“أريد كل شيء” فهرس مالم تعرفه المكتبة العربية عن فرجينيا وولف- الجزء1

43_The_Wise_Virgins-619x600

تنويه: قمت بترجمة مجموعة من مذكرات ورسائل فرجينيا وولف وهي تترجم لأول مرة إلى العربية. أما باقي الملف فهو تعليقي البسيط.

عميدة  الرواية الحديثة وتيار الوعي والواقعية الذي كان في أول طلعته في القرن العشرين وفي ذروة ازدهاره في القرن الواحد والعشرين و رائدة الحركة النسوية و عاشقة الطبيعة و مثمّنة الحدائق والزهور و البحر والأمواج, الإنجليزية عرَّابة جميع الكاتبات في عصرها والأكثر شهرة في القرن الواحد والعشرين، آدلين فيرجينيا وولف.

هل هذا الطرح تعريفاً بها بصفتها الأشياء التي في السطرين الأولى؟ بالطبع هذه مضيعة وقت. يجب على المرء تقديم أشياء لم يعرفها الكثير من القراء عندما تكون الأشياء التي يعرفونها مطروحة ممن سبقنا بشكل جيد و كافٍ عن إعادة التجديد. التدوير قد يكون فكرة سديدة إن لزم الأمر. لذلك لست أقول هنا من هي فيرجينيا وولف. أحيل إلى كتاب غطى أهم ما يخطر على بال قارئ الأدب الإنجليزي الحديث الذي قرأ رواية السيدة دالاواي أو سمع باسم فرجينيا وولف عند مروره على مواضيع مثل الأدب الحديث، أدب الواقعية، الأدب النسوي، النزعة التعبيرية: روايتي ( السنوات، أورلاندو)، وهو كتاب ” فرجينيا وولف- سيرة حياة” الذي كتبه ابن شقيقة فرجينيا، كوينتين بيل، وترجمه عطا عبدالوهاب بنزاهة طيّبة. كما أحيل إلى كتاب “غرفة تخص المرء وحده” وهو مقالة نقدية طويلة عن نفسها كامرأة، وعن النساء.  تم التعريف بهذا الكتاب على أنه مانفيستو الحركة النقدية النسوية في القرن العشرين. والذي كان دراسةً نقدية أكثر من كونه مقالة، إذ ضمَّنت فيه فرجينيا مراجع قرأَتها من رموز النسوية في سبعيناتها، أي أول نشأة الحركة وما قبل النشأة حين تم طرح قضيتها دون إطلاق اسم محدد على النقاش في القرن السابع عشر، كان الموضوع الرئيسي هو اللامساواة فكرياً، ثقافياً، وسياسياً بين الرجل والمرأة. قبل نشر الكتاب قامت بإلقاء محاضرة في جامعة كامبريدج على الطالبات وعرضت بحثين من أبحاثها وقد لاقى تأييداً جعلها تعجل في نشر الكتاب بعد تلك المحاضرة بشهور في 1929. و منه أكثر قول معروف لفرجينيا عندما نقول أنها رائدة الدفاع عن حق المرأة في الكتابة والنشر وقد كان ذلك منقوداً على المرأة في انجلترا أوائل القرن العشرين وما قبل. كانت الأخوات برونتي اسمين قديرين في قائمة الأديبات المبكرات اللاتي تغلبن على القيود الذكورية في التضييق على المرأة في الفن و الأدب حيث كان يتم تعليمها في المنزل. تقول فرجينيا ” يجب أن يكون للمرأة مالها الخاص وغرفة خاصة بها إذا أرادت ان تكتب الروايات.” عندما قامت فرجينيا بعقد حديث صحفي عن رواية “الأمواج” التي كتبتها بعد ذلك بعامين، ظن الحاضرون أنها ستتحدث عن جزء ثانٍ من كتاب غرفة تخص المرء وحده أو بالأحرى، مقالة أخرى ترسخ موقع المرأة في التاريخ الثقافي. أضحَت وولف رمزاً للنضال عن حقوق المرأة لأنها ناقشت واعترضَت على تهميش المرأة في قضايا مفصلية في عصرها كحقها في الكتابة و العمل بأجر عادل لكن القضية الأهم من ذلك كانت، تعرض المرأة إلى التحرش الجنسي الذي وصل إلى اغتصاب في عدد كثير من البيوت والاضطهاد في المعاملة بتمييز بينها وبين الرجل. من كتاب غرفة تخص المرء وحده يمكنك أيضاً التعرف على أحوال المجتمع الإنجليزي في بدايات القرن العشرين و منه أحوال النساء.

هل كمنت شهرة فرجينيا وولف بعد ذروة سنوات ازدهارها في الكتابة والنشر في إصابتها بالجنون؟ يظن القارئ العربي ذلك بسبب المعلومات غير الدقيقة التي قام بعض كتَّاب الصحف والمجلات الثقافية بنقلها وكان سبب ذلك الاضطراب في نقل المعلومة هو القصور في قراءة بيوغرافيا عن فرجينيا وولف من إحدى نوعين: إما شاملة لمراحل حياتها طفلة فـصبية فشابَّة متزوجة فمريضة حتى الموت، وهي البيوغرافيا التي مثلتها هيرميون لي على أمثل وجه ووصلت بها إلى المرحلة النهائية في جائزة مجموعة نقاد الكتاب الوطنية في بريطانيا. عنوان الكتاب “Virginia Woolf, By: Hermione Lee ” أو النوع الآخر، بيوغرافيا مكثفة عن إحدى مرحلتين في حياة وولف، الطفولة وازدهار الكتابة، أو السنوات الأخيرة من حياتها وهي معروفة بسنوات إصابتها بالجنون؛ المتمثلة في مذكرات كتبها ليونارد وولف عن سنوات حياته مع فرجينيا “  لايمكن أن يقرأ قلب هذا التوثيق ولا يبكي. صادق حد الجَرح.  “Downhill All The Way, by: Leonard Woolf

