ميلان كونديرا: المزحة

* هذا غلاف النسخة الإنجليزية الالكترونية التي قرأتها من الرواية، و قد قرأتها بالترجمة العربية أولاً.

1

أمي مدفونة في قبر غريب لا أهتم به.

2

القسم الأول : لودفيك.

إن قرأت رواية رب الأشياء الصغيرة لأروندهاتي روي و أعجبتك، سيعجبك هذا الفصل خاصةً أنه بتوقيع كونديرا. تفاصيل غير مهمة سوى للقارئ الشغوف بمعرفة التفاصيل. هل هناك من يهتم بمعرفة ماذا يحدث على كرسي حلاقة أثناء تمرير الموس على الخد المغطى بالرغوة؟! أو محتويات غرفة مهترئة في فندق؟ سيكون لهذا المسح scanning الدقيق أهميته في الفصول التالية.

القسم الثاني : هيلينا .

على علاقة مع لودفيك. تقول أشياء حكيمة أحياناً. مثلاً :

لا ينبغي أن أكون حزينة. يجب ألا يكون الحزن أبداً مرتبطاً باسمي. عبارة فوسيك هذه شعاري. ففوسيك لم يكن حزيناً حتى و هم يعذبونه، حتى تحت المشنقة. ولا يهمني أن موضة الفرح قد انقضت الآن. أنا بلهاء..هذا ممكن. و لكن الآخرين ليسوا أقل بلاهة بريبتهم الإجتماعية. لا أرى لماذا يجب أن أتخلى عن حماقتي لأتبنى حماقتهم. لا أريد أن أقطع حياتي إلى شطرين. أريد أن تكون حياتي أنا..متصلة من طرف إلى الآخر. و من أجل ذلك أعجبني لودفيك. لست في حاجة عندما أكون معه إلى أن أغير مثُلي و أذواقي. إنه رجلٌ عادي..بسيط. واضح. و هذا ما أحبه.. ما أحببته دائماً.

هيلينا امرأة حساسة بسيطة و طيبة. أحبت بافيل في شبابها عندما كانوا طالبيْن في الجامعة. بافيل هو الصبا و الذكريات العذبة لهيلينا. يحضران إلى حفلات فرقة فوسيك و كان ذلك يعني الكثير لجيلهم من أصحاب العلاقات الرتيبة. لدى هيلينا عبارة منطقية و عميقة ” قد لا أستطيع اليوم أن أقول لأحد كيف تعلقت في البداية ببافيل. إن ذلك يشبه الأدب السيء.”

في شبابهم كان بافيل يردد الأناشيد الإيطالية الحماسية وسط الخطب التي تلقى في الميادين و بالأخص خطبة القائد العمالي الإيطالي الأجنبي ” توغلياتي”. و بعد زواجهم عندما كانت تحدث بينهم مشاكل كان بافيل يقول لهيلينا ” نحن لم نتزوج عن حب، بل عن انضباط حزبي”. هيلينا وفية و مثابرة. كانت تساعد بافيل في الاتحاد السياسي و تنسخ له التقارير التي يقدمها في اجتماعاته و مداخلاته السياسية. كرر بافيل مئة مرة في خطاباته بأن الإنسان الجديد يختلف عن القديم. كان أنانياً و عندما ترك هيلينا أشعرها أنها أفسدت كل شيء لكنه عاد بعد ذلك طالباً منها السماح و قامت فرقتهم بإحياء زواجهم و غنوا و رقصوا طوال اليوم و قالت هيلينا لبافيل أننا إذا خنا بعضنا فنحن قد خنّا كل من حضروا حفلنا هذا. نكون قد خنا مظاهرة الميدان القديم و توغلياتي القائد العمالي الأشيب الوقور. ماذا حدث في النهاية؟ خانوا بعض في أشياء كثيرة تدعو للضحك.

