221

مرحبا،

لقد عدت مجدداً. إلى الهذيان. لا إلى عزيزي هزاع. ولا إلى أحد آخر ولا إلى نفسي. لماذا الآن؟ سأجيب و أعرف أن من سيقع عليه القصد لن يغضب. أريد إصمات الأصوات التي تطلب مني منذ عام و بشكل مستمر لم يتوقف أبداً.. أن أكتب. لم تزعجونني. لكنكم لا تعرفون أنني صمتت طويلاً لأنني أعاني من نزيف لا يتوقف. لا أريد من أي نقطة دم أن تنسكب هنا. لا أرغب بهذا في دفتر المذكرات. رجوت نفسي كثيراً أن تتوقف عن الكتابة كفعل نشر غسيل. و أن تفعل عوضاً عن ذلك انثيالاً حتى إن كان ترنُّحاً كالمجانين. لا أصدق أصلا من يدَّعي أن بالإمكان على عاقلٍ فيما مضى أن يكمل في حياة اليوم بصيغة أخرى غير الجنون. ليس تعمُّداً بل تحولاً تلقائياً لأمثالي. زمرة اللامنتمين إلى قطيع مثقفين ولا إلى سرب حمائم ولا منظومة راقصات باليه. بالمناسبة، هل الاكتئاب سمة للمجنون؟ أم الجنون سمة للمكتئب؟ أم لا علاقة بينهما؟ وجدت على الأقل خمسة عشر مذكرة في عدة دفاتر و قطع مناديل في حقائب عملي كتبتُ فيها اقتباسات و اسماء أشخاص تحدثوا عن الاكتئاب. لا أتذكر مناسبة كتابة شيء من تلك ال notes و أنا بالمناسبة أيضاً لست ممن اعترفوا في ما مضى أنهم من ضحايا و مرضى الاكتئاب. لدي اعتقاد أن ما أعيشه منذ تعرفت على بعض مني الى الآن هو شيء يشبه ليل دائم بلا قمر وهذا ليس اكتئاب. إنه فقط ليل دائم بلا قمر. أو كما قال المحضار في قصيدة:

“خرجت نفسي من قوقعتها، قالت لي أنت تضيع، في لجة النسيان، و مكر التاريخ العجيب. فقدت العنفوان، و غدوت مجرد حطام و هشيم، أنت الآن في مفازة، و الطريق طويل، يمتد عبر رمل ساخن، و ليل بلا قمر. ”

