Peace for the name of my flower: Umberto eco

28iht-eco28-pic-videoSixteenByNine1050

50364439

لقد رحل حبيبي و معلِّمي و صديقي الكبير العظيم بل أعظم من كان عائشاً في وقت حياتي أدبياً، وفكريا.. امبرتو إيكو. لقد غادر من هذا العالم المختل عقلياً الذي يركض إلى الأسفل بشهوة دموية، غادر كملاك يرفض البقاء في مكان لا أمل في عمل صالح يُرجى منه. رحل و تركني بلا معلِّم آخر سوى البرتو مانغويل. أتفاخر و أتباهى دوماً بهذين العظيمين و كونديرا معهم عندما يطيب لي ذكر أي قوائم مفضلات أدبية معرفية، و فلسفية. أحترم غروري بهم و أشفق حرفياً على من حُرِم من قراءة أحد أعمالهم. ليست هذه قراءة أدبية عن فيلسوفي المعاصر الذي كان ” الأنا والآخر” معاً لمن يقرر بعد القراءة له الإكتفاء به، لولا أن للقراءة عموماً غواية لا تبقِ في سقف الكفاية حطباً ولا تذَر، لا كتفيت بما تشرَّبته من اسم الوردة و باودلينو والنزهات الست في غابة السرد و لبقيت أفكك و أحلل و أربط معه السيميائية و أعتبرها لعبة النصوصيين الأذكياء. كنت أسخر من الأبستمولوجيا و الأنثروبولوجيا و أراها حذلقة فيلسوفيين لا فلاسفة، لأنني تأثرت بروسو و كانط و دايفيد هيوم و حتى نيتشه حد أنني لم أعتقد بوجود من يأتي بعدهم مكتشفين تجريبيين جدد بل ظننتهم ناسخين و مقلدين و معيدي تدوير لنظريات عِظام الأسلاف، إلى أن أنعمَت علي الحياة بأجمل معرفة، إيكو في اسم الوردة و باودلينو معاً..في نفس الفترة. لم يكن هناك وقتاً فاصلاً بين قراءتي للروايتين. عندما أنهيت قراءة اسم الوردة بدأت في اليوم نفسه بقراءة باودلينو، لأنني وقعت من أول صفحة في الإدمان على عقلية هذا الرجل الذي يشبه جد هايدي هو ومانغويل أيضاً، وهذا لم يحدث من قبل مع أي كاتب قرأت له في حياتي سوى دوستويفسكي، و لوركا في الشعر والمشاعر. تعلمت من إيكو كيف أفهم معركة واترلو بين نابليون و الدول الست قوية البأس التي دحرت الفرنسيين و أسقطَت نابليون واكتشفت أن ما كنت أعرفه عن المعركة من قبل هو معلومات متصفحي قوقل العابرين لا معلومات باحثين عن معرفة حقيقية، برغم أنني كنت أبحث بجُوع إلى التعرف على التاريخ. كان الفوز بين الأمم قديماً يحدث دوماً بحدوث حروب. هذا منذ نشأة البشرية كما نعرف. ظننّاها سنَّة الكون و عنصراً من عناصر التوازن بين القوى، لكن إيكو يعلِّمنا أن كل الحروب التقليدية التي حدثت في العالم لم تكن لتحدث لولا اختلال التوازن. ثم أنني كنت أنتقد نفسي و أوبخها عندما تشترك مع عقلي في عصفٍ ذهني عن شيئ معين فأستنزف طاقتي في كتابة طويلة أشك أثناءها أنني سأتعب أو أنتهي، سميت نفسي بالثرثارة المهذارة لأنني كنت أقرأ على نفسي بصوت متفاعل مع الفواصل و انتقالات الكتابة من فكرة لأخرى و ملاحظة لأخرى و وادٍ لقمة جبل ثم أخذ إيكو بحنانه و عظمة رأسه بيدي و قال: “إن العادات اللسانية هي دائماً أعراض أساسية لأحاسيس لم يتم التعبير عنها”. فسكنْت و أرفقت بي. لقد ربَّتني عائلتي على حب الوطن و علمتني جيداً كيف أنقد الأخطاء دون الإنزلاق إلى هاوية الخسة و نكران الجميل لكن إيكو أكمل الأمر حين علمني كيف أحترم نفسي كمواطنة محبة لأرضها في دولة تعترف حكومتها بالشعب كعنصر لاستمرارية نفوذها و كيف إما ألومها وأنبهها أني أفهم ما تفعله أو أتخذ لها العذر دون أن أظن في نفسي الغباء و المداهنة و الخنوع، كل هذا حين قال عن الفاشية التي تتأسس على نوع من الشعبوية و ليس بالضرورة أن تكون الدموية ولا التنكيل الفيزيائي من مواصفاتها و ممارساتها : ” يُنظر إلى الشعب باعتباره مزية، كيان موحد يعبر عن إرادة مشتركة، وبما أنه لا يمكن لأي كم من الكائنات الإنسانية أن يمتلك إرادة مشتركة، فإن الزعيم سيكون هو الصوت المعبر عن الجميع. إن المواطنين وقد فقدوا سلطة الإنابة، لا يفعلون أي شيء. إنهم فقط مدعوون لممارسة لعبة الشعب، بمنطق الجزء مكان الكل. وعلى هذا الأساس لا يشكل الشعب سوى وظيفة مسرحية. ومن أجل الحصول على مثال نموذجي للشعبوية النوعية، لسنا بحاجة إلى بيازا فانيزي أو ملعب نورانبورغ. إن مستقبلنا يتراءى من خلال شعبوية نوعية تلفزية أو انترنت.”