بالطبع كان الجميع يرى أن الإتحاد السوفيتي بلد دون حرية. الشيوعيين و بافيل أيضاً كانوا يتحدثون عن هول المحاكمات الستالينية باندفاع و هجوم كان ينقصه القليل لينفجروا في البكاء. بافيل كان يسعد بالتأثير هكذا على قلوب المستمعين. لكن هيلينا تقول أنه لا مشكلة لديها مع الحزن لأنه لم يضرها بشيء. خصوصاً أنه سكت امتصاصاً لغضب الخطباء و المنددين حتى بافيل آثر الهدوء لأنه كأستاذ للماركسية كان يحفل بامتيازات يخشى عليها. كانت بداية انتهاء حياة هيلينا الشيوعية مع حزبها عندما كانت ترد إلى لجانهم مشاكل بين العاملين فيه كبعض العلاقات الجنسية و يأخذون تعهد على الرجل المذنب بعدم ارتكاب هذا الذنب لكنه يخرج مع عشيقته و يكررون أخطاءهم و تعود الشكاوى كما كانت. قدمت هيلينا اقتراحات لأنها لا تحب من يكذب و تقول أن الشيوعي الذي يكذب على حزبه ليس شيوعياً. لكن أحداً لم يتبن اقتراحها و عوقبت المرأة الطرف الآخر في الشكاوى فقط ثم تم تضييق الخناق على هيلينا و التجسس على حياتها الخاصة و اتهامها بخيانة زوجها بافيل و بأنها منافقة تندد في العلن بالعلاقات غير الشرعية بينما تقوم بها في الخفاء. حولوها عاهرة و مسخاً حتى جعلوها تتعذب بجلد ذاتها و تقول لنفسها أنها أخطأت فعلاً و إن كانت نجدتها لمساعدة الآخرين في الحزب فيما يخص شكاويهم من علاقاتهم هي نجدة امرأة تحبهم و تعتبر نفسها أختاً لهم و تعرف معنى الزواج التعس الذين لم يعرفوا أنها تعانيه.

قصة تعرُّف هيلينا على لودفيك شجية و رائعة. زارته في مؤسسته لعمل لقاء تقدم فيه تقرير عن ريبورتاج إذاعي و استقبلها بحفاوة لكنها لم تجد فيه ما يجذب في أول الأمر. بعد ذلك ذهلَت عندما عرفَت أنه مكافح و كان يعمل في مناجم الفحم. و أنه من مورافيا و كان يعزف في اوركسترا بسنبالوم. وكانت مقطوعات هذه الفرقة هي علامة صبا هيلينا الفارقة. لودفيك حرض هيلينا على تغيير حياتها المملة و على أن تكون فرحَة حقيقية لا أن تمثل الفرح. هنا عبارة جميلة ” معظم مشايعي الفرح كانوا أكثر الناس حزناً” و هذا صحيح. عندما كانا يتنزهان معاً كانت تذكره بأنها متزوجة ولا يجب أن تتنزه مع رجل غريب فكان يضحك ساخراً ويقول أنه ليس رجل بل عالِم فقط! لكنها كانت تلمس حزنه شيئاً فشيئاً إلى أن تأكدَت أنه يعشقها. لم تستطيع هيلينا فك علاقتها بلودفيك. كان لديها ريبورتاج إذاعي في مورافيا. قال لها لودفيك أنه ولد هناك. سيتحرر من ارتباطاته و يلتقيها هناك. كانت خائفة تريد إنقاذ زواجها من أجلها هي و صغيرتها لكنها لم تملك الشجاعة لرفض لودفيك.

