219

zeZ-ebGT

بعد نشر هذه التدوينة أكون قد بدأت بتغليف حقائبي و طبعت البوردينق استعداداً للرحلة غداً. لا أحمل حماساً لهذه الخطوة الكبيرة لكنني لا أحمل خوفاً أيضاً. يتملَّكني الأسف فقط. أسفي عليك. أحمل شكراً دافئاً يتوق إليه الباردين من هذا الشتاء العارم في كل مكان على الأرض في هذه الأيام. شكراً للطيبين بحق، للمتفضلين علي بإخلاصهم و حنانهم و عطائهم حتى لو كان بسؤال عن الحال. ليس بين هذا الشكر شيء للسيئين ولا للخاذلين. لن أسافر وأنا أحمل حقداً، ولا غضباً، ولا ندم. ألم كبير؟ نعم، و ما زال ينخر في رأسي و يأكل ويقتل كما تشاء، لكنه لم ينجح في جعلي أكره. أعيش على فيديواتك و صورك ورسائلك القديمة و الساعات السرية النائمة باحتياج فوَّار في عروقي ودمي و ذاكرتي. أحمل لك شكراً على هذا الإرث العظيم، لأنه حبل اتصالي بالحياة منذ تلك الليلة. لا أشعر بالأسى على نفسي في هذا الأمر، الشيء الذي يريحني يجب أن أشعر تجاهه بالتقدير لا الأسى. أنا راضية هكذا، بالمخدرات التي أعطيتني. بالأكاذيب التي صدقتها، برغم أنك كنت دوماً لا تقولها إلا وأنت فاقد الإدراك. كنت ألاحظ، لكنني أحبك، و قبلتك و صدَّقتك ولم ألتفت إلى ما اعتقدته رتوش يجب أن لا تقدّ وريدنا المشترَك في رسغيْنا. لقد حاولت التجاوز طيلة هذه الأشهر. أنجزت العديد من المهام كآلة. حاولت إقناع نفسي أن النسيان كأي شيء إن صوبنا إلى وجهه رشاش الإرادة و قلنا له كن.. سيكون. لكن هذه خاصية الله سبحانه وتعالى. مهما حاولنا تأنيسها لن تكون مطواعة في يد الإنسان. أصدِّق أنها تكون مطواعة في يدك، ليس لأنك قوي وعظيم. بل لأنني عندما كنت بين يديك لم أكن غالية أصلاً. قاومت تداعيات حرمتني النوم لأوقات غير محسوبة في ساعتي. كتبت أشياء كثيرة لا سيرة لك فيها. انعزلت. أجل. دخلت أخيراً إلى قوقعتي الجميلة التي كنت أسكنها قبل الالتقاء بك. ظننت أن الفرج حل عندما مضت أول يومين سالمة و آمنة من غزو صورك وصراخك و قسوة يدك التي زارتني خمس مرات في المنامات. قرأت روايات جميلة و شاهدت أفلاماً أجمل في تلك اليومين. كنت أعرف أنها مؤقتة السلام فكنت أسابق الزمن لتغذية روحي ببعض الفن و المتعة. في اليوم الثالث زارني شبح الموت. انتظرت طويلاً أن يكون الموت نفسه. في كل مرة يأتي قرينه فحسب. يطيح الشبح على صدري و يجثم على أنفاسي فيكتمها ولا أستطيع مد يدي لمسح العرق الذي نزل على عيني ودخل إلى أنفي، حتى أنني احتجت إلى العطس ولم أستطع. كان إنجازي الوحيد في ذلك اليوم و عشرة أيام بعده هو رفض الصدمة الكهربائية التي بدا طبيبي مصمماً عليها بغضب و يأس من عدم تقدمي في الشفاء لكنني قلت لا يعني لا. و كانت لائي كلمة فصل بيني وبين هذا الطبيب الذي أمرني بلُطف أن أبحث عن طبيب غيره منذ اليوم. هل تذكُر هذا الطبيب؟ أخبرتك أنه طبيبي منذ تسع سنوات. لك أن تتخيل مرارة التأسف على خسارته. على إفقاده الأمل في قدراته الطبية، في مريضته الطبيبة التي كان يجب أن تكون أكثر المتعاونات معه كما يعتقد. أسافر غداً و أنا أحمل أشياءك كلها معي. ليس إمعاناً ولا حباً في الشقاء، إنما لأنني قررت التصالح مع حقيقة شللي عن التجاوز. كلما أجبرت نفسي أن تتجاوزك أنازع ولا تصعد روحي إلى الله. كلما احتقرت نفسي لأنني أتألم منك لا من الحروب والمجاعات و الشهداء الأبرياء من نساء و أطفال المتساقطين في كل مكان كلما عاودني نزاع الروح ولا تصعد، ولا تغادر أنت. مع كل هذا الحزن على ما يحدث من هدر في الإنسانية إلا أنك لا تغادر. تقف كالتمثال أمام وجهي، مثبَّت كمسمار في رأسي، مخترِقٌ كخنجر في قلبي. لا تغادر كلما دفعت نفسي عنك لأني فشلت في دفعك عني كما دفعتني بطرف إصبعك عن طرف ظلك الطويل. لم أعد أكافح لأزيحك. الفيديو الذي سجلته وأنت في جازان وقلت لي فيه قصيدة مبعثرة يصدح كصوت بندقية تصوب هدفها في طبلة الأذن بإتقان في هذه اللحظة. أكتب هذه التدوينة على موجات صوتك. صديقتي منذ شهرين وهي تطلب أن تكلمني وتسمع صوتي ولا أستجيب. أقول لها حسناً، قريباً، ولا أفعل. شهيتي مسدودة عن استخدام موجات صوتي مع مخلوق. كنت أتحدث مع قطي و يحدثني، أفهم مواءاته جيداً. أصبح يحدثني ويتوسل لي أن أرد عليه. أصبح هو مدير الحوار الذي لا طرف ثاني فيه. برغم مواظبتي على إطعامه و تنظيف بيته إلا أنه أصيب بالحزن و يرفض منذ مدة تناول بعض الوجبات. يأكل ببطء ما يبقيه على قيد الحياة فحسب. شعره بدأ يتساقط. بالأمس ناديته، فقط قمت بالنداء عليه، لو كان لديك قلب ستبكي إن سمعت كيف ماءَ بجنون. ماء بفرح و عتب و حيرة و سؤال. انهرت من البكاء عندما رأيت ردة فعله فجلس في حضني و قام بلعق يدي وعندما سحبتها تعلق بقميصي وهو مستمر في المواء كأنه يتوسل أن لا أبعده. ليس كأنه، كان يتوسل بالفعل. شعرت أني مذنبة بحق هذه الروح. حدثته و حممته و عندما وضعت له الطعام تناوله كله و نظر لي يطلب المزيد! لم أعرف ماذا أكتب في مذكراتي يوم أمس. بعض المواقف تعجزني عن الكلام حتى على الورق. لولا حرصي على بقاء الملائكة في البيت لأخذت قطي ينام معي. لكنني استيقظت هذا الصباح و وجدته لا يزال مستغرقاً في النوم و بيته مغلق كما تركته البارحة. إن توقف تساقط شعره سأكافئ نفسي.

