على سبيل الإحياء

large (32)

قررت أن أنسى، و لذلك ها أنا أكتب. أن تكون سجيناً للوقت يعني أن تبدد كل متعك و تبقي دوماً على أمتعتك مطوية بعناية في الخزانة، لأنك لا تتوقع شيئاً غير ما رتبت لحدوثه احتمالياً أو بالتأكيد. كنت أخرج عن زمني و أعاقب مجريات زماني التي أجدها أنصفتك عندما أنظر من بعيد. الخروج من الزمن يعني الدخول إلى لا شيء. المجهول يوازي اللاشيء في عدميته. أنت تريد أن تذهب إلى مستقرٍ هانئ واضح الوجه لأن الحاضر مليء بالغيم الذي يضلل الرؤية و يضِل التركيز فيما يحدث بشكلٍ وحشيّْ. المجهول ليس رهن سبابتك، ولا طوع غرامك الغارق في تفسير الأحداث كإشارات على ما سيحدث و هذا ما جعلك تتهم شخصك الوحيد الذي قلت دوماً أنه فردوسك المنشود بأن كل شيء سيء حدث في حياتك منذ عرفته هو سببه، بالرغم من أن فردوسك ذاك هو الحقيقة الخيِّرة البلهاء الوحيدة في كل شر حدث. المستقبل مجهول، و المجهول ليس ما تفسره ولا ما تظنه ولا ما يمنحك دليلاً قاطعاً على أنَّ ما تثق في كونهِ الحقيقة هو الحقيقة فعلاً. يبدو مثيراً للجنون أن يبقى المرء في داخل زمنه فيتحول إلى شوكة ساعة وظيفتها الوحيدة الدوران حول نفسها إلى أن تفنى في شيء لم يذكره التاريخ ولم تتوصل إليه الفيزياء، لكن هناك من يفكر بأن الجنون أقل جرماً ذاتياً من الإنتحـار من خلال السفر إلى بلاد الصفر. حيث الزمن ليس مختلفاً عن طريقة زمننا، بل هو بالأصل غير موجود. لأنه مستقبل، شيء لم يحدث بعد.

في حين يظن سيوران أن في داخل كل إنسان نبي نائم، عندما يستيقظ يزداد الشر قليلاً في العالم، أظن أنا أن في داخل كل إنسان شيطان ثائر، عندما يغفو يقل الشر قليلاً في العالم.. وما نلبث أن نقتله بسرعة لتعود السيادة إلى السيد شر كما سادت منذ بدء الأكوان. هناك من يضيّع وقته في ادعاء البراءة مما يفعله الشيطان من عبث في عقله كما يعبث القمل في بصيلات الشعر ويحول الفروة إلى قمامة لا تفنى إلا بالكيماويات. من يفكر في أنه برئ من كل قتل يحدث في زمنه فقط لأنه ليس في ساحة المعركة ولا من ذوي أطراف الحرب الأهلية هو شخص ليس مسكيناً، بل يستحق التبخر كدخان، دخان أسود. دخان مصانع وظيفتها الوحيدة عندما تُنشأ داخل المدن هي تسميم رئة المقيمين. البراءة في عالم تتسيد فيه الشياطين محض افتراء يظن الأغبياء أنه ساذج. عدم القتل ليس براءة. عدم التحريض على القتل ليس براءة. عدم الحياة في كوكب يتسيد فيه القتل هو البراءة. التحريض على الانتحار هو أيضاً ليس براءة، لست أحرضك ولا أحثك على فناء لن يخفف وزنك الذي كان أخف من وزن حبة فاصوليا لولا أنك عشت. العيش بخير بينما الدماء و الدموع و صراخ المسلوبين يعلو في كل مكان.. جريمة سمينة تجعل من الانتحار للتخلص من ضغطها بطولة بلا بطل. تجعل من الروح التي تفني نفسها بنفسها فقاعة صابون. لا يهم، أعرف جيداً أن من يريد الرحيل لن يهتم بما يعتقده الماكث فيه، لكنني أعرف بيقين غالب على المعرفة، أننا إن سكنَّا اللغة بدلاً من البلاد، سنكون من أولئك الذي غفوا لكي يقل الشر قليلاً في العالم. و هكذا.. بواسطة اللغة لا الواقع ولا ما يحدث في البلاد، أتفق أننا أبرياء من حيث سعينا إلى تلوين ادعائِنا هذا بما تتفق الأرواح بكافة آصالِها، على تسميته بالجَمال.

