إنَّ يدي خشنة..و قلبي ليّن

1

كنت أتمنى لو أصبح كائناً غير منظور لأمسك بساق هذا الرفيق القوي _ سيليا ( شخصية باهرة الوفاء في مسرحية كما تشاء، لشكسبير )

تمنيت ذلك أنا أيضاً. عندما وقعت في الحب، وأنا بالمناسبة وقعت فيه حرفياً و لم أسعى إليه، أو أقرر أنني أحتاجه يوما..أقول عندما حدث ذلك صرت أتمنى بشكل مستمر أن أكون الفتاة الخفية كما أضعها اسماً لي في فايبر و بلوتوث الهاتف. لأجل الحبيب تحولت إلى أداة تحكم عن بعد، لا تتحكم به. بل بحزنه عندما يحزن و تعبه عندما ينام فوق اثني عشرة ساعة ولا أستطيع إيقاظه بوردة تداعب قلبه الذي حاول أن يتحملني لأعوام. لم تنجح رغبة الآلة فيَّ بالمستوى المطمح إليه. فكان كثيراً ما يدفعني غيظي على تحمل محبوبي صعاباً ليست مفروضة عليه إلى التوسل لله كالأطفال أو ربما العجائز حتى..أن يحولني إلى قوة غير منظورة تسند حبي فينعم هو و تهدأ فورة ضربات قلبي.

قرأت مسرحية شكسبير لأول مرة منذ أيام باللغتين العربية و الإنجليزية. و سرقَتني روعتها بكل اللغات و التعبيرات! لقد تيّمت بأورلاندو تماماً.. ليس لأنه مختلف عني و أنا أهوى المختلفين خيراً و ابتكاراً لا شراً و نزقاً، بل لأنه كان يقول أشياءً لم أعرف كيف أقولها في مناسباتها التي كانت تنتظر كلاماً متناسقاً رائعاً أن يقال فيعلو صوت حكمَتها و يوقّرها الرائي و المستمع!

هذا المقطع مثلاً يمكنني القول أني كتبته عندما كانت روحي تعيش على الأرض باسم أورلاندو الذكي الطيب ذو الجدارة الفائقة في ذلك العصر النبيل!

لا أعرف موجوعاً رغب الموت من تلقاء نفسه. إن في الحياة صروف تجعلها تضيق مثل فك سمكة القرش و هي تطبق على فريسة غزيرة الدم وفيرة اللحم ضعيفة القوى قليلة الحيلة ! نظن في أوقات أن الموت هو البديل الآمن عن الحياة! ذلك أن الحياة تصبح عندما تحتقن الأزمات جحيماً لا يوازيه غموض الموت المخيف نفسه. لدي صديقات أخشى نسيان إحداهن إن بدأت بالعد. جميعنا كبرنا قليلاً إلى السن الذي وضع علينا واجبات أشغلتنا عن بعضنا مع بقاء المحبة فوّارة بلا خفوت، لكن حدث أن أصيب بعضنا بأذىً شخصيّْ فلم تدري عنه الأخرى و عندما علمَت قامت بواجب المواساة الكلامية مع تخوُّف من أن تطلب صاحبة الأذى الشخصي بعض المساعدة فتحرجها! أدركنا عندما تخللت بعض هذه اللامبالاة _ رغماً لا طوعاً_ أنه صار بإمكاننا اتخاذ بعض القرارات و الإقدام على تنفيذها دون مشاورة أو قلق من إيذاء أحد آخر حزناً علينا إن أوذينا. عندما قرأت كلام أورلاندو في المقطع المقتبس سألت الله أن يعيده إلى الحياة لأمنحه تحية كلاسيكية ملكيَّة !

أما جاك الحكيم في المسرحية، فعلى عكس المتذمرين من تشاؤمه وجدته واقعياً صادقاً حساساً متأملاً. هذه صفات لا يحبها الجبناء و الخوافين. فهم ينعتون الواقعي بالسلبي، و الحساس بالمتشائم أو الدرامي باللهجة الفنية! و الصادق معرَّض لرفض الآخرين دوماً إذ أنهم كثيراً ما يعتقدون في أفكاره إما الهبل أو المثالية غير الصالحة للعصور العملية ، أما المتأمل فهو الكاذب في أعينهم إذ أنهم يقولون عنه : كثير الكلام/ التفلسف.. قليل الفعل! و نسوا بهذا القول أنهم ارتكبوا السلبية التي أنكروها على الواقعي مع فارق أنهم لم يضعوا النعت المناسب في المكان المناسب. أردف شيئاً عن جاك جعله من الأسماء الراسخة بذاكرتي منذ اليوم ، يرى جاك أن صيد الحيوانات تعذيب و اغتصاب لها أكثر من اغتصاب حقوق الملكيّة و الوصاية و أشياء أخرى يفعلها البشر النبلاء ضد بعضهم أو كما وضعَهم الحظ في تلك المكانة. فيروي سيّد من أعوان الدوق سينور المنفي ظلماً في غابة آردين عن تأثر جاك بعملية الصيد:

و فجأة وصل سرب من الأيائل و راحوا يقفزون بالقرب من الأيل الجريح غير مبالين به. و هنا راح جاك يخاطبهم قائلاً: ابتعدوا عنه أيها الأصدقاء الذين جعلكم اعتناؤه بكم من أصحاب السمنة! و لكنه الآن بات مفلساً فماذا ينفع أن تلقوا عليه ولو نظرة عابرة؟ إن هذا هو شأن أصدقاء هذا الزمان. و هكذا فإن سهام شتائمه أصابت عمق الحياة في الريف و المدينة و القصور و حتى حياتنا نحن، فهو يقسم بأننا محض مغتصبين و طغاة وما هو أسوأ من ذلك كله. لأننا نخيف هكذا الحيوانات و نسحقها في عقر دارها.