ليس مهماً على كل حال ما إذا كان للاكتئاب صلة بالجنون أم أنه كيان مستقلٌ بنفسه كالمحترمين. لا أدري ما المهم. العقلُ لم يعد مهماً أيضاً. نحن نستخدمه في الوقت المناسب رغماً عنا. قد يكون هذا الضغط الوحيد الذي لا أعترض عليه ولا أفكر بالتذمر منه مهما اشتد و حبس أنفاسي. هو يفعل أصلاً، وأنا استسلم و استجيب. لكنني أميل و أخرج كالممسوسة من النسق ما إن حاد بي العقل إلى ضرورة الاتفاق مع قطيع في فكرة. أولئك الذين أعمل معهم بتناغم و تكافل يمتنُّون لي عليه بصفتي قائدة الفريق، هم أفراد فريق عمل، لا فريق أفكار. هذا النوع الوحيد القابل للتناسق لأنه يُنتج أسرع و يمنحني وقتاً مباركاً لأفكار عشوائية عن استثمار العزلة في حياة فردية بلا فريق. لا أقول أنني لا أسمح لفريقي بطرح الأفكار. نعمل في مهنة لا تتطلب هذه المهارة من الجميع عموماً. بالرغم من ذلك، مستعدة دوماً على قبول فكرة تُنجح العمل شرط أن لا تكون مشتركة. أو على الأقل، لا تتطلب مشاركتي. أجل، أنا لستُ رحِبة بالمعنى السائد. أنفذ حين يتوجب التنفيذ. أقبل حين تخدم فكرتك مريضي و تساهم في تعجيل الشفاء، لكن إما أن تكون فكرتك أو فكرتي. سنعمل سوياً للنجاح. لكن لن نفكر سوياً. أراهن أنك تشعر بثقل في رأسك وأنت تقرأ هذه السطرين. أرأيت لماذا لا أرنو إلى العقل كقاعدة في العيش بل فقط إلى سلاح حماية حين تحين المناسبة؟ لستُ فراشة ولا شمعة ولا شعلة أولمبياد. لا أحب هذه الصور فائقة الملائكية بينما قد أكون فائقة الشيطنة. إن كان لا بد من صورة تأتي إلى الذهن أثناء ذكر اسمي، فقد أصبحتُ مؤخراً شرشفاً أبيض. لسرير طوارئ أو سرير غرفة نوم لا يهم. بالنسبة لي لدي شرشف أبيض في البيت مثلما لدى المستشفيات شراشفها البيض أيضاً. أحب أن أشبه حقيبة قماشية بيضاء أيضاً. من التصميم الكوري. تُقفل بواسطة شريطة ساتان بيضاء. توجد حقائب مطابقة لا محدودة في مواقع الشراء الالكترونية. حصلتّ على واحدة لم تصل بعد. هل تتساءل لماذا أشبه هذه الأشياء البيض؟ بالإمكان قول إجابة بسيطة تشبه اللون الأبيض وهي: أشبه هذه الأشياء فقط لأنني أحبها. لكن سأكون قد كذبت. تقريباً كذبت. ربما حبي لها سبب أيضاً. لكن هناك إجابة صادقة واحدة هي أنَّ روحي أصبحت خاوية مثل لون التلاشي. أقول أن التلاشي faded لونه أبيض. في نقطة بلوغ الذروة يصبح أبيضاً شفاف. يسمى في لهجة أهالي مكة، أبيض موية. أي مثل لون الماء.

