قطة القرية لا تبحث عن سمكة السردين

4c631ac0d25750f43e721a6caafd7786

جسرٌ بتّرته بكاءات القلقين و الخائفين، ثم جسرٌ فرحت القرية حين زف لهم مجنونهم أن البلدية أعلنت عن التفكير في تشييده. توقف عند مرحلة التخطيط ، عرقلته قلة حيلة المفكرين في أسباب ما يحدث رغم أن الحال من الخارج يوحي بالكمال. حدث ان اكتشف الأولاد أن كل شيء في الحياة حر كذرة هيدروجين. قرروا أن الحرية هي التحرر من كل مبالاة بأي شيء، وأن من يتفلسف عن ضرورة الحفاظ على تراث يجعل من الشيء حصناً حين يغزو العمالقة سور القرية، هو محض منافق يريد أن يسلبهم حقاً بأن يكونوا غوغائيين لأن الحياة صوت ضاجٌ بما تفتعله الأرواح و آلاتها لا أكثر، وهو الوصف الذي يؤطره كبار القرية العاقلين بالفساد، وآخرون يرادفونهم بالقول أنه العالَم الآيل للانهيار. يتفق الجميع أن الحفاظ على القرية هدف أسمى يجب التحرك انطلاقاً منه كما تنطلق هليكوبتر من مهبط على سطح ناطحة سحاب. أي أن تكون الانطلاقة بعيداً عن عين من يقطن أسفل السافلين. المتواضعون في أحلامهم، أصحاب قضية الخبز و المأوى و كفى. هؤلاء أمام أصحاب قضية الرؤوس النووية و الجسور الجوية و المعابر النهرية و أنفاق مناجم الفحم والغاز، قضايا في قضية شكواها و بغيتها الوحيدة هي كيف تصبح مدير العالم بلا نائب ولا وريث. ينبغي عليك زراعة جناحين خلف ظهرك كي تكون ساحراً بهي الطلعة مهيوب الحضور حين تعلن أن الحفاظ على الأرض هو الرسالة التي كلَّفت بتوصيلها و تعمل بكل قوتك على إيصال كل سطر منها إلى المرسلة إليه دون تمزيق شيء من الورقة في الطريق. يحدث أن تصل الرسائل مثل هذه إلى أهالي القرية قبل أن تُكتب! هذا الوضوح في الخطوات ما يجعل الخبازين و المزارعين ومعلمي المدارس و مساعدي التمريض في مستوصف القرية يقلقون لدرجة الخوف من سوءٍ سيحدث، و إذ يحدث.. مثل جسر ناتئ في جسد الطبيعة منعهُ خيرٌ هو حب الله، أو ما سمي دوماً في قانون الفوقيين بأريد ولا أريد، و ليس تريد أو نريد. يخترقني وأنا أتواسى هكذا قول وديع صاحب السعادة ” لا تقل إنك مستعجل، و صائبٌ تماماً كالطلقة../ ساعدني قليلاً، للاستلقاء على هذا الرصيف، ومنع العبور إلى تلك البقعة، ساعدني فقط، لكي يمر الهواء.”

عملية خفة. هذا كل ما تحتاجه روح ظل قصير. في الحقيقة هو عند اقرانه طويلٌ و فارع السمعة كنخلٍ ذي طلع نضيد، إلا أن الأمور لا تسير هكذا في شارع الصخب والعنف و العين البصيرة والكلمة القصيرة. شقيقة المعلِّم المغتربة في بلاد على مسيرة كوكب و قمرين، في كل مساء تعد الجدران و الأحذية و كم تفاحة و برتقالة وعلبة حليب و حبة بسكويت تبقت في الثلاجة. إنها تمعن في اجراء الخفة على ما تصل إليه يدها و كَلِمتها حين تقرر أن هذا لازم التواجد هنا و هذا يجب رميه إلى حاوية الشارع المجاور.. أي إلى طريق بلا رجعة. تستعيدها عنوستها بفضل كلمة أخيها الطولى في رفض جميع الرجال و تتدلى من حافة السرير كمن يُدلي حبلاً إلى بئر لإنقاذ ما تبقى من الروح. تظن أنها تستعيد روحها من حفرة تختلف عن الحفر التي يقع فيها الآخرين على غفلة. إذ تم حفر الهاوية لها أمام حياتها مُذ كانت ترى. اختارت ان تعيش عدَّادة بعد أن ماتت فرص نجاة النور الذي كان في قلبها. تعُد ما تبقى لها من كل شيء، من أي شيء، و تتخفف كمن يتبرع بممتلكاته للمستحقين لأن رائحة الموت تسللت إليه وبات يعرف أنه سيغادر في وقتٍ يظن ذويه أنه بخير. مثل هذه الفارعة في الجهاد على جبهة شخصية تتبرع للبحر والشارع وحاوية النفايات و كلاب الأزقة الخلفية لأن هذه قيمة ما سُمح لها بأن يكون طوع يدها إلى أن تغرب عن وجه الخاسئين. و مثلها صديق كاتب المحتوى في مجلة الشعب الممنوعة من النشر ورقياً. عرفت أن اسمه عبدالقوي. سخرية الخطأ الذي مزق خطة الإحراج. كانت النظرية بين الصديقين: لنضع حقيقتهم في وجوههم كي نوقعهم في حرَج يشمت عليه جيران الكواكب والقبور، في كل مرة أجبرتهم التهديدات على التراجع كانوا يبررون الأمر بمحاولة خاطئة سنباغتها بصوت جديد من مكان غير متوقع. كان الجميع يعرف كاتب المحتوى بالرجل ذي الأفكار الإبداعية. وعندما يحيل الفضل إلى صديقه مؤسس المجلة ترتفع صيحات التشجيع قائلةً أنه الظل الطويل لمن زرع البذرة الأولى في حقل مفخخ بالألغام بدلاً من السنابل، إذ أنَّ الحقل يقع في منتصف القرية، حيث تحيطه أكواخ الأهالي من كل صوب.