لست أهدِف في هذه الكتابة إلى اطفاء النور في عينك. جعبتي لا تحتوي لوناً أسوداً في هذه الأثناء. إنني أكتب فقط ما كان ينبغي أن أذكِّرك به لأن مكاني و مكانك في الأعالي، أعالي اللغة.. بعيداً عن قيعان الشياطين، ليس مكاناً تحفهُ الملائكة. ولا مداراً تدور حوله الشمس. إنَّ مصائرنا محطمة مثلنا مثل أولئك الذين قُتِلوا في المعتقلات و على سفوح الحرية من حيث ظنُّوا أنهم حمائم سلام سيُحتفى بهم في بلاط السلاطين عندما يغردوا بأهازيجها دون صراخ ولا أيضاً.. همهمة، حيث يشك المرء أنها نميمة حاقدين. ما يجعلنا بنّائين في كهوفنا العُلويَّـة هو أننا نتبادل الحُب بدلاً من الكراهية. نوقن، أقصد يوقنون و أنت منهم، فأنا لا أوقن مثلكم، أن الحُب محض كذبةٍ صرفة، و أنه أعظم كذبة صدَّقتها البشريـة، لا لأن الإدمان على كل ما يخدِّر مرغوب. المخدرات عموماً مرغوبة. يركض المرء دون أن يشعر نحو أي شيء يخدر عقله و يبعث في قلبه النشوة كفاقد الوعي و هو يقظان. من يركضون إلى القراءة و الانزواء بين الكتب هم من هؤلاء المغررين بأنفسهم. من يركضون مثلي إلى غرفة العمليات و اجراء جراحة تلو أخرى إلى أن يفقدون الوعي هم أيضاً من هؤلاء المدمنين. كل تفضيل لما يخدر العقل و يصرفه عن واقع نحن ضلعٌ فيه شئنا أم كرِهنا، هو إدمان. كان الحب على مر العصور أقسى ما وُجد من المخدرات. و كان الإدمان عليه هو الشكل الأكثر وحشية، لأن ما يسببه من عذاب و ألم ليس له منافس ولا مثيل. الحب يبني من حيث يدمر. قارن بينه و بين ما يفعله البغض من نهش و تضييع لتعرف كم أننا رائعون لأننا نبني بواسطة ما يهدِم، لا بواسطة ما ينهش. الهدم ليس كفِعل النهش. هاقد قام صديقنا بهدم دكَّانه ليبني عيادةً خيرية. التفريق بين الشيء و طريقة استخدامه هو نفسه الفرق بين الذكاء و الغباء. دعنا من نمطية الأسماء فهذه لا حيلة لنا في تغييرها، قد خلِقت بأسمائها مثلما خلِقنا بأسماء لم نعد نجد من ينادينا بها قدر ما يتكاثر الذين ينادوننا بنعوتٍ قبِلناها ظناً أنها أسمى مم اختاره آباؤنا لنا. إنَّ الطريق الذي نسمح لظنوننا أن تسير فيه هو ما يجعل من الأشياء قيّمة أو مبتذلة. حتماً إنَّ السير في الحي اللاتيني ليس كالسير في زقاق كاتارينا في ريو دي جانيرو.

