لا بد من رغيفٍ و إبريق مـاء

سأجرب هذه المرة طريقة أخرى مبسطة في التدوين عن الكتابين اللذين بحوزتي. أن أدع أجزاء منهما تعبِّر عن موضوع الكتاب و أكتفي بالتعليق بأقل قدر من الكلمات عن المحتوى العام. كلمات قليلة أي مئة كلمة أو أقل. ليس لأن الآراء التي وصلتني على تدوينات السلسلة أقل من المأمول. فأنا من الذين يفضلون قارئاً واحداً يقدِّر و يفهم و يخلص للمكتوب أكثر من تفضيل عشرات القراء الذين يجاملون، لكنني أجرب طريقة جديدة مختصرة لأنني أقدِّر بدوْري مشقة بعض القراء المتحمسين لقراءة مواضيع يحبونها و يمنعهم من ذلك طول المكتوب. أنا لست كاتبة متخصصة لذلك عندما أكتب أنفصل عن الحياة و عن نفسي و بروتوكولات كتابة القراءات و الانطباعيات و المراجعات و أرسم تفاعلاتي النفسية و الذهنية مع المادة كتاباً كانت أو فيلماً بلا رتوش. و لأبدأ التدوين عن كتابي اليوم و هما ” الغربال ، و البيادر.. للأديب اللبناني القدير الذي لو كان حياً لوقفت أمامه أوفِّه التبجيلا..ذلك أنه كاد أن يكون رسولا : ميخائيل نعيمة. مفكر و أديب _ روائي، شاعر و ناقد_ لبناني كان من رواد النهضة الفكرية الثقافية في جيل ضمه مع جبران خليل جبران و عباس محمود العقاد و رشيد أيوب و من أهم قضاياهم التي تسلحت بها رابطتهم القلمية التي ترأسها جبران، قضية التجديد و التحديث في الأدب و الشعر.

الغربال

1

من غربل الناس نخَلوه.

2

مقطع 1

إننا في كل ما نفعل و كل ما نقول وكل ما نكتب إنما نفتش عن أنفسنا. فإن فتشنا عن الله فلنجد أنفسنا في الله. و إن سعينا وراء الجمال فإنما نسعى وراء أنفسنا في الجمال. وإن طلبنا الفضيلة فلا نطلب سوى أنفسنا في الفضيلة.و إن بحثنا عن مكروب فلا نبحث سوى عن أنفسنا في المكروب. و إن اكتشفنا سراً من أسرار الطبيعة فما نحن إلا مكتشفون سراً من أسرارنا. فكل ما يأتيه الإنسان إنما يدور حول محور واحد هو الإنسان…………. ، و سواء أدرك الإنسان هذا أم لم يدركه فهو أبداً يقيس كل مآتيه بهذا المقياس. فيهمل منها مالا يزيده بنفسه معرفة. ويحتفظ بما يشاهد فيه مظهراً من مظاهر نفسه. وما تاريخ المدنيّة لو فحصنا..إلا تاريخ هذه الغربلة الدائمة و المقابلة بين الأمور و انتقاء ما فيه أثر روحي جليل و إهمال ما ليس فيه من أثر يُذكر.

إن على سطح الأرض الملايين من البنايات التي شادتها يد الإنسان من قديمه و حديثه. لكن الآثار الهندسية التي تقر بها العين و تنتعش بها الروح لا تعد بالملايين ولا بالألوف. وفي العالم جبال من الرسوم والتماثيل، لكن الرسوم و التماثيل التي نقف أمامها بخشوع و دهشة تعد على الأصابع. وفي مكاتب العالم قناطير مقنطرة من الآثار الكتابية، فكم هي الكتب التي لا تزال تقصدها البشرية لترشف المعرفة و الحكمة من سطورها؟!

قد يخطيء الإنسان اليوم في حكمه على أثر من الآثار. فيستكبر الصغير و يستصغر الكبير، قد يخطئ جيلاً، لكنه لا يخطئ دهراً. فالأثر الخالد لا يموت.

مقطع 2

إن لكل شيء قيمتين روحية ومادية. لكن في الحياة ما ليس له إلا قيمة روحية. من ذلك الفنون و من ذلك الأدب. فكيف نحدد قيمة الأدب؟

بماذا نقيس هذه القصيدة، أم تلك المقالة أو القصة أو الرواية؟! أمن حيث طولها أم قصرها أم تنسيقها أم معناها أم موضوعها أم نفعها؟ أم نقيسها بإقبال الناس عليها و بعدد طبعاتها؟ أم يستحيل قياسها بمقياس واحد ثابت لأن تقديرها موقوف بذوق القارئ.. والأذواق تختلف باختلاف الناس و الأعصار و الأمصار..فلكلٍ أن يقيسها كيفما شاء، و كل في رأيه مصيب؟!