في فطرة القرية يحب الناس بعضهم. تتقارب أرواحهم كلما تقاربت خطواتهم الفوضوية أثناء الركض إلى الأشياء في الشوارع. يشبهون الغمام وهو يلون الزرقة بنقاءٍ أبيض إن لم يشي بمَطر، وشى بنفحة لُطف من الرحمن. ستبحث كثيراً بين جموع السائرين في القرى و جموح العابرين إلى حُمرة الغوايات عن لسانٍ واحد لا يضجر من نفسه و منك حين ينطق كلمة فِطرة، هذا إن تذكَّر ماذا تعني، وهل هل وجود في القاموس أم اخترعها من لم تكفهم مفردات اللغة مثلما اخترعوا كلمة “ثقافة” وهي غير منتمية إلى لغة هذا المكتوب. مثل امتنانٍ لم يصل إلى صاحب الفضل أحملُ حديث صلاح الحيثاني حين كتب “كان وحيداً، كجهة تغيب عن المكان، وتتفقد طريقها إليه. تأمل.. و أراد أن يقول شيئاً، فسكَت المكان، و أصغى هو.” بيْدَ أن المكان في أحوال القرية لا يسكُت. يثور كما ثيران الساقية التي عطَّلتها عجلة التنمية منذ وقتٍ بعيد. يتبجح كما مرتزقين يرفعون شكاوى التخوين على المشغولين في كسب أقواتٍ قليلة كما تحارب سفينة القراصنة مركِب صياد السمك. ويصغي النائحين على أطلالهم الباقي من روحها شيء ينفع أن يُنقذ لو انتبه إلى عِرق الحياة فيه أحد، يصغون في أسوأ ذكرياتهم كمن يصلي في مسجد تم تفجير مآذِنه، ولم يعد يرتفع فيه صوت الأذان جهوراً بل خجولا. أما في أحسن حالاتهم، أولئك المصغين.. فإنهم يبكون بترنُّم يشبه تمزق فيروز وهي تغني ” بتذكر أخر سهره سهرتا عنا؟ بتذكر كان في واحدة مضايق منا؟ .. هيدي أمي، بتعتل همي.. منك إنتا.. ملا إنتا. ../ كيفك قال و عم بيقولو صار عندك ولاد، أنا و الله كنت مفكرتك براة البلاد.”

أن تستفيق على صوت النسَّاجين في الأكواخ و بائعي البخور و المساويك في السوق الشعبي و تشعر أنه حقاً صباحُ الخير فتباغتك أخبار نِسَب البطالة وفي صفحةٍ أخرى خبر بحجم دبابة عن برامج توظيف جديدة ستقضي على كل ما يسمى شخصٌ نائم على سيرته الذاتية الحافلة بالعِلم بلا عمل. تتباطأ ضربات قلبك ويعتريك حزن مشوبٌ بخيبة أمل في من أثبتوا أنهم سادة باب الكذب العالي. كنت تواسي نفسك بأن البقاء في البيت و كسب الرزق من خدمة الآخرين الكسالى في انجاز شؤونهم الشخصية هو عطاء أقدار يجب أن يُشكَر بعبارة انظر إلى ما تم اعطاؤنا إياه لا إلى ما تم أخذهُ منا. تقاطعك دوماً أفكار هي في الحقيقة أحداث مهمتها الوحيدة إيصال ما يغزوك من تفكير بأن الخطأ هو الصواب لأنه الواقع الذي يجب أن تتعايش معه بدلاً من النزوح إلى مصحَّة الوهم و تخيلات بلاد الصلاح الخيرية. تتساءل ما الذي كان سيخسره أصحاب هذه الأفكار لو تقمصوا ثوب جنيَّة التوت التي تسحَر الألباب بحلوُ كلامها و جاذبية وعودها التي و إن لم توفى، فقد أوقعَت في القلب وقوداً يدفئ حجرة الأمل الخاوية على عروشها كعَراء بلا ضوء قمر. تدرك جيداً ما الفرق بين الكذب الفج و الإيهام الخلاب. لذلك تتساءل برعونة من سرقَ منه سطلُ السمك و شبكة الصيد. تقول، برغم وضوح الأجوبة و حشد المنتظرين عيداً. جاءت أعياد آخرين لم يصوموا ليستحقوها، ولم يأتي عيدنا نحن اللذين أسرفنا في الصوم عمّا حرَّمتهُ السلطة و ردده الكورال بثمن باهظ رغم النشاز.

