غبـار (1)

رأيتُ قطعان المطبلين في أرضي ينسلّون من أملاكهم و يبيعون الجوهرة المشعة كاليورانيوم من بين أعينهم باسم الوطنية، و رغم أنني تفرجت ولم أنضم إلى الحفلة فقد شعرت نيابةً عنهم بشعور النطفة التي ضيَّعت تاريخها. كانت الفوضى موقف. ثم أصبحت طبعاً، و أضْحت عقيدة. أحببت نفسي أكثر عندما اتخذت الفوضى قطعة لا تنفك من ملابسي و فكرة لا تنفصل عن عقلي. إن كنت تظن أن الصواب هو أن تكون رزيناً، محاذياً قدر المتوفر للجنون، لا متورطاً فيه، فلا تعبأ بما يزين الرصيف على الجانبين. عامل الطرقات كالشاطئ و أبحر بلا ماء. البحر في قلبك. الأمواج كلها في رأسك الهادر. أنصحك بالانتحار إن شعرت أن رأسك يوماً قد خلا من التموج و استكان. الهدوء يجلب كل الخطايا إلى مقدمة العالم و تنطلق رصاصة الطاغوت قبل أن تفكر في التوبة أو تدافع عن كل ذلك بأنه حرية شخصية لا خطايا ولا رزايا ولا يحزنون. أنا في الواقع لا أحب أن أكتب تعريفات للحياة. فعلتها أحياناً و شعرت ببغض الوقوع في مغبة السخف و الفلسفة القائمة على الفراغ فتراجعت. لكن هناك حوادث تفرض تعريفاً للحياة يناسب الموقف للنجاة منه بأقل اندلاق من ماء الوجه. أتعاطف مع هذه الحالة. لا مفر منها عند التمسك بعدم تعريف الحياة سوى بالتجاهل والفرار. أحياناً تكون الضريبة فقدان الحرية. وأحياناً ضرب مبرح، أو حتى الموت. عندما لا تعرف ماهي الحياة ستجعلك تعرف على الأقل ما هو الموت. الآن لك أن تتخير ما الذي تبدو معرفته أكثر رحمة أو أقل طيناً من الآخر، معرفة الحياة؟ أم الموت؟ وكأنك تسأل نفسك، معرفة الجنون؟ أم العقل؟ معرفة الفوضى؟ أم السكون؟ معرفة طعم الكوكايين؟ أم رائحة الكافور؟ عند تساوي الأمور في لحظة، لا يعود مهماً أن يسأل المرء نفسه عن شيء من هذا أصلاً. سيكون الخلاص هو الأهمية الوحيدة لا قبل ولا بعد.

عرَّفني دايس على آلن غينسبرغ الذي رثى أولئك الهبائيون، أصحاب الحق المسلوب، الذين ” تحدثوا بلا توقف لسبعين ساعة من منتزه إلى غرفة إلى بارٍ إلى مصحة بيليفو إلى متحفٍ إلى جسر بروكلين.” أولئك الذين ” تسكعوا دائرين ودائرين في منتصف الليل بين السكك، حائرين أين يذهبون، وذهبوا، دون أن يتركوا وراءهم قلوباً كسيرة”، ” من توحدوا على الذمة عبر شوارع آيداهو متقصِّين ملائكةً هندية كانت ملائكةً هنديةً رائيــة. من فكروا أنهم بالأحرى مجانين عندما تألقتُ بالتيمور في نشوة تفوق الطبيعة. من قفزوا إلى الليموزينات مع صبي صيني في أوكلاهوما بحافزٍ من مطر منتصف ليل شتاء لنور الشوارع في بلدةٍ صغيرة. من تمددوا جياعاً ومستوحشين عبر هيوستن بحثاً عن جاز أو جنس أو حساء. وتبعوا الإسباني الألمعي ليتحاوروا بشأن أمريكا والأبدية. مهمة ميئوساً منها، وهكذا أبحروا إلى إفريقيا.”

