218

goldfish_swimming_aquarium_round_water_reflection_white_background_free_download-1 (1)

و نسيت أنها مدونات أشخاص أحب ما يكتبون. مررت عليها اليوم من مفضلتي أنا، لا من مفضلة مدونة أخرى. لم أتذكر من هو “حاسة رمادية” و من هي “هدوء عابر” ومن هو “تغريبات” ؟! من محتوى التدوينات الأخيرة في مدوناتهم عرفت أن هذه امرأة و ذاك رجل، لكن لم أتذكر من يكونوا. لقد أصبحت أنسى بإفراط. وألاحظ أن ذاكرتي لا تتخلى إلا عن الذكريات التي كانت تريحني، و تمتعني. أما الذكريات الشريرة. فكلما ظننت ريحاً باردة نجحت في إطفاء نارها ذكَّرني لفح النهار أنها ما زالت حية تتناسل في روحي أنا وحدي. وجدَت في روحي مكانها الآمن الذي تعرف أن لا بديل عنه. لكنها مع ذلك تأكل مني ما طاب لها أن تأكل. و أتألم أنا بلا جدوى. لن أبعث لأحد لأسأله من يكون. حتماً لن أفعل شيئاً غبياً كهذا. إنها تداعيات الوحدة كما يبدو. إذ أن بها من الخبث ما هو موجود في كل بشر، لكنه يتفاعل عندما تطيب النفس للسكون الذي يعم الغرفة و يغزو العقل كالنمل أو القمل لا فرق! نعم هذا رأيي في هذا السكون العارم. إذ هو الوجه السيء للهدوء. لو كان الطقس هادئاً لطُربت له. أما السكون فهو فيروس . يشبه ذلك الذي في الغرف العازلة للأصوات الخارجية والتي تم تسجيل حالات جنون و فزع لمن جربوا المكوث فيها لدقائق. فقط دقائق و كان هناك من فقد عقله فعلياً. يهيأ لك أنك تسمع صوت الشيطان تحت الأرض وهو يضحك على أحب الناس إلى قلبك لأنه نجح في إيقاعه في خطيئة، و صوت الأموات وهم يستنجدون ببعضهم البعض كي يشفع أحدهم للآخر ويخرجون جزء من ثانية إلى عالمنا فيصلِحون خطأً أودى بهم إلى الجحيم. السكون يفعل أكثر من هذا. ستسمع صوت غناء و عويل و تفتح أزهار و هطول مطر و ركض أناس ماتوا ينادونك من الغرفة المجاورة وكل هذا لم يحدث لكنك تسمعه وتوقن أنك لا تتهيأ..لكنك تتهيأ. فكرت أن نسياني هوية كتَّاب المدونات التي زرتها هو محض تهيؤ بفعل السكون الذي كان يعمُّني أثناء التصفح. لكن انسياب عزف كلود دابيوسي الخفيض الذي كنت استمع إليه من قبل تصفح المدونات أعاد إلي بعض توازني و التأكد من أن الوضع كان هدوءاً لا سكون. تعتريني رغبة في التخلص من شيء جوهري. أي شيء. أخشى أن يكون أنت يا عبيد. لكن لا. بالطبع لن أترنح إلى هذا الحد. لكنني في هذه المرحلة من الإرتياح لفكرة ضرورة التخلي عن الأشياء التي أظنها مهمة وتكون قيمتي العددية و الأدبية لديها صفر غير قابل لأي نوع من العمليات، ولا النظريات. لقد حدث هذا. للتو خرجت من أتُون تلخصه العبارة السابقة بالضبط. بلا زيادة ولا نقصان. شيء مهم، أنا تعاملت معه بقدر هذه الأهمية التي اعتقدتها. شيء تبدو التفاهة أجلُّ منه، هو تعامل معي بقدر هذه الصفريَّة التي اعتقدها فيّْ. البشر يا عبيد يتغيرون بسرعة شديدة، أسرع من الآلة الحاسبة في إظهار ناتج أطول مسألة حسابية خلال جزء من الثانية. يكفي أن تجرحهم مرة واحدة فقط ليتخلصوا منك كما تخلص ذلك المزدوج السفاح في الفيلم الصربي من حارسه الشخصي و أطفاله بلا تردد. بلا خوف من أن يكون ما يفعله جنون ، كان بكامل قواه العقلية والنفسية. حتى في