يراودني أحياناً بعض شغف مثل اشارة رادار وامضة ضعيفة في عرض المحيط الذي ليس به اتصال بالواقع، ولا بأبراج حماية الأرواح و الحفاظ على الحياة و إنقاذ البشر الخائفين من الغرق. أو الراغبين في النجاة. فأقوم مثلا بقراءة رواية أو الاستماع الى اغنية لأن كلمةً أو نغمة وقعت في نفسي، أعادت إيجادي لشيء مني. في الحقيقة لا أدري إن كنت لا زلت أريد استرجاعي أم أنني قررت بأن الأسلم هو تركي أصارع ما يجري في الليل الأجدب بلا قمر. ذهبت البارحة الى السينما و شاهدت الجوكر. كنت مدفوعة بحبي العريق لواكين فنيكس. لكن شيئاً في قلبي أخبرني أن اليوم مناسب لتدوين مذكرة بواسطة شخص آخر غير يدي و قلمي، و كان آرثر، و كانت يدهُ المرتعشة و خطه المتعرّج تحت أثر عقله المصدوم بعُنف من ظُلم و ظلمات العالم. و كان دفتر مذكراته المهترئ، و القول العظيم الذي لم يكن مختلاً عندما كتبه بل واعياً يقظاً و مختلفاً عن ضباع الأرض : ” إنَّ اسوأ جزء من الإصابة بمرض عقلي هو أن الناس يتوقعون منك أن تتصرف كما لو كنت لست مصاباً به.” خرجت من القاعة و أنا أواسي نفسي بأن المرء إن كان مكروهاً فإن هذه رأفة أكثر من أن يكون مثيراً للشفقة. قبل البارحة بليلتين قرأت رواية غرفة جيوفاني. كدت أهيم في الشوارع رعباً وأنا ألتقط عدداً من التقاطعات بين أفكاري و أفكار ديفيد و كلما أوغلت القراءة زاد عدد التقاطعات. كلا، نزعة الرغبة في الكمال الدفينة بخجل في قاعي السحيق تريد أن أتقاطع ولو بمواربة مع فلسفة جيوفاني. تمعنت فيما يقوله ديفيد و وجدتني أعارضه من حيث نتشابه في بعض التضاريس و الظروف و الحالة. فأنا أيضاً تلفتني الحرية بلا رقابة عندما أكون تحت سماء غريبة غير سماء مدينتي. لا أحد يراقبني ولا عواقب تترتب علي من الذين يعتقدون أن بناء سمعتهم قائم على أفعالي. أقول أن الأمر يلفتني، لكن لا أقول أنني قمت باستغلاله. ربما فعلت لكن ليس كما يتصور و يتخوف أفراد البيت في الوطن. نعم أرغب في التأكيد لنفسي و لهم أنني حافظت على بنائهم العاجي سالماً من الدناءة و خدوش المروءة و نجحت في ذلك بكل الأحوال. تحت سمائنا الوطنية، و سمائي الحرة. لكن، لست أفهم لمَ قال ديفيد أن هذه هي الحقيقة الناصعة لخرابنا. هو يبرر بأنه لا شيء أثقل من الحرية حين يحوزها المرء. لقد فرحتُ هنا. فهذه نقطة اختلاف من حيث تشابه النعمة الممنوحة. لا شيء أكثر خفة كخفة جناح عصفور من الحرية حين يحوزها المرء. هذا بالعموم يا ديفيد. ثم يأتي الاستثناء الذي أفهمك و أوافقك و عايشت كثيراً مما تخوفته في زمني. الحرية حين يحوزها المرء الذي وجد المتعة في الجريمة و الإفساد في الأرض، صوتها ليس كصوت الحرية حين يحوزها المرء الذي يفضل السيطرة على جزء الشر في نفسه الأمارة حتى ولو اقتضى الأمر أن ينتحر على ألاّ يقطف زهرة من غصن. أو يوقظ طيراً نائماً على صغاره في عش. نحن حزب الذين لا مانع لديهم من النوم متأوهين وجعاً بعد ضرب و سرقة قطاع الأزقة لهم اثناء عودتهم من العمل إلى المنزل يا ديفيد. لا نكترث بمبدأ رد الضربة بلكمة ولا رد البذاءة ببصقة ولا رد السرقة بتكسير دراجة خادم زعيم العصابة. نستحق أن نحوز على الحرية كما يحوز المشلول على جناح ليطير. تكمن المشقة الكبرى في أن نقول للحياة نعم. دعني أردد خلفك مثل كورال غير مأخوذ بالحماس، نعم. هذا اتفاق ضمني مع تساؤل جاك الوجوديّْ: لا أحد يبقى في جنة عدن. اتساءل لماذا؟ الحق يقال، لا أحد يعرف قيمة جنة عدنه. لأن كل منا يظن أن شيئاً آخر يحبه هو جنة عدنه ويجهل أنه مخدوع بالضوء الزائف في آخر الطريق الذي ذكرته أنت. لا أعرف لماذا أحدثك و كأنك ستقرأ رأيي. ربما أعتقد أنك لو كنت بيننا الآن ستكون مهتماً بمعجبة من عرض الناس لن تصدق أنها قد قرأت قصتك في رواية. ليس لأن وجهها و شعرها و عينها و ملابسها مختلفين عن المسوَّق له في القصص و الأفلام عن مدمنات القراءة، بل لأنها طبيبة جراحة يستحيل عليها الإعجاب بمن أفصح عن سره الداخلي الدنئ المكوم في جزئه المظلم. لدي أسراري السوداء في نظر القوالب المعروفة أيضاً، لكنني أختلف عنك أنني لا أفصح ولن يحدث أن أفصح عنها ولو على لسان شخص متخيل آخر في قصة موقعة باسم لا يشير لي. يجب أن يكون السر سراً. فاتك ذكاء كان كفيل بالحفاظ على الحد الأدنى من قبولك لنفسك في خلوتك و ووحدتك العارمة أمام النافذة التي تعكس صورتك الغريبة عنك. ذكاء يشبه ستارة مشتراة من محل اقمشة لذوي الدخل المحدود. فعلتُ هذا مع حاجياتي و ها أنا. أستطيع تبرير عيوبي لنفسي على الأقل في الأوقات الحرجة التي يتكاثر فيها بقُّ الأخلاق في الوجوه المقنَّعة. يكفي أن وجهي حقيقي مهما اخطأ و اقترف.

