Keep Calm & Type On..

grafontas-apo-me-kai-gia-tin-psychi_11

 

1

هي صديقتي، و بفخر أقول أنَّ صديقاتي جميعهن موهوبات. كل واحدة لديها مزية أتمناها في نفسي، لكن صديقات العمر يخبرنني أنني أمتاز بأشيائي التي لا يملكنها، والتي أغبطهن لأنهن لا يملكنها، إذ أنها مواهب مزعجة تثقل على النفس ولا يمكن للمرء القول أنها مواهب إلا إن كان يحب المرء الآخر الذي يمتاز بها، أو المبتلى بها. يجمع بيننا أن الظل هو صديقنا المكمل لأي عدد نكون عليه في لقاءاتنا. الظل كائن شفاف في دكنة سيماه، و الروح الشفافة يُرى جمالها عندما تعمل في الظل. هذه صديقة تحب الشعر، الكلمة العذبة، الرنين النابع من قلب يئن فيتكلم قصيدة، تتأثر صديقتي بهذه القصائد فتقرأها بصوت مسموع، تستطيع لمس الهيبة في ذوقها وتذوقها للقصائد المنتقاة بعناية روح. قامت بتسجيل إلقائِها لعدد من أجمل ما عرفه المتذوق العربي من شِعر. ولأنها تشعر وتفهم ما تقرأه، جاء إلقاؤها كهديـل الطيور. قصيدتين من أرشيفها الصوتي الصغير عرفتها أول مرة منها. حسبت أني قرأت كل شيء أشجانا به الفيتوري العظيم. لكنني فوجئت ب ” وقال مسعود الحكيم..” ، طوبى لحسك العذب يا صديقة، طوبى ف غلَبة الجمال دوماً لرفقة الظل. أشعر أن شهار التي تعاني من هزال الروح تتحول الآن إلى نورس يقف على فنار..زاهياً بإلقائك الخلاب. شكراً على تشريفي بفرصة إهداء هذه القصيدة لزوار المدونة..

2

كنت ألعب لعبة لم يسبقني إليها أحد من رواد التفكير، لا بل التفكير والبحث. أكتب تعريفات لا أقوم بحساب عددها، تعريفات كثيرة عشوائية بلا هدف، بلا توقف، بلا اتزان. ثم أفكر في عنوان لكل تعريف. ما الأقرب إلى أن يكون هو هذا الشيء المعرَّف في هذه الجملة؟ أو تلك؟ حدث أن حاز العقل على إحدى تعريفاتي التي كانت تتسم بصفة مجهولة الهوية قبل أن يتطفل العقل الذي كان يشعر بالجنون وهو يهيم بلا خريطة.. وينزِل عندها. شعرتُ أن العقل عامل ذلك التعريف معاملة ملك اليمين. أو الغنيمة التي تذهب لمن يحصل عليها. لم أعد راغباً في الخوف، لذلك تخليت عن الكراهية، إذ أنها صميم الخوف. ولم أعد غير راغب في الحب، الملكية الصرفة للمستأجر الأحمق تحتي، لذلك أرتدي من اليوم قبعة ميلان كونديرا.

هذا هو التعريف الحائز على نكبة العقل. عندما راجعت مفكرتي الخاصة بلعبة التعريفات وجدت كلمة “عقل” مكتوبة فوق التعريف وبجوارها نقطتين و سهم يشير إلى السطر الذي يليه مباشرةً وهو هذا التعريف الجميل! أظن أنه لو كان رجلاً لقتلني، و لقال أنني امرأة فاشلة في الحفاظ على الأسرار بعيداً عن أيدي العابثين، كالعقل ورفقاءه في السوء.

3

ثلاثة روايات خلال شهر أقدمها كحلويات لا توصيات. فقدت لياقة كتابة قراءة مطولة عن كتاب جيد. الشذرات كما كان يفعل سيوران تناسب لياقة فتاة مثلي، فتاة الهراء الذي يرتدي نظارة سوداء و بدلة كاجوال فيظن الناظرين أن لديه شيئاً يحل مشكلتهم المعقدة التي غالباً ما تنتهي في هذا العالم بلا حل.

