*يا ليل بعض اللي مضى منك يكفي

Processed with VSCOcam with hb2 preset

لا أعرف كيف سأكتب هذه التدوينة. توقفت عن التفكير في الكتابة منذ أسابيع. كل الذي انتويته عندما جربت فتح الصفحة الآن هو أن لا أتحدث عن سوء ألمَّ بي. لا شيء. ازدادت دكنة هذا العام عن الذي قبله، زرع في قلبي قنبلة صامتة وفجرها فجأة وهو بكامل أناقته فهوَيت مثل أبراج التجارة، ثم انتهت أهمية العالم عندي. انتهت بلا رجعة، ابتلعها ثقبي الأسود ولا أعرف أين مكانها الآن.. أهمية العالم أقصد. العالَم الذي هو الناس، العالَم الذي هو المبادئ و المفردات فاسدة الصلاحية كمفردة نقاء و وفاء وباقي السلالة. لن أكتب عن السوء. حتى لو تمَّم السواد نفسه و تضاءل حجم النقطة البيضاء في منتصف الفراغ يجب أن يكون تجاهله عند تسجيل الأشياء التي نريد العودة لاستذكارها بعد سنوات نوع من التعايش معه. التجاهل تعايُش. لا يبدو هذا يسيراً سوى بالكلام. لكن متى كانت الحياة مطواعة في يدي؟ عندما قال سمير أنه لا يريد أن يصبح وزيراً بعد كل سنوات خبرته الناجحة في العمل و مناصبه المرموقة وثقة كل مسؤول قابله فيه و سعيه أخيراً لتتويج كفاح السنين بشهادة جامعية، قال أن الجزاء الذي يريده هو فقط قيمة تذكرتَي سفر في السنة، قال أن هذا كفاية، لأن الحياة متعة. أعجبتني قناعته. لا يفكر هكذا سوى الذين عرفوا أن ما يقول عنه المغفلون مثلي “أهمية حياة” كذب ابتكرته أمانينا البكر في التجارب. (الأهمية): كذب متطاوَل مثل كذب وصفات فاتن خورشيد المعتمدة على بول الإبل وقتل الأرواح وهي جريمة لا يجرؤ عليها سوى من نجح في قتل مراكز الحس المزروعة في جسمه أولاً. الأهمية هي كذب ليس في جعبته كلمة حياء، مثل كذب جهاز ألفا ستيم الذي جنى طارق الحبيب عشرات الألوف من بيعه وهماً على المرضى المتعلقين بالأمل كشيء يمنحهم..أهمية حياة. كنتُ معلقة في عربة ضيقة مثل عربة قطار الموت التي جربتها في ملاهي الشلال بجدة قبل عشر سنوات وعند توقفها بي دقيقة في الأعلى..كما ينص قانون اللعبة، لبث الرعب في القلب قبل أن تهوي بسرعة دائرية إلى الأسفل، اكتشفت أن الحياة بلا قيمة. فعلٌ واحد يدمرها عن أقصاها. هذا ما حدث بعد تلك التجربة بسنوات، حيث بفعلٍ واحد أسداني إياه أحد أوهام الحياة، هويتُ بأفقية لا ميلان فيها إلى حيث تنتهي تماماً أهمية الحياة. خوفنا من الموت هو ما أكسبها الأهمية. قررت أن الموت هو رحلة ستحدث يوماً عندما أنتهي من جمع قيمة التذكرة. فلا مبرر للخوف. لا مبرر لإعطاء شيء أي أهمية. ولا انتظار. عندما تكون كل الأمور خاطئة بدءاً من الإحساس الذي يؤطر أصل بشريتنا، فلن يكون امتداد الطريق سوى ..عكس سير مفضٍ إلى الجزء الفارغ من الروح، لا من الكوب المكسور، ولا من قصعة اللبن المسكوب. لن أكتب عن الألم، المرض، الغدر، الظلم ثم الظلم و أيضاً الظلم. لا أريد العودة إلى هذه السطور بعد سنوات واسترجاع هذه الأوبئة. أعرف أن هذه طرفة. لن أكون هنا بعد سنوات. لكن من يعرف ما الذي قد يحل بقريني؟ قد يعيش طويلاً و يزور كل أماكني و ممتلكاتي و يرفع أدواتي إلى أنفه ليشم رائحتي فيصمد على ما سيلاقيه من سوء. كل شيء معتم وبلا مخرج، أخذت أدور وأدور طوال هذه الزوايا المفضية دوما إلى الشارع حيث لا أحد ينتظرني أو يتبعني. هكذا قال صديقي المكسيكي أوكتافيو باث وهو الذي اعتاد أن يكتب الأشياء التي لا أعرف كيف أقولها. إلا أنني أحب الشارع، لا ألتفت كثيراً في الشارع لأرى إن كان هناك من ينظر لي أو يحاول مناداتي. تجاوزت مرحلة الرغبة في وجود ظل يتبعني، تجاوزت النظر إلى ظلي الذي يسبق خطوتي..موجود أم رحل مثل من رحلوا؟ ليس مهماً. من حق كل شيء الحصول على عطلة. بل الحصول على نهاية خدمة عندما يشعر أن اعتزال المشي هو الحل الوحيد لشيء لم يُحَل بواسطة رجل حبيب، أو امرأة طيبة. ها هو الصبح يطلع. يلقِ عليَّ التحية. في الصبح يطيب لي أن ألعن الشر، لأنني أحن إلى الخير.

