مذكرات طالبة بورد_ الحلقة الرابعة

2219a4be123e2d314546098dc0615cb3

و عادت الدراسة.

الجميع غائبون في هذا اليوم. ذهبت و عيني تتقد نشاطاً لبدء مناقشة الأجزاء التي انتهيت منها في بحثي مع مشرفي لكن قيل لي أنه غائب. ذهبت لإجراءات ختم بعض أوراقي الرسمية من شؤون الطلاب فوجدت شخصاً وحيداً في السكرتارية استطاع أن يختم لي ورقتين و قال أن البقية بحاجة إلى توقيع مشرف القسم أولاً وهو غائب أيضاً. و نائبه لم يأتِ بعد ولم يعطِ خبراً إن كان سيجئ أم يغيب مع من غابوا. ذهبت وقد انطفأ في عيني شيء. و توقف قلبي عن الدق بقوة محمودة كما كان قبل ساعة. أثناء عودتي استوقفني شخص لا أعرفه يبدو أنه موظف هنا، قال: eye-catching activity. نظرت إليه متعجبة و أتساءل لمَ قد يظن أن حضوري إلى دوامي نشاط؟! عرفت أن هنالك خطب أجهله لأن هذا يومي الأول بعد الإجازة، ربما يوافق يوم فعالية في المدينة وهنا تستريح الجامعات من العمل في أيام الفعاليات. خرجت و قابلت بجوار البوابة أحد عمال النظافة وسألته فقال أن هناك مؤتمر إقليمي في مونتريال دعيَ إليه العديد من علماء جامعتنا و ذهبوا إليه. هل قلتُ أن الجميع غائبون؟ ظلمتُ عامل النظافة و الموظف الذي كان تلطفه في غير محله في الممر الضيق داخل رواق الإدارة. يحدث أن تعتبر الجميع غائبون وهم فقط الذين لك شأن معهم. غيرهم يكافحون للحفاظ على توازن المكان في غياب البقية ولا أحد ينتبه إليهم لأنهم أطراف مساعِدة و العالَم يكترث بالرؤوس فحسب. عدت إلى البيت وأنا أحمل معناً متفائلاً لما حدث، قلت لعله خير. إشارة إلى استحقاقي راحة في هذا اليوم كامل الرسمية، و الأكاديمية أيضاً. وجدت عربة تبيع الذرة في الطريق وبرغم أنني لا أتناولها كثيراً لكنني شعرت بجوع مفاجئ هذا الصباح و اشتريت كوباً و أكلته بنهَم. في البيت قمت بتشغيل الكمبيوتر و أول خبر ظهر لي هو ذكرى ميلاد العالم الفرنسي صاحب الفضل على الطب و الأطباء باختراع السماعة الطبية. قرأت تعريفاً جميلاً به في صحيفة التلغراف و قمت بترجمته لكن آلمتني عيني و عاودني وجع الرأس فتركته قليلاً و كتبت هذه التدوينة على أمل إنهاء الترجمة في الغد و سأقوم بنشرها هنا بالطبع. في طفولتي كانت لعبتي المفضلة هي أدوات الطبيب. لم يعلمني أحد أن وظيفة السماعة هي سماع ضربات القلب. أتذكر أنني تلقائياً وضعت السماعة على قلب جدتي و قلت لها قلبك تعبان يجب أن تأخذي علاج وإلا ستموتين بسرعة! كانت جدتي تضحك. أثق أن ضحكتها الآن أجمل في الجنة. قالت أن قلبها ” تعبان” بالفعل لكنه الآن طيب لأنني وضعت يدي عليه. وتطمئنني أنها لن تموت وتتركني بل ستبقى حتى تزفني إلى منصة التخرج من الجامعة و تراني طبيبة. رحلَت جدتي وأنا في الثانية عشر من العُمر الشائخ منذ الولادة. تمنيت لو أنها لا تزال معي لأقص عليها حكاية الدكتور رينيه ليناك و كيف اخترع السماعة. هذه قصة مملة للجميع من حولي. حتى المثقفين والقراء و الأطباء أيضاً في تويتر لم ينوهوا عنها مجرد تنويه. الناس يركضون و ينكفئون على وجوههم كالعميان فقط عندما تكون القصة لسفاح لايتوقف عن الذبح أو لفضائح تيار معارض لتيارهم في الفكر و الأخلاق. أحب ما تنشره قناة نون العلمية و قناة السعودي العلمي من مقالات و ترجمات علمية روادها هم نخبة المنشغلين بعلومهم الحاضرين في تويتر للسقاية فحسب. أيضاً حساب فهد المتخصص في علوم الفضاء و الفيزياء و الهندسة النووية وأتابعه باهتمام لأن مجال الفلك و الغرائبيات كما يحلو لي وصفها وهي الفيزياء و علوم الطيران من هواياتي التي لا يعرفها تقريباً أحد من العائشين معي. خبر الكشف عن موجات الجاذبية فاجأني كما فاجأ جميع الفيزيائيين و الفلكيين من هواة و متخصصين, ذهبت فوراً للقراءة عن سيرة الموجات ما قبل الإكتشاف الجديد فوجدت مقالات مذهلة كادت تبكيني لأنك كل ما تتقدم في قراءة شيء من هذه العظائم تخجل من جهلك المدقع في لحظات كنت تظن أنك تعلم فيها الكثير مم يجهله آخرون. آينشتاين شرح الجاذبية بما يعرفه العالم أجمع بالنظرية العامة للنسبية أو نظرية البعد الرابع كما هو متعارف عليه و نظرية الزمكان كما تشتهر علمياً. space-time continuum. لكن افتراضه لوجود التموج في الفضاء و الزمن لم يلق التأمل وبالتالي الإيمان المناسب آنذاك. في أحد المقالات قاموا بتشبيه الأمر بوجود فراش على صفحة ماء. التشوه الحاصل هو نفسه فعل الموجات على الزمن. إذ أن التشوه الذي يحدثه التموج هو المتسبب في ازدياد الجاذبية، وفي شرح على قناة في يوتوب يقول المتحدث أنه إذا ما رقصنا أنا و أنت حول بعضنا سنتسبب بتشويه بنية الزمان والفضاء أيضاً لكنها ستكون تشوهات صغيرة لا يمكن كشفها عملياً، وهذا سبب تأخر العلماء بالكشف عن موجات الجاذبية كل هذه الدهور برغم أن آينشتاين عندما قدم فرضيته لم يكن بحاجة إلى أدوات التكنولوجيا التي تم بواسطتها تحليل بيانات الإلتواءات التي تتكون منها الموجات ( قمم وقيعان) . الجاذبية ضعيفة مقارنة بقوى الكون الأخرى، وتحتاج إلى شيء عملاق يتحرك بسرعة شديدة ليحدث موجات يمكن الكشف عنها. لماذا تم رفض نظرية آينشتاين حينذاك برغم أنها نتيجة طبيعية لنظرية النسبية؟! في مقال لستيورات كلارك في مجلة الغارديان قام الكاتب محمد العتيق بترجمته ونشره في صفحة السعودي العلمي يجيب على التساؤل ب ” النسبية العامة لانشتاين لم تتناغم مع نظرية اخرى في الفيزياء تسمى “ميكانيكا الكم”, فالنسبية العامة تتحدث عن الجاذبية و الكون ككلّ أما ميكانيكا الكم فتتحدث حول مقياس الجسيمات بالغ الصغر وقوى الطبيعة الاخرى كالقوى النووية الضعيفة والقوية والكهرومغناطيسية.

