“أريد كل شيء” فهرس مالم تعرفه المكتبة العربية عن فرجينيا وولف- الجزء 2

( يرجى الضغط على هذه العبارة لقراءة الجزء الأول لربط تعليقي على أحوال فرجينيا وولف في رسائلها مع حالتها عندما كانت تدون مذكراتها. )

لدى فيرجينيا ذخيرة رسائل مؤثرة إلى عدد كبير من الناس أدباء و أصدقاء وفنانين. لم تكتب الرسائل كقطعة أدبية أو بخط أدبي، مثلما فعلَت بالمذكرات، لكن كل من كتبت لهم رسالة كان الأمر يعني لهم قيمة أبدية من هذه الصديقة العظيمة. و أقدم بعض رسائلها المترجمة لأول مرة و أقاوم نشر البقية بصعوبة إذ أنني لم أنته من ترجمتها بعد. ترتيب رأس وتذييل الرسائل أقدمه كما كتبته وولف، فيُلاحَظ في بعض الرسائل أنها بدأت باسم المرسل إليه وتاريخ كتابة الرسالة، وفي رسائل أخرى كان اسم المرسل إليه والتاريخ في التذييل.

5b769fe0910665bc09dbff17d170c2b5

من رسائل فرجينيا وولف:

من فيرجينيا وولف إلى فيتا ساكفيل – غرباً.

2 مارس- 1926

كتابة رواية في قلب لندن هو شيء يجاور المستحيل. أشعر كما لو أنني علَم مسمَّر في أعلى سارية في عاصفة هوجاء. الأمر المربك هو تغيُر المنظور. ( *فيرجينيا تتحدث عن تقلباتها الذهنية)

إلى ريتشارد أولدنقتون

 21 يناير- 1923

منزل هوغارث، طريق الفردوس، ريتشموند، سوري.

عزيزي السيد أولدنغتون،

السيد إليوت كان هنا. ناقش مسألة الصندوق وأعتقد أنه فعل ذلك معك. سألني مختلف الأسئلة التي لم أستطِع الإجابة عليها وقال أود أن أطلب منكم.

هل بالإمكان إعطاءه مبلغاً سنوياً أو إجباره على قبول هدايا، مثل خمسين باوند، من وقتٍ لآخر؟ هل عملية التجميع ما زالت مستمرة؟ كم يمكن التعويل عليها سنوياً من صندوقنا إذا كنا سنمنَح سنوياً؟

اعتبره مسلَّم به أنه قال لك كما قال لنا أنها مسألة ثقة. أو قد يقرر مغادرة البنك إن استطاع إيجد سبباً ذو معنى للعيش. لذلك بالطبع من المهم جداً الإجابة على تلك الأسئلة. سيكون من الأسهل إن كتبتَ مباشرة للسيد إليوت تجيبه على الأسئلة. أتوقع أن لديه أشياء أخرى يريد أن يعرفها. ولكنني لم أكن على ما يرام ولا نستطيع الذهاب لمساعدته بشكل جيد هكذا.

ثم رأيت السيد نورتون، عضو لجنتنا الآخر. وهو يشعر بقوة أنه حان الوقت المناسب الذي يتعين علينا فيه الاندماج مع لجنة السيد باوند، وطلب مني اقتراح هذا عليكم وعلى السيدة أوتولاين.

إن كنت تعتقد أن الأمور ستجري بشكل أفضل بالتحدث بدلاً من الكتابة، اقترح علي ذلك من فضلك في أي وقت. إما أن تأتي إلى هنا أو تقابلني في لندن.

مع فائق الإحترام،

فيرجينيا وولف

إلى كلايف بيل

فبراير 1923

منزل هوغارث، طريق الفردوس، ريتشموند، سوري

كلايف الأعز،

يجب أن أرى أختي يوم الخميس. ويجب أن تأتي متأخراً بعدها من أجل محادثة طويلة ومنعشة. إذن لماذا لا تأتي إلى هنا يوم الجمعة أو السبت؟ أو لمَ لا آتي أنا لشرب الشاي معك يوم الثلاثاء؟

أرجوك قم بالاختيار والترتيب.

لا أستطيع مواجهة انتقاداتك في الهاتف. إنها تطرق في أذني مثل بغل غاضب.

 

المخلصة،

فاء، واو

إلى السيدة سيسيل

منتصف ديسمبر- 1924

من مربع تافيستوك.