عند ذاك، يمكن للمعجب أو الناقد الكتابة عن المرأة فرجينيا وولف. لا عن الكاتبة التي قد يستطيع أي قارئ التنبؤ بشخصيتها من خلال أعمالها من روايات وقصص و مقالات. دون الإدلاء بمعلومة عن حياتها لأن فرجينيا ليست من الكتَّاب الذين يمكن أن يتساهل المرء مع سيَرهم لتزجية المحتوى الأدبي في المكتبة العربية عن الرواية الإنجليزية الحديثة. في بريطانيا اعتمدت المكتبة الأدبية والثقافية اسم فيرجينيا وولف في أرشيف الأسماء الخالدة التي ستُذكر على مر التاريخ. في مكتبة لندن توجد مراسلات و قصاصات لفرجينيا مع توثيقات كثيرة تمت كتابتها عنها بعد وفاتها. مما قرأته في القصاصات: يناير وفبراير من عام 1915 هما الهدوء ما قبل العاصفة في حياة فرجينيا وولف، فبعد شهر.. سقطت فرجينيا في انهيار عصبي شديد لدرجة أنها فقدت ما تبقى من قدرتها على الحياة باقي السنة. لم يكن ذلك انهيار فرجينيا الأول. لم يتم التحدث كثيراً عن اغتصاب فرجينيا في طفولتها من أخيها غير الشقيق. هناك محللين كذَّبوا حادثة الاغتصاب واتهموا فرجينيا باختلاقها بسبب الذهان الذي جعلها تتوهم أموراً لم تحدث. لكن مذكرات فينيسا  شقيقة فرجينيا ومراسلاتها معها ( لم يتم نشرها في مجموعة رسائل فرجينيا بل في كتاب لفينيسا عن علاقتها بأختها) كان فيها إشارات عن ما حدث معهما في سن السادسة ومزق طفولتيهما إذ تم اغتصاب فينيسا أيضاً، ولم تكن تلك الإشارات مواربة. قد تكون الرسالة الأبرز بينهما التي ذكرَت الأمر هي ما قالته فينيسيا في رسالة لأختها: “أرجو أن تحتفلي بنجاح روايتك و تنزعي عن رأسك مافعله جيرالد، إنني حتى لا أريد أن أتذكر أنه أخونا. لقد مضى وقت طويل. أرجوكِ اعتبري الأمر مثل لوحة فشلنا في رسمها وعلينا رميها في الخارج.” كانت حياة فرجينيا جميلة وهي بالأصل ذات شخصية مرحة تحب اللعب والاختلاط بالآخرين، فلم يكن هناك مبرر لإصابتها بأول انهيار عصبي بعد وفاة والدتها سوى رعبها الشديد من مستقبل ما ستكون عليه إن عاشت مع عائلتها من الرجال الذين من بينهم إخوَتها فاعلي الجريمة. كانت أمها صمام الأمان لحياتها وقد توفيت بالحمى الروماتيزمية عندما كانت فرجينيا تعيش أول سنوات صباها في سن الثالثة عشر التي تحتاج فيها إلى أمها لتطمئن و تكتب قصصها بتركيز لا يشوبه قلق من أذى مباغت من الخلف أو عند الظلام أثناء النوم. بعد وفاة والدها في 1904 أصيبت فرجينيا بثاني انهيار شديد نهش من قوتها الشيء الكثير. كتب ابن اختها عن تلك الأيام يقول ” كل ذلك الصيف كان جنون”. عانت فرجينيا من فقدان أفراد عائلتها الحبيبة واحداً تلو آخر فبعد أعوام توفيت أختها غير الشقيقة “ستيلا” وبعدها مات شقيقها “ثوبي” الذي كانت تعشقه ولا تتخيل الحياة دون صوته. انتكاساتها المتكررة أثرت على صحتها النفسية بعد ذلك طوال حياتها. عاشت بضع سنوات تحاول فيها المقاومة والاستقرار و نجحَت في الكتابة إلى أن كان انهيارها الثالث بعد زواجها في سن الواحدة والثلاثين عام 1913. في ذلك العام تم تشخيص مرضها باضطراب ثنائي القطب وهو يحمل في تعريفه عدة إصابات أخرى مثل القلق والتفكير المفرَط والاكتئاب الذي كان أكثر ما فتك بعقل فرجينيا حتى أودى بها إلى ما ظنته هي جنوناً لكنه لم يكن سوى تفسُّخ وجداني لم يكن يردمه أي نجاح جديد أو سعادة مكتملة إضافية يحققها لها المحبون كزوجها و أختها، لذلك قالت في رسالتها لـ ليونارد أنها لا تستطيع أن تؤذِه أكثر من ذلك، ولا يمكن أن يقنعها أحد بأن الأمور قد تصبح أفضل ما هي عليه. ولذلك فضلت إنهاء حياتها بسلام، كما عاشت محبة للآخرين بسلام.

كانت فرجينيا مثالاً للمرأة الناجحة في النضال. هكذا ببساطة, هكذا بتجرُّد، و هكذا بفخر. يعرف الآلاف أنها أديبة. لكن ماذا عن عوامل نجاحها في الأدب؟ لا يمكن لكاتب أن ينجح وهو بلا قاعدة ذاتية أسسَت لهذا النجاح. أضع الموهبة هنا جانباً فهي ليست عنصراً فيزيائياً له موقع في الحديث. قواعد فرجينيا كانت الرغبة منذ الطفولة في التفوق في كل شيء تفعله. حتى في اللعب كانت مميزة ومشرقة ولا تكف عن الابتسام. من الأمور التي يجهلها كثير من القراء أن فيرجينيا وولف كانت تتحدث ثلاث لغات غير الإنجليزية الأم، وهي الألمانية، اليونانية، واللاتينية. حصلت عليها من قسم الفتيات من كلية الملوك في لندن. قضت أربع سنوات من الدراسة قدمتها كنموذج لمجموعة النساء المهتمات بالإصلاحات التعليمية في بريطانيا. وفاة والدها لم تمنحها فرصة الوقوف باستقامة بعد ذلك النجاح. فعاشت تصارع لتوازن نفسها بين مسئولياتها الجديدة وخرابها النفسي المعمر.

انتقال فرجينيا في سن العشرين مع عائلتها ( شقيقتها فينيسا و شقيقها أدريان) إلى منطقة بلومزبري كان منحة إلهية لتبدأ علاقاتها الثقافية مع فنانين و كتَّاب ومثقفين مشاهير منذ 1910 وقد كانت اللقاءات تتم من خلال أشقائها الذين تولوا أمر الاتفاقيات أو ما نسمه اليوم بالعلاقات العامة. يذكر ليونارد وولف كيف تعرف على فيرجينيا فيقول أنها جاءت إلى إحدى الحفلات متنكرة في زي رجل، إذ لم يكن الحفل الثقافي يسمح بحضور النساء! وهناك وقع ليونارد في حب فرجينيا بعد اكتشاف أمرها. و تزوجا سريعاً بحلول 1912 وعاشا مخلصين لبعضهما حتى الموت.

