يا مثبّت العقل والدين

لم يعد شيء يبعث على التعجب في هذه المرحلة السوداء من الحياة. إلا أنني لا إرادياً أمارس بشريتي في التعجب أحياناً من بعض الأشياء. مثلاً هؤلاء الذين يقولون عن المجرمين قاتلا أبويهما رحم الله الأم و أسكنها جنته و شفا الأب الذي نحمد الله على نجاته وابنه وعجَّل بعافيتهما، يقول من يريد الدفاع عن القتلة بأي شكل معتوه لا يُمكن أن يغتفر، أنهم أطفالاً! أيٌّ أطفال؟ وددت لو أسأل من يعتقد أن سن التاسعة عشر هو سن طفولة _لولا قرفي المستعِر من كل ما حولي منذ وقوع الجريمة_ ماذا كنت تفعل أنت عندما كنت في التاسعة عشر؟!

أنا فتاة. في التاسعة عشر كنت أواصل الليل بالنهار في دراسة مواد الطب في بريطانيا و أقوم بالعمل كعاملة طباعة وأرشفة وكاتبة بيانات خمس ساعات في محل خدمات طلابية تابع للجامعة لأكسب مصروفي وأجمَع قيمة قسط الفصل الدراسي التالي إلى أن تبدأ الملحقية بإعطائي مكافأتي و أذهب إلى المستشفى ثلاث مرات في الأسبوع لغسل كليَتي، و في عطلة الأسبوع أطهو طعاماً و أبيعه لمن يطلبه من الزملاء و أتصل بعائلتي و أتفقَّد أحوالهم واحداً واحداً و أساعد بناتهم في حل بعض الواجبات و أقضي ظهيرة أيام الجمعة حتى الغروب في حفظ ما تيسر من القرآن و قراءة صفحات من كتاب آخر. كنت أمشي للرياضة و ألبي دعوات زميلاتي في المواد لشرح بعض الدروس التي يحتجن فيها إلى مساعدة.

كنت أفعل كل هذه التفاصيل و غيرها مما لا يشاع ذكره لوحدي. وحيدة تماماً دون أي عون. أقرأ كتاباً أو أستمع إلى تسجيلات أحبها أثناء جلسة غسل الكلى لأنني وحدي بلا مرافق ولا ظل مخلوق ذي صلة بي. عشت أربعة أعوام أفعل فيها كل شيء قاسٍ لوحدي ولم يساورني شعور الكُره لعائلتي في أي يوم، ولا حتى جزء من الثانية. كانت أوقات اللوم لأنهم لم يفعلوا المستحيل كي يكونوا بجواري لا تتجاوز دقيقتين بين أوقات طويلة. أحببتهم دوماً و أحبُّوني و قدَّرت لهم كل تضحية و عطاء بذله أحدهم لأجلي. لم يكن لديَّ أبوين يربيانني على الحب و الفضيلة فقد استرد الله أمانته وأنا لم أتجاوز الرابعة. كان سن طفولة يا من تقول على التاسعة عشر طفولة!! لكنني و غيري مئات الأفراد في مجتمعنا المحافظ الذي لم يعد يتوانى كارهوه من أبنائه عن شتمه و الطعن في قيَمه لم نصبح رغم القسوة إرهابيين ولا سفَّاحين ولا حتى شواذ و منحرفين. لم نتعاطى المخدرات ولم تغسل أدمغتنا في حلقات تحفيظ القرآن و المحاضرات الدينية التي كنا نذهب إليها مع كبارنا. لم نصبح حتى متنمِّرين على أصحاب الفضل علينا في بيوتنا. من نحن؟ إنني أتحدث عن كل ابن و بنت في هذه الأرض هم اليوم ممن تستطيع التمخطر في أي مجلس وفي الشارع وفي كل مكان وأنت تتباهى بسيرتهم و سلوكهم الذي يُقد كلًّه بـ كيف يعاملون الناس.. أهلهم، أصدقائهم، و زملاءهم في العمل و المدرسة وكل مكان.

لست أكتب هذه التدوينة لكي ” أهايط” و أمدح نفسي وأزكيها بلا مناسبة. إنني شخص مطمورٌ بالخطايا والآثام والذنوب. لكنني شعرت بالغيظ من كلام المكابرين الذين لم يألوا جهداً منذ الأمس في الدفاع عن الدواعش السفاحين. وغيرهم لم يألوا جهداً لطعن وسب الدين مدَّعياً بمقت سافر أن هذا هو الإسلام وهذه هي سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام في غزواته أثناء نشر الرسالة!! أعرف أنني لو كتبت رأيي في تويتر لن أسلَم من الإزعاج و سوء الظنون. لذلك أبوح لمدونتي التي تفهمني وأفهمها.

التاسعة عشر سن الصبا، المراهقة التي هي أجمل سنوات العمر و أغلاها في حياة آلاف السعوديين الذين حملوا المسئولية في هذا العمر و نجحوا و مر قاربهم بسلام. التاسعة عشر سن يُسأل فيه المرء إن مات على أعتابه و يحاسب و يُحكم عليه بجنة أو نار في القبر إن رسب في إجابة سؤال الملَكين عن الله و الدين و وقتك ومالك فيما أنفقته وعن علمك ماذا عملت فيه . ليست التاسعة عشر سن ما دون التكليف والتعقل و التفكير و الرشد في شي.

مهما قيل من دفاع معيب عن هؤلاء السفاحين، فلن يثني العقلاء المؤمنين (الإنسانيين) الأوادم! أي سبب أو صريخ عن المطالبة بالقصاص عاجلاً من هذين المجرمين. وإلا فمن يدافعون عنهم لا يمانعون أن يُقتل آباؤهم وأمهاتهم على يد أبنائهم أو أي فرد من عائلتهم بيوم. فالكل معذور طالما في عقل الضالِّين قُدرة على اختراع الأعذار و صناعة الأدلة.

اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان ، بديع السماوات والأرض ، ذو الجلال والإكرام ، أن تصلي على نبيك محمد وآل محمد ، وأن تجعل لنا مما نحن فيه فرجا ومخرجا.