عن معلومات مترجمة بالعربية عن تاريخ البريد في أي دولة عربية.

– تاريخ البريد المغربي