يا عزيزتي نيللي،

افترض أنكِ لن تأتي إلى هنا؟ هذا ليس كسلاً من جهتي ولكن، أولاً، يجب علي أن أكون هنا، في الصحيفة، حتى الرابعة والنصف. لأن وفاضنا فارغ من وجود المساعدات. ثانيا، أريدك أن تشاهدي الديكورات. ثالثاً، أنا أتناول العشاء في الخارج كل أربعاء. إذن بدلاً من الإندفاع إلى ساحة جروسفينور سيكون من الأجمل أن أراكِ. أو إذا كان غير مريح لك على الإطلاق، سآتي بالتأكيد. هل نقول هذا الأربعاء الموافق 17 مناسب؟

دعيني أعرف فقك ما الذي سيكون. لا، بالطبع الموظفين من حزب الشعب في الصحيفة لا يستطيعون استعراض كتب زوجات المحررين. لأول مرة في حياتي، أصنع مالاً من مصدر خارج هذا المكان.

المخلصة للأبد،

فاء، واو

إلى بيرنال ستراشي

منتصف أغسطس، 1928

بيت الرهبان، رودميل، لويس (ساسكس)

عزيزي بيرنال،

من المشين لي أن لا أمتلك إجابات وفي الواقع لا أستطيع التفكير في أي عذر، أشعر بانحراف.

نحب كثيراً الجلوس معك في العشرين من أكتوبر. لكن أخشى أنه سيكون في المساء فقط. و من فضلك لا تقم بأي تجهيزات أو حفلات. أود الثرثرة لساعات. ليوناردو ذاهب إلى اجتماع في كامبريدج بعد عشاء السبت. وأدعو الله أن تذهب أنت أيضاً إلى الكنيسة أو تضع قدميك على الأريكة بدلاً من  قراءة أوراقي. والتي بدأت اراجعها بعُتمة في التركيز مع احتقان في البلادة. الجدير بالملاحظة فقط أنها ستكون آخر قراءة في هذا المناخ أو ما يليه.

رأيت جاني بوسي في يوم آخر بين أشجار التفاح والأغنام. يالها من بيئة غريبة لها، قالت أنك قلت أن الآنسة جنكنز قالت أن حفلتي كانت تحزبية بشكل شنيع وأن كلايف كان لئيماً بشدة. اللغة التي استخدمتها الآنسة هي لغة الشباب ذوي العيون الزرقاء! ذهبت لتناول الشاي معها. ضيفتني كعكاً ناضجاً (أقصد بالسكر الأبيض) و بعض الكريمة. ثم بصقَت بضغينة وهكذا!

أرى أنها كانت مكتنزة بعض الشيء. بالمناسبة هل يمكن للمرء أن يكون مكتنزاً قليلاً في أوراقه في نيونهام؟ ما الذي سمحتَ به؟ كيف يمكنك أن تأخذ كل شيء بطريقة تعليمية؟ ماذا تقصد بذلك؟ أجب رجاءً.

المخلصة،

فاء. واو

إلى انجليكا بيل

1_اكتوبر 1940

عزيزتي بيكسي،

أعتقد أن هذا ربع يوم. هنا تأتي وقفة. هناك الكثير لأقوله، أنا مثل زجاجة انقلبت رأساً على عقب. الحرائق حولت ساحة ميكلينبورغ إلى خراب. كيف، أين، ماذا؟ حسناً. نيسّا سوف تحدثكِ عن الحرائق. نيسّا و دانكن جاؤوا لتناول الشاي بالأمس.  اوه، كان لدينا جدل على جدوى إحضار بيض السمك ( الكافيار) إلى القرية! لا أستطيع إرسال رسالة دون رؤية وجه مثل سمك القد كجنين بداخل بيضة! عقول الأصدقاء غير متبلورة. عاداتهم لم تنجح في التواجد لحماية أمهم عندما هاجمها الدب. يكفي.

تريْن كيف أحتاجكِ بعمق. أنا أفكر بك بشكل مستمر تقريباً. أحلم بك. أعتقد يا انجليكا..اوه انجليكا.. انظر للأعلى وأرى حقنة انستازيا مثل مرزاب ينزف! إذن ها أنتِ ترين، و ذلك الكافيار له استخداماته. لأن، لا.. أنا أريد الانتهاء من هذه الجملة. لأنها قد تنجح في تملّقك: تستدعي العبارة سيمفونية موزارت التي عزفتها الملائكة على بيانو صغير..