2376088

رواية الطابور للروسي المتوحش.. فلاديمير سوروكين ، بالإمكان الضغط على اسم الكاتب للتعرف على أهم ملامحه الأدبية. وهي ماتوفر عنه بالعربية. قد أترجم يوماً سيرته المفصلة المذكورة في ويكيبيديا بالإنجليزية وفي موقعه الشخصي ( هنا )

الطابور رواية حوارية. لم يقدمها الكاتب في قالب قصصي بل حواري يمتاز بانتمائِه إلى هيكلة الحوارات العامية التي تحدث بين أي اثنين أو مجموعة في مكان غير رسمي، أو غير حكوميّْ. فهي على ذلك تفتقر إلى الإعداد والحبكة والوصف. وهو مالن يستحبه القارئ المتذوق لروايات دوستويفسكي وقصص تشيخوف. سوروكين ينتمي إلى مدرسة التجربة الطليعية. وهي تجربة بدأت في المسرح الطليعي الذي كان يخرج الفلسفة من قوالبها السردية إلى الجمهور في صيغة حوارية تظل تتسم بالنخبوية لكنها مهتمة بالتنوير الإجتماعي. أو جعل القارئ، والمشاهد يحمل هذا الهم معهم. تدور الرواية حول رجل يقف في طابور يبدو في البداية أنه بلا نهاية. يدرك المحتشدين في الطابور أن يوم العمل سينتهي وليس أمامهم سوى الذهاب والعودة في اليوم التالي لاستلام ما جاؤوا إليه. تقوم موظفة بتوزيع أرقام على هؤلاء المراجعين لتسهيل عملية التوزيع فيما بعد. يبدأ نفس الإجراء في اليوم التالي ويقوم بعض المراجعين ببيع أرقامهم لمن يقفون قبلهم في الطابور وآخرون يحاولون التحدث مع من قبلهم لإيجاد طريقة تسريع للطابور. بطلين محوريين في الرواية هما فاديم ولينا يتقابلان في الطابور وينتظران مساءً في الحديقة كي يكونوا من أوائل الواقفين في الطابور منذ الصباح. بعد ذلك يبدأ النداء على الأرقام والأسماء ونرتاع عندما نعرف أنهم يذهبون لاستلام أجسام مجهولة الهوية. لينا فتاة طيبة تدرس وتعمل في معهد منسوجات ولا تعرف أين مكانها في المجتمع. تسعى إلى تكوين أهمية لنفسها من خلال العلاقات. أما فاديم فهو رجل وسيم من طبقة المثقفين تخرج من قسم التاريخ في جامعة موسكو الحكومية. انتماءه للمفكرين والمثقفين يجعل من دوره في المسألة السوفيتية واجباً يحاول العثور على طريقة لأدائه كما يجب. تدور العديد من الحوارات السياسية والتوعوية عن أهمية أن يكون الشعب مدركاً لما تحاول الحكومة تطبيع الناس عليه. أخيراً وبعد يومين من الانتظار ينكشف أن نهاية الطابور كانت في مصنع. لكن فجأة يتم اصطحاب فاديم إلى حجرة عائدة إلى سيدة تدعى ليدميلا. أعجبَت بفاديم وقررت محاولة اقامة علاقة معه وعرضت عليه انقاذه من الانتظار في الطابور المرهق فوافق وغادر معها. بعد حوار ذكي ملئ بالمساومة على اختراق النظام الذي يحترمه المجتمع وهو نظام الاصطفاف في طابور عندما يكون هناك ما يجب الحصول عليه من الجميع، يمارسان الحب وينامان، وفي الصباح تكشف ليديا عن أنها إحدى العاملات في ذلك المصنع الذي يصطف الجميع في طابور لا منتهٍ للحصول على بضائع منه. أي أن انتظار فاديم كان عبثاً. لكنه لم يتعرف عليها مبكراً. وكان يظن أنها ستساعده بإغواء الصوت الذي ينادي على الأرقام أو بخدعةٍ ما. ولم يتوقع أنها تعمل في المصنع مما يسهل عليها دوماً اختراق الأنظمة.