لم تكتسب فرجينيا شهرتها بعد المرض بسبب المرض! بل كان لأنها استمرت دوماً في إلقاء المحاضرات والندوات في الجامعات والجمعيات، و نجحت لسنوات طويلة في إدارة مؤسسة المنطقة الخيرية التي كانت لها أنشطة إنسانية لا تعد ولا تحصى شملَت جميع المعسورين ممن تقدموا إليها، من مديونين قامت المؤسسة وباتصالات وعلاقات فرجينيا بمساعدتهم من خلال البنوك المتعاونة أو فقراء كانت المؤسسة تجمع لهم التبرعات أو إرسال التزكيات عن الباحثين عن عمل في إحدى الجمعيات التي تتعاون مع المؤسسة، و غير ذلك من نشاطات أكسبَت فرجينيا احترام جميع الكتَّاب والمثقفين والنقاد على حد سواء. برغم أنها كانت ناشطة في النقد أيضاً، وكان نقدها يأتي لاذعاً وقاسياً و خشناً في بعض الكتابات. مثل نقدها لكتابات جيمس جويس الذي اتضح فيما بعد أنها كانت تهيبه وتأثرَت بتقنياته السردية في كتابة روايتها الأكثر شهرة من باقي أعمالها، “السيدة دالاواي”. عن نفسي رأيت التأثر واضحاً في رواية “الأمواج” وقد تفوقت فرجينيا في جعله تأثراً بنى استقلاليتها في شكل هندسة الرواية ولم يظهر مثل تناص و اقتباس أسلوبي. كتابات مشاهير المثقفين عن فرجينيا بإعجاب و اهتمام واحترام هو ما أكسبها شهرة و تقدير من المجتمع القرائي وهو ما جعل انتحارها صدمة يتحدث الجميع عنها بأسى حتى اليوم.

قبل انتحار فرجينيا الأخير كانت لها محاولات مبكرة ما بين 1913 و 1915. حاولت مرة إلقاء نفسها من النافذة وفي مرة أخرى أخذت جرعة زائدة من الفيرونال المنوم. كانت تعي لما يحدث لها وقد قالت منذ تلك السن الصغيرة أنها تشعر بالجنون. لم تكن تأكل ولا تنام. كانت تدَّعي أنها أصيبت بالهلوسة لكن لم يكن ذلك صحيحاً بعد تشخيص الطبيب.

هل هناك من عانى من المرض بسبب الكتابة؟ يحدث هذا معي كثيراً و قد بدأ من قبل تعرُّفي على فيرجينيا وولف من خلال رواية السيدة دالاواي منذ عدة سنوات. لذلك أنا أشعر بما كانت تمر به فرجينيا أثناء اندماجها مع أبطال رواياتها و إصابتها بالحمى والقلق الشديد عند الاضطرار إلى القيام من خلف طاولة الكتابة أو رفع أصابعها عن الآلة الكاتبة. لم تكن تتعافى حتى يتم دخول عملها إلى المطبعة وتشاهد أول نسخة مطبوعة منه. كانت فرجينيا تفرح بالنجاح لكنها لم تبحث عن مديح القراء يوماً. تنام طويلاً أو تسافر مع زوجها و شقيقتها بعد صدور عمل لها. تستقبل أصداءه من عائلتها وتكافئ نفسها بتواضع بكوب من الشاي مع الأصدقاء أو زيارة لمن لا يستطيع منهم المجئ للاحتفال معها.

عندما تدخل إلى مكتبة لندن يجب أن تشعر أنك في مكان مرتبط بفرجينيا وولف ارتباطاً وثيقاً. فقد كان والدها السيد ستيفن ليزلي رئيس مكتبة لندن منذ 1892 إلى 1904. فكانت فرجينيا من زوار المكتبة الدائمين. استمارة عضويتها الأصلية محفوظة حتى اليوم في المكتبة. عندما تكتب فرجينيا لا تشعر أنها مصابة بأي شيء. قالت كثيراً لمن حولها وفي مذكراتها أيضاً: ” أكتب بمتعة بلا حدود. وتصل متعتي إلى ذروتها عندما أقضي ستة أو سبعة أيام في كتابة متواصلة.” مما يثبت بلا تمجيد أنها كانت مخلصة في عملها وهواياتها أيما إخلاص.

في روايات فرجينيا الكثير من الإسقاطات التي قصدَت فرجينيا تضمينها على حياتها الشخصية. وعلى شخصيتها وأفكارها وأراءها عن بعض الأمور. فالسيدة كلاريسا دالاواي في رواية السيدة دالاواي هي فرجينيا نفسها. أنا في هذه الشهور اقرأ رواية يوليسس، أدرك كلما تقدمت في القراءة أن السيدة دالاواي ردة فعل من فرجينيا على يوليسس. ردة فعلٍ ناقدة. سوزان و جيني بطلتي رواية الأمواج و شخصيتين من شخصيات الرواية الست هما أيضاً فرجينيا. كل واحدة منهما كانت فرجينيا في جانب باطني من شخصيتها. فسوزان التي تفكر في نفسها على أنها أجزاء من كل عنصر في الطبيعة هي نفسها فرجينيا التي تعتقد أن الطبيعة جزء أصيل من شخصية الإنسان أو ما تتشكل عليه شخصيته دون تدخل منه.وهي تقصد البيئة التي ينمو فيها الكاتب. أما جيني العابثة التي تصرفت في حياتها بشكل خاطئ فقد تقاطعت مع فرجينيا في وجه محبة الحياة الاجتماعية و اليقين أن الأمور لا تستقيم بالعزوف عن الناس.

اغتصاب فرجينيا في طفولتها أثر على حياتها مع زوجها في أول سنوات زواجهم. فقد كانت تعيش صراعاً ما بين الحب والجنس كحتميات مكملة لبعضها البعض في العلاقة الزوجية. كتبَت لزوجها بعد محاولات ليونارد اللطيفة لأسابيع وشرحَت: “كما قلت لك بخشونة في يوم سابق، لا أشعر بالانجذاب لك. هناك لحظات..عندما قبَّلتني، كنت أشعر بيدك وهي تلمس ظهري، كما لو أنني صخرة.” ثم كان حُب وصبر ليونارد كفيلاً بحل كل شيء مع التفهم و مضي الأوقات. كانت هناك الكثير من التكهنات حول برود علاقتهما لأن ليونارد كثيراً ما كان يسافر للعمل وحده. هناك من اتهم فرجينيا بالمثلية. لكن برَّأها زوجها في كتابه عن سنوات حياته معها.