لودفيك يقص في مذكراته ذكريات مع نساء أخريات قبل هيلينا. لوسي الصبية التي تعرف عليها أثناء خدمته الجبرية في التجنيد العسكري، و ماركيتا التي لا تتقبل النكات. لودفيك كان شخصية نكوتة. مازحة لم يضيعها سوى نكاتها الخرقاء. يقول أصدقاءه أيام الجامعة حكموا عليه بأنه مثقف و قد كانت هذه صفة تحقيرية آنذاك. لأنه كان معارضاً للثورة خلص إلى الشك في نفسه وقال ليس من الطبيعي أن يكون الجميع مخطئين و أكون وحدي على صواب. علاقته مع ماركيتا قامت على السخرية وهذا مالم تستطع تحمله. حماسة ماركيتا لفهم الحركة الثورية دفعت برفاقها إلى تدريبها خمس عشرة يوماً في دورة للتأهيل الحزبي. تلك الفترة كان لودفيك يخطط لتحسين و تطوير علاقته بماركيتا بعد أن كانت مقتصرة على بضع نزهات و قبلات. يقول لقد أكلتني الغيرة لأن ماركيتا فضَّلت الدورة على قضاء الوقت معي وكانت تقص لي أخبار التدريب بسعادة و استمتاع.

هذا مشهد مهم تقوم عليه الرواية كاملة فيما بعد :

إذا تأملنا كل الأمور جيداً فقد كنت من الصميم موافقاً على كل تأكيدات ماركيتا. بل كنت أؤمن مثلها بالثورة في أوروبا الغربية. لم يكن هناك سوى شيء واحد لم أكن أقره: أن تشعر بالسرور و السعادة فيما كنت أحن إليها.

و عند ذلك، اشتريت بطاقة بريدية و كتبت لأجرحها، لأصدمها، لأحيرها: التفاؤل هو أفيون الجنس البشري. الروح المعافاة تفوح بنتن الغباء، عاش تروتسكي!

لودفيك.

ردت ماركيتا على البطاقة برد مسطح و لم تتواصل مع لودفيك باقي العطلة. كتب لها لودفيك كثيراً متوسلاً و مشتاقاً أن تحاول رؤيته في خلال الخمسة عشر يوماً من أيام العطلة. و كان مستعداً لفك أي ارتباط كي يراها. حتى لو كان هذا الارتباط التخلف عن زيارة أمه المهجورة في مورافيا. لم يكن يحتمل لودفيك حياته وحيداً بلا امرأة يحبها. لكنها لم ترد عليه أبداً. اضطر بعد ذلك إلى الذهاب بنفسه إلى براغ و استطاع فعلاً مقابلتها و خرجا معاً في نزهة مثل نزهاتهم القديمة. سطحية و بسيطة. طلب منها لقاءً آخر بعد يوم و طلبت منه الاتصال بها على الهاتف و عندما هاتفها رد عليه صوت آخر أخبره أنها غادرت براغ.

مر على لودفيك وقت صعب بعد أن هجرته ماركيتا. لم يكن يجرؤ على مغازلة نساء أخريات يمررن أمامه في الطريق بمظهر فاتن و لم ينقذه سوى استئناف عمله في اتحاد الطلاب عندما بدأت الدراسة. وردته مخابرة من سكرتارية الحزب فظنها خبراً مفرحاً. ذهب إلى مقر السكرتارية وحيّا من فتح الباب بالتحية الشيوعية المعروفة ” المجد للعمل” .لكنه لم يرد على التحية و طلب منه الدخول و قام رفاقه من الحزب الذين كانوا سابقاً يمزحون معه باستقباله بتهجم و بدأوا معه تحقيقاً شرساً عن البطاقة التي أرسلها لماركيتا. جزء مستفز من التحقيق:

قلت لأحاول أن أعطي الاستجواب اتجاهاً أخف: إني أمزح عن طيب خاطر. أنا شخص أقرب للمرح. لاحظ أحدهم قائلاً: حتى العدمي يستطيع أن يكون مرحاً. إنه يستطيع أن يسخر من الذين يعانون. و تابع قائلاً: الكلبي.. يستطيع أيضاً أن يكون مرحاً ! و سأل آخر : أتعتقد أنه يمكن بناء الاشتراكية دون تفاؤل؟ قلت: كلا. و صرّح الثالث قائلاً: إذن.. فأنت بالتالي لست نصيراً لبناء الإشتراكية في بلادنا. احتججت قائلاً: كيف يمكن هذا؟ انفجروا قائلين: لأن التفاؤل في رأيك هو أفيـون الجنس البشري. إن ماركس قد وصف الدين بأنه أفيون و لكنك ترى أن الأفيون هو تفاؤلنا. يثير فضولي أن أعرف ماذا سيقول عمالنا الصداميون الذين يتجاوزون الخطط إذا علموا أن تفاؤلهم أفيون!