أعجبتني الرواية كمهتمة بتاريخ حياة الروسيين في فترة الإتحاد السوفيتي أو الإمبراطورية السوفيتية إبان حكم لينين وليس ما قبل حكمه.. كانت الحروب قد أثرت على حياة الروس بعد زعامة ستالين لكن المجتمع كان قد حافظ على العديد من القيم والعادات مثل الحفاظ على النظام والذي يمثله سوروكين في هذه الرواية بالطابور. فطالما هناك شيئاً يستحق الحصول عليه من الجميع، إذن يجب الاصطفاف في طابور والحصول عليه بالهدوء والدور. عندما لا يوجد طابور يعني ذلك أنه لايوجد ما يستحق الانتظار. لا يوجد ما يريد افراد المجتمع الحصول عليه. فاديم يمثل الفئة المتقيدة بالنظام طالما لم يغوى بإغراءات تريحه وهو في قمة التعب. لقد اصطف في الطابور لأيام وساعات طويلة كي يحصل على شيء لم يتم ذكره في الرواية. وتم الترميز له بأشياء متغيرة، أي أنك قد تصل إلى دورك وتستلم شيئاً مغايراً عما كنت تحلم به، أو عما قيل لك.

سوروكين يمثل في هذه الرواية الغرائبية بعاميتها واقع الحياة الإشتراكية. لم يكن مسموحاً كتابة مثل هذه الروايات آنذاك. لكنني أرى أن الطابور والحوارات المليئة بالنكات والإشاعات والثرثرة العادية تمثل انتظار المجتمع الروسي لما سيحققه لهم الإتحاد السوفيتي من وعود. رواية غمرتني بالتشويق حتى أنني لم أجد ما يدهش في النهاية إلى أن وضعت نفسي محل فاديم وعرفت ما الذي فاجأه.

هنا حوار في صحيفة الخبر مع فلاديمير سوروكين

the-good-earth

الأرض الطيبة.