عند طرح سؤال عن ماذا كانت تريد فرجينيا من الزواج؟ إن افترضنا أن من يسأل هذا يجهل أن السبب الرئيس كان وقوعها في حب ليونارد، فقد كتبَت له ذات مرة تقول: ” أريد كل شيء، الحب، والأطفال، والمغامرة، و العلاقة الحميمة، و العمل” لم تنجب فرجينيا أطفالاً بسبب حالتها الصحية السيئة. واحدى من أكثر رسائلها المحزنة كتبتها إلى شقيقتها تقول: ” لن يكون بإمكاننا إنجاب طفل، لكننا نرغب أن يكون لنا طفلاً” كثيراً ما ألقت فرجينيا اللوم على نفسها. الضياع الأسري الذي أصابها بعد حادثة الاغتصاب وموت والدتها أفشل محاولاتها على التوازن فكان دوماً ما يحذر الأطباء زوجها من الإنجاب. وقد يكون بالطبع حرمانها من الأمومة أحد عوامل احتدام انهياراتها و اكتئابها كل ما تلى ذلك لها من سنوات.

سنوات صراع فرجينيا كانت أيضاً سنوات اضطراب وصراع في أوروبا. لم تكتب فرجينيا مباشرة عن الحرب في رواياتها، لكن اهتمامها السياسي غير المعلن كانت له انعكاساته في صراعات الأبطال والأحداث في أعمالها مثل رواية “غرفة يعقوب” و “نحو المنارة” و ” سنوات” لذلك لم تجنح فرجينيا للخيال في تقنياتها الكتابية وكانت تستخدم الطبيعة في التطعيم الفني المتخيل واللازم لبناء القصة حسياً في ذهن القارئ. و بسبب الحرب أيضاً كان لعنصر الزمن في تقنية الكاتبة فرجينيا وولف دوراً محورياً في تأطير القصة وجعلها شادّة لانتباه القارئ. سيكون لدي فضول لمعرفة ما الذي يمكن أن يحدث في يوم واحد بين جماعتين متصارعتين بينهما اتفاق لم يجهزوا له بعد. في المدرسة الواقعية التي تمثلها وولف من جيل الحداثيين لا يُمنح الزمن اهتماماً، أي أنها مدرسة مخالفة لفكرة أفلاطون عن الزمن. وهي الفكرة التي تجعل من الزمن قيمة ثابتة أي بمعنى حدوث الزمن في القصة لا حدوث القصة في الزمن. نجحت فرجينيا في استخدام الزمن ديناميكياً في بعض أعمالها مثل السيدة دالااوي ورواية الأمواج أي أن الزمن أخذ طابع الحركة المستمرة. وهذا ما كان يحدث أثناء الحرب إذ لم يقيد الزمن أهدافها بل كانت الأولوية أن تتحقق الأهداف مهما كلفَت من أيام. وهو الأمر الذي كان ضرره بالغاً على الناس في أنفسهم و ممتلكاتهم و يجعل حياتهم معرضة لوقت أطول للخطر.

في التالي، مجموعة مذكرات و رسائل لفرجينيا وولف تترجم لأول مرة إلى العربية. لم أقم بترجمة ما سبق نشره وتداوله على نطاق واسع من قبل. سواء أكان مترجماً ترجمة جيدة أم العكس. لم أترجم رسالة انتحار فرجينيا المنتشرة في المجلات الأدبية والانترنت وهي رسالة أنوه أنها حملت الكثير من الخلط وعدم الدقة ما بين رسالتي فرجينيا لزوجها في شهر مارس من عام 1941 ، لكنني قمت بترجمة رسالتها الأخيرة له وهي التي كتبتها في يوم وفاتها قبيل ذهابها إلى النهر مباشرة. بهذا العمل أرجو أن أكون قد قدمت لقراء الأدب الإنجليزي الحديث عموما و قراء فرجينيا وولف المهتمين بمعرفة أمور دقيقة عنها شيئاً بسيطاً لا يُذكر، لكنني أرجو من ورائِه شيئين، الأول إحداث مسرَّة و إن كانت ثانوية.. في القلب، و الآخر إضافة شيء جديد يتميز بالمصداقية والأخذ من مصادر سيدة الشأن نفسها وعائلتها ومن عاشوا في منطقتها وبين رواياتها في لندن وتمثالها النصفي في ساحة تافيستوك، وحصلوا على جوائز بريطانية نظير دقتهم في نقل سيرة فرجينيا وولف.

0939cdf0c16e8876739e7cd154939a01

من مذكرات فرجينيا وولف

 

السابع من أغسطس/ 1918 – الأربعاء/ آشام .

مذكراتي في آشام تستنزف تأملاتي الدقيقة للزهور، الغيوم، الخنافس و سعر البيض، و الخلوة. ليس هناك حدث آخر للتدوين. مأساتنا الوحيدة اليوم هي سحق يرقة. تأثرنا لعودة الخدم من سانت لويس في الليلة الماضية محمَّلين بكتُب الحرب و مراجعات إنجليزية من أجلي مع كتاب برايلسفورد “عصبة الأمم” ، وقصة “النعيم” لكاثرين مانسفيلد . رميت قصة “النعيم” بتعجب. فعلت ذلك..في الواقع أنا لا أعرف أي قدر كبير من الثقة امتلكت هذه الكاتبة كامرأة لتعيش قصة من هذا النوع. يتعين علي قبول الحقيقة. أنا أخشى أن يكون عقلها مثل تُربة هشة جداً. مثل شبر من العمق أو اثنين وضعت عليهم صخرة جرداء جداً. بالنسبة إلى قصة “النعيم” فهي طويلة بما فيه الكفاية لمنحها فرصة الذهاب إلى الأعمق. بدلاً من التظاهر بالنباهة. إنها سطحية، المفهوم بأكمله في القصة فقير، رخيص ولا توجد رؤية تصبو إلى الكمال لعقل يهتم. إنها تكتب بسوء، وكان التأثير في القص كما كنت أقول لإعطائي انطباعاً بقسوتها وصلابتها كإنسان. سأمنحها قراءة أخرى لكنني لا أفترض أنني سأغير شيئاً. ليس علي الإندفاع للقيام بهذا الشيء حيال رضاها التام. ارتحت الآن أن هذه الرغبة لم تأتي. أليس من السخف أن اقرأ كل هذه الانتقادات لشخصيتها في قصة؟