إن جاك و أورلاندو و كل من آمن بمآثره الطيبة كان أكثر من تأذى في هذه الملهاة التي لم يكتبها شكسبير من وحي الخيال بل استمدها من شخصية المجتمع الإليزابيثي الذي عاش فيه، و هو مثل جميع المجتمعات ذات الأنظمة و العادات المتشددة التي تؤدي إلى نفاق و رياء..تنتج أيضاً شباباً يستخلصون منها قوة تدفعهم إلى تحقيق أحلامهم بطرق مبتكرة يسمِّها ورثة العادات و التقاليد تمرداً أو جنوحاً عن الواقع. بينما هي محاولة لخلق واقع أفضل من الأوجه التي يعارضونها في واقعهم. بعد انتصار أورلاندو على غريم كان مرسولاً من أخيه الأكبر ليقتله قال آدم خادم أورلاندو لسيده :

أتعلَم يا سيدي، بأن هناك أناساً تكون خصالهم أعداءً لهم؟ أنت منهم. إن صفاتك بالنسبة إليك تشكل حفنة من الخونة. أيُّ عالَمٍ هذا هو الذي تفسد فيه كل مأثرةٍ صاحبها ؟!

و لم يكن إلا صائباً بل أكثر من حكيم منافس لحكمة لجاك! لولا أن حكمته سببها تقدمه في العمر و حياته الحافلة بالخبرات و التجارب أما جاك فإن عقله مجنون كما يقول عن نفسه و الجنون رأس الحكمة عند بعض من يتسلحون بها اتقاء شظف العيش لا رغبة في إصلاح الكون أو احتلال كرسي مدير العالَم! مثل كل من قرأ هذه المسرحية أذهلني تشبيه جاك للحياة بالمسرح الذي يقوم فيه الناس..كل الناس بدور الممثلين. كان استرسال جاك في شرح هذه الفكرة أو هذا التشبيه وهو جالس على مائدة الطعام تحت شجر ظليل مع الدوق المنفي ينتظران قدوم أورلاندو وخادمه آدم ليسدان جوعهما بعد الوصول إلى الغابة هاربين من بطش أقرب الناس إليهم و ظلمه.. هو استرسال أقول عنه درس عظيم لمن يصدّق أنّ الحياة أعظم معلِّم و صفعاتها أكثر إيلاماً من صفعة أب مستبد و أمٍ شديدة. فقد كان يصف بشاعرية مذوّبة أدوار الممثلين في المسرحية وفق أعمارهم فالطفل يقوم بدور أول و التلميذ بدورٍ ثانٍ و العاشق المغرم بدور ثالث و الجندي الفدائي بدورٍ رابع و كل له دوره المناسب في مسرح يسع الجميع ممثلين و متفرجين ولا يضيق بأحد..حتى أنه قد يبتلع الجميع خلف الستارة !

هناك مشهد أستطيع القول أنه الأجمل في المسرحية..الأجمل لا الأعظم. إنه المحاورة بل المجادلة بين الراعي كوران و مهرج قصر الدوق فردريك بياردي توش. في إعادة أخرى لقراءة الحوار كدت أقسم أنها مناظرة! لولا أنها لم تكن مبنية على قانون بل عادات و أفكار و وجهات نظر. مثلاً..هل تترك فلسفة راعٍ كهذا الرزين فرصة استياء للمدنيين و المتحضرين إن لم تفسدهم المدنية؟!

لا أنكر أن النهاية السعيدة للمسرحية أفرحتني و أراحت خاطري الذي كان يدور مع الحوارات هاتفاً لها أن كثير منها عزف على أوتار حياتي مثلما أتقن العزف على أوتار القصائد الجميلة في المسرحية مما حولها إلى أغنية ترقص لها الطبيعة و تتآلف معها الغابات. لكنني سأبقى دوماً مدينة لصانع كل هذا الرجل الذي ظن من عرفه بعد وفاته أنه خرافة مستحيل أن تكون حقيقية و أصلها منحدر من مدينة انجليزية لا تصنع أبطالاً قدر ما تصنع أغنياء و ماديين..و هي مدينة ستراتفورد/ابون ، رأس شكسبير و عائلته. إن شعرت مثلي أنك مدين لهذا البطل فعليك أن تتساءل ما الديْن؟ ستنساب الإجابة كالموسيقى التي أسرَتنا في قصائد و شاعرية شكسبير : لقد كان مايسترو علمنا كيف يكون عزف الأخلاق الخيّرة أساساً لإنجاح ما نؤديه كممثلين على الحياة بوصفها أكبر مسرح.