مذكرات طالبة بورد – الحلقة الثالثة

كان موعد نشر هذه الحلقة بعد خمسة أيام، لكنني قدمت وقتها لظروف السفر وأشياء أخرى ستبعدني عن الإنترنت لأيام.

68k

أنا من الذين يصدقون الانطباع الأول عن الأشخاص. يحدث أن يكون انطباعاً طريفاً بسبب تصرف أعتقد أنه خاطئ، أو غير لائق. قد يكون حدوث هذا نادراً لكنه موجود. مشرفي البروفيسور آدم كارير رجل طريف الملامح لكنه ذو هيبة في الرسائل البريدية. بعث لي موعد اجتماعنا الأول على الإيميل وعندما التقينا سبقني وابتسم. شعرت بالراحة، لكن ليس هذا انطباعي الأول، بل تصرفه الذكوري الغريزي الذي تجد مثله من حيث المعنى لا المحتوى في كل مكان في العالم. أخرج سيجارة بعد أن قال أهلاً دكتورة أنا أنتظرك بحماس.. تفضلي. كاد يمد لي سيجارة أيضاً لكنه تراجع و أعادها في الباكيت بحركة سينمائية وقال: لا، من العيب أن تدخن النساء الصغيرات و يفسدن رائحتهن التي تشبه رائحة الأمهات! صدمني التشبيه، لا أعرف لمَ شعرت لوهلة أني أصغر من عُمر الأمهات و تمنيته لو قال أن روائح النساء الصغيرات كروائح الأطفال. ربما أحبطت لأنه ليس ممكناً أن أتجاهل كونهُ رجل في منتصف الستين. النساء في هذه البلدة وحتى في بلدي السعودية مدخنات بنسبة مروعة. في خارج السعودية ليس أمراً طارئاً أو غريباً أن تقول عن امرأة كونها مدخنة. لدى بعض الشعوب تدخين المرأة موضة و علامة جاذبية جنسية. الشعبين الفرنسي و الإيطالي مثلاً. المهم، هذا هو الموقف غير اللائق الذي منحني انطباعاً طريفاً عن هذا البروفيسور في طب وجراحة الأورام وأمراض الدم واللوكيميا، لكنني شكرت الله لأنه كان هذا ولم يكن موقفاً محرجاً كأن يمد يده لمصافحتي وهو ما يستحيل علي فعله بالطبع. كلمة بالطبع هذه أقولها لنفسي لا لمن يقرأ. فحتى المصافحة بين الجنسين أضحَت طبيعية في بعض المجتمعات ببلدي. مع الوقت عرفت أن تصديقي لانطباعي كان صحيحاً. دكتور آدم رجل طريف متواضع يفعل ما يؤمن به ومن أكثر إيمانياته دعاية منه هو ابتسم تبتسم لك تسهيلات المشاكل المختبئة خلف الصعوبات. يقول أن الشيء عندما يبتسم يرمي إلى معنى ارتياح. و الذي يرتاح لأحد سيحب التواصل معه. وهكذا تفعل حلول المشاكل التي لا نراها ونحن منشغلون بالقلق من العوائق والصعوبات التي لها مكان بارز في العادة أمام العموم. التقينا في العاشرة صباحاً في مكان مفتوح و منعش _ يرد الروح_ فواح برائحة القهوة الفرنسية و كرواسان الجبنة الكريمية، يشبه الذي في الصورة. اللقاء الأول بين المشرف والطالب في جامعتنا ليس ضرورياً أن يكون في الجامعة كما ليس ضرورياً ارتداء ربطة عنق و حذاء جلد متين ورفع الشعر ذيل حصان و طقطقة الأصابع و التأكد من أن النظارة في مكانها الصحيح أعلى الأنف كل هذه الستريوتايبز ليست تحدث في الواقع في جميع المحلات. هناك كسر حميد للبروتوكولات طالما لا يتسبب في خروج عن القاعدة الكبرى التي يجب الحفاظ عليها لمصلحة الجميع. د. آدم يلتقِ بطلابه في مكان لائق لجميع فئات المقاطعة ومتعارف على حبه من عموم الزوار كمطعم جونيبار بيسترو الذي جلسنا فيه. الموسيقى اللاتينية كانت على ذوقي تماماً. تساءلت ما إن كان من المفترض أن تكون موسيقى فرنسية أو إنجليزية فضحك البروفيسور وقال من الذي يحدد المفترض وغير المفترض؟! هذا المطعم يغير فئة و جنسية موسيقاه كل خمسة أيام. هذا اللقاء الأول بين المشرف وطالب البورد هو بمثابة مقابلة شخصية يتحدد بعدها ما ستتم مناقشته في الجامعة في اللقاء الثاني الذي سيكون واجباً وضع أوراقه في ملف الطالب. اللقاء الأول يُترك أمر توثيقه اختيارياً للمشرف. لم أقابل في حياتي مسؤولاً عن مقابلة شخصية يحرص على نجاح الطرف المستضاف فيها مثل هذا الحرص. هذا رجل لا يريد من طلابه المغادرة و البحث عن مشرف آخر. هل قابلتم هكذا مسؤول من قبل؟ أرغب أن أقول أتحدى، لكن العالم أوسع من مدى إدراكي، وقد يكون هناك العديد مثل دكتور آدم في مكان ما. ليس جلداً للذات القول بأن هذا النموذج عدد احتمالات تواجده في بلادي صفر. لكن لا أعرف..الحقيقة مؤلمة كما أعرف وتعرفون. أقول عن تجربتي مثلاً، جميع المقابلات الشخصية التي أجريتها في بلدي لأغراض وظيفية ودراسية كانت في غرفة إما ضيقة وإما شديدة التكلف والجفاف من حيث اللون ( بني غامق، أسود، كحلي) و إما.. مستودع! نعم. في إحدى المستشفيات كانت الغرفة في حالة فوضى والكراتين مكدسة في كل الأركان وفوقها شواحن وأسلاك و سلال تنظيف و في المنتصف كانت طاولة مستديرة مخصصة لعمل المقابلة عليها أوراق وملفات وأدوات كتابة ملقاة بعشوائية على أنحاء الطاولة وكل ذلك رافقته مزحة كتمت عنها ضحكتي بالكاد، حيث قالت المسؤولة عن المقابلة: رتبي اجاباتك في عقلك قبل ما تقوليها! ترتيب؟ عن أي ترتيب وتنظيم تتحدثين؟