على كلٍ كنت سعيدة جداً بالذهاب مع بايرون. على الأقل هو رجل ذو فضائل. في الواقع، كان مؤنساً أن أجد كم هو من السهل تخيل تأثيره على النساء وبالأخص الغبيات و غير المتعلمات. غير قادرات على الوقوف بوجهه، كثيرون جداً، يتمنين استعادة أنفسهن منه. منذ كنت طفلة (كما يقول غيرتلر، الذي أثبت أنه شخص دقيق الملاحظة) كانت لدي عادة التقاط بعض السيَر بكثافة و بناء خيال وهمي عن هذه الشخصية باستغلال كل قصاصة خبَر أستطيع إيجادها تتحدث عنه.  مأخوذة بالعاطفة, اسم كوبر أو بايرون أو أياً يكن، يبدأون بالتحرك في صفحات سيئة الحظ ، ثم فجأة، يصبح رقم الصفحة بعيداً وفي عداد الأموات. أنا معجبة كثيراً بالخبث الشديد في شِعر بايرون! مثلاً عندما يقتبس لـ مور بإعجاب صامت تقريباً. لماذا يعتقدون أن هذا الألبوم المحشو هو أفضل استثارة للشعر؟ إنه يقرأ بقوة، أفضل من ليل، أو إيلا ويلر ويلكوكس. وقد نصحوه بالعدول عن فعل ما يعلم أنه يستطيع عمله، و هو كتابة الهجاء! لقد عاد إلى بلاده من الشرق مع هجاء ساخر حاكى فيه هوراس. كان في حقيبته مع شيلد هارولد. كان مقتنعاً بأن شيلد هارولد هي أفضل قصيدة كتبَت. لكن أبداً لم يصدق عن نفسه أنه شاعِر. الدليل، أنه كشخص عقائدي واثق لم يقدم هدية من خلال قصائده. كان وردوورث و كيتس يؤمنون بذلك أكثر من أي شيء آمنوا به. شخصيته، تذكرني كثيراً بالقليل من روبرت بروك. وهذا هو عيب روبرت. على كل حال، بايرون لديه قوة رائعة. رسائله تثبت ذلك. إنه يستطيع فقط الضحك من خلال المرأة. ولكنهن عبدوه بدلاً من ذلك. لم أتعرف بعد على السيدة بايرون. لكنني أفترض بدلاً من الضحك، أنها بكل بساطة كانت مرفوضة. وبذلك أصبح اللورد بايرون، محض بايروني.

ملاحظة: من يوميات 1925. امتاز هذا العام في حياة فيرجينيا بطباعة و نشر رواية كل الأجيال الإنجليزية بعد ذاك، رواية “السيدة دالاواي”.

العشرون من آبريل/ 1925- الإثنين

السعادة هي أن تكون لديك سلسلة صغيرة تُرفَق فيها أشياء تنزلق وترتبط مع بعضها البعض بنفسها. مثلاً، الذهاب إلى خياطتي في شارع جاد، أو بالأحرى التفكير في ثوب أجلبه إليها لتحيكه أو أن تتخيل ثوباً فتحيكه، هذه هي السلسلة، كما لو أنها تراجُع مرن إلى موجة مليئة بالكنز و إحضار اللؤلؤ العالق فيها. المسكينة مورفي تقبع في بيت الدرّج السفلي. نظراً لقسوة ليونارد المشتعلة التي يرفض نعوتي لها هكذا بالتأكيد. مورفي ليس لديها سلسلة مغموسة في الموج الأخضر. الأشياء لا تتعلق ببعضها من أجلها، أضف إلى ذلك أنها كالحزَم الخلابة.. وتلك سعادة. أيامي من المحتمل أن تكون معلَّقة معهم. أحب حياة لندن هذه في أوائل الصيف وأحب التسكع في الشوارع والحي المربع. بعد ذلك إن كانت كتبي ستمضي إلى درب النجاح، إن استطعنا البدء في البناء على سفح منطقة الرهبان، و وضع هاتف لنيللي، والحصول على بعض الفاكهة المجففة لإمضاء الوقت حين نذهب للعيش في كوخ شانكس فإن ما سيحدث سيكون بعضه شديد المسرة و بعضه الآخر غارق في الكآبة. ستجري استعراضات سيئة وسيتم تجاهلها. سيكون هناك تصفيق بلذة، من أجل المجاملة. ولكن ما أرغبه حقاً هو أن يكون لدي ثلاثة باوندات لشراء زوج من الأحذية المطاطية والذهاب إلى البلدة للمشي يوم الأحد.

شيء واحد يُنظر إلى حالتي العقلية الآن، خلاف ما أبدو عليه..أنني أخيراً، ثُقِبت فخرَج زيتي جيداً ( كناية عن شوائب الروح) ولم يعد بإمكاني خربشة شيء يطفو على السطح. لدي الآن ست قصص تموج حولي. و أشعر أخيراً أنني أستطيع جمع كل أفكاري وتحويلها إلى كلمات. تبقى عدد لا حصر له من المشاكل، ولكنني لم أشعر قط بمثل هذا الإندفاع و التعجل من قبل. أعتقد أن بإمكاني الكتابة بأسرع مما أفعل بكثير. إنني باندفاع، أكتب عبارة في ورقة، ثم أعيد كتابتها وأعيدها مرة أخرى كما لو أنني أحاول الانتهاء منها. الكتابة الفعلية الآن تبدو مثل اكتساح فرشاة. املؤها كلما فرغَت. الآن لنفترض أنني أصبحت لا أقول واحدة من المهمِّين لكن من الروائيين المثيرين للاهتمام؟ الغريب، أنني بكل غروري، ليست لدي ثقة كبيرة في رواياتي بعد أو الأخذ في الاعتبار أنهم تعبيراتي الخاصة.

ملاحظة: من يوميات 1926 ، أبرز أحداث هذا العام هو نشر فيرجينيا وولف لرواية ” نحو المنارة” التي حققت نجاحاً أخلَّ باتزانها العاطفي والفكري ولم تنتبه منذ البداية إلى ارتباط هذا النجاح بما سبقه من نجاحين هائلين لرواية غرفة يعقوب والسيدة دالاواي.

الثالث والعشرين من فبراير / 1926- الثلاثاء.

