إجابة على رسائل-1

msg

هذا سؤال وردني منذ أيام على البريد الإلكتروني. أقوم بالإجابة عليه هنا بعد إذن المرسلة بالنشر لأنها الرسالة الخامسة في غضون ستة أشهر تصلني عن نفس الموضوع والسؤال. أشخاص يبعثون لي بعضهم يطلب فقط الإنصات وأن أرد عليه بكلمة قرأت رسالتك و دعوت لك. آخرون كانوا يطلبون مساعدة فعلية بجلب قبول لهم من جامعة بريطانية برغم عدم استيفائهم لشروط القبول وأولها المعدل، أقع في حرج استحالة تنفيذ الطلب لأن كوْني درست و تخرجت من بريطانيا لايجعلني صاحبة نفوذ أو واسطة لا في الجامعات ولا الملحقية السعودية التي عانيت من بيروقراطيتها الأمرّين. هناك رسالتين طلبت عوناً معنوياً و نصائح تفيدهم وهذه التي أنشرها الآن هي الثانية. كنت أمر بظروف مختلفة قاسية منعتني عن الرد على أكثر الرسائل. ربما يظن أصحابها أنني تجاهلتهم لكن ليس صحيحاً، الأمر فقط أن النفس آفاق و وديان وقد كنت في قاع وادٍ غير ذي روح، فعذراً. لدي ما أقوله بخصوص ما تحتاجه المرسلة في هذه الرسالة والرسائل المشابهة. قررت أن أضع إجابتي في المدونة لكي يستفيد كل من يمر يوماً و لديه مشكلة مشابهة. وقبل أن تكون هذه الكلمات لكِ يا عزيزتي منى ولكم، هي لنفسي قبلكم لأنني لست أفضل منكم بشيء سوى أن دراستي و عملي هم الشيء الوحيد الذي تبقى لدي بعدما خسرت أشياء مصيرية عديدة قد تكون هي من خسرتني كما فكرت أحياناً لكن بالنتيجة..حصل الفقد. ولا يبدو خطأً عادياً أن أضيِّع مُلكي الباقي الوحيد.

أولاً: قد يكون كلامي ليس معلباً كالنصائح الشائعة التي يقولها الأطباء و الآخرون من رواد التحفيز وتطوير الذات والتفلسف! فعلاً قرأت نصائح عديدة لأشخاص (واصلين) في علمهم ومهنتهم لكنهم يقولون أشياء لو وقعوا في مشكلة لن يستطيعوا تطبيقها ولا حتى التوقف للتفكير بها. أنا أتعفف دوماً قدر المستطاع عن تقديم نقد ونصيحة، لأنني أقع في فخ المجاملة والتعليب كآخرين. لكن أجبرت نفسي على التغير مؤخراً. استطعت لمس معاناة العديد من الناس من لغو الكلام الذي يقال لهم بلا طائل. أصبحت أقول ما يخشى الكثير قوله كي لا يقال عنهم معاكسين للتيار أو أشياء خاطئة أخرى، ومتسرعة. لايهمني ويجب أن لا يهمك أيضاً ما يفكر فيه الآخر عنك. تخلص من آرائهم التي يعجزون عن توجيهها لأنفسهم وستشعر بالطمأنينة على الأقل. فالرضا أمر صعب لا أعرف طريق الوصول إليه، فأنا لم أصل بعد.