بعد أيام تبدأ أولى دروس برنامج بورد الأورام. بدا لي ما مضى بنجاح في الدراسة مثل رذاذ مطر يختبر صبري ليهطل. يرتجف قلبي عندما أراجع جدول الخطة الدراسية و أجدها خمس سنوات لم تتغير. لم تنقص. ثم أعود إلى رشدي وأقول هذا حل رديف للمخدرات إلا أنه يفترق عنها في نقطة جوهرية هي أنه غير ضار. تجهزت للصقيع جيداً. القبعة، القفازات، الجوارب، الشال، المعطف. وضعت تنبيهاً في هاتفي بتاريخ وصولي إلى المطار لأقول بصوت مسموع غير عالٍ عند الخروج من البوابة: أهلاً بالعالم. فينبعث في أوصالي شرَر حار كتيار كهرباء يمسس ولا يدفئ. هذا هو الطعم الحقيقي للهروب، مهما كان مطعَّماً بالأهداف النبيلة، إلا أنه مسموم بالنوايا.. لا يرحم ولا يذر.

ماذا عن الشكر الذي كنت أحمله في بداية التدوينة؟ أجل، إنه شكر للرفاق الأنقياء الذين لم يعرفوا أبداً أنهم رفاقي. لم أخبرهم وأنا أستمتع و أفخر بما يحققونه من نجاحات وما يمنحونني إياه من سعادة لا يفسدها شيء في كل مرة سوى أنك دوماً حاضر في مقدمة البال. رفاقي الذين هم ليسوا ملائكة، ولا شياطين، كما أنني لم أكن في حياتك ملاكاً، وهذا الذي لم تغفره، ولم أكن شيطاناً، وهذا الذي لم تنظر إليه. أشعر أن الطائرة التي ستحملني ستطيِّر معي كلمات الشكر و الأسماء المذهلة التي أحب أن أشكرها. أريد أن أقول هذه الكلمات الآن: شكراً على توصيات الكتب العظيمة. على المقالات التي لا تحمل في سطورها كلمة حرب ولا دم ولا إرهاب ولا خيانة، على الرسائل التي لم أرد على أكثرها لأنني متعبة و جريحة، لا أقوى على التفاعل برغم تأثري بهذا الحب و الإحترام. شكراً لأنكم قرأتم صدقي الذي عرَّاني أكثر من مرة وتعرفون أن لا أحد يحب أن يرى الآخرين عراءه فلم تحرجوني بسؤال ولا تعليق. كنتم تدركون مالم يدركه المتسببون في كل هذا اليباب، أدركتم أنني أتخفف من أحمالي وأنني بشَر إبداعه كما قال أحد زملاء العمل مرة، في بساطته، لأن القانون الكوني لم يستوجب على الطبيب التحول إلى نبي، ولم يطالبه بزَرع جناحين خلف ظهره ولم يفرض عليه النوم بالمعطف ناصع البياض. لقد تحملت مسؤولية خطأ وحيد اقترفته كاملة. قدمت كل شيء في سبيل الحفاظ على ما يجب الحفاظ عليه، لكن جبروت المطرَقة كان لا يريد شيئاً سوى الهدم لأنه لم يرغب في البناء يوماً. كانت الفرصة ذهبية عندما زللت. جملاً طاح ونظر طالباً المساعدة فكان من لم تتطلع عين الأمل إلا إليه هو اليد التي تهزه إلى الأسفل.. أنا التي لم أعرف في حياتي سوى انتشال من يطلب يدي و إبقاءه بجواري كعضيد.

لا يوجد سبب للشكر في هذا الوقت. ليست المرة الأولى التي أغادر إلى مكان حلمت به كثيراً في ظروف أخرى رسمت لها أجمل اللوحات و سعيت و كافحت كمُشارك في سباق الضاحية لتحبير اللوحة على صدر الواقع لكن،

تبدو الفاصلة خير مكمّل لما بعد لكن.

إنني اليوم محمَّلة بمتاع طيب. بعضه و أجمله يعود فيه الفضل إلى الطيور المستأمَنة التي راعتني وأغدقت علي قمحاً من بين مناقيرها. يوم أمس عدت إلى البيت، مغادرة المستشفى بعد عدة أيام من الرقاد هناك. نكسة ككل مرة. أول دخولي إلى غرفتي تحممت و صليت العشاء و جلست بعدها اقرأ سورة فاطر. مررت على آية ” وما يستوي الأعمى والبصير” و عدت أتذكرك وأبكي لأنك كنت أعمى لا تبصر ما فعلته بي، وكنت أنا عمياء لا أبصر ما كنت تحاول أن تخفيه. ثم مررت على أية ” إن الله يسمِع من يشاء” فأعدتها لأن رجفاناً سرى في أوصالي منعني من استشعارها، أو أنني وصلت إلى قمة استشعارها ولم أدرك ذلك لوهلة. أعدتها و استبشرت. لقد أراد الله أن يُسمِعَني، فلم أكن قد فكرت في قراءة سورة فاطر. لكن اليوتوب الذي فتحته على سورة التوبة قبل الدخول للاستحمام ارتفع منه تلقائياً صوت القارئ المهيب سعد الغامدي وهو يقرأ سورة فاطر. لقد أسمَعني الله أي أنه بعث لي إشارة أنني أبصِر، ومن يبصر يشقى، ومن يشقى يجب عليه أن يصبر كي يفوز.