سألني دكتور آدم وهو يدندن على لحن لاتيني قادم بانسياب من داخل المطعم أي صنف أنا من هذا الجيل، الذي يحب قراءة الكتب أم المدمن على استخدام الآيباد؟ قلت له أن الناس يستخدمون الآيباد للقراءة أيضاً. ضحك بجذل وقال أنا رجل عجوز تفوتني مثل هذه التفاصيل و يحززني مآل الورق. لم أرِد إحزانه بالقول أنني أصبحت مجبرة على الإنحياز للقراءة الإلكترونية لأن الكتب العربية والأخرى المترجمة بالعربية لم تعد تباع في كل مكان، ففضلت مواربة الأمر وقلت أنني أشتري روايات كثيرة بترجمة إنجليزية و سعيدة أني لا زلت رفيقة الورق. د.آدم : جيد، لن تتذمري كثيراً من ازدياد أوراق بحثنا كلما طرأ لي أن أطلب منكِ الكتابة عن شيء جديد. هل ترى كم هو ذكي و لبق أيضاً؟ بدأ هكذا بإعطائي مواصفات العمل معه دون أن يستخدم نبرة التقرير و الأمر. عرفت بعد ذلك وعلى مر الشهور أن أكثر صنف من الناس يكرهه د. آدم هو صنف الأستذة و المتغطرسين.