أنا منصهرة في روايتي مثل علَم قديم يرفرف بفتنة. هذه الرواية هي ” نحو المنارة”. أعتقد أنه من الجدير أن أعبر عن شغفي الخاص بها وأنا في نهاية المطاف بعد معركة “غرفة يعقوب” التي حضرت فيها صنوف العذاب كما في نهاية “السيدة دالاواي”. أكتُب الآن بانطلاق و تحرر كما كنت أكتب طوال حياتي. أكتب في مسودة الرواية أكثر من عشرين مرة أكثر مما فعلت مع أية رواية من قبل. أعتقد أن هذا دليل على أني في الطريق الصحيح. مثل سريان لذة ثمرة تستشري ببطء في حاسّتي لكي تصل إلى روحي. بعجَب، أنا الآن أخترع نظريات عن الطلاقة و الخصوبة مثلاً: أقوم باستخدام التذرّع والاحتجاج للدفاع عن نوع من الاقتراب الحميم. على كل هذا يمضي مع بقية الصباح. لدي شياطيني الخاصة التي تبعد التصلب عن ذهني حتى الظهيرة. أنا أعيش تماماً في ذلك، أشعر بالغموض عندما أطفو بذهني على السطح، في كثير من الأحيان أكون غير قادرة على التفكير عندما أمشي في الحي المربع. هو أمر سيء وأنا أعلم. لكن قد يكون علامة جيدة للكتاب بالرغم من ذلك. هذه الحالة معروفة لدي بالطبع إلى حد كبير، لكن حدث ذلك مع كل رواياتي من قبل. أشعر أن باستطاعتي جعل كل شيء يطفو بلا حراك الآن، وكل شيء بدلاً من هذا الطفو يحتشد و يكتنز وزنه ويصبح مربكاً للذهن.

_

العشرون من مارس/ 1926- السبت

و لكن ماذا ستصبح كل هذه اليوميات؟ سألت نفسي بالأمس. لو أنني مت، ماذا سيفعل ليو بهذه اليوميات؟ قد يميل إلى حرقها. قد لا يستطيع نشرها. حسناً، أعتقد أن بإمكانه أن يشكل كتاباً منها، ثم يحرق المسودة. أظن أن بالإمكان صنع كتاب صغير منها مع تقويم بعض القصاصات والخدوش وجعلها في مكان بارز قليلاً. يعلم الله، أن هذا ما تمليه علي السوداوية التي تجثم على نفسي بعض الأحيان وتجعلني أعتقد أنني طاعنة في السن و قبيحة. أنا أكرر الأشياء، و مع ذلك، بقدر ما أعرِف ككاتبة فقط، أنا الآن أكتب خارج تركيزي، خارج ذهني.

الخامس والعشرون من مايو/ 1926- الثلاثاء

انتهيت من سكيتش الجزء الثاني من رواية “نحو المنارة” وربما بعد ذلك، سيكون العمل مكتملاً بحلول نهاية يوليو. موثقاً، بعد سبعة أشهر، بالتوالي.

الثلاثون من سبتمبر/ 1926- الخميس

أتمنى إضافة بعض الملاحظات على هذا، الجانب الصوفي والمبهم من هذا التعاطف. كيف أنه لا يجعل المرء يمثل نفسه ولكن يمثل شيئاً في هذا الكون يُختَطف المرء معه. هذا هو ما يبعث الخوف والإستثارة في خضم أعماقي المصابة بالإكتئاب والملل وأي شيء آخر. يمكن للمرء أن يرى زعنفة تمر بعيداً.. ما الصورة التي يمكنني إيصالها لنقل ما أعنيه؟ حقاً ليس هنالك شيء أو على ما أعتقد. الشيء المثير للاهتمام هو أنني بكل هذا الإحساس والتفكير الذي لدي إلا أنني لم أصطدم بهذا الإختلال من قبل. الحياة، بوعي و دقة.. مسألة شاذة. هذا موجود في جوهر الواقع. استخدمت هذا الشعور عندما كنت طفلة لا أستطيع الخطو على البحيرة ولا مرة. أتذكر، أنني فكرت كيف أنني كائن غريب؟ و لكن عبر الكتابة أنا لا أصل إلى شيء. كل ما أعنيه هو أن هذا الإختلال جعلني ملاحَظة كحالة عقلية غريبة الأطوار. خاطرت بالتفكير أن هذه أعراض كتاب آخر يوشك على الإقبال. في هذه الفترة ذهني بِكْر و خالٍ تماماً من الكتب. أريد أن أشاهد و أرى عملية حدوث الفكرة لأول مرة. أريد تتبّع عمليَّتي الخاصة.

ملاحظة: من يوميات 1928 ، أنهت فيرجينيا كتابة رواية “أورلاندو” و تمت طباعتها ونشرها ولاقت ما لاقته الروايات السابقة من نجاح واحتفال لكن فيرجينيا، كانت قد بدأت تعاني من أعراض الجنون و تعترف بها لنفسها بتعبير مبهَم على نفسها في البداية إذ لم تكن تدرك بعد أنها على مشارف الهلوسة وفقدان العقل الذي لم يضع كله حتى لحظة انتحارها. بل كانت رزانتها ورصانتها سيدة كسيادة أدبها مع زوجها و عائلتها و رواياتها وأبطالها. هذه التدوينة تعبر عن بداية النهاية:

الثامن عشر من مارس/ 1928- الأحد

لقد فقدت متن الكتابة. عذراً لحضرة البلاد على فقدان هذا الكتاب! في الواقع أنا فقط أكتب الآن، أكتب حروفاً أقول بينها أنني انتهيت من “أورلاندو” بالأمس عندما دقت الساعة الواحدة. على كل حال تمت تغطية اللوحة. سيكون هناك احتياج إلى ثلاثة أشهر من العمل حتماً قبل التمكن من طباعتها. سارعت إلى رش اللوحة، سوف تظهر في آلاف الأماكن. لكن هذا شعور هادئ للكتابة و إنجازها حتى الإنفجار. حتى النهاية. وفي يوم السبت نخرج و نحاول استرضاء عقلي مجدداً.

لقد كتبت هذا الكتاب أسرع من أي كتاب. بالطبع هذه مزحة. البطل مثليّ الجنس وسريع القراءة على ما أذكُر. حسناً إنها عطلَة الكتّاب. أشعر أكثر فأكثر أنني حتماً لن أكتب رواية مرة ثانية. قليلاً من اللحن ينساب، يذكرني بفرنسا، إذن سنجوب فرنساً براً يوم السبت. ينبغي أن نعود في السابع عشر من إبريل لأنه الصيف. الوقت يطير، اوه..أجل. ذلك الصيف سيكون هنا مرة أخرى. ولا أزال أتعجب كلياً، العالَم يتأرجح مرة أخرى و يُحضر زرقته واخضراره إلى قلب عيْن المرء.

