202

ليست مسألة كارثة، رتم الدمية التي نفخت في نفسها الروح مكسور..و الصوت خديج لا يفهم في دوزنة الألحان..غنَّى على الرتم فتحول الاستديو هائل الضخامة..الاستديو الذي يتحرك فيه البشر جميعهم كخلية نحل و دبابير يحاولون القضاء على بعضهم بعد أن فشلت بينهم كل مؤتمرات الأقلمة..أقول تحول هذا الاستديو إلى جحيم. بالطبع ما زال في النبض بعض دقات طبيعية ترى من الدمار كارثة.. بينما يراه آخرون..الدمار أقصد،أو الجحيم.. طريقة تعبير.

التقليد القائل بأن على الكاتب قول شيء في افتتاحية عام و خاتمته كنت أتبعه مع قناعتي التامة أنني أكتب لكني لست كاتبة..ليس بالمعنى المقولب للكتابة الأدبي الثقافي الضاج بالكذب و التصنع و التمثيل و اختراع الفضيلة بمبدأ أن على المرء إن لم يمتلك فضيلة أن يخترع واحدة. هذا لم يكن كلامي في السابق بالطبع. قد أغيِّر أفكاري بين دقيقة و لاحِقتها ولا أجد إثماً في خصلة التذبذب سيما أنها من العلامات الحيوية القليلة التي تعرِّفني على مصطلح : أن أعيش. لا أن أحيا. الحديث عن بداية عام أو نهايته بات يشبه الكلام عن أحد لا نحبه ولا نكرهه..إذ أنه أعطانا و أخذ منا و لم يتحيز إلى مَيْل. على الأغلب نبدأ بهجاء شخص عندما نتكلم عن روايته الأخيرة أو فيلمه الأول إن كان مخرجاً.. كل الفنون التي تهتم بترجمة الواقع إلى ما تراه نفس المترجم من طريقة..كتابة، تصوير، رسم ، موسيقى.. و أشياء ليست محل الحصر في هذا الموضع هي في الأصل مخاطر قد تودي بأصحابها. يبدو هذا وثيقاً بكل شيء يؤخذ من الواقع كخزعة من نخاع العظم. أو كما يقول سيوران في رفضه الكتابة عن كاتبٍ ما : لا ينبغِ الكتابة عن أحد أبداً. لقد اقتنعت بجدوى هذه الفكرة إلى درجة أنني كلما ملت إلى فعل ذلك، كانت فكرتي الأولى أن أهاجم الشخص الذي سأكتب عنه حتى و إن كنت معجباً به. ليست مسألة عناد أيضاً. عدم الرغبة في الكتابة عن العام الذي أدار ظهره تقريباً و سيكون فقط في الأيام الخمس المقبلة منشغلاً بإخراج طرف عباءته السميك من درفة الباب الذي أغلق بمفتاح بالغ الثقل و سينجح..إذ أنه قوي بما يكفِ لإنقاذ نفسه في الوقت المناسب الذي يفرقع فيه العالم ألعابه النارية و يضيء منتصف الليل بـ welcome 2013 أو 2013 Start. لم أكبر فيزيائياً..لكنني أرى في هذه المتعة من التفاهة حد يبعث فيَّ رغبة الانتحار وسط جموع المحتفلين بضياع حزمة أعمار لا تحصى. كنت أقول أنها ليست مسألة عناد.. بل في الحقيقة..انسداد شهية. رائحة العنف و الدم و القذارة الملقاة على تجاويف قلوبنا تفوق النزر اليسير من الإرادة..هذا الذي نقاوم به اضطرارنا للسهر ليلتين لإنجاز عمل أو انتظار شفاء شخص يهمنا أن يعيش. لا أكثر والله. لا أكثر من هذه الإرادة موزعة علينا عشوائياً و كأنها قطفة مما يحتمله المؤمنون يوم يسيَّرون على الصراط فيعبرونه ناجين أسرع من غمضة عين. لم أجد جواباً كاملاً موثقاً لسيوران على سؤال مصيريٍّ وجّه له في إحدى المقابلات: كيف نتحمَّل الحياة ؟ مقطع وحيد من الجواب كان مفهوماً وهو ” الكتابة انتحار مؤجل”؛ و أحاول منذ قرأته تفهُّم أن سيوران كان يتحدث عن طريقة مثالية نوعياً لتحمُّل الحياة و هي طريقة تتأجج بالكتابة و القراءة. لو أني سئلت هذا السؤال لأجبت أن التنازل عن كرامة الشك و خفض جناح الذل لآنية يقين متوسطة السعة طريقة فعالة. إذ أن الكتابة مهما حاولت استخدامها سلاح نقض و نقد و رفض و إعدام ستقع صدفة أو حباً في هوة انتماءٍ ما. الانتماء شكل لليقين. الشكل المتبرِّج. اللسان الذي إن تحدث نطق سفوراً من الإيمان بأشياء. لسنا بمحدودية إرادتنا من القادرين على الإيمان بشيء واحد. لا كتاب واحد، لا فيلم واحد، لا خطوط طيران واحدة، لا امرأة واحدة ولا رجل واحد! هذا الرقم الواقف كعود ثقاب ينتظر غطرسة أحدنا ليشتعل على رؤوسنا يبدو ألاَّ وجود له في غير السماء. إنني أكتب الآن لا متفتقة من الحزن على مضي هذه الأيام ساديّة الكثرة من عُمري، بل محاولة لملمة ما ألحق به من محتوياته في قلبي و غرفتي و حقيبة أدواتي الطبية و بدلة الجراحة ذات اللون النيلي و شريحة جوالي و.. الثقوب الحمراء التي تغمر يسراي مثل نجوم بركانية صغيرة منطفئة..رامزة إلى عدد لا نهائي من حقَن غسيل الكلى الذي زادت مراته و كأنّ كليَتي الوحيدة المعطلة ترفض أن يتطور كل شيء من حولها و يفيض العالَم قدماً بالطيب أو القوة و تظل هي مكانك سر ! عندما تؤلمني فجأة..يتناهى لي صوت سيوران رفيعاً حاداً يقول عبارة شهيرة له: ما مِن منفذ إلا تحويل هذا العدم إلى امتلاء. أقلد أحداً لا أعرفه و لم أره سوى في مخيلتي.. أبتسم بسخريَة و أشبهه. أحب أن أشبهه..هذا الشخص غير الموجود إلا في أوهامي الأليفة.

