هذه غرفة عنايتي الفائقة

sheh

ناصر، شكراً يا جندي الصومعة المجهول على صوْن الأمانة كل هذه السنوات.

هكذا أحببت أن أبدأ التهنئة لشهار. المدونة التي لم تعد جماداً يمدني بالتهوية كعبوَّة أوكسجيني التي أصبحَت قطعة أثاث أساسية في غرفة نومي. تقف مثل صمام أمان على الطاولة بجوار السرير بدلاً من علبة مجوهرات زهرية اللون كنت أحب الاحتفاظ بها بجواري لأنها عند الفتح تبعث موسيقى جميلة كجَمال الليل و بواكير الصباح. لم يكن ليبقى هذا المكان السري الذي لا يقرأني فيه سوى من لا يعرفني.. سالماً يتنفس وكأنه رئة إنسان تضمني كلما جئتها معبئة بالهلاك.. لولا ناصر. لم يجد ناصر في هذه الرئة شيئاً يخصه أو يعنيه، لكنه ظل يحافظ عليها مثل شيء يملِكه بحُب، و من يُحب لا ينسى. و ناصر لم ينسَ هذا المكان كل هذه السنوات برغم أنه ليس له. كلما أكملت المدونة عاماً أفكر في كلمات شكر مناسبة يا ناصر. أفكر في عرفان مناسب على الحرية التي أعطيتني. لم تقيدني بعدد جيجابايت ولا بأي شيء. كان الأمر غريباً في البدء، لا شيء. لم تضع لي أي شرط. كنت أخشى أن أكتب و أكتب و يضيع كل شيء فجأة عندما يتعطل المستضيف أو عندما تتخلى أنت عن المهمة، لكنك لم تفعل شيئاً سوى أن منحتني طريقاً مضيئاً بلا نهاية و قلت لي انطلقي ولا تفكري في شيء. كم يبدو الشكر ضئيلاً مثل دبيب نملة أمام قلبك الهائل و نُبلك الشاسع مثل نهر؟ يا ناصر شكراً، و البقية تُدركها..

سبع سنوات. أي سبعةٌ من عُمري، 2555 يوماً بتفاصيلها، آلام، رائحة مستشفى و أدوية و صوت جهاز إنعاش و تخطيط قلب و صور قطط و كتب و أفلام و حقائب و أدوات طبية و.. هزاع. أجل و سابقاً ريمي، أبطالي الذين اختلقتهم و حرَّكتهم و بثثتُ فيهم حياةً أعيش معها و أقص عليها ما يحدث و تسمعني و تكتب لي رسائل حب و دعم كبير.. الرسائل التي كنت أكتبها لنفسي و أذيلها بأسمائهم و أستودعها في صندوق الوارد.. مثل هدايا لوقت الحاجة، و قد كانت كل الأيام مدعاة حاجة إلى عطف ورحمة، لم يقم بتلبيتها أحد سوى قطِّي السمين. كانت يمضي شهرين، ثلاثة و أربعة في بعض السنوات لا أزور فيها المدونة ولا أتذكرها سوى بالصدفة. أيام مريرة، قاسية يُظلم فيها الحجر إن قورنَت به. لم يكن في مصلحتي أن أتذكر شيئاً يثير حاجتي إلى الكتابة. عندما كنت أعود، أشعر وكأنني دخلت غرفة من زمن الطفولة. وكأن هناك من كان يرتبها و ينظفها في غيابي. لم أدخل مرة إلى لوحة تحكم المدونة و وجدت ديداناً الكترونية (سبام). كان ذلك يحدث عندما كانت شركة الاستضافة مدفوعة. كنت أدفع و أدخل لأجد المدونة تكاد تنفجر من الديدان ومحاولات الإختراق. ومنذ أصبحت الأمور في زمام ناصر، أصبحت لا أدفع ولا أجد ذبابة تحوم في الأجواء.

منذ الأمس و أنا أتصفح مواضيعاً في المدونة بعشوائية. مواضيع قديمة و أخرى منذ البدايات. قضيت ثلاث ساعات أتجول و أضحك. كنت أظن أنني سأحزن لكنني ضحكت فعلاً فقد كانت الجولة ممتعة و محرِجة. أجل، احمر قلبي خجلاً من أكوام الركاكة و البساطة في التدوينات القديمة. خالطني شعور بالأسى و لم أعرف إن كان يجب علي أن اتأسَّى أم أفخَر بنفسي، لأن كل شيء قرأته أخبرني كم كنت ناضجة قبل نضوجي الفيزيائي. كانت أوائل أيامي في بريطانيا عندما قمت بالاستقرار في هذه المدونة. كنت آنذاك أدرُس سنةً مشترَطة للقبول في كلية الطب بجامعة ليدز و كانت الساعات مليئة بالحياة التي أحب رصدها في كتاب أو عدسة. أحياناً كنت أتوق إلى فعل أشياء تفعلها كل المراهقات في سني. لكن كانت آلام كليَتي التي عانت من فشل مزمن قد أطبقَت على خلايا الرغبة في المرح التي حلمت ببعضها دوماً. تنزهت كثيراً في ليدز. كانت أجمل لحظة في حياتي عندما رأيت لندن. مدينة الأحلام. بحثت عن موضوع قديم في المدونة عن أولى أيامي في لندن ولم أجد. كان رائعاً، من المواضيع القليلة التي رضيت عنها ونشرتها بلا تردد، لكنني تذكرت أني فعلت ذلك في منتدى الطومار و تكاسلت عن نقله إلى المدونة فذهب مع ما ذهب من مواضيع أخرى لم أحتفظ بها بعد رحيل المنتدى.

