صالح اليامي

مرحباً صالح،

كيف حالك اليوم؟ هل قابلت أخي عماد في الجنة؟ ماذا تحدثتما عني؟ ألم تشتاقا إلى رؤيتي بعد؟ أنت تعرف أنني مصابة بـ insomnia لذلك كنت أتطلع إلى زيارة من أحدكما لي في إحدى مناماتي التي أخضع إليها مرة كل أسبوع تحت تأثير البنادول نايت. هل أخبرك سراً وضيعاً؟ هو ليس بنادول نايت، لكنني لا أستطيع ذكر اسمه الآن. زُرني مرةً و سأشاركك إياه إن كنت تشكو مثل أرقي. لكن هذا غير معقول. في الجنة لا يستطيع المرء النوم أصلاً. تبلغ السعادة منتهاها في النعيم حتى أنه لا تعود هنالك حاجة للنوم، إذ ليس في الصباح عمل يجب الذهاب إليه ولا بعد الظهيرة مناقشة معقدة مع المينتور ولا بعد المغرب مراجع للأبحاث يجب أن توثق بالشكل الصحيح من المكتبة. كما أن المساء عندكم لا يفرِق عن بهجة الصباح في شيء. و هو ليس ليلاً للسبات مثل عندنا. أنا الليل عندي إما لمشاهدة حلقة من مسلسلاتي المفضلة أو لكتابة رسائل ذهب من ظننته يحبها بعد أن قال أكرهكِ و أكره رسائلك الطويلة فاغربي عن حياتي. أنتم الليل عندكم متوحد مع النهار. يتمايزان فقط بانتقالات متناغمة من نعيم إلى نعيم لا تمل العين من رؤيته ولا الأذن من سماع أصوات ملائكته ولا القلب الذي هنئ أخيراً على خبيئة الخير التي بينه و بين الله حيث كوفئ عليها بهذا الفردوس. أحاول دوماً أن أخبئ مثل خبيئتكم، لكن يبدو أن أخطائي أكثر أو ربما أكبر، من أن تغفَر لكي يأتي القطار الذي انتظر يومياً وقوفه لاصطحابي، هو أصلاً، لم يمر من هذه المحطة بعد. و عليه، ها أنا يا صديقي أقطع الطرقات إلى حيث أسعى كل يوم مشياً على قدماي التي أصابها مبكراً جفاف و شقوق. و أتعب، أتعب كثيراً و ألهث بهلاك حتى بعد استراحة، لأنني أتذكر آخر ما قلته لي قبل أن ترحل إلى السماء ” تراني معك وجودياً بمعركتك.” لم يكن هنالك من رافقني قبلك يا صالح، ولا بعدك. لا وجودياً، ولا هلامياً ولا هيولياً ولا أي شيء. لم يقف على مناكب رأسي سوى عناكب غرني لون خيوطها الذهبية فظننتها نجوم. أسرفتُ عليها من لمعة عيْني كلما خفتت لمعَتها في خريف الزمن والمكان. كانت طوال سنوات تتظاهر بما ظننتها. حتى قويَت خيوطها فانقضَّت و أوقعَت جرَّة الإكليل من قلبي. أخبرني كيف أكون آسفةً إليك؟ ضلّلتني أنياب الوِحدة التي تعمي عقلي عن التبصر والحذر كلما انغرسَت في احتياجي إلى صوتٍ يحدثني. خادعني العنكبوت ومثًّل دور الظل الطويل بمهارة آل باتشينو و ذئبُ البراري. طال زمن اكتشاف الحقيقة. لقد كان العنكبوت ضارياً لكنه كسول. استغرق من الوقت سنوات كلها سُرقَت من عمري، صبرتُ وأنا ظانة أن هناك حقلاً من ثمار النجوم سأقص شريطه مع الظل الطويل، صاحب الصوت الأنيق، و القلم البرونز المرصع بشمس منتصف صيف. كل شيء كان يتراقص أمامي مثل أعجوبة من بلاد بعيدة المنال على الآخرين. اختصتني مدينتها الوحيدة لأكون قاطنتها الحبيبة التي لا شريك لها سوى حاكِمها الوسيم. لم تكن أول انقضاضة ولا العضَّة الوحيدة مما ظننتهُ ثمن الإعجاز. كنت أخاتل ذكائي وأقول لا بد أنها كوابيس تسببت بها مشقة السفر حتى الوصول. لكنني كنت في كل مرة أتفاقم وهناً على وهن، أتضاءل قوةً على رتق تمزقاتي التي تتسع بعد كل فاجعة غريبة المصدر، وبالتالي مجهولة السبب. حتى كانت الانقضاضة الأخيرة التي أصابت إدراكي في مقتل و مزقته إرباً عندما حاربتُ خيوطها لأتحرر. أيقنت أن هذا عقاب معقول على البلاهة. قصاصاً عادلاً على سهوي عنك. كيف ظننتُ أن هنالك رفيقاً يشبهك يا جسر الليلك المنثور ما بيني و بين هدأة الليل؟ اليوم أكتب إليك لأطمئنك أنني اعتدت المسير في الطرقات المكسورة. حتى أنني أحياناً أمشي حافية. ليس زهداً، بل رغبةً في التلامس مع طين الأرض كنوع من التنقية و الاستشفاء. أو بالتوازي مع مشهد استنشاق الهواء العليل بعد يوم حافل بحَرثٍ وصل إلى جذور قسمة القوت المقدَّر و قطفها بعَرقٍ مجيد. لقد قمتُ بامتداح الوِحدة كثيراً وبلا رحمة لنفسي في كل يومٍ خاوٍ من صوت إنسيٍ قريب، لكنني دوماً اعترفتُ وأنا أدخل إلى الفِراش بعد كل منتصف ليل أنني اتألم و أحتاج. ليس بالضرورة أنَّ تميز الشيء يعني خلوَّهُ من الشوك. اكتشفتُ أنني احببتُ الحرية التي تحشو بطن الوِحدة مثل كتلة قطنٍ لم يبقع بياضهُ جرح. من أين تأتي الجروح إن كان المدى بلا روحيْن ؟ ثم ما إن يحل الصباح و أخطو نحو العبور حتى تغزّني الصبارة التي غرسَت نفسها ونمى جلدها المشوَّك على حافة المحارة. تعلمتُ القفز منذ تطاول الشوك و كثُر لأستطيع تجاوزه في بعض الصباحات بسلامة جيدة من الوخزات. على كل حال لا تحمل همي وأنت في عليائك الطاهرة من الدنيا بأسْرها يا رفيقي في معركتي وجودياً. فأنت برغم كل محاولات التغيب موجود. الصدقُ في رغبة التواجد يساوي بكل المقاييس كينونة الوجود بكامل ثقلهِ و جاذبيته و قوامه. لستُ وحيدة و محّارتنا المشتركَة ليست مزويةً على طرف الشاطئ من بعيد. على العكس تماماً. نحن في وسط الزحام. بين كل صخب عمَّال الإنتاج الملولين من أعمالهم و عُنف المسؤولين عن ترويض عنادهم. ربما شغفنا إلى تلاقي العيون هو ما يوهمنا أن كلاً منا يسير في نعيمٍ مفصول. لقد استهلك الركيكون صفة النقاء كثيراً حتى باتت منفرة حين وضعها في أي سياق يا صالح. لكنني لن استسلم لما فعلوه و شوَّهوه. سأتمسك بما يصف لك شعوري و امتناني و أقول أن نعيمنا لا زال واحداً برغم ذهابك إلى رحلة. أتفهّم تقدمك. سبقتني في مشوار قطف القوت قبل أن نتعارف لأنك كنت تفكر مثلي وأنت بلا رفيق. تفكر أن حقك على نفسك أن تكون نفْسين. أنت و حلمك مثلاً. أنت وشغفك، أنت و كوب قهوتك، أنت و سيارتك التي أكرهها. أنت و أغنيتك المفضلة. المهم أن لا تصدّّق بأنك وحيد و تخبو قوتك فلا تلحق بموسم الحصاد الذي يحتفل فيه جميع الفلاحين. لكننا كنا سوياً بعد ذاك. نعيمنا المصطبغ بلون نقاءٍ واحد من نفس الزجاجة، و النقاء هو الجين الذي لا يتبدل مهما غاصت أقدامنا في رمالٍ متحركة جرفَتنا إليها حيرة سوء اجواء اعترضت فضاءنا فجأة. و ما يحدُث في حال الفجأة لا يُحكم عليهِ من نفسٍ تتنفسُ حُباً و نقاء.