قرأت في هذا العام قليلاً، و تأثرت كثيراً. مشروعي القرائي كان قراءة يوليسس بالإنجليزية. وقد نجحت. أتممت قراءتها في عشرة أشهر. كافأت نفسي بشراء مجموعة صور كثيرة جداً لتزيين دفاتر المذكرات و أجندات التنظيم. يوليسس أعادت إلى ذاكرتي سؤالاً أدبياً عن سبب قراءة القارئ العربي المسلم للأدب اليهودي. أهو من باب الإطلاع وأخذ الحيطة من العدو أم لأن الأدب ليس به مكان لللاعتبارات الدينية والعرقية أم من باب الإعجاب الخفي باليهودية؟ بعد قراءة يوليسس الذي عزز جويس من خلالها يهوديته المقدسة أعرف عن نفسي فقط أن هذه الرواية التي صنفت في مختلف محافل الآداب من أفضل مئة رواية عالمية خالدة واجبٌ قراءتها للتعرف على كيف يُكتب الأدب. كنت أبتسم بسخرية في بعض المقاطع التي أشعرتني أن جويس غبي بعض الشيء في تصديق ادعاءات اليهودية المحرَّفة، لن تجد لها أصلاً في كتاب يهودي مقدس، لا التوراة ولا التلمود ولا الأسفار. لكن احترمت في هذا العمل ما دفعني إليه من قراءة أعمال عظيمة قام جويس بالإحالة إليها و استخدامها كتوثيقات في أغلب فصول الرواية. كنت قد قرأت أوديسة هوميروس قبل سنوات. بالعربية، لم أستطع مؤخراً قراءتها بالإنجليزية. عدت إلى نسختي العربية وقرأتها لأستطيع إتمام قراءة يوليسس. اطلعت أيضاً على التوراة إلا أن حماستي لديني غلبَتني فلم أتمم قراءتها بالأخص مع يقيني أن ما سأجده محرف فيه أكثر من الذي لم يمسه التحريف و التأليف. أما دبلن نفسها والتي أعجَز وأنجَز جويس في وصفها و التغزل بتضاريسها وقمرها ومقاهيها، فأعرفها منذ درَست الطب في مدينة ليدز. زيارتي مرة وحيدة وقصيرة لإيرلندا من أجل دبلن كانت من أجمل ما حققته من أحلام بعد زيارة لندن وبرايتون. الصعوبة التي وجدتها في قراءة يوليسس كانت لغوية أكثر من كونها معلوماتية. فهذه الرواية لا يمكن أن تقرأها لتستمتع أو لتقول أنك قضيت وقتاً مسلياً. استيقظ الجزء الشرير في نفسي عندما كنت أصل إلى مقاطع صعبة الفهم تحيلني إلى كتب و مقالات لأفهمها، الجزء الشرير قال لي ليتني أختبر ثقافة قراء أسميها ثقافة البيض المسلوق و أطرح عليهم أسئلة من وحي الرواية لأكشف كذبهم. كنت أتراجع لأن قراءة كتب متخمة بالتاريخ والتراث و الجغرافيا و الفن كرواية يوليسس تسمو بالروح عن واقع الثقافة الموبوء. الصعوبة