عن شُغل الصوف، هل قمتِ بإرساله؟ كان عندنا بِن. سيجلس حتى السادس من أكتوبر. نيكلسون، أعني سبعة أقدام عالية. محميّة جيداً لكنها قاسية بعض الشيء ومعقودة من الأعلى. ( عمود بلا معنى بجوار البيت)

أخبار أخرى؟ غالباً ثرثرة أهل القرية. هناك السيدة شافاز، تصنع ملبّسات حماية لأقدام الأرانب. السيدة إبس تلهمني. مسرحية السيدة وولف على المنصة، و الآنسة إيميري التي أعطتني رغيف بالسكّر. ليونارد أعطاها بعد ذلك جالوناً من التفاح. غالب الظهيرة قضيتها في مراقبة خلية النحل. هل تعلمين أنهم إما أن يقفون طوال الوقت حول خليتهم على الأغصان أو تعطب الأغصان بعد إزالة الخلية؟ استخرجنا العسل. هزمناهم بكيس من الشاش و ماء الذهب المقطر في 48 ساعة. ثم صببناه على الأغصان. لدينا 30 زجاجة عسل. السيد بروك يود الحصول على حصته منها. أفترض أنك تجلسين على طاولة مفاوضات مع برلمانيين لديهم شامات في وجوههم. ما هذا؟ يقول بروك. يتطلع و يبحث. و مجلد رمادي سمين و كبير ينبغي علي الانشغال والمعاناة معه الآن.

الرياح تعوي، تهاجم مثل إغارة على أسفل كابورن. زائر خاص من سلاح الجو أتى للعب الشطرنج مع ليونارد. اسمه كين شيبارد. هذا الرجل واقع في الحب مع عاملة مصنع الألبان. إنه جميل جداً، لكنه بروليتاري.

أخبار..أخبار، اكتُب أرجوك. دوامة كبيرة تداهمنا الليلة.

فاء. واو

ملاحظة: آنّا روث فراي كاتبة وداعية سلام بريطانية. كانت من أقرب صديقات فيرجينيا وولف إليها. تولت منصب أمين صندوق اللجنة الرئيسية للصناعات خلال حرب البوير. و سكرتير عام للجنة إغاثـة ضحايا الحرب العالمية الأولى. وهي أول رئيسة لصندوق الإغاثة من المجاعة الروسية في عام 1921.

إلى روث فراي

16 مارس- 1941

بيت الرهبان، رودميل، لويس (ساسكس)

عزيزتي روث،

نعم لقد كنت مسرورة باستعراضات روجر، خصوصاً تلك التي أساءت له، لأنها تدل على كم من الحنق لايزال لديه. لكن التي أحببتها أكثر من الأخريات هي.. جي. تي. شيبارد في كامبردج من أجل مقابلة. لذلك قال أن روجر فراي هو الذي كان هناك وليس فيرجينيا وولف، وهو الشيء الذي أردته.

لقد كنت على ما يرام. اهتممت بذلك. أعني أنني لفتُّ نظري إليّْ، المؤلف يشكرك جزيلاً. لا يزال يمضي في البيع. ولكن بسبب خطأ أحمق، لم تعطني المطبعة وقتاً لمراجعة الأخطاء المطبعية و تصحيحها. يجب أن أدلي باعتذار. وأضعهم في إطاره، يجب أن تكون هناك طبعة أخرى.

لقد كنا صفقة جيدة لبعض المتفجرات. سقطت مجموعات من المواد الحارقة على المزرعة قبل ليلتين و حرقت أكوام التبن. حتى الآن لم يصب أحد بأذى.

أعتقد أن منطقة سوفولك كانت تستهدفنا .

آمل أن نهرب معاً و نلتقي يوماً.

المجنونة بك،

فيرجينيا وولف

ملاحظة: قامت فيرجينيا وولف بعد هذه الرسالة بكتابة خمس رسائل فقط إلى بعض أصدقائها تنهي فيها أموراً أدبية و أنشطة خيرية بشكل عاجل. كانت تشعر أنها لن تستطيع تحمُّل أن تطول الحيـاة برأسها أكثر من تلك الأيام العصيبة، الأيام المدوية بأصوات غريبة وجنون فظيع. ألم لا يُطاق ولا يتوقف. قامت أيضاً بإرسال رسالتين إلى زوجها الحبيب ليونارد وولف. أي يصبح مجموع ما رسلته للجميع سبع رسائل.