لا أرغب في التحدث إليك أكثر الآن يا ديفيد. أنا مأخوذة ببعض فلسفتك لكنني أتعاطف كما أتقاطع و أتشابه مع جيوفاني في بعض العربدة التي لا تظهر على الواقع عندما أكون برفقة أحد، حتى لو كان مُقرَّباً لمناطقي المظلمة. أودعك وأنا احمل شيئاً قلتَه أشعر بحيرة عدم اتخاذ قرار الموافقة او الاعتراض عليه، أنت تقريبا منقوش في ذاكرتي بسبب قولك أنَّ ” العالم منقسم غالبا بين المجانين الذين يتذكرون و المجانين الذين ينسون. أما الأبطال فهم نادرون.” اتساءل لمَ لم يخطر لك أن المجانين هم الأبطال النادرون؟ و أن العالم منقسم بين حاقد يتذكر لينتقم و مجروح يتذكر لأن دمه لا يتوقف عن الهدر و بين مستهتر ينسى و متعافي نجح في إيجاد سلوان ؟ هؤلاء كلهم عاديون بدرجات متباينة. المجانين هم الأبطال أكانوا يتذكرون أم ينسون.

قيل أن اعظم انتقام هو أن لا تسأل ” لماذا”. يراودني اسم القائل لكنني لا أتذكر بوضوح. و إن تذكرته ربما لن استفد شيئاً سوى التزود بالأسى. أنا لم أعجب في حياتي سوى بالبائسين والمأساويين. و أعرف أن المرء يقع في حب أشباهه. ولا أمانع أن تكون شخصيات مثل مكسيم غوروكي و فرناندو بيسوا و اميل سيوران و فرجينيا وولف من أشباهي، أو أكون أنا شبيهتهم بما أنني أعقُبهم بأجيال لا معدودة. في الحقيقة أشعر بالإساءة لنفسي وأنا اتفوه بكلمات شريرة كهذه حتى على سبيل الرأي. كلمة انتقام اقصد. أنا لست من هؤلاء الناس. لا أعرف كيف يتم فعل هذا الشيء. أنا الفتاة التي تتناول وجبتها الوحيدة في مطاعم الأحياء الرخيصة وسط أغانٍ لا تشبه ذوقي لكنها تفسر حالتي المادية لو كان للحالة المادية لسان تعبر به عما تشعر. إنني أعمل كثيراً و أقرأ و أشاهد أفلاماً و مسلسلات و أكتب بجنون في كل ورقة و منديل و علبة دواء. لا يتبقى في قلبي مكان لمشاعر انتقامية أحملها تجاه أناس قاموا بإيذائي و آخرون يسعون في مناكب الأرض بحثاً عن فرصة حقيقية لا الكترونية، للإيذاء. أما عن عقلي. فإنَّ عقلي يشفق كثيراً على شكل ضحك. يضحك دون صوت. كلما كبرت يوما ازددت لا مبالاة و أدركت أن إحدى وجوه الحُسنى أن لا تبالي. و أدركت أيضاً أن الخجل من البغض والانتقام وإن كان ردة فعل مشروعة، هو درجة عليا من درجات الحياء.