لم أقم بجَرد قراءاتي هذه المرة. لكن على مرآتي ورقة ملاحظات بتاريخ نهاية نوفمبر كتبتُ فيها : أغلقت قبل ثوانٍ الكتاب 39 الذي قرأته هذه السنة. لم أرفع عيني من الورقة.. سرحت بمعلومة قرأتها منذ مدة عن الفرق بين العام و السنة..أجهل تماماً من صاحبها و من أول من قام بنشرها في تويتر. استشهد الباحث بآيات من القرآن الكريم مثل قوله تعالى في سورة العنكبوت : ( و لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً ) يتضح أن السنة تقال على الأيام الشديدة الصعبة أما العام فهو ما كان أيام رخاء و يسر و راحة. و لذلك قال تعالى في سورة يوسف ( ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس ) .شطبت على كلمة سنة في الورقة و كتبتها فوقها عام .ليس تفاؤلاً رخيصاً أبداً، بل ملء لخواء التشاؤم الراقص أمامنا في سوريا و فلسطين على قدمين. أقول تشاؤم على سبيل الاستهزاء..وإلا فنحن نعيش سنوات كابوسية بكل ما عرفته البشرية من معانٍ و صور و أفلام و قصص و أساطير و خرافات تفسر ما الكابوس.