و لكن هل تساءلت يوماً أثناء قراءة شيء من هذا الهراء الذي أكتبه كله، ما إذا كان شيء في داخلك يتغير بعد الخروج من هنا؟ إن كان هنالك شيء في الداخل يتحرك، فأنت من الذين يظن سيوران أن نبياً ينام في أفئدتهم. عندما اقرأ لنفسي أذهب إلى المطبخ و أحدق في طقم السكاكين. ليس لأن ما أقوله مملاً أو تافهاً، فهذا أنت من يحكم عليه. لكن المشكلة تحدث في بعض اللحظات أثناء الاستغراق في الكتابة، إنها التفكير في ارضاء الآخرين. يبدو فعل هذا عمل طيب من سلالة النبلاء. إذ أن جعل الآخرين سعداء وهم يتحدثون معنا أو إلينا هو شيء أسمِّه إعجازاً متداول. النقطة السوداء في هذا الإعجاز هي أنه يعكس شعوراً لا فكرة. الشعور يحول المرء إلى ممتلكات لغيرهِ بينما الفكرة تبقيه سيِّد نفسه وما عليها. و لذلك فأنا إن كنت قد لاحظت مرة، لا أكتب أبداً عن الجنس. إنني رفيقة سيوران في قوله أن الحديث عن الجنس يفسِد قداسته. المكان الحميم الذي يستيقظ فيه الحب استيقاظ طاؤوس لا آدميّْ، هو مكان مقدس بالعموم، لا ينبغِ الحديث عنه كما الحديث عن حديقة و مقهى و غرفة ضيوف في البيت. لذلك أيضاً، لم أتحدث من قبل أبداً.. عن الكتب التي أحتفظ بها في غرفة نومي، و كل كتاب تحدثت عنه فيما مضى كان مكانه الدائم في صندوق كتب يستقر في المدخل القصير إلى غرفتي. إنني لا أمهِّد لمقطوعة غزلية في الحرية. ولا لخطاب مديح للتحرر من الارتباط بروح انتقل إليها طواعية كشيء يخصها. لن أذم هذه الارتهانات إذ أنَّ التناقض خصلة أصيلة في الآدميين و الأصالة ليس بالضرورة أن تحمل من الجَمال ما تحِمل. ربما يروقني انسلال الروح إلى سيِّد نفْسٍ آخر إن تحقق اعتبار واحد في اتساع هذه النقطة السوداء التي اتفقنا قبل برهة أنها إعجاز متداول، هذا الاعتبار هو الاختيار، لا الفرض. بعض النقاط السوداء تصبح نجوماً شبيهةً بالألماس الأسود إن كانت السماء تمر بحالة عصبية يصطبغ فيها دمها بلونٍ أبيض، نسمه في لغتنا العلوية حيث كفهنا النوراني، بالنقاء. أنا بصدد تفصيل قلادة عند صائغ يفهم أفكاري. غرفة في أعلى فنار يقف شامخاً وضاءً في منتصف البحر. يضيء الغرفة سراجاً على شكل كوخ. أعطيت الصائغ فيلم ضوء بين المحيطات لينسخ جيداً ما أريد. غرفة توم، حارس المنارة و زوجته ايزابيل.. هي السماء المصابة بالابيضاض التي أحلم كل يوم أن تكون ملاذي الأخير فيما تبقى لي من أيام على هذا العالَم إن تركتُ الطب في لحظة تعقُّل، أو جنون.