الرسالة الأولى إلى ليونارد هي المنتشرة انتشاراً كبيراً بين القراء آنذاك وحتى اليوم نظراً للألم و قوة الحب والوفاء والإيثار التي فاضت بها. لكن الذين قاموا بترجمتها نشروها على أنها آخر كلمات فيرجينيا وولف إلى زوجها قبل الانتحار وهذا خطأ. لقد قام أولئك المترجمون بدمج كلمات رسالة فيرجينيا الأولى إلى ليونارد وولف التي كتبَتها بتاريخ 18 مارس مع كلمات رسالتها الأخيرة له المكتوبة في 28 مارس. الرسالتين في الحقيقة منفصلتين تماماً. رسالة وولف الأخيرة كتبتها بالضبط و الدقة في يوم ذهابها إلى النهر وانتحارها.

لم تسبق لي قراءة هذه الرسالة مترجمة بالعربية في كتاب أو مجلة أو مدونة. قد يكون هناك من قام بعمل ذلك ولم ننتبه. ولذلك أشعر بالسعادة والارتياح وأنا أكون أول من يقوم بتصحيح ما انتشر لدى قراء فيرجينيا العرب لسنوات على أنه رسالة الانتحار و التي تحتوي بعض عبارات من رسالة فيرجينيا الأخيرة بالفعل، لكنها تحتوي من الرسالة الأولى أيضاً.

رسالة فيرجينيا الأخيرة إلى زوجها المُحب ليونارد وولف:

إلى ليونارد وولف،

28 مارس- 1941

رودميل، لويس (ساسكس)

أيها الأعز،

أريد القول أنك قدمت لي السعادة الكاملة. لا أحد كان سيفعل أكثر مما فعلته، أرجوك صدّق هذا.

لكنني أعلم أنه لا يجوز لي الحصول على أكثر من هذا أبداً. أنا أضيع حياتك. هذا هو الجنون. لا شيء يقوله أي أحد يمكن أن يقنعني. يمكنك العمل. سوف تكون أفضل كثيراً من دوني. أترى؟ أنا غير قادرة حتى على كتابة هذا. مما يدل أنني على صواب. كل ما أريد أن أقوله هو أننا كنا كاملين السعادة إلى أن جاء هذا المرض. كل الفضل كان يرجع إليك. لا أحد كان يمكن أن يكون جيداً كما أنت، منذ اليوم الأول للغاية..حتى الآن. و الجميع يعرف ذلك.

سوف تجد رسائل روجر إلى المارون في دُرج طاولة الكتابة. مزِّق جميع أوراقي.

(لم تقم فيرجينيا بالتوقيع على الرسالة)

__

ما الذي كان القشة القاضية على عقل فرجينيا في آخر أيامها؟ قضى على بقية صبرها على الحياة وتحمُّل ما حملَته وما تحمله دوماً إليها من أذىً قاتل يدمر من تحبهم ولا تستطيع الحياة دونهم.

وقف ليونارد وولف بجوار زوجته طوال حياتها. كان يدرك تماماً علامات زوالها الداخلي. شاهده. وشاهد دأبها على إنهاء آخر مسوداتها في الكتابة ما بين رواية و مذكرات وكان يعرف أن هذا الدأب مختلف عن نشوتها طوال حياتها وهي تكتب. ليونارد كان يهودياً. في 1941 كان واقعاً تحت خطر إلقاء القبض عليه من النازيين. دمرت الغارة منزل الزوجين في لندن. هذه الحقائق التي لم تذكر في حادثة انتحار فرجينيا من أي مصدر نقل الحادثة باختصار قاتل إلى العربية هي حقائق دوافع فرجينيا القاطعة للإنتحار. حيث شعرَت أن الموت قريب من زوجها وقررَت أنها لن تحتمل فقد حبيب آخر من عائلتها مهما أسدَتها الحياة من عظمَة في أي نجاح . إنها لن تستطيع الحياة بلا ليونارد، رفيق العُمر والأحلام والنجاحات و الشهرة النقية من العار. لم يسقط ليونارد في قبضة النازيين بعد وفاتها. لكنها أهدته التعاسة بالفراغ الذي خلَّفته في قلبه والذي قال في مذكراته أنها يشبه خراب ما تركه الألمان في جثث اليهود الممثل بها وممتلكاتهم المدمرة بلا رحمة.

لم أعرف كيف أضع خاتمة لهذا الملف الذي عملت عليه طيلة ست وستين يوماً بلا ملل بل حزن وشوق لهذه البجعة العظيمة، لكنني أحتفظ منذ سنوات بهذا التسجيل الوحيد الذي استطاع الزمن ابقاءه لفرجينيا وولف وهي تقرأ وتتكلم، فليكن هذا تحية سلام :