منذ فبراير حدث لي بعض الدواخ مع صداع مرافقاً لمسة من الإنفلونزا. و هكذا، مع الأضواء في الأسفل، و كل الطاقة الموجهة إلى دفتري لإجباري على الكتابة، لم أكتب هنا. لم تعجبني هذه الأشهًر. هل نجرب روما في العام القادم؟ السيطرة على الحياة هي ما ينبغِ على المرء تعلمه الآن. إنها إدارة اقتصاديـة. أشعر بحذر مثل المساكين. أنا الآن في السادسة والأربعين، لكن قد أموت فيما بعد. على ما أظن. إذن سأحصل على دروس الفرنسية الآن..بدلاً من انتظار حدوث شيء.

الرابع من مايو/ 1928- الجمعة

هناك الآن تسجيل جائزة النسوية التي علي القيام بها قبل الإنطلاق في هذا اليوم المشمس الرائع لتناول الشاي مع السيدة جنكينز في شارع داوثي. سأذهب بصرامة. لا لكي أصد النساء اليافعات اللاتي تغلبن على الصعاب بلا شك. لكنه يوم رائع لتسجيل إنجازات.

كانت الجائزة شأناً مثيراً للرعب. وظيفة، لا تنذر بالخطر، لكنها محفوفة بالاستغباء للنساء. هيو والبول يقول كم هو يكره كُتبي، بدلاً من ذلك، كان عليه أن يخشى على منصبه من نجاحنا. الآنسة الصغيرة روبنز. ذات ثديين مكتنزين بارزين. أذكُر أن والدتك هي أجمل سيدة وفي الوقت نفسه هي المرأة الأكثر اكتمالاً في العالَم. جاءت و زارتني في شقتي. رأيت ذلك من قبل في زيارة صيفية في يوم حار. قالت أنها لم تعهد فعل ذلك . ثم فجأة كادت أن تقول شيئاً خمنت أنه لن يكون متوقعاً أبداً، هذه المرأة ذات وجه مادونا الأجمل. قلت أنا بمتعة: لا شيء آخر يمكن أن يترك انطباعاً قوياً الآن. بعد ذلك اللقاء كان هناك خليط من الأثواب السوداء مرعبة الشكل بدت رخيصة وقبيحة. لا أستطيع السيطرة على هذه التجمعات. كما أنني أستيقظ عند الفجر فلا يمكنني التحمل. كما أن الشهرة أصبحَت مبتذلة ومصدر إزعاج. ذلك لا يعني شيئاً، الأميركيون دوماً يهتفون بالتقدم و التحرر.

شاهدنا عدد لا يحصى من الناس. إيدي، ليتون، آنسة ريتشي، فرانسيس و فيتا، والآن.. الدقيقة جينكينز.

ملاحظة: من يوميات 1941. انتحرت فيرجينيا وولف في هذا العام. فقدان توازن الكتابة في آخر أيامها يعكس فقدانها لهويتها وسلامها الباطن لكنها لم تفقد الحب و الإخلاص. هذه التدوينة ترجمة تلخيصية لحال فيرجينيا الأديبة في الأيام الأخيرة:

السابع من فبراير/ 1941- الجمعة

لماذا كنت مكتئبة؟ لا أستطيع التذكر.

كنا نشاهد تشارلي شابلن. جاءت فتاة الحليب و أزعجتنا. كتبت ببعض التوهج. سنقوم بزيارة السيدة ثرل قبل الذهاب إلى كامبريدج. أسبوع من انقطاع المياه في البئر القريبة منا. كامبريدج ثم اليزابيث بوين، ثم فيتا ثم إنيد جونز. هيلين سددت لي خمس وعشرون باوند. هل أحببتها أكثر بفضل ذاك؟ أعتقد. جاء الثلج مرة أخرى. المستنقع المالح يذوب. كنا في لندن في الخامس من فبراير. كان علينا البقاء في البيت. بسبب قنبلة في دوركينغ. تم تأمين السيارة في مرآب مارتين. تناولنا عشاء مكوناً من لحم الأيل في وايت هارت. شوارع اكسفورد ولندن فارغة جداً و متشحة بلون الرماد. محفظتي الحمراء سُرقت. الفتاة إل اعطتني محفظة أخرى. في شارلستون كلايف كان هناك ستوكش الشبيه بالسيد بيل. تساءلت عن خطورة اندفاع فتيات المنطقة للزواج منه. السيتويلزيون يثبتون وجودهم كشعراء في المحاكمات القانونية. هذا حقير بصراحة لكنه ممتع. ماذا أيضاً؟ إلين تيري ستظهر اليوم في إن.اس ( مقاطعة نوفا سكوشا) . والإيطاليون يحلقون. الأسبوع الثالث من مارس تم تجهيزه للغزو. الجو قاتم الآن. ربما سأكتب رسالة لماري. لا أظنني سأقرأ شيء؟ لابد لي أولاً من الوصول إلى طقوسي الإليزابيثية.

السادس عشر من فبراير/ 1941- الأحد

في المياه الفضية أخيراً..بعد الأسابيع الأخيرة من الإضطراب. أحب تناول العشاء مع ديدي، كل شيء مضاء بطريقة محرضة على اتخاذ المزيد من السرية. أنا أحب الليل الفضي الناعم في نيونهام. وجدنا الصديقة بيرنال في غرفة ذات رتم احتفالي عالي.  كل شيء مصقول بطريقة ملفتة للنظر. كانت في رداء ناعم أحمر وأسود. جلسنا قبالة نار متألقة، جلسنا مع بيرنال، وأحاديث تداولناها بشفافية غريبة. سوف تغادر في السنة المقبلة.

ثم في ليتش وورث يجلس الكتَّاب خلف آلات الطباعة مثل العبيد. لدي مجموعة وجوه رسمتها لهم، في ذهني.  الآلات المستمرة في كفاءة. تعمل في الطي والتغليف و تحرض على إصدار كتب متصفة بكمال خلاب. مطبوعتنا ترسل أول طبعة من إصداراتها في صندوق زجاجي وهذا ليس موجوداً في صحافة بلد آخر بهذا الوقت. رحلات قطار طويلة، طعام قليل، لا زبدة ولا مربى. الأزواج الكبار التقليديون موائدهم مكتنزة بالعنب والبرتقال والمكسرات. المحادثات تدور هامسة حول المدفئة.. والنار الدافئة. إيث بوين وصل بعد رحيلنا بساعتين ثم غادر بعد ذلك في الغد. أنا مقبلة على دخول أعلى مستوى وصلت إليه في حياتي، لكن ربما ليس الآن.

