220

مرحبا، لقد تحدثت معك قبل قليل و سألتك عن أحوالك و كيف كان عملك اليوم و كالعادة انقطع حديثنا أربع مرات لأن خطاً آخر يتصل بك و لأن الأهل يطلبون منك أغراضاً تشتريها من البقالة و لأن صديقك يلحُّ عليك أن تؤكد له حضورك إلى الإستراحة لمشاهدة أي شيء لا أعرفه على التلفاز أو لعب البلوت. المرة الرابعة قلت ستتصل بعد قليل ولم تخبرني لمَ ولم اسألك. لم يتوقف هذا المنوال يوماً. ولم يخطر ببال الزمن أن يوقفه. كل شيء مستمر كما يريد الصدق والحب. الأمور تنصفني في غيابك. تسير بالرتم الذي خطفتَ لحنه و رحلت. عندما كنتَ أنانياً ظننتَ أنك محور الكون وأن الزمان والمكان والظروف كلها ستتحد معك لا لشيء سوى أنك تريد هذا. يبدو أن وزني الأخف من ريشة عماك عن الانتباه أن الزمن يدور حولي أيضاً. و أن هذه الفيزيائيات لا تخضع لما تريد أو أريد، حسابات لا تكون كما يريد الهوى العابر بل كما يريد الهوى المقيم و راحلتهُ الأفعال. شيء يشبه الكارما ربما. ترحل، لكن ما كان يحدث بيننا لم يرحل. لم يسكُن، لم يذوب. كارما، ما تفعله يعود إليك ولو بعد حين. لا شيء يضيع في حصالة الزمن التي لا نراها. بالنسبة لي أتحسسها جيداً ولا أحتاج إلى لمسها بيدي. فعلتُ معك حُباً. الوفاء لشخص مثلك لم يكن بالفضيلة السهلة. صدقني لقد جاهدت نفسي الأمارة بالسوء لأحافظ على نزاهة حبي الدرِّي. لا لأجلك، بل لأستطيع عيش ما تبقى لي من أيام قادرة على منح الجود لمن أتعبتهم بنزقي عندما كُنتُ شيئاً مصبوباً بالكامل بين يديك. تسعة أشهر كنت فيها حاملاً بمعنى المعنى. حملتُ جمرتك في رأسي و كانت تشوه ضربات قلبي كيفما طاب لها من تحريف و تمثيل وتشويه. توقف قلبي في فبراير بعد جلسة علاج تعرفها، كانت ستون ثانية لم يظن فيها أحد أني سأرحل. كانوا واثقون من أنني سأعود. موقنون أن لديَّ ابناً عاقاً لن أقوى على تركه يتخبط في حرب الدنيا دون سند ولا ظل. تسعة أشهر على جورك المتوحش. أشعرتني لوهلة أنني لو ربيتُ قِرشاً بدلاً منك لكان أرحم المستأنسين عليَّ اليوم، فكيف بخير الناس في ظني؟ يا جملة و كِتَاب الظنون، لقد عدت أداوي جراح المرضى إلا نفسي. رجعت إلى هويتي القتالية بافتراس كان سيجبرك على الشفقة. قفزت بكُلي إلى التهلكة في اليوم الذي أُمِرت فيه باعتزال هذه المعركة كلياً و إلى الأبد. قلت لنفسي سددي، وقفزت أثناء ” قاربي”، فكنت على شفة الياء في غرفة العمليات أستخرج ورماً من طفل بعُمر ابنتك و عيني كعين السكارى حمراء لا تنفك تنوح كمداً من صراخك. و هكذا، مشت خصالي بجواري في المكان الذي كان مخصصاً لك، فكان الوفاء والإيفاء. مضمداً، مجروحاً أكثر مني. لكنه نشأ في بيتي. داخل قلبي. في مقلة عيني و قيعان عقلي. الحاصل.. لم يكن أمامه سوى احترام فرَشه أمامي كبساط الورد بجزالة. مشيت عليه باستبسال. لا شيء من زمن هذه الأيام مر بتجاوز كما حدث معك. كما يحدث معك. كما سيحدث دوماً معك، ليس لأنك شيطان، ولا لأنك سيء، أنت تولة مسك و عنبر كما أنت في وجداني. ليس لأنك، بل لأنني أنا.. الطرف الآخر على الضفة المحفوفة بالهاوية. الطرف الذي لا يُغري بالإمساك لأجله جيداً بحبل النجاة الذي كنت تلوح به و أنت تتظلل بورق الشام! ستكون حرفَتك الإبداعية أن تنكر دوماً كل شيء مدون على جبين الحقيقة، لكن ستفوتك درجة واحدة على الكمال دوماً، درجة الحقيقة نفسها من الوجه الذي تستطيع تدويره و إرسال قُبلة و سلام إليه..لكنك لم تفعل، إذ أنه وجه يريك من أنت، ولم أعهدك مرةً من سِرب الذين يعترفون من هُم. أحبك. لأجلي. أحبك لأرحمني. أحبك لأنني أحتاجك جداً. أحتاجك حجم احتياجي إلى شيء مني، ينتمي إلي، شيء يعطف على رأسي و يغفيه بأمان خالٍ من الأصوات. صوتك، صوتنا، صوت الجنون الذي حللني كأحماض علاجي التي لو سقطت منها قطرة على جلدي لأعدمته كشيء لم يكن موجود. أحبك لأنني مُنهكة وأشعر بالهلاك الآن. أريد أحداً معي، ليس أي أحد، بل أحداً أحبه، ولم أحب في سنواتي الداكنة إلا أنت. أحبك لأنني أمر بظروف صعبة، حادة كشفرة موس، لا حل لها سوى أن أهدأ، حاولت ملء عزيمتي ولم يهدأ لي بال. تخيل لو أنك معي؟ تخيل. لم تفهم؟ لن تفهم أي شيء من كل هذا المكتوب. أعرف أنك لن تفهم، أو بالأصْدق، لن تريد أن تفهم. ولن يهمك أي شيء. لكنني أشعر أن هذا أضعف الإيمان، أن أكتب إليك فيتسرب لنفسي خيط هدوء من فُرجة باب موارب يكفي لعيْشٍ مؤقت، كما كنت مؤقتةٌ لديك. أحبك لأن نزع حبك من دمي بعدما آلمتني بك ليس سوى اشتراكاً معك في جريمة ضدي، جريمة الحب، اشتراك كان بالإمكان أن أكمل به كل شيء منحتك إياه مطوقاً بالياسمين.. رائحتي. لكن قصور بشريَّتي وقف حاسراً مرتداً أمام ضرورة نزع الحب كيتيم لم يعد له أمل سوى التعلق بطرف الألم. وعلى ذلك، أبقى أحبك للأزل.