إن كنت بحاجة إلى قراءة رواية أخلاقية من الزمن المثالي، فهذه الرواية النموذج لجوهر الأخلاق. الأرض هي أمّنا الطيبة، منذ البدء كانت الأرض هي الأم الرحوم التي تمنح الخير لمن يطأ عليه سيراً في مسارب الخير. لا يُمكن أن تكون الأرض بطبيعتها الكريمة التي أهدت للإنسان كل شيء كي يكون على ماهو عليه اليوم من عبقرية وحضارة سوى الوجه الأعظم للسويّـة. بيرل باك الروائية الأميركية التي قضت نصف عمرها في الصين كتبت للإنسان ملحمة عالمية حازن على نوبل للآداب وقد لا يكون هناك قارئ أدب عالمي يجهلها سواي وعن عمد. إذ لم أحب قراءة جميع الكلاسيكيات في مبكرة فلا يتبقى لي ذخيرة أدب رصين لأيام الغثاء كما أيامنا. قصة العائلة الريفية التي تصور حياة المرأة في مجتمع الصين القديمة التي تباع وتشترى في بيوت وأسواق الجواري و الفلاح صاحب الأرض الذي حلُم بالزواج من امرأة جميلة لكن والده أنبه لأنها قد تنشغل بجمالها عن الأعمال المنزلية وتربية الأبناء، فحصَل من البيت الكبير الذي تديره سيدة غنية لديها العديد من الجواري على جارية افتقرت حتى لأكثر علامات الجمال أهمية في مجتمع الصين القديمة، وهو القدمين الصغيرة الملفوفة نتيجة ربطها بشكل مؤلم منذ الصغر. قدما أولان كانتا كبيرتين. أو بالأحرى طبيعيتين، لم يتم ربطهما. استاء الزوج الفلاح الطيب لكنه لم يسيء معاملة زوجته التي كانت تقوم بأعمالها كجارية انتقلت ملكيتها من السيدة هوانغ إلى زوجها على أمثل وجه. حتى أن صحة والده المريض تحسنت بعد قدومها إلى المنزل والاعتناء بطعامه ونظافته. أحببت في الرواية عدم نزوحها إلى الخيال غير القابل للمعقولية في قصة يجب على ما احتوته من مسرح طبيعي للأحداث أن تتسم بشيء من الواقعية. فكان عظيماً تبدل أحوال عائلة وانغ الفلاح الفقير من الفقر إلى الغنى بعد ازدهار المحصول وتمكنه من شراء قطعة أرض من عائلة السيدة هوانغ التي ساءت أحوالها بسبب التبذير، كما كان جميلاً ازدهار بيت الفلاح بالأطفال كأي عائلة تقليدية في ذلك العصر. بعد تبدل الأحوال مرة أخرى وجفاف المحصول واضطرار عائلة وانغ إلى الهجرة للجنوب وامتهان الأب في أعمال حقيرة و لجوء ابنه إلى سرقة اللحم ليأكل وتشجيع أمه له وسرقتها لمجوهرات وجدتها في بيت أحد الأغنياء ثم مساعدتها لزوجها ليكون من الأثرياء، ثم عودة العائلة مرة أخرى إلى القرية بعد نشوب حرب في الجنوب، و توبة الأب من شهواته التي سقط فيها بسبب ثرائه وشعوره بالفراغ وعودته إلى أسرته أباً محباً..كل هذه الصور كانت تأصيلاً لأصالة العادات التي تبني ولا تهدم. ثم في النهاية يكون الفضل في كل خير عاد بعد أن غيبته النزوات.. هو فضل الأرض. دوماً الأرض تأتي بخير، والشر يأتي من بطن الإنسان.

fa171f

رواية مكر الكلمات لياسمينة خضرا

كتبت على غلاف هذه الرواية كلمة ” أحبك” ، أحب أن يكون في عالماً روحاً تكتب الأدب بهذا الإحترام. بهذه الإنسانية والجَمال الذي لا تبثه الطبيعة بل مبثوث من قلب الإنسان. الرواية متوفرة على الإنترنت برابط قراءة الكتروني لذلك سأكتفي بهذا الاقتباس منها وهو يمثل طريقتي في التفكير نحو أصول ما يحدث في العالم،

” منذ أن كان العالم عالَما، تواصل كلمة الخير كسر أسنانها عند كلام الغورو، الخير لم يغلب الشر قط. هو الشر يخلص دوماً إلى الغلبة، مثقلاً بإفراطاته. ألهذا ينبغي الإرتياب في شكل ممنهج بشيء ما خلف كل معجزة؟ الورود لن تنبت من جديد أبداً. والعدول هو أكثر ما يسامح عليه بين حالات الإخلال بالواجب. و حين نحمل الأسلحة، فإننا لا نلقيها. مسألة شرف؟ ببساطة.. مسألة حياة أو موت.”