ثانياً: الفشل في الدراسة ليس فشلاً في الحياة. أتفهَّم أن تكون الدراسة والعمل هم كل شيء للفتاة في بلدي. لكن يحدث أن يكون الفشل فيها قاتلاً عندما يكون لدينا هدفاً ذو شكل واحد لم ننوع فيه. التنويـع وقاية من أمراض تصيبنا عند الفشل. تفسير: الدراسة هي حياتي وهويتي. لظروف قد تكون عقلية، نفسية، اجتماعية،اقتصادية، تعليمية.. فشلت في النجاح في التخصص الذي أحببته. لن أقول لا تحزن، لا تبكِ، لا تنهار. كن طبيعياً وأعطِ غضبك وحزنك وتفاجؤك من القدر السيء حقه. لكن لا تبالغ. هذه نصيحتي الأولى. لا تبالغ في ضخ المشاعر والأفكار السلبية عن حادثة بشعة حدثت لك. بالطبع أنا أقصد الحوادث التي تحصل بفعلك. لا تقل حياتي معلقة بالطب، أو برياض الأطفال كما في الرسالة، أو بالبرمجة والحاسوب ولن أستطيع النجاح في شيء آخر بعد فشلي في الشيء الذي أحببت. الحيـاة تجارب. لا تصغِ إلى الطاقة السلبية التي يبثها لك المحبِطين بالقول أن العمر يجري وليس فيه متسع لتجرب وتجرب وتنتقل من تجربة لأخرى غير مضمونة العواقب ولا الأرباح. الحياة في الأصل تجربة. مسرح كبير وضعنا على منصته لنؤدي أدواراً نخرج فيها كثيراً عن النص المكتوب لكن الله يعيدنا إليه في النهاية لأنه هو من يقدِّر الأقدار التي لا نعرفها. قد تعشق الطب لكن قسمتك عند الله شيء آخر. حبس نفسك في دائرة تخصص واحد بعد الفشل فيه هو الدمار الفعلي والفشل الذي قد تضيع فرص إصلاحه بعد التأخر. لدي رفيقة رسبت في السنة الثانية في الطب ببعض المواد وأكملت حتى وصلت إلى السنة الرابعة وملفها مليء برسوب في مواد تنجح في بعضها وترسب في أخرى جديدة وهكذا. بعد حضور ندوة عن أهمية التبرع بالدم شعرَت أن وحياً تنزل عليها وتخبرني أنها سمعت صوتاً وهي نائمة في تلك الليلة يقول لها لن تكوني طبيبة. كان صوت عقلها لأنها كانت تدعو الله كثيراً أن يرشدها إلى الطريق الصحيح. قامت رفيقتي في اليوم التالي بسحب ذلك الفصل وذهبت في زيارة إلى كلية العلوم الطبية بحجة التقديم على وظيفة ثم زارت العمادة وشؤون الطالبات وسألت عن التخصصات المتاحة وخطة الدراسة و أشياء كثيرة لم تلاحظ أنها كانت سعيدة وهي تستفسر عنها إلا بعد خروجها من المكان وصعودها إلى السيارة للعودة إلى البيت. بعد انتهاء ذلك الفصل. سحبت رفيقتي ملفها من كلية الطب وسجلت في كلية العلوم الطبية تخصص مختبرات و تم قبولها واليوم هي تعمل في مشفى بجوار بيتها وتم قبولها لإكمال دراستها في استراليا و ستتزوج رجلاً أخصائي مختبر مثلها وتشعر بسعادة رأيتها على وجهها آخر مرة عندما كنا في المدرسة الثانوية. لم أرها منذ دخولها إلى كلية الطب سوى فتاة تعيسة قلقة منهكة حتى في الإجازات الكبيرة. تخبرني أنها لم تفكر في تخصص المختبرات في حياتها ولم تتخيل أنها قد تجد نفسها فيه. وبالطبع تؤكد أنها غير نادمة على الإبتعاد عن الطب فقد كان حلمها الكبير لكنها لم تخلق له وهذا قرار الله وهي تثق فيما يصنعه الله لأجلها.

تخصص رياض الأطفال قد يكون سهلاً كما ذكرت المرسلة وربما تصل نسب القبول فيه إلى الحد الأدنى الذي لا يقبل في باقي التخصصات. لكن هل فكرت أن سبب فشلك فيه هو ليس أنك غبية ولا كسولة لكن قد يكون السبب هو أن الله يريد لكِ شيئاً أفضل وينتظر منك فقط السعي إليه بقدميك؟ جربي تغيير التخصص لشيء آخر مشابه في مجال العمل بعد التخرج، كأن تكون معلمة أطفال مثلاً. فكري إذا ما كنتِ تحبين القراءة، قد يكون تخصص اللغة الإنجليزية أو العربية مناسباً لأنه يفتح أمامك آفاق واسعة للقراءة ويؤهلك لتكوني معلمة أطفال. مثل العديد من التخصصات الأخرى. فكري بذلك. وأما تقريع الوالدين، فمهما احتد و ساء و جرح، لن يكون ذو غاية في آخر الأمر سوى الخوف عليك. اصغِ إليهم إن كنت مجبرة بأذنك فقط. ليتجاهل قلبك وعقلك كل كلمة سلبية. تخيلي أنكِ تعيشين وحيدة على هذا الكوكب وليس أمامك حل للعيش فيه سوى أن تنجحي في شيء ما. البحث عن شيء مناسب ليس صعباً في عصر التكنولوجيا.

ثالثاً: الشهادة الجامعة ليست اشتراط النجاح الوحيد. لن تجدي من ينبهكِ إلى هذا لأنهم يخشون أن تظني فيهم الغيرة و الحسد وعدم حب الخير لك. لكن صدقي أو لا تصدقي. هنالك عظماء خلد التاريخ سيرهم العظيمة وهم لم يكملوا دراستهم الجامعية. هذا ليس تحريضاً على ترك الجامعة. لكنه تذكير بأن الله لايكلف نفساً إلا وسعها. بلدنا تتيح فرص الحصول على شهادات كثيرة غير البكالوريوس. هنالك تخصصات رائعة للحصول على دبلوم عالي غير متاحة لتخصصات البكالوريوس.و هناك دبلومات إدارية ومالية تنتهي بوظائف ممتازة في البنوك والشركات والمدارس ومختلف القطاعات. كما أن الدورات و الندوات وورش العمل التي تمنح شهادات حضور ومشاركة كلها ذات نفع يؤتي ثماره ببعض الصبر والإصرار.