إذا صح أن مقاييسنا القيمية ومنها مقاييسنا الأدبية ليست سوى أزياء تتبدل بتبدل الأيام و الأماكن و الأذواق و المدارك، فما النفع من جهدنا و جدنا في التمييز بين الأمور و الفصل ما بين غثها و سمينها؟

ها نحن أولاء نردد اليوم بعض قصائد يقال أنها علقت على باب الكعبة قبل الإسلام، و نعيد سواها من قصائد لشيخ أعمى يدعى أبا العلاء، و لمتقشف يدعى أبا الفارض. و لمجنون يدعى قيساً العامري، ولعشرات سواهم، فما السر في هذه الأبيات التي كلما طال عليها الدهر تجددت لذتها كالخمر المعتقة؟

ما السر و نحن لا نعرف عن طروادة و حرب طروادة سوى ما رواه الرواة نجد لذة في مطالعة أخبارها لا كما سطرها المؤرخون بل كما أنشدها منذ ألفي سنة شاعر ضرير اسمه هوميروس؟

ما السر في أننا و نحن نكره الجحيم، نرتاح إلى زيارته لا برفقة القسوس و الشيوخ بل برفقة شاعر إيطالي تفصلنا عنه ستة أجيال؟!

و أخيراً ما السر في أن ما كتبه ممثل، أو مهرج إنجليزي يدعى شكسبير..لا يزال في يومنا هذا جديداً بل هو يتجدد من يوم ليوم؟

إذا كان في الأدب آثار خالدة ففي خلودها برهان على أن في الأدب ما يتعدى الزمان و المكان، و جلي أن المقاييس التي نقيس بها مثل هذه الآثار لا تتعلق بعصر ولا تتعلق بمصر.

مقطع 3

دع همومك التجارية ، و السياسية و العائلية يا أخي، و تأبط جراب صبرك و اتبعني. تسألني : إلى أين؟ و لنفرض إلى جهنم! أوَليست جهنم خيراً من عالم يصابحنا بالقال و القيل و يعاشينا بالقيل و القال؟! وما قبله إلا هبوط أسعار و ارتفاع أسعار. وما قاله إلا انتصار سياسة و إخفاق سياسة. فتأبط جراب صبرك و اتبعني ولا تسل إلى أين..قد أسلك بك طريقاً وعراً و قد أدخل بك أجمة ملتفة الأدغال و قد أريك طرف مرج فسيح، و قد أعود بك من حيث انطلقت كأنك لا رحت ولا جئت…….. .

هل سمعت في حياتك يا أخي برجل يدعى أبا عبد الرحمن الخليل بن أحمد البصري الأزدي الفراهيدي؟ لا ؟ إذن فاعلم وقاك الله أن أبا عبد الرحمن تغمده الله برحمته ولد في سنة مائة للهجرة و توفي عن خمسة و سبعين عاماً قضاها بالبر و التعبد و التقوى ، و وضع علم العـروض.

و العروض.. رعاك الله ” علم بأصول يعرف بها صحيح أوزان الشعر العربي و فاسدها وما يطرأ عليها من الزحافات و العلل”

و الزحافات و العلل أوبئة تنزل بأوزان الشعر العربي فتحرك ساكناً أو تسكن متحركاً، و تقضم حرفاً هنا..ومقطعاً هناك!

مقطع 4

أمامي الآن كتاب العواصف،

فتعالوا نصغِ لشكوى الشاعر من غربته و وحدته و وحشته:

” أنا غريب في هذا العالم. أنا غريب و في الغربة وحدة قاسية و وحشة موجعة. غير أنها تجعلني أفكر أبداً بوطن سحري لا أعرفه. و تملأ أحلامي بأشباح أرض قصية ما رأتها عيني” لكن جبران ليس غريباً عن العالَم فقط بل عن نفسه أيضاً:

” أنا غريب عن نفسي، فإذا ما سمعت لساني متكلماً تستغرب أذني صوتي. و قد أرى ذاتي الخفية ضاحكة، باكية، مستبسلة، خائفة. فيعجب كياني بكياني، مستتراً مكتنفاً بالضباب، محجوباً بالسكوت.”

تقولون: و كيف يمكن أن يكون الإنسان غريباً حتى عن نفسه؟ فأجيبكم أننا كلنا غرباء عن أنفسنا لكننا لا ندري أننا غرباء، لأن أرواحنا لا تستفسر أرواحنا ولا يدفعنا الشوق إلى استطلاع أسرارنا. أما روح الشـاعر فهي أبداً ساعية وراء خرق ستـار المجهول و كشف المكنون. كأن للشاعر نفسين لا نفساً واحدة، و كيانين لا كياناً فقط.. نفس باحثة و نفس مبحوث عنها، و كيان ظاهر ينم عن كيان خفي.