تحياتي يا رفيق المعركة.

  • صالح اليامي.

صديقي و رفيق سنوات طويلة بتفاصيل جميلة كاحتفالٍ بشيء جميل غير منقطع. يكبرني بسنوات لم تسعفنا الأحاديث الشيقة أن نقاطع استرسالنا مرة و نتساءل عنها. لم نتطرق إلى أعمارنا قط. أنهى صالح دراسته في كندا قبلي و عاد إلى الوطن. استرده الله إليه في 2014 إثر حادث سيارة. الصورة أدناه هي آخر رسالة منه لي. الرسالة الأغلى على الإطلاق من بين جميع رسائل الأرواح في حياتي. لم يحدث أن جرحني صالح في حياته ولا مرة. لم يحدث أن ضايقني مهما انفعلتُ من تفاهات الأمور. كان دوماً يردد نفس عبارته الأخيرة بأساليب طريفة و جميلة كثيرة. مثلاً قال مرة: ” أنا اللوَز اللي ما شلتيها من حلقك للحين! ولو شلتيها وانا مدري فتراني بنكرياسك اللي يعطيك انسولين عشان تظلين زينة وما نشوف شينك يا المتحلطمة من اقل شي. ” طوبى لصالح، كل من وعدوني بأنهم رفقاء كفاح غدروا بي في مفترق الطرق و حملوا أمتعتهم وما ذاب فيها من متاعي، و رحلوا. عدا صالح. حرِصَ أن تكون كلمته الأخيرة أثراً يشبه ملاك رحمة ، و رحل. قطعةٌ من قلبي غادرت مع صالح. لستُ اتأسَّى عليها. هي معه في مكانٍ آمن. يشبهُ قلبه الذي صان رفقتنا بأمانةٍ و أمان.

اللهم خلوداً في الفردوس الأعلى لصالح مع الأنبياء و الصالحين.

017sNQcV