لا أحد يعرفني حين أسير في الممشى. سبعة كيلوات يومية تقصر أحياناً عندما أكون مريضة أو وقتي قصير لكنها لا تزيد. أنا أعرف العديد ممن يجاورونني في التمرين. هذا يشبه الدخول إلى حفلة و التفكير في الحاضرين بدلاً من التفكير في نفسي. بينما الفنان على المسرح ينتظر التصفيق له كلما رفع صوته بنشاز محموم. ربما لم تفهم ماذا أعني. لقد كنت أعني أنني أشعر ببعض الراحة في التمرين. إذ أعرف العديد من المشاة ولا أحد يعرفني. بل لم أثر فضول أحد ليسألني من أكون. سقط أحد المشاة مغشياً عليه مرة إثر انخفاض السكر و كان مثلي عادياً لا يعرفه أحد لكن حين سقط تجمهر عليه العابرون و حاولوا إيقاظه. بالصدفة وصلت حين هموا بالاتصال على الإسعاف و فعلتُ اللازم و اعطيته عصير البرتقال الذي جلبته معي في الحقيبة من البيت. كانت زوجة المريض تشتري قهوة من كشك قريب و وصلت بعدما استيقظ زوجها وسألتني من أكون فاكتفيت بالقول: طبيبة. قالت شكراً و انفض الجمع. شعرت براحة عجيبة لأن الموقف مر دون احتفاء أو مديح لي. ميزة هذه المدينة أن أناسها عمليون. يعرفون جيداً أن من يفعل الواجب لا يستحق الإشادة. حسناً، قد يكون الأمر عكس ما أقول، أو ليس بهذا المعنى المجحف. لكنني صارمة في تفسيره هكذا لأستطيع كبح جماح نفسي التواقة في بعض المواقف إلى سماع كلمة ثناء غير لازمة. هؤلاء المشاة أصحاب الجاه و المال والشهرة الذين يرونني أمشي معهم يوميا على نفس الطريق ويعرفون أنني غريبة عن سربهم لكن لا يأبهون. كم هم رائعون هؤلاء اللامبالون!

أتدري؟

نمت بالأمس دون متاعب. استيقظت متعبة مثل تعب غريق اعياه التمسك بطوق النجاة المطاطي و يوشك ان يختار الموت عوضاً عن الاستمرار في التمسك به مع كل هذا الألم الصاعق في الكتفين و أصابع اليد و تنمُّل القدمين. جاهدت لأتذكر أي شيء حلُمت به و بدد راحتي ولم يخطر ببالي سوى قول أحدهم ” البحر مالح لأن الغرقى ما زالوا يبكون.”

– أكتب هذا المقطع في يوم و أنا في يوم آخر الآن. لا تكذبني إن قلت أجهل ما التاريخ. و إن قلت أنني لا أطيق الذهاب الى الشاشة الرئيسية لأشاهد التاريخ. أجريت خمس عمليات و انتهيت الآن من العمل كاملاً لكنني أشم رائحة الموت حرفياً. لا أجيد وصف التعب عندما يبلغ مني حد الروح كما يفعل الآن. أنا متعبة لآخر ما يذهب اليه التخيل و كفى. لكن أريد أن اكتب. أعود الآن الى البيت بالحافلة وأنا لا ألجأ اليها إلا عندما تثلج الأرض. صديقتي تخشى قيادة السيارة على الثلج. الاحتياطات متينة هنا لهذه الأجواء. لكن لا زلنا نرى و نشاهد حوادث انزلاق سيارات على طرق جليدية. أتذكر الآن أننا في نوفمبر. شهر ولادتي التي بات ذكرها يضحكني. يجدر بالمرء فعلاً أن يخجل في يوم ميلاده. لا أن يحتفل. أنا لا أحتفل. لكنني أخجل من هؤلاء الذين يحتفلون بي و يبعثون الهدايا ويجب أن أشكرهم و أدون اسماءهم لأرد لهم المعروف بهدية مساوية. لم نخلق انبياء. عندما اتذكر آثامي أضحك كثيراً من أن نوفمبر لازال لصيقاً في ذاكرتي بإسم Sweet November. في الأسبوع القادم سيبدأ برنامج علاجي أخضع له سنوياً في نوفمبر. يتطلب البرنامج نوماً في المستشفى. و ربما تخديراً كاملاً لبضعة أيام كما حدث في الثلاث سنوات الأخيرة. لم أتقدم بطلب اجازة بعد. هناك اجازتي السنوية بعد شهر. فقط أشعر أن ثقل الأعباء في نوفمبر قد تخفف قليلاً بفضل المرض! هل أدركت لمَ بت أضحك عوضاً عن البكاء؟ إنه تخفف لا إرادي نادر في حياتي. حيث كل تخفف آخر كان من سعيي و قراراتي الصائبة في اللامبالاة عند المكان الصحيح. التخفف اللا إرادي يحمل ميزة وحيدة تجعلني ممتنة لتسيير الله من حيث لم أبتغِ؛ ميزة عدم خسارة الشعور عند احتياج هذي الروح الممزقة إلى الأنين. حيث الأنين ربحاً على فراش المرض. بينما هذا الأنين نفسه سقوطاً و خسارة شعور بالمقاومة عند التخفف الإرادي الذي أريد من خلاله القول أنني لا أهتم.