3

عن كتاب الغربال :

يتضح من المقاطع المنتقاة بعناية من الكتاب لتدل على أهم مواضيعه أنه نقدي. قدَّم له العقاد و خاتمته أيضاً المعنونة ب”فصول” ورد فيها مقالات أدبية للعقاد عن النقّاد و الكتّاب و الشعراء. ميخائيل نعيمة ذو النزعة الروحية يتجلى بتأملاته في الغربال كما يتجلى الصوفيون في ابتهالاتهم! يفسر لنا قضايا و تساؤلات لم يحدث أن لم يمر أحدها على قارئ للأدب و الشعر. يدافع عن النقاد و يقنعنا بأهميتهم ولا يجبرنا على تصديقهم فهو ينادي بالحرية في الاعتقاد و الاختيار أيضاً. إن كانت تختلط عليك مقاييس تمييز كتاب جيد عن آخر أفضل أو أدنى منه، الغربال بوصلة تنقي الروح و البصيرة و تتجه بالقارئ إلى صواب قريب.

_

البيادر


1

الوطن لله و الله للجميع.

2

مقطع 1

هي بقعة قلَّ ذهبُها وكثرتْ مذاهبُها – هذه البقعة التي تدعونها بلادكم.

وهناك أشباه العقلاء، وما هم بالعقلاء، الذين يتمنون لو تُعكَس الحال، فتفيض هذه الأرض فضةً وذهبًا، لا لبنًا وعسلاً، وتغيض ينابيعُ إلهامها، فتذوي مذاهبُها وتمسي هشيمًا يَعافُه الحيوانُ والإنسانُ وتحتمي به الفئرانُ والديدان. فهم يقولون إن المال سؤددٌ وسلطان، وقلَّة المال شقاءٌ وخذلان. و هم لا يعرفون من الغنى غير الغنى بالفلس و الدينار. ولا من الفقر إلا الفقر إلى الدار و العقار.

و هناك أشباه الحكماء وما هم بالحكماء، الذين يرون في كثرة المذاهب كارثة، فيلومون السماء التي ما جعلتْ هذه الأرض منبتًا لشتى المذاهب حتى جعلتْها منبتًا للشفار والنصال ومعقلاً للخصام والنضال؛ فتفرَّقتْ كلمتُها، ولانتْ شكيمتُها، وهانت قيمتُها، فكانت موطئًا لأقدام الفاتحين، وألعوبةً في أيدي الطامعين. وهؤلاء واثقون كلَّ الثقة، مؤمنون كلَّ الإيمان، بأن جراثيم الشقاق والنزاع إنَّما هي في المذاهب عينها، لا في جهل المتمذهبين بها.

و هناك أشباه المصلحين وما هم بالمصلحين. الذين يرتأون توحيد المذاهب لاعتقادهم أن الناس إذا ما توحدت مذاهبهم توحدت قلوبهم و أفكارهم. فجَلت عنهم جيوش التعصب و الضغينة و حلت محلها أجناد الوئام و السلام!

مقطع 2

من كره الموت فليكره الحياة، و من أحب الحياة فليحب الموت. فما الموت إلا حقل الحياة ولا الحياة إلا بيدر الموت.

لكنني أقول لكم إنكم لو أنفقتم العمر في الشكر لرب الحياة و الموت لكنتم مع ذلك إلى الكفران أقرب منكم إلى عرفان الجميل. ها هو العالم من حولكم يكاد يختنق بالدخان الذي تثيره أوهامه بأن الحياة سلعة تباع و تشترى أو تغتصب بحد السيف. و أن البعض يأخذ منها أكثر من الآخر. و أن هذه الكتلة من الناس أحق ببركات الوجود من تلك أو هاتيك.

مقطع 3

أليس من العجب بمكان أن لا يمشي على سطح هذه الأرض إنسان إلا و مشى الظلم إليه و معه؟ فكان إما ظالماً أو مظلوماً؟ أو كان ظالماً و مظلوماً في آن واحد؟ أليس أعجب من ذلك أن تسمع الناس كلهم يصرخون ” أنا المظلوم” ولا تسمع واحداً منهم يهمس..و لو في سرّه ” أنا الظالم” ؟

إن يكُن كل الناس مظلوماً فكيف لأحدهم أن يقول ” فلان ظلمني” و فلان مظلوم مثله؟ أو يكن كلهم ظالماً فكيف لإنسان أن يصرخ ” أنا المظلوم” وهو الظالم؟ أو يكن كلهم ظالماً و مظلوماً في آن واحد أفليس معنى ذلك أن الإنسان مظلوم بظلمه لا بظلم سواه؟

أوليس في ذلك العدل كله؟ إذن.. أين هو الظلم أيها الناس؟ و من أين؟ بل ما هو ذلكم الظلم الذي تشكون؟

دعوا القواميس جانباً. فأنتم لو بحثتم عن كنه الظلم كما يفهمه الناس لوجدتموه ينحصر في قضية واحدة. وهي أن يريد الإنسان أمراً فتصده عنه إرادة أقوى من إرادته.