على الرغم من الجهود المبذولة خلال قرن من الزمان لم يستطع الفيزيائيون من توضيح كيفية عمل النظريتان معاً.”

لدي مكتبة افتراضية علمية على جهازي أتركها دوماً لأوقات عصبيتي الشديدة جرَّاء معلومة يأكلني عقلي للتزود عنها بإشباع. سررت عندما راجعت مكتبتي و وجدت كتاب الكون الأنيق ” الأوتار الفائقة، والأبعاد الدفينة، والبحث عن النظرية النهائية” ل برايان غرين. وقررت أن يكون قراءتي القادمة علني أجد جواباً لتساؤلات ظلمَت آينشتاين وأعرف أنني إن استطعت استخلاص أي رأي علمي وفق القراءة لن يسمعني أحد فعالم الفلكيين والفيزيائيين شديد الحذر و النمطية. و هكذا فقد وجدت ما أقضي فيه يومي الذي كان مقرراً أن يكون للدراسة فأصبح إجازة دون احتساب. إن عرفن صديقاتي كيف سأمضي هذا اليوم سيقمن بشد شعورهن ويقلن بنفاذ صبر أنني جدياً لست طبيعية. أنا لا أستسخف فكرة قضاء وقت راحة في التسوق أو الذهاب إلى نزهة بحرية ( أتمنى الأخيرة يوماً برفقة طيبة) لكن أحاول دوماً إفهامهن أن شغفي بالعلم يؤلمني عندما يجوع ولا أطعمه. أعتقد أن المشغولين بصغائر الأمور مرتاحين البال أكثر مني بأضعاف يمكن قياسها بسهولة عكس موجات الجاذبية متناهية الضآلة! لكنني لا أعنِ بصغائر الأمور إهانة. الصغائر ليست مساوئ بالضرورة. لكنها قد لا تسعف المرء عندما يحتاج إلى صنعة كيْف قوية المفعول طويلة الأثر في أيام يصفر فيها العقل حيرة من شيء مجهول.

وهكذا فإن طالب البورد وفي تخصصي بالذات _ طب وجراحة الأورام حالياً_ ليس كائناً تُستحب عِشرته والتحاور معه إلا لمن يبحثون عن لقمة لإطلاق سخرياتهم و هوسهم بتحليل الشخصيات و نقض مالا يستطيعون فهمه منها، لكن طالب البورد أيضاً يفرح بالإجازات غير المتوقعة ولا يصيبه الغم كما يقال عنه اعتماداً على تذمره الكثير من تأخر مراجعة بحثه مع المشرف أو تباطؤ تفاعله معه لأنه تحت رحمة تفرغه و ملاحظاته. بالنسبة لي أصاب بهذا الغم والهم عندما يمنحني المشرف إجازة لأنني أنا المشغولة بشيء آخر لا هوَ ! فحتى مع الاعتكاف على الأوراق لمنع تسرب ال methodology إلى منهج آخر غير المقرر في مقدمة البحث إلا أن للنفس آفاق و وديان قد تذهب بها إلى أمور تحتاج إلى بعض الوقت لتناسيها وميزة مشرفي الطيب أنه يفهم برغم ماديته الصرفة، أن ضغطة الزر لحدوث شيء ما بسرعة الضوء ليست من خصائص عقل و وجدان البشر.

هذا رابط تحميل كتاب الكون الأنيق . يحلو لي اختتام الحلقة به لأنه هدية جيدة ليوم عطلة يتم قضاؤها إما في الطائرة أو البيت.