العمر أقصر مما يكفي للشعور بالملل من التحمل و اليأس من طول حدوث لا شيء كلما تفاقم التعب أو تضاءل أو حتى حلت محله استراحة مسافر يتفادى أن تترجمهُ الأقدار إلى عابر سبيل. عندما تفعل شيئاً يتطلب الانتظار لجمع المحصول، يعتريك شعور متطاول البصر في سيماء أبدية. هل تعرف هذا المشهد؟ التحديق في المحيط الهادي بعد منتصف الليل؟ التمعن في سواد الماء الحالك بحثاً عن لمعة نجمٍ غارق تستطيع الاستيلاء عليه؟ ثم الشعور بدُواخٍ حاد إما يسقطك في المحيط بلا هوادة أو يمنح غريزة حب الحياة فيك فرصة التقيؤ و السقوط على بطن القارب المسكين. عندما مررتُ بهذه الحالة يوماً ، أو لأكن صادقة، أكثر من يوم، أعني أكثر من مرة، أسميتها بحالة الاغتراب الشقي. لم أكُن أنا الشقية بل كان اغترابي، لأنه ذهب دون اختياري إلى محلاتٍ ضالة. تفصح لوحاتها عن شيء و ترى في مكونات أرففها شيئاً آخر لا يمكن الكتابة عنه! أما أنت فربما تشعر أنك مثل مركب مشيد على مناكب ناطحة سحاب ليس بها نوافذ ولا شرُفات.

في القرية نويت الرحيل يوماً، فعاودني الظمأ إلى حرث حياة كريمة فيها و كأن لسان ترابها يؤنبني. حدَّثتُ خياطة القرية عن هواجسي فأخبرتي أن التراب كان يحذرني. تراب الطيبين الأشقياء بكدحهم ليس مثل تراب الطيبين أيضاً لكن القاطنين في حاضرة الشمال. هناك حيث لا أحد يميز الطيب من الخبيث سوى الأسلاف الذين دونوا ما لحقوا عليه من تاريخ بعض الحقائق، و هناك حيث المواقف لا تكشف ما يسمى بالمعادن البشرية كما يجب، إذ تندلع هنالك ثورة اسمها مونتاج الحياة.

في ليلة بعيدة عن ليالي الوعي و التفكير في بشاعة الأشرار وكيف يمكن ايجاد حل يوضع قيد التنفيذ دور المرور على بيروقراطية و ديكتاتورية السلُطات ، استودعتُ قوت عُمري في تربة الحقل المجاور لبيتنا. منذ شهور لم نعد نعرف إن كان الحقل قد بيع من قِبل صاحبهِ أم تم اختطافه منه بالقوة. اختفى السيد غريب فجأة مثلما جاء و استوطن القرية فجأة كما قال المختار. قطته ترفض النوم على عتبة باب بيته كما كانت طوال سنوات وجوده. أصبحَت تتسكع في كل مكان و لمحتها مرتين متسخة و مصابة بجروح. أردت مساعدتها فتوحشّت. عرفتُ أن هناك قطاع طرق ضربوها و حاولوا تعذيبها أو ربما نجحوا في تعذيبها و هربت منهم قبل أن يدركها القتل.

كنت قد نويت كما قلت، ثم بعد ذلك، اتخذت بالنأي عن القرية. و النأي ليس هجراً، بل نحيبٌ لا يُسمع و انحياز لحق استراحة محارب أثناء الحرب. يستحق من سلاحهُ في الحرب الصبر و الرفعة اجازةً مدفوعة الأجر أكثر من المتسلح بالرصاص ولا شيء غير الرصاص. ثم وجدت أن في الزوايا اطمئنانٌ يشبه هدوء الخالي من العشق. إحدى الزوايا أن تتكلم بلسان قطة أو فأر حقل. زاوية الذي يُدرك أين الحل ولا يبالي. لا لأنه ضعيفٌ بمفهوم لا يُمكن إنكاره و ان احتوى على الذل، بل لأنه في عالَم ديزني الملئ بحكايا الطيبين الآمنين، كائنٌ خصص له مكان بعيد في بلَّورة النبلاء الذين سيصلون إلى قصورهم يوماً إن ساروا على درب الشظايا و الورود على حدٍ سواء.. بأقصى ما يستطيعون من الهدوء، الجَمال، و عدم الأذى.