أفكر في الأمور التي قررت أن أكتبها كي أنساها. هي أمور لا تقال كما حدثت، بل كما خرجتُ من تجربتي معها، أو تجربتها لي. أحقادي مثلاً، عندما أفكر بها أجدها غير موجودة. توهمت أن غضبي من بعض الأعداء حقد متبادل، مشروع، رد فعل. لأرى بوضوح بعد هروبهم للقيلولة في جحورهم أنني حين أغضب، يمتد أسفل أفكاري قاع تترسب فيه الفضلات ولا تبزغ من قلبي نافورة أحقاد. إنَّ الذاتية خطيئةٌ سامية. أن تبقى قريباً منك، في نفس المكان الذي تشعر دوماً أنه لن يُملأ إلا بصديق لم يتسع وقته لك. أن تلحق ذاتك دون انتظار لأن ينافسك على هذا اللحاق صديق يجب عليه هو أيضاً أن يلحق ذاته لينجو. غمامة ينبغي اتخاذها درعاً حاجباً و حامياً من إطلالة غير فريدة على حاوية نفايات. يحدث أن تكون الغمامة خطيئة عندما تعمي عمن يجهل كيف يفعل ذلك، كيف يستطيع الشعور بذاتهِ كي يقترب منها و يرمي إليها حبل إنقاذ. مثل هذا يستحق العون. أن تكون إعانته على شكل رحيل عنه. اتركه يفشل، يسقط، يُجرَح و يُدمى و يتألم و ينجرف إلى حافة الموت.. سينهض بعد كل ذلك وقد أشرقت نفسه بكلمة ( وجدتني) و آنذاك تصبح الكُرة في ملعبه. إما أن يهذب الخطيئة و يعيشها مثل بكتيريا لا بد منها لتدافع عنا من أشرار لا نراهم ولا نُدركهم، و إما أن يعود ظلاً للآخرين يشتعل و يذوي بناءً على ما يفعلونه به وما يطلبونه منه. ازدياد المصائب قد يكون تفاهة. المصيبة التي تحدث لنا بسبب آخرين دليل على تفاهتنا لو أمعنَّا. المصيبة التي تحدث لنا بسبب ذاتيَّتنا التي قادتنا لفعلٍ خاطئ كأن نخيط زر القميص في مكان ليس مقابلاً للعُروة، دليل على الإبداع! أن أتبجَّح على نفسي بما أظنني أقدر عليه هو عناية بشخصيتي من الانحلال في قدوة أخرى قد تكون صديقة أو عدوَّة، لا يمكن إنكار أننا نُعجَب أحياناً ببعض الأعداء. حدث أن أعجبني طبيب يعرف جيداً كيف يعزف على العود في وقت الإستراحة برغم أنه عدوي الذي تحتقره نفسي لأنه يكذب في جميع عملياته بلا استثناء على أهل المرضى كي يتجنب إزعاجهم له بأسئلة كثيرة و تخوّفات قد تفقِد الطبيب الخاثر أعصابه. في الطب يجب عليك أن تضع شخصك في الخزانة و تخرج بدلاً منه شخصيَّتك. كل ما يحدث من آثام عندما يستغرق المرء في شخصه و ينسى تهذيب شخصيته هو انتقام من نفسه لا من الظروف ولا من الآخرين المزعجين. أن تنتقم من ذاتك التي يجب عليك رعايتها بدلاً من العبث بها، هذا هو الكابوس الذي لا أفهم فيه.

سريري مثلاً. عندما أفكر بالسرير المبعثر دوماً أتخيل أنني شخص آخر سيقول عندما يراه أنني بالونة نوم. اتساءل هل هو بؤسٌ أن يكون نومي لا يتجاوز مرتين، ستة ساعات.. كل سبعة أيام و يبقى حال السرير كأن لصاً قام بتفتيشه كي يعثر على بعض الثروة مخبأة تحت الغطاء؟ تعجبني أشيائي في العادة. أقصد أحب ذوقي في الاختيار. الألوان، الأشكال، الروائح. اتأمل غطاء السرير الذي اشتريته من محل تخفيضات و تراودني شهوة كتابة غزل ردئ فيه. لا أعرف قانوناً يمنع التغزل في غطاء سرير أو وسادة. التأمل طريقة للتفكير و التحليل و هي ناجحة لإطلاق حُكم على بعض الأمور. خلِصتُ إلى أن حال السرير منسجم مع نسبة نومي القليلة عليه لأن الفوضى تكسبهُ حياة. النبض علامة حيوية لا يمكن تجاهلها في الجمادات. تعرف أن الشيء ينبض عندما يكون عليه أثر استخدام. الكتب جمادات، هوامشنا المكتوبة على صفحاتها و الثنيَات المثلثة على أطرافها هي نبضها الحيوي. ساعة أخي الراحل إلى الجنة جماد. بصماته و بصماتي عليها هي نبضها الحيوي. ربطة شَعر أمي الراحلة إلى الفردوس جماد، رائحة مخمرية المسك بالياسمين العبِقة بها مِن جديلتها هي نبضها الحيوي. أحب سريري ليس حباً للنوم، بل حباً في وفاء الجمادات من حيث تبقى على حالٍ تركناها عليه غير قاصدين.