الكتابين اللذين سيرافقانني في الطائرة هما حواس مرهفة, ترجمة هالة صلاح الدين ورواية Wonder _ ورق_ و عددين من مجلة نيتشر، ورواية الطوف الحجري لساراماغو – PDF- و دفتر المذكرات. صورتهم في الأعلى. أرجو أن أستطيع قراءتهم جميعاً فقد قايست أحجامهم على مدة الرحلة التي ستستغرق أكثر من يوم مروراً بترانزيت في مكان أحبه أيضاً لكنني لن أستطيع التنزه لوقت كافٍ فيه. أما جهاز ال Mp3 فقد عبئته بعدد من أغنيات غير حزينة ولا تطرأ فيها كلمة فراق. جميعها إنجليزية لريكي مارتن و إنيا و آخرين عدا أغنيتين لطلال و أغنيتين لوائل جسار و أغنيتين لحليم. أما للمشاهدة، فسيرافقني فيلم سالومي لأحد نجومي الأبديين ( باتشينو) ، أجلت مشاهدته كثيراً لأنني أبجل أدب أوسكار وايلد ولا أريد إفساد الأمر بفيلم يعبث بآدابه، ولكن عندما يطل باتشينو برأسه المجنون تكون التنازلات فرض عين. أيضاً أحمل معي بعض حلقات مسلسل True Detective للعبقري الفريد ماثيو وهو أيضاً أحد نجومي الذين أشير إليهم دون خفض إصبعي.

كنت دائماً أخاف من أن أكون ظالمة لأحد الذين أؤمن أنهم ظلموني أو أن أكون قد أخطأت التقدير. حتى الآن لم يحدث ذلك. أنا مبتلاة بحدس يستطيع تمييز السوء و شم رائحته من على أبعاد طويلة. لكن حدث أن ظلمت نفسي لدرجة أنني لا أعرف ماذا سيحدث إن تجسدت هذه النفس على هيئة أجهلها يوم القيامة و وقفَت أمامي تقاصصني. العدل من نفسي يفوق طاقتي. خرج الأمر من سيطرة الإرادة. لكنني على الأقل لا أتناول سموماً ولا ألمس موساً بغرض وضعه على شراييني. أنا منهَكة و خربة من الداخل لكنني لست كافرة ولا قانطة. برغم أن الخيط قد ابتعد كثيراً مع الريح عن متناول يدي إلا أنني لم أتوقف عن المشي في درب يقال من حكماء العائلة أنه هو المرسى. أنظر إلى نفسي بحزم عندما أقف أمام المرآة وأقول هذه الخطوة الأولى. الحزم لا اللين. كادت تسقطني مرة إحدى صديقاتي عندما قالت أنني أتحول إلى شرطيَّة عندما أزم شفتاي بلا ميلان لفوق ولا أسفل، فتتحول إلى مسطرة. بالطبع لن أحب أن أكون على شكل شرطيَّة. يبدو شكل عقد الفل الذي صنعت به ابنة أخي طوقاً دائرياً لشَعرها مناسب لغايات رطبة تتحقق بعد حزم قصير. جاء محمد حامد بهذه الكلمتين ( لي، مع أنني لم أكتبها بنفسي) فبدَّد كل شيء :

” لشدة ما كنت أقف في صف الآخرين ضدي، كنت أظنهم يبالغون في تحسين صورتي وأنا أبالغ في تشويهها ”