لعل من تحسبونه جاء ليظلمكم ليس سوى رسول أرسله القدر العادل ليعلمكم العدل و يتعلمه منكم. فأحسنوا التعلم كما تحسنوا التعليم. كونوا تلاميذ صالحين كيما تكونوا معلمين صالحين.

لعلكم تهربون من موبوء، و صحتكم وباءه. و تردون معوزاً، و وفرتكم إعوازه. و تهزأون بضعيف. وفي ضعفه قوتكم. و تستكبرون على جاهل. و من جهله معرفتكم.

و لعلكم تنقمون على ظالم أو تقتصون منه. وما كان ظلمه إلا ظلمكم. و قد أعاده القدر إليكم. فبنقمتكم عليه تزيدون في النقمة على أنفسكم. و باقتصاصكم منه تضاعفون قصاصكم لأنفسكم.

تقولون لي ” أنصفح إذن عن ظلم الظالم؟ ”

و أنا أقول لكم: يا ليتكم تصفحون. فأنتم ما صفحتم عن زلة لأخيكم إلا صفحتم عن زلة لكم. ألا طوبى و ألف طوبى لمن كان الصفح درعه، و الحق سلاحه! فدرعهُ لا تحطم و سلاحه لا يقهر.والويل ثم الويل لمن درعه النقمة و سلاحه الباطل! فدرعه تنفذ شظايا إلى قلبه، و سلاحه يتكسر على رأسه!

مقطع 4

غداً تضع الحرب أوزارها فتضيف الإنسانية وزراً جديداً إلى أوزارها القديمة. و في مكان ما من بلاد ما يجتمع جمهرة من زعماء أمم الأرض_ منصورهم و مكسورهم_ و ينكبّون على أكداس من الأوراق و الخرائط يفصلون منها أرضاً جديدة لأمم جديدة. فتخوم تتدانى و أخرى تتباعد. و أمم تنفصل عن أمم. و للسعايات طنين ودبيب.و للمطامع أزيز و لهيب. و للبغض فحيح و زئير. و للرياء بسمات صفراء و قهقهات بلهاء. أما المحبة فلا رسم لها ولا صوت. و التلفظ باسمها سخـافة و شنار. و أما الحق فممسحة لأرجل الداخلين و الخارجين. و أما المغفرة فبغي مذبوحة من الوريـد إلى الوريـد و منسية في جبّانة الغرباء و الأشقياء و المنبوذيـن. و أما الأخوّة فسلسلة مفككة الحلقات يتلهّى بها القائمـون على حراسـة الأبواب.

3

عن كتاب البيادر

جديلة مسبوكة بجمال قل نظيره في الآداب كلها. إنك لا تقرأ في هذه النصوص الإذاعية عن حرب الإنسان مع أخيه الإنسان و مع ذاته المتأرجحة بين العالي و الداني شِعراً و بلاغةً و حكمة و فلسفة فحسب، لا تقرأ موعظةً و تذكرةً و أناشيد تكاد تسمع ألحانها رغم أنها مكتوبة فحسب، بل تقرأ تحليلاً نفسياً اجتماعياً سياسياً و إيمانياً ستصاب بالدواخ إن بحثت لتجد أشباهه من بين أدباء جيله أو ما بعدهم أيضاً..حتى اليوم. هنا آراء عن المذهبية و جدوى الحروب النفسية و مطامعها التي أدت في كثير من الأزمان إلى المعارك الدامية و إسقاط ضحايا أبرياء لا حصر لهم في كل مكان..لكن الأولوية لدى الكاتب..لبنان. جنّد ميخائيل نعيمة في الحرب العالمية الأولى في أمريكا و شهد الحرب العالمية الثانية فكان البيادر تأثره الذي ينفذ إلى العقل والروح كما ينفذ الهواء النقي المحارِب لأي تلوث يقضي على ذرات التسامح.. و التشظي على فقدان الأخوّة بين الإنسان والإنسان. محظوظين أهل تلك الفترة من الحروب لأنهم لم يقرأوا هذه النصوص بل استمعوا إليها بصوت نعيمة ولا بد أنهم تمنُّوا لو لم يتوقف عن الكتابة و الإلقاء أبداً.