4

suits-television-poster

قبل قليل انتهيت من مشاهدة الحلقة الأخيرة من الموسم الأول من مسلسل Suits. أو دعاوي قضائية. والذي يبث في هذه الأيام حلقاته الأخيرة من الموسم الخامس. أحب مزاجي عندما يكتشف الأشياء المثيرة! هذه الكوميديا التي تضحكني بسعادة. لا بغباء! ولا بتفاهة. لم ينزل مسلسل قريز اناتومي عن المكانة الأولى في قائمة مسلسلاتي الحبيبة بالطبع. مسلسل بريكنق باد ( اختلال مضر) احتل المكانة الثانية منذ سنوات. برغم تعلقي بالمسلسلات الإنجليزية إلا أنني أقدم المكانة الثالثة لمسلسل دعاوي قضائية على الرحب والإثارة. ندمت أنني شاهدته الآن وقد تخرجت من الجامعة، لكنتُ طبقت بعض أساليب عبقرية مايك روس في تذكر المعلومات وحل الإختبار! لم أشعر بالتعاطف مع المتقدمين الذين كانوا يحلمون بوظيفة محامي المدير التي حصل عليها روس رغم عدم حمله لمؤهلات قانونية. كان الفوز مبنياً على الذكاء ولا يمكن للمرء أن يكون جذاباً في عمله هذه الأيام بلا ذكاء J هناك من شاهد حلقتين عشوائيتين من المسلسل و حكم عليه بأنه مقتبس من المحقق كونان! يؤسفني القول أن هذا المسلسل لا يناسب المتسرعين. فليس للتسرع صلة بسرعة البديهة التي هي من سمات الأذكياء. قضايا بحاجة إلى محامٍ يقوم روس بدوره و يترافع بطرافة مثيرة للعجب والشوق إلى حل الأمور معه، ليست هناك علاقة ولا روابط أولية أو ثانوية بالمحقق كونان! كل حلقة تحمل درس جديد يجب العمل به في علاقات العمل التي يتحول بعضها إلى علاقة شخصية. الحلقة الأخيرة توجه رسالة يعرفها كل زوجين، وعاشقين، وصديقين..أن الحب لا يمكن أن يتحول إلى صداقة، وأي حب تحول إلى صداقة ناجحة لم يكن حباً من الأساس. كان إعجاباً جارفاً أو أي شيء آخر. ينهشني الفضول لمعرفة مصير لويس في الموسم الحالي مباشرة! لا أريد القفز لكن لويس هو الحلوى التي تم تبديل سكّرها بالكثير من الملح في هذا المسلسل. أتوق إلى بدء مشاهدة الموسم الثاني فور زوال بعض الظروف.

 

5

كل يوم أدخل فيه من باب المستشفى طبيبة أو طالبة علم، يزداد فيه حبي للعمل. سألتني زميلة في الكلية مرة: و لماذا يجب على الواحد أن يكون أكثر من رقم في عداد السكان؟ ما أهمية أن تكون لنا أهمية؟ سنفنى في النهاية وتأكل أجسادنا الديدان فما جدوى كل هذا الشقاء لإنتاج يذهب إلى غيرنا ويأخذ ما يأخذ من أبداننا قوتاً و شرَاب؟

تحفزت سيالات الجدل في رأسي وكنت سأعطيها خطبة عصماء عن الإيمان بالله وأن من لا يؤمن بالله لن يؤمن بجدوى أن يكون من المستخلفين في الأرض الذين يقومون بإعمارها ليحصل على نصيبه من سعادة سخَّرها له الله جزاء ما سعى. و كلٌ يحصل على سعادة قدر سعيه، ومن لا يحصل على سعادة بعد شقاء فقد حصل على محبة ربٍّ قصوى، وهي المحبة التي يدخر فيها الله لمن يحبهم من مخلوقاته سعادة أبديـة في الجنة. كنت سأخبرها أن الآخرة خير وأبقى. و أن اكتساب ما بحوزة الآخرة ليس بالتخلي عن الطريق إليها في الدنيا. قلت كل هذه الأشياء لنفسي في دقيقتين اخبرتها فيها أن لدي ورقة سأكمل بياناتها ثم أتكلم معها. وبعد الدقيقتين رفعت رأسي الذي كان في اجتماع مع خطبتي بيني وبين مفاهيمي التي قد تظنها الزميلة هراء فتاة تقليدية من مجتمع يضطهد المرأة ويسلب حقوقها، ولا يمنحها فرصة تحقيق ذاتها ولا يعاونها لتكون أكثر من رقم في فصيلة النساء المضطهدات، ولا يسمح لها بالعمل ( رغم أن هذه الزميلة ( كاتبة بيانات) تحدثني من مكان العمل!) ولا يعترف بها كنصف للرجل مكلفة مثله بإعمار الأرض. حدث هذا الأمر وقالت الزميلة ما قالته دون خطبتي المؤثرة! لم أفعل شيئاً سوى أن ابتسمت وقلت لها : الأهمية هي أن تفعلي أي شيء جيد لأجلك. إلا إن كنتِ ستفرحين عند الإصابة بالملل من الفراغ والتفكير في لاشيء، وهو اضطهاد أقسى من اضطهاد المجتمع. اضطهادك لإرادتك.

