أن تندم على الحب كمن يندم على قمرٍ في ليل بهيم

ظننتك لن تكون نادماً على الحب ندماً يدفعك إلى التخلص منه بكل قوتك و إمكاناتك. فالحبيب هو الوحيد الذي كنت تستطيع استدعاءه فجراً لتخبره عن منغصات سهرتك مع أصدقائك. وهو الوحيد الذي كان يتلقى ضرباتك بصلابة و يطلب منك المزيد بدلاً من أن تضرب من تسبب لك في الغضب وتخسر كثيراً ، وهو الوحيد الذي كان يقول للعمل “طز” كي لا تشعر بالوحدة والملل ، وهو الوحيد الذي لم يفعل كما فعل كل العالم فلم يكرهك ولم يشعر بالنفور منك ولا استنقاصك ولا التفكير بسوء في نيتك ولا جزء من الثانية عندما كنت تطلب منه مالاً بل كان يتوسل إليك أن تطلب منه المزيد كي يراك سعيداً خفيف الظّهر عالي الهامة أمام الحشود في مجلسك العامر بالولائم والبخور، وهو الوحيد الذي كانت تزيد مبالاته بمشاكلك كلما زادت لا مبالاتك بمشاكله، وهو الوحيد الذي كنت تستطيع السخرية منه و عليه بلا أدنى خوف من ردة فعله لأنك موقن أنه يحبك أكثر من محبتك لنفسك ثم نفسك ثم نفسك، وهو الوحيد الذي كان يدعو الله دون انقطاع في سفرك منذ تقلع وحتى تعود وتنام على فراشك ليحفظك من السوء والعثرات أكثر مما دعت لك والدتك التي لم تكن تعرف أحيانا أنك على متن الطائرة، وهو الوحيد الذي كان يأخذ الدواء المؤلم أكثر من ألم المرض نفسه، لأجلك، لكي يكون لائقاً بحضرة وسامتك وجاذبيتك التي جدت على كل الآخرين بها و عضَلتها عنه كفيروس تخشى أن يصيبك بالعدوى، وهو الوحيد الذي كنت تستطيع التمادي معه في كل تقلباتك و تضع رأسك في آخر الليل أو أول الصباح على كتفه دون تأسف على مافات، وهو الوحيد الذي لم يكن ينام ولا يأكل وأنت خارج البيت في اجتماعٍ هام أو اختبار حاسم في الجامعة ويقف خلف باب الطوارئ منتظراً خروجك ليشعر بعد الإطمئنان عليك أنه شبع من الطعام و النوم فيذهب ليشاهد فيلماً أو يقوم بواجب عائلي وهو بكامل الرضا و الإبتسام، وهو الوحيد الذي رأى الحب هو المنطق من حيث رأيته أنت العبَث، فلولا اندمار الحب لما فتكت الحروب بالعالم ولما انفجر عدد الشهداء الأبرياء من نساء و شيوخ وأطفال بلا انقطاع منذ اندلعت الكراهية والجهل و الأحقاد حتى أثناء كتابتي هذه إليك وإلى ما شاء الشيطان لهم أن يمتدوا، ولولا اندمار الحب لما أصبح المدّعون إدمان القراءة كالحمار يحمل أسفارا، ولولا اندمار الحب لما تركتني كما يترك رجل بدين قطة في الخارج ويغلق دونها الباب لا شيء، سوى لأن وقت التسلية معها قد انتهى وحان وقت الجد و قضاء الحياة مع الذين ليسوا الحبيب، لكنهم القريب الذي لم يفعل شيئاً ولم يحمل خاصية من خواص الحبيب ، وهو الوحيد الذي كنت تتعرى من ذاتك معه فتتحرر، الذات التي تلبسها طوقاً من حديد ساخن عندما تكون مع الأقربين. وهو الوحيد الذي مثل أمك، أحبك كما يحب المرء الجنة، وهو الوحيد الذي مثل أعداءك ، كافحت للتخلص منه.

أتعرف من هو الحبيب الذي ظننتك لن تكون نادماً على الحب الذي قضيته بضع أعوام معه؟ إنه الذي أخطأ في حق جلالتك مرة واحدة بلا شعور وجلد نفسه بعدها كل يوم بكل أسواط العالم التي يحتفظ بها الضمير في الخزانة السرية وهو نفسه الذي دهسته أنت بكامل شعورك ، و وضعته بأناقة مايكل كورليوني بعد أصبح زعيماً، على رصيف الحياة لا يعرف إلى أين يتجه ولا يذكُر الطريق إلى نفسه، وهو الطريق الأهم من الطريق إلى البيت.