حاول لودفيك الدفاع عن نفسه و التأكيد أن ما قاله لم يتجاوز كونه نكتة. و أنه لو كانت لديه فكرة سيئة لما أرسل هذه البطاقة بالتأكيد إلى دورة حزبية! جادله رفاقه باستماتة و أنكروا عليه كل ادعاءاته أو كما اعتبروها زعم و ادعاءات. اتهموه بأنه يعلم أن ماركيتا تأخذ الأمور على محمل الجد و أنه في باقي رسائله التوسلية كان جاداً فلمَ عليه أن يكون في رسالة التفاؤل الأفيوني و عاش تروتسكي مازحاً؟! رفضوا تصديقه تماماً. النتيجة : أقاله الرفاق من وظيفته في اتحاد الطلاب و طلبوا منه إعادة مفتاح المكتب و كان في جيبه فأعطاهم إياه على الفور. نهضوا دون أن ينظروا إليه علامة انتهاء التحقيق فقال لهم بأدب : المجد للعمل. و غادر.

الظلم الذي شعر به لودفيك دفعه إلى الحديث مع أحد يستطيع أن يفهم مزحته فكان زميلاً شيوعياً في الجامعة. شرح له كل شيء فقال له الزميل أن الرفاق في الحزب منافقين إلى حد يمنعهم من فهم المزاح. و نصحه بمقابلة زميل اسمه زيمانيك المرشح ليكون رئيس الحزب قريباً.

اتضح بعد ذلك أن الحزب لم يثر لعبارة التفاؤل هو أفيون الجنس البشري قدر ما غضب إلى أقصاه من عبارة عاش تروتسكي. ذلك أن تروتسكي هو أسوأ عدو لهم في ذلك الوقت. ظن كثيرون في الجامعة أن لودفيك كان منتمياً إلى جماعة تروتسكية و كان يؤكد كل مرة أنه لا يعرف شيئاً عن التروتسكية. حتى قابلته ماركيتا بعد شهور و أخبرته أنه تم التحقيق معها أيضاً قبل أن يحققوا معه و سألوها عن سبب عدم تبليغها عن البطاقة و هي تعرف أن تروتسكي شيء بشع لا يمكن السكون عمن يقول عنه : عاش! ماركيتا شهدت ضد لودفيك لأنها كانت جادة أكثر مما ينبغِ. قالت أنه كان بشخصيتين في الاجتماعات شيوعياً متحمساً و معها شخص آخر يقول أشياء لا تُحتَرم! و عندما كان يبعث لودفيك لها رسائل التوسل كانت مراقبَة من قبل الحزب الذي نصحها بعدم كشف شيء ليتأكدوا من مكنون لودفيك عن حزبهم و كراهيته لهم! إلا أن لودفيك لم يكتب شيئاً يدينه غير تلك الرسالة و تشظى قلبه لانكشاف عواطفه على من لا يستحقون. سألها عن سبب اعترافها له بهذه الأشياء الآن فقالت أن زيمانيك قام بتحريضها على هجر لودفيك لأن سمعتها عند الحزب جيدة بعد إدانتها للمكتوب في البطاقة البريدية. و أنها الآن بعد مرور هذا الوقت تشعر بالندم لأنها هجرت لودفيك و ضرّته. استشهدت ماركيتا بفيلم سوفيتي اسمه محكمة الشرف. كانت له سمعته العظيمة في أوساط الحزب. أعطى طبيب باحث أولوية اكتشافه للجمهور الأجنبي قبل أن يفيد به المواطنين. هذا التصرف اعتبره المواطنين خيانة.في نهاية الفيلم وجد الباحث السوفياتي نفسه مداناً من جانب زملائه المحلّفين. لكن زوجته اجتهدت بدلاً من التخلي عنه وهو مهان، إلى التمسك به و بث القوة اللازمة في نفسه لإصلاح خطأه.