طاولة الكتابة مثلاً. اشتريتها للاستذكار أكثر من قصد الكتابة. اتساءل ما إذا كنت من البشر المُسرفين. منذ اشتريت الطاولة وأنا أذاكر و أصنع من كتبي و أوراقي و أقلامي حفلة سرد على السرير، بينما تشكو الطاولة من الوِحدة و اللمعان! بعض أشيائي اتركها نظيفة لدرجة أن يعلوها الغبار. أنسى أن نظافة الجماد عندما تطول فإنه يتعذب. طبيعة الجماد تختلف عن طبيعتنا، هو يرتاح بالعمل حتى يبلى. بينما تكمن راحتنا.. في الراحة. و لأن الطبيب بطبعهِ كائنٌ يرُاعي، بدأت مشروعاً ذاتياً، أي لنفسي، على طاولة الكتابة، كان هوايتي منذ أعوام، في بدايات الصبا. هو مشروع الكولاج. لا أتذكر تحديداً متى بدأت بعمل جدارية لحائط غرفتي في مكة مكونة من كل شيء أحببت القراءة عنه و العمل على تعلمه في حياتي. حالت المصائب التافهة التي حدثت دوماً بفِعل آخرين عن اتمام العمل. لا أشعر بالرغبة في اتمامه الآن أيضاً، لكنني أعامل الجمادات في حياتي كما أعامل مرضاي تماماً، بالعطف و محاولة الحفاظ على حياتهم. أريد فقط أن أعيد الحياة إلى الطاولة. أن أجعلها على خطى السرير النابض بالفوضى، رداء العمل ملقى على اليمين، زجاجة المياة المغلقة على الشمال، دفتر المذكرات بجوار الوسادة، طقم الأقلام عند قدمي. فوطة الاستحمام ملتفة بالغطاء الداخلي تحت اللحاف. و هاتفي عند الوسادة الأخرى التي تجاور قلبي. تنبض الطاولة الآن بالقرآن الكريم، كتابtextbook of surgical oncology . رواية مذكرات صياد و شحاذو المعجزات، دفتر ملاحظات، ملف تقارير عن مرضى انتهى علاجهم بنجاح. لواصق زينة ملونة و مشابك أوراق و طابعة HP. هذا هو تدفق الزمن الخالص الذي أسعى إليه كلما تسرب مني في لجة الصمت و الترك و استحواذ الخارج على الوقت لانتشال أرواح تستطيع الاتكال على ارادتها و الاتكاء على رغباتها الذاتية لكن كان دوماً ينقصها ركل الاحتياج العاطفي إلى قبر و ردمه بالاسمنت. و هكذا إن كنت تريد الاستثمار في الوقت لنفسك و تريد إهانته في الوقت نفسه، يجب أن تفعل. أن تجعل ما يعتمل فيه الزمن مصبوباً في دمك، مهاجراً عن حاجتك، لأن الحاجة بؤرة الذل.