أفكر في أنه كم من المؤسف أن يغرق الإنسان اللامنتمي لفصيلة الناس في وحشة الوجود دون فنار يضيء ولو في آخر الطريق. حين يمكن للعين بقليل من التركيز التقاطه ومن ثم الجريان مهما كلف الأمر من الطحن والتكسر للوصول اليه و الاحتماء امام المدفأة المسجاة في غرفة الحارس. الحارس الذي ذهب قبل خمسون عاماً لإنقاذ طفل جرفه النهر الى قرب الفنار. فاختطفته موجة عالية و ظفرَت بكليهما، الحارس والطفل، ملاكين تحت الماء لحماية الأسماك و شقائق النعمان. بدت لي غرفته المكان الأنسب لمستوحِشة مثلي فقدت القدرة على جذب رجل من الإنس فانتمت ولو على سبيل اللجوء مؤقتاً.. إلى دفء نار في فنار ينبض بالحياة من خلال حبل الضوء الذي يبثه بلا انقطاع الى عرض المحيط.

او كما قال وديع سعادة:

” خطوة واحدة..

واحدة فقط،

كان عليه أن يمشيها بعد..

كي يرى.”

لقد استهلكت معرفتي في العد. و طاقتي في العدْو، لم أعد أعرف أي خطوة متبقية لأرى. أتنازل عن كل شيء لأقبض ثمن سبعة و عشرون عاماً من السير وحدي بلا رفيق. حتى و إن كان الثمن نوماً في فراش دافئ بلا كوابيس عوضاً عن شريك أقول له كما قال غسان لمَي: ” إنني أقول لكِ كل شيء لأنني افتقدك. لأنني أكثر من ذلك، تعبتُ من الوقوف دونك.” لم أعد بحاجة إلى امرئ يدخل متاهتي ليخرج منها بعد إصابتي بالافتقاد. يعصرني الوقوف لوحدي في كل المعارك مثل دون كيخوته الذي جعل بقصته كثيراً ممن حولي يظنون أني أحارب طواحين الهواء. كنت أقدم الأدلة على حقيقة معاركي و أشخاصها و ألغامها و أشراكها التي تزيد كلما تجاوزت أحدها ولا تنقص. ثم عندما أرتني الحياة أن طواحين الهواء هم من قدَّمت لهم تلك البراهين. أصبحتُ أشعر بالرثاء على من يفكر أن لذة الكفاح هي ان يكون برفقة شخص يصفق و يقول Keep going. سيتبخر عندما تحين جدواه الشخصية على ضفة أخرى. مع شخص آخر. سيقول كنت مضطراً، و أنت خير من تتفهمين. لقد وقفتُ معك و صفقتُ لك أثناء كفاحك. والآن دورك، صفقي لي بعدما أرحل لأ بني برجي في مكان آخر و أسكن فيه اسماً آخر فنّياً أكثر من اسمك و ظلاً أطول من ظلك.

هناك عديدون يشبهونني في واقعيتي و انعزاليتي و بؤسي إن شاء لك أن تسمي ما أعيشه بؤساً بينما أراه محض مخاض مجهول زمن الخروج من عنق الزجاجة. أولئك العديدون القليلون الوحيدون مثلي. أقول لهم ماقرأته في اقتباس اجهل قائله: ” حين تكونين وحيدة وأكون وحيداً، تعالي نجلس وحيدين معاً.”