المصحة لم يستطيع أعظم طبيب على مستوى البلاد أن يثبت إصابته باختلال. كان متأكداً من أنه على حق. تخلص من الجميع لأنه متأكد أنهم لا يستحقون البقاء في حياته التي يريدها مريحة من كل صوت و من كل شخص يفعل أشياء تغضبه. أريد أن أتذكر اسم الفلم لكنك لن تكون سعيداً به. ربما أنت من ستفكر جدياً في التخلص مني بعده. خرجت منه بكل شيء هاوٍ للسواد لكن وجدت نقطة بيضاء واحدة، أن الجميع هكذا. مريح أن تفقد ثقتك بالجميع. أنا أفعل هذا الآن. لا أثق بمخلوق، عدا قطِّي و ببغاء الجيران الذي يحييني ب ” هلا با الوردة” مقلداً ربة البيت وهي تناديني من الشباك في مساءات الإجازات الموسمية؟ لا أحد. الفكرة مريحة. تخيل أن تثق بي و تربي ثقتك لسنوات وأفعل ما يزيدها رسوخاً ثم فجأة أسحب الكرسي الذي كنت جالساً عليه قبالتي كل تلك الأعوام و أدعُك تهوي إلى المجهول؟ حيث لا أحد تستطيع أن تستأمنه على شيء تبقى لديك كما استأمنتني؟ حيث لا أحد يمكن أن تعطيه كل ممتلكاتك وأنت تعرف أنها ستزرع نجوماً تضيء فضائيكما كما أعطيتني؟ خطفتُ أشياءك و سحبتُ مقعدك بلا هوادة و شاهدتك تسقط و سحبتُ غطائي على وجهي و نمت ثم جاء الصباح فذهبتُ لشراء قهوتي الإيطالية بكامل أناقتي و غنيت ما طرأ على بالي من أغاني نوال الكويتية التي تغني لضحايا الصحاري الأغبياء. أحاول تخمين ما ينبغي أن أقوله اليوم لمن سيضعهم القدر في طريقي وأنا ذاهبة إلى السوق. البائع، المرأة التي ستسألني عن مكان الحمام في المول. الطفل الأفغاني الذي سيتوسلني لأشتري مجموعة المناشف و علبة العلك التي سيتم ضربه وحرمانه من الطعام إن عاد بها لوليِّ نعمته السافل، سائق الليموزين الذي سيتذمر عندما يعرف أن بيتي داخل الحارة التي يقع فيها النادي وليس خلف النادي كما سأقول له عندما يقف ليسألني عن وجهة المشوار.. عندما أفكر هكذا أجد عدداً باهراً من الكلمات التي من الذوق قولها لكن أتبخر أمام هؤلاء و أقول أشياء أخرى تجعلهم يستغربون أو يغضبون. لم أكن أفعل هذا. مؤخراً حدثت هذه التغيرات لأنني أرى شخصية مناقضة في كل من يقف أمامي. لا أثني على نفسي وأنا أصف شكل فقدان الثقة هذا الذي تملَّكني. ولا أحاول أن أستسلم له. تنتهي الأمور دوماً مع هؤلاء العابرين على ما يرام برغم ظني أنها تنتهي هكذا لأنهم اعتقدوني مجنونة أو متوحدة أو شيء ما. لكنني بدأت مشروع البقاء لوحدي كي أستعيد ما يمكن استعادته من السلام الذاتي إن كان هناك بواقي منه تساقطت يوماً من قلبي في إحدى زوايا التنازلات ولا يمكنني التراجع عن هذا المشروع الآن. لا أحب الأشياء المبتورة من المنتصف. ليس سيئاً الاهتمام بتربية نقطة قوة حتى النهاية. من القوة الحميدة إكمال أشياء اتفق عليها جميع العقلاء والمجانين، كجدوى البقاء لوحدك بعيداً عن ضوضاء العالم الموحش، هذا ما يحدث. أشعر بالوحشة معهم. لا أعرف من تكون، ربما أنت شيء آخر، أكثر سوءً أو حُسْناً. لا أعرف، ليس الوقت المناسب لأعرف. كتبت كل هذه الأسطر لأقول أنني اليوم بسببك امتلكت اختياراً لتربية سمَكة ذهبية. سأبحث عن محل يبيعها في أقرب وقت وأقتنيها. و عند ذلك سأقول ما يحدث، ولن يكون سوى أشياء جميلة. هكذا قررت.