كنت أحمل معي ذاكرة صغيرة تحتوي على بحوثي السابقة منذ أيام الكلية. توقعت من قبل السفر أصلاً، أن يتم سؤالي عنها. فعلاً طلب مني تحديد درجة من عشرة تحدد محبتي لعمل الأبحاث. في الحقيقة ربما أستمتع بهذا العمل لكن يستحيل أن أسمي تلك المتعة سعادة! من يسعد ببيئة محفوفة بالمخاطر و التعقيدات؟ صمتت ولم أحدد درجة لكن أخرجت الذاكرة وأعطيتها إياه فقال أنه سيهتم بقراءة البحوث لكنه لا يريد أن تكون العلاقة بينه وبين الطالب، وبين الطالب والبحث، علاقة أكاديمية صرفة. د. آدم رجل يبحث عن مواصفات مدينة سينمائية في كل شيء. رجل فنان. اكتشاف أدوية للأمراض بالنسبة له ليس عملاً متفوقاً على رسم لوحة بريشة سيلفادور دالي لو كنا نعمل في زمنه أو لأقل.. لو كان معمل أبحاثنا جاراً لإستديو دالي العظيم. شعرت بالخجل والهيبة من هذا الرجل ولم أعد أعرف كيف أجاريه في هذا الحوار الحيوي المتفوق على طاقتي الضعيفة بحُكم أنني طالبة لست عظيمة وأتواضع بل أنا فعلاً لا أعرف شيئاً عن المشاكل الصحية التي أريد التوصل إلى حلها من خلال التخصص في طب وجراحة الأورام وأمراض الدم سوى بضع أفكار ونظريات تحتاج إلى عمل فظيع. شعر د. آدم بارتباكي فقرر أن يهدأ ويحاول أن يكون طبيعياً بالمواصفات التي اعتدنا عليها نحن الطلاب مع أساتذتنا فقال فجأة: أنا أحب الإسلام، لست أحترمه فقط بل أحبه. لكن المسيحية ديني، والمرء الأصيل لا يترك دينه! كنت سأضحك من العبارة الأخيرة. أسمع دوماً من غير المسلمين عن أديانهم كلاماً متناقضاً ذو سذاجة و هزال. مجدداً لم أعرف ماذا أرد فقلت أنني لم أفهم. أشار بيده: لا عليك. هل صنعتِ خطة واضحة لما تريدين الاشتغال عليه أثناء دراسة البورد؟ نعم. هذا هو الحوار الذي تجهزت له. كنت سأبدأ في الانطلاق وأشرح خطتي و أريه السكيتش نوتس لكنه استوقفني : ماهو آخر سؤال قمتِ بزيارة للمكتبة للبحث عن إجابته وجلستِ لقراءة فهرس و مقدمة كتاب؟

لمَ كلما أراء العقل التفكير في أمر سعيد يتحول فوراً إلى التفكير في عشرين أمر محزن وتعيس؟ لم تقنعني الإجابة المعروفة منذ الأزل عن أن القلب يعترض طريق العقل في تنفيذ القرارات ويعرقلها ناجحاً في كل مرة. أردت جواباً علمياً لأنني ممن يعانون و يمرضون بسبب هذه الآفة. في المكتبة وجدت كتاباً محشوراً بين كتب ذكاء اصطناعي لم أحبها، هذا الكتاب ليس عن الذكاء الإصطناعي بل هو تحليل علمي طبي تشريحي منحني رؤوس أفكار غير مباشرة تجيب على تساؤلي لكن غلاء ثمنه منعني مؤقتاً من شراءه. The Brain That Changes Itself للإستشاري النفسي نورمان دويدج. لا تعلمين، قد يصل الكتاب إليكِ هدية ذات يوم إن كان هو المناسب لضالّتك: دكتور آدم. ودَّعني مشرفي العظيم المتواضع بعد هذه الإلماحة واتفقنا على عقد مقابلة شخصية رسمية بعد أربعة أيام من ذلك التاريخ في الجامعة سيكون مسؤول شؤون الطلاب و وكيل شؤون الموظفين في مركز الأورام مشاركين فيها. لوهلة شعرت بالخوف. أمر كثيراً بهذه المشاعر، أفعل أشياء جيدة وأندم بلا سبب عليها. الخوف غالباً هو الذي يوقعني في هذه المشاعر السلبية. حتى أنني أتورط في نوبة بكاء تنتهي بي إلى الطوارئ للعلاج من ألم الرأس و الكلى بعد ارتفاع الضغط.

في طريق العودة إلى البيت كنت قد بدأت أنخرط في بكاء بنشيج أوقفني عدة مرات أستند إلى عمود نور لأتوازن. أنا في انهيار نفسي بعد صدمة عُمر في شخص كنت أظنه الدنيا والسماء التي أتطلع إليها والأرض التي أقف عليها و المتكأ الذي ألتقط أنفاسي عند الرسوِّ عليه، لكنه كان صرحاً من غبار و هوى. أخادع نفسي بالغرق في الدراسة وشؤونها علَّني أسلى، لكنني أتآكل تحت ناب الآفة نفسها: انعدام القدرة على التجاوز، كلما فكرت في شيء جيد تحول عقلي بلا رحمة إلى ما أحاول التداوي منه بلا جدوى. تصفحت ملف الصور في هاتفي ووجدت اقتباساً احتفظت به منذ مدة ولم أعُد إليه. إنه في وقته تماماً الآن :

“As I look back on my life, I realize that every time I thought I was being rejected from something good. I was actually being re-directed to something better.” – Steve Maraboil

هذا الفيديو ينقلني كلما شاهدته إلى حالة سعادة و مباهاة داخلية لا أشعِر بها أحداً. برندون بورشارد طاقة هائلة من الحياة..