رفض لودفيك مساعدة ماركيتا و عودتها له لأنها كانت تريد البقاء بجانبه و معاونته على إصلاح خطأه و هو الذي كان يعتبر نفسه لم يخطئ حيث مزح فقط و لم يكن من حق الحزب أن يتجسس على رسائله أصلاً. لقد بدت العبارتين في البطاقة للحزب كأنها مكتوبة من رجل ليس ثورياً بروليتارياً حقيقياً. هذا كان يستحضر في ذهن لودفيك دوماً صورة المسيحية التي تذكر المؤمن دوماً بأنه خاطئ. و هكذا مشى دوماً أمام الحزب برأس منخفض باعتبار أنه ارتكب جنحة. استسلم. و بعد ذلك تم التصويت برئاسة زميله زيمانيك ليس فقط على فصله من الحزب، بل عن منعه من الدراسة. و حدث ما كان. و خسر بذلك ما كان يتهرب منه لعدم الذهاب إلى التجنيد العسكري.

3

الحياة في التجنيد مأساة يمكن لقاص أن يحكيها في ملهاة! إنها الفكاهة السوداء كما يقال. قسوة و إهانة و مبالغة في فرض القوانين. عمل لودفيك مع المجندين دون قابلية على التكيف لأنه كان يعرف دائماً أنه برئ ولا يستحق أن يكون هنا. حاول أن يدرس ذاتياً عندما يكون على فراشه في الليالي السود. و حاول مراراً إقناع المفوض السياسي للوحدة أن وجوده بين السود هنا حدث خاطئ! لأنه فصل من الحزب من أجل النزعة الثقافية و الكلبية! وليس كعدو للإشتراكية. شرح له مراراً حكاية المزحة في البطاقة البريدية التي أصبحت كابوساً و لم تعد مزحة. كان المفوض يستمع إليه دون فائدة حتى استدعاه يوم و قال له بمرارة : لماذا حاولت خداعي؟ أعرف الآن أنك تروتسكي!! هذا المقطع أخرج من عيني دمعة حارة :

بدأت أفهم أنه لم تكن هناك أي وسيلة لتصحيح صورة شخصي المودعة في محكمة عليا للمصائر البشرية. فهمت أن هذه صورة مهما قل شبهها بي، كانت أكثر واقعية إلى درجة لا متناهية مني أنا نفسي. وأنها لم تكن..بأي صورة.. ظلي. بل كنت أنا.. ظل صورتي. و أنه ما كان ممكنا بالمرة..اتهامها بعدم مشابهتي. بل كنت أنا المذنب في هذا التباين.

قرر لودفيك عدم الاستسلام. لن يكون الشخص الذي قرروا أن يكونه. لذلك جد في العمل في المنجم مع السود و قاوم الإنهاك و التعذيب و عمل بشرَف و بعمَى! لكن أحداً لم يكترث بما كان عليه لودفيك من حسن السلوك. كانوا في نظر الحزب أعداءً للنظام. لذلك كان يُطلب منهم كتابة عبارات مدائحية على شخصيات يقومون بإلصاق صورها في الحائط و كان لودفيك يقوم بهذا بمباهاة طمعاً في ملاحظتهم إخلاصه لكن ذلك لم يفد بشيء. اعتبروه تنفيذ أوامر فحسب. لقد تحطمت حياة لودفيك. الحب، العمل، الدراسة, الصداقات. لم يبق سوى الزمن. يقول لودفيك تعلمت معرفته بصورة حميمة لم أعرفها من قبل. كان ذلك بأن يكون في سريرته الداخلية هو..حيث موجود واقعاً..لا خيالاً أو شخصاً آخر كما اعتبروه.