إنني أكبُر. وكلما كبرتُ غرقتُ كالوحوش الضارية في عمل يمتص أنايَ حتى يمحيني. غرفة العمليات يصفها الناس بمعمل العظماء المجهولين في الأرض المعروفين في السماء. لكنها تمتصني وتسحبني إلى اسفل التلاشي كما تفعل رمال متحركة في مكان ظنه السائح آمناً لهدنة. فكان أرض الموت. لا أقول هذا تذمراً، و لا انعدام رضا. بل أريد القول أنني بسبب هذا الحتم الذي تقولبتّ فيه لم أعد أشعر ولا أفهم ماذا تعني كلمة ( حُب). لم أعد أبحث عنها. توقفت منذ اكتشفت أنها ليست الزر المناسب لقميصي المقدود. انتشلت الفكرة والحاجة من قلبي منذ تنبَّهت أن الحب لا يبحث عني كما فعلت. ليس لايبحث بل لم يبحث. لم يحدث أن وجدني. الحُب لا يتقاطع مع طريق ساكني غرف العمليات و قاطني غرف التنويم بعد السقوط من الإعياء. ثم أقول و هذا الأهم، أنني أصبحت أبحث عمن يفهمني. يقبلني ككائن يشبه الشجرة السحرية عديمة الملامح صديقة ماليفسنت في مملكة مورس the moors. ( فيلم مالفيسنت). خذ مثلاً، أبحث عن شخص واحد في هذا الكون الفسيح، عندما أبعث له رأياً، أو حتى عاصفة من غضب، في رسالة طويلة. لأنه يرفض التحدث، لا يقول يا إلهي كم أنت خارقة لا تتعبين من كل هذه الكتابة؟! و إن جرؤت على الرد بثلاثة أسطر، يطلب صراحةً أن لا أبعث شيئاً لأنه لايستطيع قراءة رسالة طويلة. حيث أن الأمر مزعج و غثيث. أبحث عمن لا يترك لب الأشياء و يعصف حياتي بقشوره وقشورها. لقد قبلت أن أكون من فصيلة القاع. الغرباء عابري السبيل. لكن هذا لم يعني بأي حال أنني قبلت إهانة لنفسي من أي نوع متداول بين فصيلة المنتشرين في الأرض كالجراد الأصفر. تسطيح عقل بذل قوة عقلين او عدة عقول معاً ليتأقلم مع الحياة كمخاض طويل قرر فيه أن لا يفلت جماح جناحه الشفاف الأكثر حدية في الجرح والقطع من باقي مكوناته الروحية، كي لا يؤذي قدر ما يمنح سلاماً و أمان، هذا التسطيح لعقل كعقلي المشعثر من شدة البذل والطرح، بمثابة جريمة اغتصاب. أقر ان لدي ضحايا يشتمونني من خلفي لأنني تركتهم إثر جرائم إصرارية كهذه في حقي. اشتمني. أنا اشتم كل يوم عدة أشخاص و أشياء. لكن لا تغتصبني. أنا غريبة، بوهيمية، أتطاير أثناء تمرين المشي كفلامنجو أضاع مشيته، أجيء إلى دعوة حفل زفاف شاحبة كالموتى بلا مكياج. أذهب يوما فجائيا في السنة الى العمل بمكياج كالمجانين. أتناثر كحبر مسكوب حين اكتب، أي أنني لا أكتب. قد يكون هذا أي شيء عدا كتابة. أقبل كل هذا، لكنني لست سخيفة ولا من زمرة الصعاليك. إن لم يكن على الكوكب سوى أمثالك. فأنا فتاة المدفأة في غرفة الحارس بعليّة الفنار، و أكتفي.

يا عزيزي المهزوم في رحلة تشبه رحلتي، البحث عمن يفهم.

لقد قربتنا الهزائم.

و لو قدِّرَ لي أن انظر إليك في نزعي الأخير،

لقلتُ لك أنني حتى أنا،

رفيقة الوحشة و الليل الذي بلا قمر،

لم أكن لأفهم من حاجتك،

سوى أن تبحث عن قمر،

بينما أنا، كان يعوزني دوماً..

ضياء القمر.


أشعار.