لا أكره اتخاذي للقراءة عزاء و سلوان. لكن السأم غمرني كما غمر كل متخاذل عن دفع دمه ثمناً لإيقاف عجلة الساعة يوماً من سنة! سأقول سراً : أصبحت عندما أقرأ أتحول إلى صيغة جندي يخاف أن يزهق روح المجرم المطلوب لكنه أول ما يراه يشعر بطمأنينة و رغبة في قتله و إنهاء المهمة بنجاح.. يقول إبراهيم الكوني في رواية الخروج الأول إلى وطن الرؤى السماوية ، أن سبب هذا الشعور هو أن الجندي ينسى كل شيء و يبدو أشجع ما يكون..فقط عندما تبدأ المعركة. كنت مهما تأثرت برواية لا أتفصد عرقاً. عندما قرأت رواية نابليون الصغير لفيكتور هيغو لاحظت مطر العرق الناز من جسدي..جبيني و عنقي وما بين أصابعي بالذات. عرفت أن الخواء راضٍ عن طريقتي الثابتة منذ الطفولة مروراً بالصبا و الشباب في ملئه..طريقتي في اختراع فضيلة تنقذني عندما تقترب مني أفعى اليأس من كل هذه الضوضاء..في صفحات الكتب و لقطات الأفلام و زوايا لم ينتبه لها من المهووسين بالتفرج السريع على الصور..أيُّ صور، و إن كانت صور آخر موضة في الحمامات. اكتشف في تشابك تلكم المكونات الناشفة لما يسمِّه العلم التقليدي بتعبئة الفراغ و إبادة الملل سبباً جديداً لكوني أقرأ : كي أزيد الحبر السائل على ملامح كينونتي فيزيد من فرص تعرُّفي عليها ذات يوم.

كتاب الإنسان الأول مشهد إبداع دونته في شريط عامي المنصرم_ تقريباً_ البير كامو يجدد وضوءه بنزاهة كما عودني. التوضؤ من مخلفات عمل إبداعي سابق ترك وباءه في روح الكاتب و عقله و لم يشعر القارئ بشيء من ذاك الوباء و لم يخبره كامو إلا على سبيل اللامبالاة أو دفن جثة تحت شجرة عجوز في رسائله إلى صديقه الألماني مجهول الاسم عندكم، أما أنا فقد أسميته ألمان. يعتقد كامو أن الإنسان المتمرد يجب أن يعترف بالحدود. لأنها هي التي تمنح كل شريك له بعلمه أو دون علمه في الحلم بالحرية فرصة للتحرر المهذب..نعم تماماً مثلما تقف أمام مرآة لامعة تعقد ربطة عنقك الحمراء التي لا تطيقها لكنك اشتريتها متحمساً لها لأنها تخص لباقتك مظهراً و نطقاً أمام مسئولك في العمل الجديد. هذا تأويلي..أو تهكمي على من يصفقون للقول أمامنا و يركلونه عندما ننفض. أتخيل الحشود الافتراضية في مواقع التواصل الاجتماعي و هي تنادي بهذا التهذب في قضايا الحقوق كي تقنع العوام بها و تدفعهم إلى المشاركة في رفع اللافتات! هل يبدو كلامي متوتّراً؟ كامو يدافع عن هذا التوتر أيضاً. يقول أن الحرية و المسئولية يورثان القلق، و هذا القلق يملأ صاحبه بالحياة؛ تماماً مثلما كان سورين كيركيجارد ممتلئاً بالثقة و الدفاع عن كتابه الخالد_ كما تنبأ له_ خوف و رعدة ..و هو يتحدث في يومياته عن أهميته.

ألمح رقصة توشك أن تبدأ عنوة..أول كلمة منها تقول ” أحبك”, و أضحك ملء قلبي المجروح. ثم أستحضر كالعادة قولاً لسيوران يدافع فيه عن الوجود بصفته ضد العدم الذي يدافع عنه كمعتقَد شخصيٍّ أول. فيقول أن الكذب طريقة لإثبات الوجود! هذه عبارة قالها في كتابه الأول موجز التفكيك، ولا تبدو منطقية إذ أنه قالها بكثير من السفسطة و المبالغة التي انتقدها في نفسه لاحقاً و قال أنه لم يكن مخموراً عندما كتب هكذا متاهات لكنه هو وحده من يفهم ماذا كان يعني بها و يستطيع احترامها. لو أنني لحقت به قبل أن يفنى و تبقى كلماته لقلت له أنني استسخف سلوك الاحترام فنحن نوع من سلالة بدائية من الميكروبات ليس ذنبها أنها بحثت عن التطور فانقلب سحرها عليها إذ كنَّا نحن !

أخاف من الملاهي. لكن عندما ذهبت إليها آخر مرة في 2010 ، تفرجت على فيلمي المفضل الذي يبث أمامي مباشرةً : لعبة قطار الموت !