لذلك يا مستر كيتون أنا أعمل. و أستغل أنني أعمل في مجال تذوب هويتي فيه حُباً. فأكتب كثيراً في بحثي الذي سأقدمه قريباً للحصول على بورد الباطنة الذي سيكون باب النُور إلى زمالة طب وجراحة الأورام و أتحمل تعب عيني وجفاف مائها و احمرارها إثر السهر الطويل أمام الورق و صفحات المراجع على الإنترنت. و أجري الكثير من العمليات للحالات الحرجة التي يفصل حياتها عن الموت دوماً وكل مرة بلا استثناء خيط رفيع يكاد لايُرى.. و يشاء الله لكل هذه الأرواح أن تعيش، وأن يتحسن مؤشر حالتها من حرجة إلى حالة في فترة نقاهة. و أكون في كل مرة اليد التي قامت برتق الخيط الرفيع وجعلهِ حبلاً متيناً مُوثَق إلى ظهر الحيـاة كما يجب. أحب كل هذه الأمور التي أفعلها بنجاح في الظل. ولو كانت في الضوء لاحترَقت، لأن الظل سترة حماية جنود الأمن من أعداء الأمان.

إلا أنني يا مستر كيتون أدفع ثمن كل هذا الإزدياد، بازدياد في ابتعاد التحدث مع الآخرين. لم يعد يؤنسني الكلام مع الناس. أفقد خاصية الإستمتاع بالتعاطي مع الأمور الشيقة وحتى المثيرة للاستياء، ليس لأن نمو سوء تلك الأمور مطرد ولا يمكنني اللحاق بسرعته وإصابته بنقد ولعنة! بل لأن نمو سوء المتحدثين في تلك الأمور مطرد بسرعة لا يمكنني اللحاق بها إلا وقد أحرقتني وشوهت كلامي قبل أن أقوله و رمَت رماد مقاصدي في حاوية نفايات الشارع المجاور للشارع الذي يقطنون فيه. يتسارع نزقي من الآخرين في اتجاه معاكس الإتجاه. أتحول بصدر رحب إلى تمثال أمام بعض الناس و أشاهدهم وهم يلقون بي من حاضرهم لأنني لا أتحدث معهم ولا أبادر بشيء، فقدت الإحساس بأهميتهم. لم أعد أريد غير حقيبة أدواتي الطبية و يونيفورم عملي الأزرق ( أحياناً الأخضر) وكتبي وأفلامي و أقلامي و أهلي الذين لا يطيب لهم النوم قبل التأكد من وجودي أتنفس في الجوار. لم أهرب يوماً من الحب يا سيد كيتون، لكنه لم يكن مرة مع الآخرين الذين فضلت عليهم اليوم جماداتي وقطتي و ألعابي التي على شكل بطاريق. ظننتُ دوماً أنني أكبُر، ثم انتبهت أنني أتنامى، فصرتُ لا أكفٌّ عن ري نبتة الليمون الوحيدة في فناء منزلي كل يوم.

لا تسمح لنفسك أن يعجبك هذا التكنيك يا سيد كيتون فتتبع ما نصحتني به، قد يكون كل ما أفعله غباء من حيث ظننته حسن تصرف.

6

تحول العالَم اليوم إلى قطار الموت. لا تأخذ سيلفي مع هذه اللعبة إن كنت لا تفكر في الإنتحار. هناك كشك لبيع الآيسكريم بجوار قطار الموت. خذ واحداً بنكهة القهوة و تفرج على ما يحدث. فلن يلومك لائم على انحيازك لصف صفوة العقلاء.