قبل إيكو كنت أسمع بالسيميائية ك term فلسفي له علاقة بالأدب ولا أعرف شيئاً أكثر من ذلك ولم يحدث أن شعرت بفضول لمعرفة أكثر من ذلك عنها، إذ كنت مشغولة بالمصطلحات الطبية في الكلية و واجبات تطلب تحليلها و حفظ معانيها و وظائفها و حالات استخدامها و أنواعها و جميع سلالالتها أيضاً. بعد اسم الوردة كانت تقفز كلمة السيميائية أمامي بكثرة عندما أضع اسم إيكو في قوقل لأتابع أي جديد له، أو عنه، ثم أكرمتنا المنظمة العربية للترجمة بترجمة كتاب السيميائية وفلسفة اللغة و كان اسم إيكو وحده كافياً لأقرأ في مجال لم يهمني في حياتي على الإطلاق. لم أندم أنني لم أقرأ عنها من قبل، بل فرحت. شعرت بغرور خبأته بيني و بين إيكو وقد أصبح حينها رفيق درب عظيم، لا أحد يغار من عظمته ويسحبني من رأس غوايتي نحو عينيه اللامعتين مباشرةً سوى كونديرا. ليست معلومة هامشية ولا تافهة أن تعرف كطبيب أو طالب طب أن مصطلح ” علامة” أو “segno كلمة تقنية ظهرَت فلسفياً في القرن الخامس مع برمنيدس و أبقراط و أن أول تمييز لها عن كلمة ” سمة” جاء في كتاب الخطابة لأرسطو. نحن كأطباء نعي أهمية التعرف على تاريخ آبائنا في الطب و الحكمة. و بعد أن أخبرني إيكو بهذا قرأت لأول مرة كتاب الخطابة لأرسطو.. لأعرف فقط كيف استوعب رأس إيكو البحث في تلك المراجع الثقيلة على النفس حين تقرأ لتتمتع لا لتذاكر أو تزيد حصيلة الأرشيف. أقنعني إيكو حين شرح: “لقد وجد أبقراط مفهوم العرض لدى الأطباء الذين سبقوه……….وكان الأطباء الكنديون يعرفون قيمة الأعراض فهم على مايبدو كان يقننوها في شكل معادلة. كان أبقراط يؤكد أن العرض ملتبس إذا لم يقيّم بحسب محيطه، مع اعتبار الهواء والمياه و الأماكن و الحالة العامة للجسم و الحمية التي بإمكانها أن تغير تلك الحالة.” هل لاحظتم أنني كثيراً ما أستخدم كلمة شيء في كلامي وكتاباتي؟ ليس بصفتها أكثر اختصار مرضٍ للمزاج عندما يشح التعبير بل لأنها شيئاً ذي مدلول مباشر فعلاً على ما كان سيقال. إيكو يخبرنا ” يتفق الجميع على تعريف العلامة بصفة عامة على أنها شيء يقوم مقام شيء آخر، أما الشيء، فهو عبارة ملموسة ( أي كيان مادي ينتجه الإنسان أو يعترف به على أنه قادر على القيام بوظيفة المعبر عن شيء آخر.) لن يشعر بأهمية كل هذه الأشياء من العلم بالشيء سوى من يشعر بالمرض عندما يجهَل.