رابعاً: يسألون من أين حصلت على الدافع لتعلم كل شيء تعلمته في حياتي، هذه نقاط :

_ الإحتياج. وهذا الدافع غريزة لا ترف. لا يستطيع الإنسان أن يكون مهمشاً أو رقم صفر على الشمال في الحياة. الجميع يركض ليفعل أي شيء كان، أي شيء.. ليكون ذا معنى أمام نفسه. الآخرون ليسوا في المقام الأول كما يظهر دوماً. يهتم المرء بأن يهدئ أفكاره عن نفسه أولاً بعمل شيء ما وهذا ما يفعله كل شخص على الأرض. لا يطيق الطبيعيون مشاعر أن يكونوا عالة على الآخرين حتى إن كان الآخر أمه وأبيه. وهكذا دفعني احتياجي إلى أن أكون شيئاً قديراً و قيِّما أمام نفسي إلى تحقيق حلمي، ولن أخبئ سعادتي بنعمة الله علي بأن حقق لي حلمي علماً أن الطريق إليه دمرني تقريباً. لم يكن الطريق معبَّداً ولا مفروشاً بالورود لكنني صبرت وكنت أتعامل مع المشكلة كلُعبة تحدي وأحياناً اعتبرتها لعبة المتاهة وراهنت نفسي على أنني أستطيع الوصول إلى مخرج النجاة. و وصلت بالفعل.

_ الألم. أصبت ببعض الأمراض منذ بلغت الخامسة عشر وتستفحل كلما كبرت يوماً حتى اليوم. كان الألم و منظر المرضى الآخرين عندما أرقد في المستشفى يصيبني بآلام نفسية أقوى من ألم جسمي. كثيراً ما كانت حرارتي ترتفع ويحتار الطبيب في تحديد السبب. كان السبب هو حزني الشديد على ما يتألمه الناس أمامي ورغبتي في مساعدتهم بلا جدوى. كنت قد صممت على أن أمنح نفسي صلاحية إنقاذهم عن طريق الطب.

_ الشعور بالحبس. لا أخاف من الظلام في العادة. على العكس لا أجلس في البيت سوى والنور مطفأ لأنه يؤذي عيني وأعصابي ويشعرني بأن النهار لن ينتهي. ليس كرهاً في النهار، إنما رغبة في انتهاء يوم دراسة شاق. عندما أرى أموراً تحدث من حولي ولا أستطيع أن أفهمها وأضطر إلى سؤال إخوتي وصديقاتي لأفهمها.. كنت أشعر أنني مسجونة في قبو لايصل إليه الأوكسجين. امتناع الهواء عني هو نقطة ضعف لدي. لا أخشى الظلام قدر خشيتي من نفاذ الأوكسجين. الجهـل هو تعريف ثقافي لنفاذ الأوكسجين. و بسببه تعلمت اللغة الفرنسية. كنت أشاهد أفلاماً فرنسية و أرى كتباً لأدباء فرنسيين أحبهم ولا تعجبني الترجمات العربية لكتبهم. فقررت تعلم الفرنسية وفعلت. كانت مخيلتي تضج بمشاهد من ابتكاري عن أفكار و مواضيع كثيرة لا أستطيع التعبير عنها بكتابة جميلة، فلجأت إلى التصميم وتعلمت على برنامج الفوتوشوب. و كنت أتضايق وأبكي أحياناً عندما يصدني أحد إخوتي بعد سؤالي عن شيء كبير على عقلي كما يظنون ويجب أن لا أفهمه إلا عندما أكبر، فلجأت إلى القراءة ومع الوقت أصبحت الكتب جزءاً كبيراً من شخصيتي وارتياحي. هكذا بددت شعور الحبس وأصبحت حرة ليس كالطيور أو الصور النمطية التي يقولها الجميع وإنما فقط كروح تقف في منتصف فسحة بلا أسوار محيطة بها ولا انخفاض مؤذٍ في مستوى الأرض.

_ احترامي لله. أحب ديني وأؤمن بعقيدتي وأن الإسلام هو خير الأديان. دين الرحمة والسلام. أحترم ربي الذي شرع هذا الدين وكلما وقعت في هاوية اكتئاب وحزن وشعور بالضياع، تذكرت أن الله سيكافئني إن صبرت وأحسنت وحاولت الحفاظ على مكتسباتي وعدم إهلاك نفسي للحصول على ماليس لي. هذا الإحترام دافع عظيم جعلني لا أتوقف عن المحاولة في النجاح والوفاء لمن ساندني ولو بكلمة في الضراء، إنني أفعل أموراً كثيرة دون الحصول على شهادة اجتياز فيها لكن أعرف أنها ناجحة عندما تشعرني ببهجة أو ارتياح. وهكذا تمضي الأيام.