ملاحظة: ( توفي الروائي الإيرلندي جيمس جويس في هذا الشهر من نفس السنة، بعده بشهرين ماتت فيرجينيا . لم يوجد في مذكراتها رثاء لوفاة جويس الذي كانت تهابه كثيراً و تحتار في تحديد مكانته عندما تفكر فيه وفي مارسيل بروست. لها تعليق تم ذكره في الكتب المنشورة عن آرائها في عباقرة الأدب بوقتها وذلك التعليق على وفاة جويس: ” كنت أنظر إليك دوماً على أنك نموذج للفن المزدوج. و أنك حليف الذكور في معركة الحداثة الواقعية النفسية.”

 لها العديد من الكتابات عن أهمية رواية يوليسس التي كانت تصفها بالمكروهة التي تخشى قراءتها، كان لرواية يوليسس دور كبير في تكوين رواية السيدة دالااوي . كتابات فيرجينيا عن جويس ويوليسس كانت توصف بالعدائية، لأن جويس في الحقيقة لم يكن أديباً هادئاً. لا يمكن للمرء أن يكتب عنه إعجاباً ناعما. أثناء حياتهما كان الجميع يظن أن فيرجينيا تكره جويس. لم يحاول أحد تحليل كتاباتها عنه وهي لم تكن كثيرة بل كان تركيزها في الكتابة على رواية يوليسس تحديداً، بعد وفاتهما ومراجعة قراءاتها عن يوليسس اكتشف العديد من النقاد والباحثين في الأدب الإنجليزي أن فيرجينيا كانت تعشق جيمس جويس وتخافه. لم تحتوي مجلدات مذكرات فيرجينيا المنشورة على رثاء لجويس، لكن ذلك لايعني أنها لم ترثه، قد يكون هناك شيء في حوزة زوجها المُحب ليوناردو. إن كانت فيرجينيا حقاً لم تكتب رثاء لجويس سوى التعليق القصير المذكور في بداية الفقرة، فلا يمكن تفسير ذلك إلا تفسيراً واحداً، هو احتقان اضطرابها الذهني وشتاتها العقلي والأصوات الوهمية التي تسمعها و..الجنون )

__

الرابع والعشرون من مارس/ 1941 – الإثنين

كان لديها وجهُ أنفي الدوق ويلنغتون ( آرثر ويلزلي) وأسنان بارزة كأسنان الحصان وعيون باردة. عندما وصلنا إليها كانت جالسة محشورة في كرسي بثلاثة أرجل وبين يديها حياكة. الكولة مثبتة بإحكام في سنّارتها. قبل خمس دقائق كانت تخبرنا أن اثنين من ابنائِها قتلوا في الحرب. أحد هذين الراحلين كان ابنها بالتبني. تعلمَت الخياطـة. كل شيء في الغرفة كان باللونين الأحمر والبني، مصقولاً. جلست هناك وحاولت إلقاء بعض المجاملات، إلا أن محاولاتي لقت حتفها في البحر المتجمد بيننا. ومن ثم لم يكن هنالك شيء.

شعور البحر الغريب غمرني في الهواء الطلق اليوم. هذا يذكرني بما كنت أشعره في حديقة البيت في أيام عيد الفصح. الجميع يتكئ على الرياح. متآكلاً و صامت. أزيل الجوهر بالكامل.

هذا المقطَع عاصف. وبرايتون، اتساءل كيف نفعل إذا ما أردنا بث الحياة في النفوس؟

قصة أوكتافيا. هل أستطيع بلعها بطريقة أو بأخرى؟ قصة عن الشباب الإنجليزي في 1900 .

رسالتين طويلة من شاينا و أوه. لا أستطيع مقاومتها. لم أستمتع بها بعد.

الفتاة إل، تقوم بتشذيب الزهور.

الملفت للانتباه في مذكرات فيرجينيا المنشورة هي أنها شخصية. ليست مذكرات للنشر. لم تُكتَب لتٌنشَر وإن كانت فيرجينيا ترغب أن يقوم زوجها بفعل ذلك بعد موتها كما قالت في إحدى المذكرات بالأعلى. المذكرات الأدبية لها تقنية معينة أهم ملامحها أن تكون مفهومة للقارئ. المذكرات الشخصية تشبه لعبة البزل التي قد تكون بعض قطعها ذات رسوم مفهومة المكان والمعنى وبعضها الآخر بحاجة إلى تفكير لفهم مكانه الصحيح. في مذكرات فيرجينيا أمور وأحداث واختصارات اسماء وأماكن كثيرة لن يفهمها إلا من عاصر فيرجينيا في حياتها، أو الإنجليزيون الذين يعرفون شوارع وأدباء وفناني بلادهم، أو القراء الذين سافروا إلى بريطانيا و تجولوا في لندن وبرايتون تحديداً، مع أماكن أخرى. لمَ تم نشر مذكرات فيرجينيا إذن؟ هذه المذكرات مهداة إلى محبي فيرجينيا وولف. الأديبة الإنجليزية المهذبة و الجميلة. الكاتبة التي أعطت للواقعية قيمتها بعدم رصدها في الرواية بجفاف جارح أو بطريقة صِدامية، وهي نفسها الكاتبة التي لم تتخلى عن تقدير المخيلة إنما تلك المخيلة التي تزدهر انعكاساً من ازدهار الطبيعة، الزهور و البحر والشمس. رواية الأمواج نموذجاً مثالياً ليس للتعرف على فيرجينيا المدهشة في الكتابة، المذهلة في التصوير، المفاجِئة في محاكاة نجوى النفوس وحوارات الناس الباطنية لبعضهم البعض في علاقاتهم التي قد تظهِر عكس ما تخفي. عندما انتحرت فيرجينيا أصيب قراؤها ومحبيها الذين لم يعرفونها شخصياً بالحيرة والحزن لأنهم تساءلوا ما الذي يجعل امرأة مبدعة وسعيدة وجميلة لها زوج وفي وصالح وشقيقة فنانة وصديقات محترمات تذهب إلى الانتحار؟ لمَ اختارت الموت؟ ما المأساة التي كانت تتماوج في قلبها و أشقَتها حتى الجنون ثم الموت؟ كان يبدو على فيرجينيا الثراء رغم البساطة والتواضع. مهذبة و مبتسمة و ذات حديث جميل مع الآخرين. تكتب بوعي وتنقد أدب المعاصرين بقوة و رصانة. يمكن تشبيه ملامح حياة فيرجينيا الخارجية بتمثال الشمع الجذاب. كانت نفسها مشتعلة ورأسها يحترق من الحزن والتفكير والقلق لكن أحداً لم يكن يعرف الحقيقة سوى زوجها والمقربين.

بقية الملف في الجزء الثاني ( اضغط هنا فضلاً )