مع اسم الوردة كنت أعرف أنني سأتعرف على الزهور من وجهة نظر فيلسوف وعليها سأكتشف أبعاداً هندسية للورد و معانٍ خبيئة تبعث في النفس حكمة عطريّة. هكذا حسبت عندما حملت الكتاب بحجمه الكبير بين يدي ولم أكن قد قرأت عنه شيئاً ولا حتى نبذة. ناداني اسم الرواية فحسب. ثم عندما بدأت بقراءتها من التمهيد بكيت، ولم ألاحظ أنني أبكي إلا عندما أثار ملح الدموع حساسية جِلدي. ” في البدء كانت الكلمة و الكلمة كانت عند الله و كانت الكلمة هي الله.” أدهشني تناوله لوصف بناية تعبُّد سماها بالصرح و ميَّزه عن الدير بالقول ” تظهر الصخور من الأسفل، وكأنها تتعالى نحو السماء لتصبح على ارتفاع ما برجاً و قلعة، لا فرق بينهما في اللون وفي المادة (من صنع عمالقة لهم ألفة كبيرة بالأرض وبالسماء)” . قبل القراءة لإيكو كنت ممن يتهكمون على فكرة المسيحيين عن الأرواح الشريرة لأنهم شوهوها عن حقيقة كينونتها كأرواح من الجن و الأبالسة لا أرواح شريرة غامضة المنشأ أو الهوية سوى ما عرف عنها بأنها تظهر بعد موت أحدهم مستحضرة روحه أو في الأماكن المهجورة أو المبنية على القبور. لكن البلاغة في تفسير الرهبان لقتل نسّاكهم في الدير بأنه فِعل أرواح شريرة أقنعني أن لكل وجه تافه نراه وجه آخر يستحق الإحترام حتى لو كنا نرفضه. متى قرأنا كعرب رواية طويلة تجمع بين الفلسفة و الفكر و الأدب و البوليسية معاً؟! أي رواية في العالم أتقنت أو حتى تناولت هذه الأشكال العقلية سوى رواية أحلام آينشتاين فيما أذكر ؟ آلن وايتمان جمع بين الفيزياء و الفلسفة والأدب معاً و علمنا كيف نفهم الزمكان بطريقة مغايرة لنظرية آينشتاين وقلت حينها لن أجد شرحاً للنظرية يناسب عقول غير الفيزيائيين أكثر من هذه الرواية الغرائبية الرهيبة.

إنَّ رحيل إيكو، هو فقد شخصي لي. قد يركض الكثير من المتطفلين على القراءة و الأدب الآن لنعيهُ كي لا يكونوا شاذين عن أحداث الخط الساخن لكن أحداً منهم لن يجرؤ على تعزية نفسه شخصياً بوفاته لأنه لم يكن ولا يمكن لمن قرأ له عملاً واحداً أن يقول كان إيكو أديباً فيلسوفاً عظيماً قدم للأدب الشيء الكثير ، ويصمت ويذهب ليكمل تسليته بوضع روابط لكتب أشخاص آخرين ويصدح بحديثه عن الأدب وآخر رواية قرأها! هكذا ببساطة؟ لا ، لا يمكن. أنت متوهم أنك قرأت لإيكو. ربما تصفحته أو قرأت بعمق بعض الاقتباسات المنتشرة في قودريدز عنه. القراءة شيء مختلف كلياً عن التصفح. أ تكون هكذا قد عبَّرت عن صدقك في قراءة هذا الرجل؟ محال. محال قطعاً. إنني حادة و عصبية لأقصى ما يكون عندما يخص الأمر زيف المثقفين وادعاءاتهم للحزن أو خيبة الأمل بعد وفاة عظيم كإيكو. أبجل أحبابي الذي اختصر إيكو عددهم من المعاصرين و قلَّصهم كثيراً، فلم يكن هناك داعٍ لسرد أسماء كثيرة في قائمة مفضلاتي و الذين أستمر بجوارهم اقرأ و أتابع و أرصد تحركاتهم التي يسمحون لي بمعرفتها عنهم كغيري من جماهيرهم. عندما كانت تطول قائمتي، كانت تكثُر بأسماء الراحلين لا المعاصرين. إيكو و مانغويل وبول أوستر و كونديرا هم صفحة سمائي و نجومها أيضاً.

عندما يموت إيكو و يبقى شرار الخلق كسفاح الأطفال في سوريا و بوتين و السيسي و نتنياهو و حزب “اللات” والمنخلعين عقلياً كداعش على قيد الحياة يمشون معي و معنا على نفس الأرض، أنهار. تميد بي الدنيا و يتخلى عني وعيي و فهمي لما يحدث، أين العدالة؟ أتساءل. ثم أستغفر لأنني أعرف أن الله لا يظلم أحداً. لكن صماماً مغذياً لجوعي الدائم للعلم توقف اليوم ولا أعرف كيف سأقوم بسد ما تركه من خلل و فراغ و فجوة و كسر. أحب إيكو. أحبك يا امبرتو. أحبتك جداً و أدعو لك الله أن يكون مرقدك الجنة. فقد كنت طيباً لطيفاً خيَّراً عطراً ك وردة، و عظيماً سامياً ك كتاب.