شعرت بالأسى من ذاك النضوج. العمق في القراءة، في التفكير، في القلق، في التألُّم حتى. النضوج في التعامل مع اللحظات السعيدة و العلامات الفارقة و نقاط التحول في حياتي. كان يجب أن أعيش اللحظة بحجمها دون ضغط عليها لأنقص حجمها على حجم عقول الناضجين، لكنني لم أفعل. تأثرت بهيبة عائلتي التي يقف لها احتراماً كل من يشاهد أحداً من أفرادها. في بيتنا عندما كنت صغيرة، لم نكن نصنع التورتات المزينة بالصور و الشموع و نرفع صوت الأغاني الشبابية عندما نحتفل بنجاح فردٍ منا. وعندما كنت أنجح كانت جدتي، عمتي و خالاتي يقيمون لي حفل النجاح في بيتهم، يغنون لي بأنفسهم وفي العاشرة مساءً يرتفع صوت أغنيات القدامى، أبو نورة و فايزة أحمد و سراج عمر و أحياناً عبدالمجيد. كانوا يجلسونني مثل دمية يحيطونني بالهدايا المغلفة و البالونات و يقومون هم و يرقصون. الحفاظ على الهيبة مبدأ في بيتنا لا يُسمح بالجدال حوله. حفلاتنا اليوم أقيمها أنا لفتيات العائلة الصغار على الطراز الحديث، يفرح الجميع.. يمتنُّون لي. لكن عندما يقيمون لي حفلاً بنجاح آخر أو بخروج من إقامة مرضيَّة طويلة في المستشفى، يكون الحفل بمقاييس كبار العائلة ذوو الوقار!

هكذا تقولبت كتاباتي جادة طويلة و داكنة و كأنني أكتبها على جدار البيت، لا في مدونة حرصت أن تكون سرية مثل بواطني التي تجهلها أركان و أرواح البيت، حيث العالَم الآخر في قلبي، حدائق العُمر أخضرها ويابسها المعلقة في عقلي. و ندبات تركتها إبر بزل النخاع العظمي أسفل ظهري المستور بألمي الكثيف الصامت، لا بالملابس وحسب.

أدين بالكثير لشهار. لقد أطلقت عليها هذا الإسم لأنها دوماً مكان نقاهتي النفسية من الحياة بأسرها. عندما أشفق على رأسي من المسكنات التي أفخخه بها كل يوم عدة مرات، ألوذ إلى المدونة و أكتب فيها كل شيء أشعر أن رأسي سيهدأ إن تخفف منه. في كل موضوع أدونه تصلني رسائل عديدة من قراء أصبحوا مع الوقت نبضاً للمدونة. أفتقدهم عندما أضع تدوينةً و يتأخر وصول رسالة بعدها. و كأنهم يشعرون بحنيني إليهم و سعادتي برسائلهم، يبعثون لي بعد أن أتساءل ما إذا كانت التدوينة مخيبة للآمال هذه المرة؟ يحدث ذلك عندما تمر عشرة أيام بعد النشر دون وصول أثر. قراء المدونة الذين لا يخبرونني أسمائهم، أصبحوا أسرَتي السايبيرية. أنا لا أحب مصطلح العالم الوهمي. فتلك الأرواح ليست أشباحاً، بل قد يفتقد المرء في الأجساد الحاضرة معه على أرضه التي يمشي عليها احساساً بالأمان يمده به ظل غير مرئيٌ في بقعةٍ ما، كما يفعل هؤلاء الذين يمنحونني دمعة لامعة على طرف العين برسائلهم. أشكركم، لم أقم يوماً بإحصاء عددكم، أعرف بالعموم أنكم قليلون، ولذلك أشعر أنكم عائلةً أخرى رُزقت بها مكافأة ربما، لأنني في أسوأ أوقات وحدتي، لم أكن ألجأ للجريمة و الإثم، بل للمدونة، للكلمات، للكتابة، للقراءة، للنوم، لسورة يوسف، لزيارة المكتبة، البحر، غرفة أمي و أبي. ولا أقول أنني لم أكن أيأس، أسقط، و أكون بوعيي عندما يسحبني الإنهيار العصبي إلى الظلام فأشعر بشعور الغريق في المحيط الهادي بلا طوق ولا سفينة عابرة بالصدفة، إنما أقول أن جوارحي لم تتخلى مرةً عن الإيمان بالله.

كان من الواجب أن أقوم بتطوير المدونة و أفتتح أقساماً جديدة أواكب فيها ما يفعله مدونون آخرون. لكنني أحببت أن أحافظ على المزية التي أبقتني على وفاق وارتياح مع شهار كل هذه السنوات. و بالرغم من ذلك قمت بافتتاح قسم جديد أبدأ فيه بروجكت بودكاست ليس له مثيل حسب علمي بالعربية. وهو بودكاست ” طِبابـة ” أمارس فيه هوايتي بالتحدث عن الكتب لكنني أختص كتب الطب و الكتب العلمية البحتة هذه المرة. كما أختص طلاب الطب و الجامعيين عموماً بمواضيع مساعدة على المذاكرة و فهم المواد ولا أستثني نفسي من الفئة المستهدفة بهذا المشروع، فطلَب العِلم هو وضعي الذي أفخر دوماً أنني أحافظ عليه.. لست طبيبة فحسب، أنا طالبة عِلم أيضاً، و معرفة. هناك تفاصيل أخرى عن المشروع قلتها في الحلقة الأولى من بودكاست طِبابـة هنا :

طِبابة

عيد ميلاد سعيد يا شهار..