نصائح سريعة أواظب عليها بمتعة للنجاح في مذاكرة أو عمل يتسم بأوراق و أقلام و تفكير و حقائب وأشياء أخرى مشابهة:

_ اصنع قائمة (واقعية) تحتوي على هوامش تعليمات وتوجيه تساعدك في إنجاز ما تريده في اليوم.

_ ضع وقتاً للمذاكرة والتزم به.

_ ابدأ بالمهام الصغيرة. هذا سيكسر الجليد الذي في داخلك ويجعلك تقرأ ما تكرهه بدون الشعور أنك مجبر عليه، شيئاً فشيئاً ستتقدم في المذاكرة و تشعر أنها الشيء المناسب لهذا الوقت لأنك لو بددته في قراءة شيء آخر ستقع في حفرة القلق مما ينتظرك غداً وهذا فشل جديد في الوصول إلى ارتياح تستطيع تحقيقه بنفسك بدلاً من الإستمراء في جلد الذات على شيء لاتوجد صعوبة في تفاديه.

_ حاول العثور على مكان مناسب للإنجاز. أو اصنعه. حتى لو في جزء صغير من الغرفة. أنا أعيش في استديو مكون من غرفة وصالة ودورة مياه. قمت بتخصيص جزء من الصالة وحولته إلى مطبخ و نظمت الغرفة بطريقة جعلت منها مكاناً آمناً للنوم و للمذاكرة. قرأت عن أن الابتعاد عن غرفة النوم يساعد على العمل لأن النظر إلى السرير كافٍ لجلب النعاس والشعور الوهمي بالتعب والحاجة إلى النوم. وضعت هذا الأمر في اعتباري لكن حجم مكان معيشتي جعلني أتصرف بطريقة أخرى وهي جعل طاولة المذاكرة مقابلة للسرير بحيث أجلس أمامها وهكذا يكون ظهري موجهاً لمكان النوم ولن أنظر إليه طوال استغراقي في الدراسة والعمل.

_ اجعل طاولتك دوماً نظيفة. سيتجدد شعورك بالإنتعاش والرغبة في إنجاز شيء جديد على هذه الطاولة.

_ عندما أفقد بوصلتي ولا يعود لدي شيئ يلهمني لمزيد من المقاومة والصبر. أخرج إلى حديقة مجاورة و أمشي. أحياناً أمشي على الرصيف ولا أحتاج إلى رائحة عشب وزهور. في مكة أقوم بمشاهدة فيلم غير درامي. أحياناً أصلي و أرفع صوت سورة يوسف وسورة الرحمن. أنا مصابة بأرق وانعدام نوم منذ سنوات إلا عند التعب. مع ذلك، عندما أستمع إلى القرآن أنام بقليل جداً من الحزن. أي أنني أنام بالكثير من الإرتياح. أيضاً، أنا أكتب. أواظب على كتابة مذكراتي ويومياتي منذ سنوات طويلة. وكلما استرسلت في الكتابة كلما استيقظت نجمة في قلبي. لكنني بالطبع لا أنشر في المدونة كل شيء أكتبه. الدفترعلبة أسرار حميمة. التحدث إلى صديق أمر رائع. كلما كبرت قل عدد الذين يتمسكون بي. لكنني أدين لصديقات عمري بالكثير من الحياة التي لولاهم لما حصلت عليها. أخيراً، قراءة كتاب أو رواية لم تعد تجدي. إنها تستنفذ مجهود. لكن عندما أخصص لها وقتاً، أستعيد عالماً أحبه و أعرف كيف أرشد نفسي إلى النهوض من جديد.

_ احترم نفسك

كلما آمنت بأهمية نفسك و أحلامك والأشياء المشروعة التي تفعلها لتصل إلى ما تريد، ستنجح. حتى لو كانت النتيجة شيء يخبرك أنك فشلت. هذا نجاح من حيث لم تنتبه. لأن الأشياء التي يجب أن نفعلها ليست هي كل ما نراه بأم أعيننا ونقول لأنفسنا هذا هو ما نريد. تنبعث أمامنا طرق و وسائل لم تخطر ببالنا من قبل. يحدث هذا عادةً عندما نفشل في تحقيق مهمة نرغبها. إن حافظنا على احترامنا وتقديرنا لأنفسنا سنستطيع النجاح لأننا سنستطيع الوثوق بقدراتنا على المشي في طريق جديد.

ربما تكون هناك نصائح أخرى كثيرة. لكنني أنهض دوماً عندما ألتزم بالأشياء التي استطعت أن أذكرها الآن فقط.