اللغوية في الرواية كانت استخدام جويس لصيَغ و أمثال وتعبيرات فلوكلورية إنجليزية وفرنسية لا أعرفها. فكنت آخذ مقاطع عشوائية من الرواية و أضعها في قوقل بحثاً عن معناها فأجد منها عبارات مُدرجة في قواميس الأمثال الإنجليزية الشائعة في زمن جويس. بعضها مات اليوم إلا لدى أهل الأدب و المكتبات في بريطانيا. أفكر أن لا أخطط لمشروع قرائي في العام المقبل. بدَت لي رواية يوليسس ملحمة لكل السنوات. ربما أحتاج إلى الفكاك من تأثيرها على جوعي الأدبي فقد أشبعَته حتى فاضت و أواجه الآن مشكلة تحديد عمل يوازي أهميتها و إعجازها الأدبي لا التاريخي، لكي اقرأه. لا يمكن للمرء أن يحب اليهودية بعد قراءة يوليسس. على العكس ستشعر أن الإسلام رحيم لأنه ليس مستغلق على المنطق كاليهودية. عند قراءة التوراة ستفهم هذا الاستغلاق المثير للسخرية و الإستياء في بعض التعاليم و الأحكام. لكن في يوم 16 يونيو من هذا العام، توقفت للبحث عن فعاليات المسارح و دور الثقافة والأندية الأدبية في إيرلندا و لندن ببريطانيا لأعرف ما المواضيع التي سيناقشها الأدبيون بمناسبة يوم بلومز العائد إلى ليوبولد بلومز، الذي يرمز بشكل مباشر بلا مواربة في الرواية إلى شخصية يوليسس نفسه. أي أن بائع الإعلانات اليهودي الملول من روتين الحياة والباحث عن شيء خارج عن المألوف هو نفسه يوليسس. يحيي الإيرلندييون وبعض الإنجليزيون في السادس عشر من يونيو ذكرى أحداث رواية يوليسس التي جرت في نفس التوقيت. وجدت دبلن مظلومة وعظيمة. لديها تقدير لجويس يصيبك بالرهبة. بالطبع لولا اتفاقهم معه في الدفاع عن اليهودية لنقصت حماسة مسرحياتهم وقراءاتهم المبهورة بالرواية. أتفق مع أحد النقاد الإيرلنديين الذي جزم أن جويس وفيرجينيا وولف هم بوابة الأدب الحداثي ولا يمكنك أن تقرأ أدباً حداثياً لغيرهما و الجزم بأنه مستقل عن طريقة جويس وولف في تقنيات الكتابة. ارتبط تيار الوعي بالحداثة أما عندي فقد ارتبط أيضاً بالأدب التعليمي، لا الترفيهي أو المسلي كأدب همنقواي و مورافيا مثلاً. أجل، رواية السأم بكل فظاعتها يمكن أن تكون للترفيه عن النفس، لكن ليست أي نفس، بل النفس الحالمة التي ترفض الواقع بصفته شيئاً موجود وتتورط في الوهم بصفته شيء تستحق الحصول عليه. هذا الفيلم مدته ساعتين، يلخص الرواية للمتعجلين،