علاقة لودفيك بزميله من برنو، هونزا.. استثنائية حتى إن لم تكن محورية. لقد أحبه لودفيك أكثر من زملاءه الجنود الآخرين رغم أن كثيراً منهم كانت لديه امتيازاته الجيدة. يقول لودفيك أن هونزا بدوره كان يحبه لأنه _لودفيك_ كان بارعاً في حل المسائل الذهنية المرتبطة بدفع الأجور و بذلك كان يمنع عنهم الخداع. كان يسخر هونزا من انعزال لودفيك في يوم الإجازتين الوحيدتين للجنود كل شهر. فحاول إخراجه من العزلة و اصطحابه مع زملائه إلى أماكن كان مسموح لهم بزيارة حاناتها و ملاعبها. كانوا ممنوعين من شرب الكحول فعوضاً عنها كانوا يشربون الليمون. و كانت تتم حلاقة رؤوسهم كل خمس عشرة يوماً. كان يتذكر هذه الأمور والنادلة ترفض أن تقدم لهم ما أملي عليها. و كان العاهرات يقلن له ” يتبين المرء فوراً عندما يراك أنك مختلف عن الآخرين! ” يقصدون زملاءه الجنود.

4

يا جنون الكلمات الخداعة،

إنني أؤمن بالصمت..

أقوى من الجمال،

أقوى من كل شيء،

يا عيد أولئك الذين يتفاهمون في صمت..

أبيات تذكّر لودفيك بلوسي التي كانت تبكي و تبكي عندما تقرأها.

لقد أحب لودفيك في لوسي أنها لم تُمس. كتب لها بطاقات بريدية و رسائل كثيرة في أيام العمل المرهقة في التجنيد الذي حرمه منها. لكنه كان ممتناً لضابطهم الذي كان سبباً غير مباشر في السعادة التي عاشها بضعة أشهر بعد أن تعرف على لوسي في إحدى إجازاته القصيرة. في وصف علاقة لودفيك بلوسي قرأت أعذب ما يمكن أن يقال ” حديثاً” عن الحب الصادق. لوسي كانت لا تعرف كيف تكتب. أخطاؤها الإملائية كثيرة. ربما لذلك لم ترد على رسائل لودفيك. لكنه كان يتمنى لو تعرف أن عدم مهارتها و جهلها في الكتابة عزيزة على قلبه لأنها كانت تكشف عن لوسي التي لم تُمس! اكتفت لوسي بشكر لودفيك على تلك الرسائل و استبدلت الرد بعد ذلك بالزهور لأنها لم تعرف كيف تكتب له.ثم أغرقته بعد ذلك بباقة زهور في كل مواعيدهم. كانت توشك على البكاء عندما يرفضها بحجة أن على الرجل تقديم باقة الزهور لا المرأة. ثم أصبح يسعد بها و يقبلها بحب. كان يفهم الأمر على أنه خجل من لوسي على عدم بلاغتها في الكتابة. و التعبير بالزهور عن الكلام الذي تريد أن يقال. لوسي العاملة كانت فقيرة لا تملك سوى ثلاث فساتين ترتديهم بالتعاقب في لقاءاتها بلودفيك. لذلك عندما قرر رد هداياها بهدية جميلة.. اشترى لها فستاناً. و كان ذلك إبهاراً له لأنه رآها في فساتين كشفت عنها كامرأة وهو الذي في براءتها لم ينظر لها سوى كطفلة. لوسي قد تكون النقطة الأنقى في حياة لودفيك الشريف كثير العلاقات!