لقد كتبت كل شيء كتبته في حياتي وأنا أرتاب. تتسلل الريبة إلى الكلمات قبل أن تخرج مني، قبل أن أريد أن أكتبها، قبل أن أفكر أنني سأكتبها. كنت اتأذى. أتلقى مديحاً أن نصوصي قطَع كولاج أيضاً، و أفهم هذا الكلام كتحذير من كتابة تشبه لعبة بزل أكثر مما تنافس الكلمات المتقاطعة. تحدث كل هذه الريبة لأنني أنشد الفن في كتابتي، لكنني لست فنانة. كما أنني لست صانعة. لست آلة تحميص خبز. كما أنني لست إسكافيةً ولا حتى صانعة محتوى في شركة. قد يبدو من السطر السابق أنني أكره هذه الأشياء. نعم، في الحقيقة أنا ضد صناعة الأشياء عندما تتعلق بي. أشجعها عندما تتعلق بخدمة الآخرين. يجب على المرء أن يخدم نفسه بما لديه من موهبة، لا بما يستطيعه من صناعة موسيقى جميلة. لا يمكن قول شيء كهذا.. صناعة موسيقى. الكلمتين غير متجانستين. الموسيقى صوت الطبيعة. و الطبيعة له إلـه، خلَق مخلوقات، لا صانع و مصنوعات. خلِصت إلى أن الريبة ميزة من حيث نبذتها. أن أرتاب كلما كتبت يعني أنَّ المحارة التي تجلس بجوار وشاحي كلما ذهبت إلى الشاطئ هي قادمة من البحر، لا من مصنع التحف و الخردوات الشاهق على يمين متجر أدوات الغوص. أحاول كلما اتسع لي الابتعاد عن التصنيف كي اتوقَّى التلف. تمنحني الريبة آفاقاً مفتوحة للتأويل. أظن أنني في مأمن من الشتات مهما كثرت التأويلات ما دمت أخطو على فلَكي، و من بعد.. ما دمت أستطيع فهم ما كنت أريد قوله عندما كتبت، و قلت كل شيء لكن لم أقُله. تعال إلى وجه آخر بلغ من الخطورة عدم انتباه أحد إليه. هو وجه الكتابة بلا كتابة. أن تكتب بانخراطك في حزب يدَّعي الإصلاح مثلاً، ولا يتوقف عنه إلا عندما يكتمل.. و لا يكون اكتماله إلا من خلال هلاك كل ضد. عندما يكون الهلاك صيغة اكتمال هدف. أليس هذا ما يحدث الآن؟ على اختلاف مسميات الأحزاب فأنا لا أتقصَّد حزباً بعينه ولا يمكن أن يروقني التوجه بالمعنى لأحد دون آخر حين يكون الجميع لديه هدف منشود واحد هو القتل، لا الإحياء. أن تقتل من يقف ضدك لاستعادة حياة من يقف معك لا يعني أنك بطل بل أنت قاتل بتجرُّد. و بلا شرعية للتبرير مهما استمع اليك العقلانيون دهراً و غمزوا بعيونهم المخفية وراء نظارة طبية غمزة تفهُّم وهي في الحقيقة ليست سوى مكر و دهاء. هؤلاء لم يصنعوا ما كتبوا. ليس بالضرورة أن تكون الموهبة نقطة قوة. عندما تؤدي بك موهبتك إلى سحق ذاتك فهي وباء. أجل، معيارك الذي تقيس به كل علامة حيوية تقوم بها في حياتك يجب أن يكون نفسك. إن كنت تقوى على تخريب مركز اتزانك الذي ينبغي ان تتخذه رفيقاً يدلك إلى الطريق المضاء لا أن يحطم مصابيحه فحتماً لن تضعف أمام اجتياح الرغبة في الآخرين على استخدامك سلاح تصفية و انتقام. يمكن استلاف ارتيابي و استخدامه بعد ما تبلل ريشتك و قبل غمسها في الألوان. سأحقق سعادة أصدِقك قولاً أنها لا تهمني، لكنها ليست بلا ثمن لا أرفض دخوله في حوزتي، إنها سعادة أن أكون أنا ذاتك؛ نبضك الذي يبعثر سكونك و يبدد وحدتك عندما تخبو إرادتك و تتحول إلى جماد.