توثيق لأهم كتب قرأتها في 2015

أكثرها أهمية: يوليسس

كتاب مؤثر: موسيقى سوداء و قصص أخرى – وليم فوكنر

كتاب علمني أشياءً غير متوقعة: فيزياء المستحيل- ميشيو كاكو

كتاب جيد لن أعيد قراءته: رواية الطابور- فلاديمير سوروكين

رواية طيّبة: الأرض الطيبة – بيرل بوك

كتاب كوميدي جميل: ثلاثة رجال في قارب وثلاثة رجال على البوميل – جيروم جيروم

كتاب أجهدني ولم أندم على قراءته: The Luminaries

كتاب قلت ” أحبك” بعد قراءته: ليتوما في جبال الإنديز- يوسـا

كتاب رسائل عظيمة: رسائل حنة ارندت ومارتين هيدغر – إصدار دار جداول

كتاب سيرة ذاتية لا تُنسى: مع الشيخ الأكبر ابن عربي. حوار متخيل: عصام محفوظ

خطط 2016

  • أتجاهل. ليس من الضروري أن تكون الخطة عبارة عن شرح طويل لشيء ما. لذلك، خطتي التي أرشدتني إليها كوارث هذه السنة الشخصية، هي أن أتجاهل. أو بالإنجليزية السهلة الممتنعة Stop caring. لقد توقفت عن منح الأهمية لأي شيء لا يستطيع أن يكون معي، عاجز عن الشعور بي. أو كما قيل..لم أعد مع أي شيء أو ضده. لم يكن إثبات دناءة الآخرين يرضيني يوماً، لن أستخدم هذه الطريقة لإرضاء نفسي بعد كل تدمير أحدثوه بكامل قساوتهم، بكامل سعادتهم. وصلت إلى لحظة أعادتني إلى نفسي التي كنت أعيشها بارتياح قبل عشر سنوات. لقد كنت وحيدة تماماً. بكل ما تعنيه الكلمة من تعريفات قالها الأدباء والفنانون كل على طريقته، كنت أشعر ملياً بحُب الله لي. حماني عندما أبعد عني المؤذين وحوَّطني بجدتي الرؤوم، أطهر النساء اللاتي كن على قيد الحياة حين كانت معي. اليوم عدت وحيدة تماماً. بدون جدتي. بدون أمي وأبي، لكنني بالله. وهذا أعظم جِوار. كل شيء بعد الوصول إلى هذه اللحظة يجب أن يُختصر بالتجاهل. هذه أول خطة في العام الجديد و أكثرها أهمية. هذا قتالي الجديد وأسعى لجعله الدائم. حتى يثبُت كالوتد في إرادتي.
  • أساور كثيرة، كثيرة.. من الخيوط والقواقع و حبات اللؤلؤ و الأحجار الملونة. ستكون هذه صنعتي. إحياء لما كنت أفعله بحُب لا يُبارى في عطلة الصف الثالث المتوسط.
  • سفر إلى بلاد دافئة.
  • دورات في مواضيع منوعة. تعاونت مع معهد بيرلز و سأتعاون مع قسم الأنشطة في الجامعة والمستشفى. الدورات تصنع لك حياة جديدة. فائدتها مضاعفة، إذ أن نتائجها في النهاية مكانها ملف السيرة العلمية لا دفتر المذكرات أو صندوق الذكريات في المنزل.
  • نوم دافئ و طويل.
  • التداوي بالطب البديل، بعد أن قضت جرعات العلاج الكيميائي على مناعتي وكرياتي الدفاعية.
  • حمل دفتر مذكرات بحجم أكبر من دفتر النوتة الصغير الذي أحمله دوماً في حقيبتي. الوحدة تجعلني ثرثارة، لن يكون لكلامي نهاية، على الورق. سأبدأ بتجربة تحويل الثرثرة إلى سكيتش نوتز في دفتر التدوين. وعندما أتوق إلى أن أكتب كما يعترك الكلام في صدري، سأكتبه و أقلب الصفحة تلو الصفحة بلا وجل، فقط سأحرص أن يكون حجم الدفتر متوسطاً، فدفاتر التدوين الصغيرة أضحَت لكتابة مقاضي السوق و أرقام المعارف الجدد، هذه التي لن يكون لها مكان في حقيبتي في العام الجديد.

رسالة وداع إلى 2015:

ما تبادلنا العطا. علَّمتني إن الوااااجـِد ممكن يكون ولا شي، ولا شوي. وانا ودي اعلمك قبل ما تطوي عتادك بشي: اسقيتني كذبة إني حبيبك وباقي احبابك، ثم أنكرتني وكان عيبك نكران أحبابك، وصار حسنك إنك بتسِري وانا مو من باقة احبابك. بالنتيجة يا الخطا: ” ماهو حبيبي مورد القلب حتفه، ولاهو حبيبي..يفرح بوقت ضعفي”.