5

خاتمة :

لودفيك: كانت حياتي كلها مزدحمة بالظلال. و الحاضر كان يحتل فيها مكاناً غير لائق إلى درجة كافية احتمالاً. تصورتُ رصيفاً متحركاً ” الزمن” و رجلاً ” أنا” يركض فوقه في الاتجاه المعاكس. و لكن الرصيف يتحرك أسرع مني. و هو ما يجعله يحملني ببطء إلى عكس الهدف الذي أتجه إليه. هذا الهدف ” هدف غريب واقع في الخلف” هو ماضي المحاكمات السياسية. ماضي القاعات التي ترتفع فيها الأيادي، ماضي الجنود السود و لوسي، الماضي الذي بقيت مسحوراً فيه. الذي أسعى إلى تفكيك رموزه. إيضاحه و حله و الذي يمنعني من العيش كما ينبغي لرجل أن يعيش و وجهه إلى الأمام.

بحث لودفيك بعد خمسة عشر عاماً من الماضي و بعد خرجه الظاهري منه عن الانتقام. إذ كان هذا هو ما يريد أن يصله بالماضي. لكنه عرف أن هذا الهدف عقيم مثل محاولة سيره في اتجاه سوي على الرصيف الذي يسحبه في اتجاه معاكس. لقد قال لودفيك عبارة واقعية أعيشها أنا التي أدون هذه الكلمات عن رواية المزحة اليوم ..يقول أن لم يعد التاريخ اليوم سوى خيط رفيع للمتذكر فوق محيط المنسي. يقول أن الزمن يتقدم و سوف يأتي عصر الألفيات المتقدمة التي لن تستطيع ذاكرة الأفراد غير القابلة للتوسع استيعابها. و سوف تسقط تبعاً لذلك قرون و ألفيات عظيمة. قرون لوحات فنية و موسيقى، اكتشافات و معارك و كتب ، و سيكون ذلك سيئاً لأن الإنسان سيفقد مدلول ذاته و يتقلص تاريخه إذ أنه سيردد دوماً أن الحاضر أهم من الماضي و أن المستقبل هو الهدف المنشود الذي يبرر للمرء الركض في دوامة من أجل بنائه.

لودفيك هو صوت الذات التي تتحدث إليك بعد الخروج من أزمة. و أحياناً في عز أزمة عندما تطول بلا حل يلوح في الأفق. التساؤلات الوجودية و الأفكار الإنسانية و النزعة السيسيولوجية في حبه للناس و عدم تكيفه معهم كل هذه إن لم تعتريك كعاصفة ملونة و أنت مكروب فعليك أن تراجع معاش القلب فيك.

6

المزحة رواية يجب أن تقرأ. كل قارئ في العالم يجب أن يقرأها. ليس أولئك الذين يتهاونون في أمر مزاحهم فقط. الجميع من كل شكل و لون و جنس و حزن يجب عليه قراءة رواية المزحة. كونديرا استلهم فكرتها من منطقة المناجم حيث عاش فترة من عمره. ذهب لرؤية بعض أصدقائه فرووا له قصة عاملة شابة اعتقلت و سجنت لأنها كانت تسرق من أجل عشيقها زهوراً من المقابر! لم تبرح صورتها خيال كونديرا. كانت رمز التضحية و التفاني بين الجسد و الحب. عالمين منفصلين في حياتها.. كل منهما جرى بعكس اتجاه الآخر. و كانت أحياناً تخيل له بصورة أخرى.. سارقة زهور لم يكن حبها الطويل سوى كراهية طويلة! سخرية القدر هذه هي ما أوحت له بفكرة رواية المزحة. و كل ما كتب في الرواية من تاريخ فترة سياسية و ملابساتها كان صحيحاً. ينتقد كونديرا التلاعب في روايته في الترجمة الفرنسية لها و تحويل لودفيك الرصين إلى رجل متلاعب يخلط بين العامية و الفصحى! لكن جميع ترجمات الرواية لم تخفي عظمتها.

7

تعلمت من سنين الحياة العاصفة ، أن أقرأ رواية المزحة.