أفكر أنني لو تعرفت على هذا الشاعر الصاعقة من أحد غير دايس لربما لم يكن ذي تأثير. المتأثرون بأحدهم يتفوهون بأشياء مثل يا إلهي كم أن هذا الرجل كتب كلاماً يشبه ما أريد قوله ولم أعرف كيف أفعل. لكنني لا أقول هكذا، بل ألجأ. عندما أجد وميضاً مشتركاً بيني وبين من لا أعرف، وما لا أعرف، ينتابني شعور الضال الذي وجد ظلاً يلجأ إليه. الظل الذي تبعثر أمامي حين قرأت قصيدة عواء لغينسبرغ لا يجرؤ خائف على الانتماء إليه. إلا أنني من زمرة أحادية. أي غير سائدة على الأرجح. زمرة الذين يضلون راغبين. هناك حرية و حلول مشاكل بعضها موجود و بعضها على وشك أن يحدث بفعل حماقتنا أو تعقُّلنا وكل هذا في ظل الطرق الموحشة، المهجورة التي يسلكها الحيوان ليقضي حاجته و يعود إلى الجحر. أما الإنسان، فلا يقترب أبداً. و أخْلَص من هذا أن من يرتاد طرق الإنارة المكسورة تلك قد لا يكون إنساناً. هذا القرين في حياة أخرى. الحصان المجنَّح كما رسمني أحد الأطفال في العزل مرة. كانت الوحيدة التي أحببتُ فيها صورتي دون أن أتصنع التواضع وأحاول إقناع الآخر أنني أسوأ من أن يتخيلني هكذا. ربما ثرثرت كثيراً مع دايس كشلال جارف لأجل هذا السوء الذي يرفض أن يتداعى. عندما وجد شريكاً في سوء لم يُحكى، سوء تم التعبير عنه كقصيدة، سوء هو في الحقيقة صواباً تم اعتبارهُ سوءاً لأنه قيل تحت إجبار العقل على التنحي عن طبيعته ذات الصفاء، سوءٌ حين يتفوه به أصحاب المقاهي الشعبية أمام أصحاب الياقات البيضاء، سوءٌ لأنه يكسر تابو الكرامة لمن اعتادوا التحدث عن الإنسانية قولاً وكتابةً و غناء، لكنهم لم يتعاملوا بها لا مع الإنسان ولا الحيوان ولا مع أخشاب الشجر و قيعان البحار. سوءٌ هو جزء أصيل لا يتجزأ مني. يرفض أن يُنحى في بقعة عتم عندما أتلقى مديحاً على مِزية أنا التي أروض سوئي كما يروض أكثر الأشخاص وداعةً تمساحاً زحف إلى كوخه ذات فيضانٍ جر كل ما استطاع من البحيرة إلى اليابسة. أشبهُ في معركتي مع الخير والشر للفوز بالحد الأدنى من التوازن باباً سرياً في البيت أعرف مكانه وحدي. يبدو هادئاً يفضي إلى بلاد عجائب. لكنه في الحقيقة باب يقود إلى كوميديا إلهية لا تعرف للهوادة ملْمحاً ولا احتمال. حتى أن هذا الباب، والبيت، قد يكون مكانهما في فراغ يستوطن قلبي. أعني هذا القلب حقاً. رأسي مختنق بأزمنةٍ و وقائع وذكريات و نوايا و أشغال شاقة مؤبدة لم تدع مكاناً لبيت ولا لعُشٍ يكفيني أن يكون القش بابهُ و وسادتي فيه.

أخرجُ إلى الشارع بعد يوم طويل. لن أقول عبارة فذلكية من نوع يومٍ طويل مليء بالللاشيء. بواقعية شديدة الجمود أقول أنه يوم طويل ملئ بالإنقاذ. أنا بصفتي حقيبة إسعاف كما أسخَر من نفسي، أقرر كمجنونة بعد انتهاء كل شيء واستقرار الحياة في أوصال الأبدان أنَّ السير في الشارع دون وجهة معلومة هو الراحة المنشودة. أخرج وأبحث عن أشجار عنب ولا أرى سوى الجليد يغمر ويغطي ويطمر كل شيء و كأنه يذكِّرني أن شِفرَتي اللونية في الحياة هي الأبيض. لا يمكن أن تتشابه شفرة كائنين بشريين على وجه الأرض مهما تشابه لونيهما. يا إلهي كم عشقتُ دوماً أن أكتب قصيدة عن الجينات و خرافة الوراثة و دهاء صناعة التوريث. فيما مضى كنت ما بين خطوتين أقف مبهورة بهذا العالَم الملئ بأصوات القنابل. في كلمات الأغاني الراقصة قنابل مدسوسة، بين صفحات كتب الطلاب، في المحادثات المتفجرة من الهواتف اللاصقة بالأيدي كسلاح أضعف الإيمان. حتى في نظرات الصامتين على مقاعد الحديقة و المقاهي و محطة القطار، كنت أستشف صوت قنابل. إحباط، غضب مكتوم، حقد مُبصر وآخر أعمى، رفْضٌ مشروعٌ وآخر كلاّ. كل هذا هو ثاني أوكسيد كربون يُطبق على رئتاي وأنا أمشي في خروج الخلاص إلى الشارع فأتوقف مريضة في زمن مضى. ربما قبل عام، أو خمسة أشهر. لكن الاعتياد آفة. بل وباء، لأنه مشيمة الروتين. بتُّ أُدهَش من القدرة لا على توليد كل هذه القنابل من كل ذيك الأشكال والأنواع والدرجات والأصوات والقتل والتدمير، بل من الحفاظ على هذا الثُقل الذي تنأى الأرض عنهُ لو كان لظهرها أنينٌ يُسمَع أو صوت يقول كفى، لقد مت. تحولني الدهشة وأنا في منتصف الطريق بين الزحام إلى دخانٍ متماوج، و أنظر إلى المدخنين بجانبي و أكاد أهتف لهم قائلة أنني لفافة التبغ هذه. لا أرسمُ صورةً تراجيدية هنا. أقول فقط أنَّ العالم مشتعلٌ بهدوء، يوهمنا صراخ المرضى والمفزوعين والمهدودة منازلهم بقذائف المبيدين أن العالم فائر مثل تنين مجنّح. لكن الممتطي طائرة خطوط كندية أقلعت من مطار ادمنتون الدولي إلى مطار شيريميتييفو على ضفاف موسكو، يُدرك كم أن هذا الفوران هدوءٌ كافٍ لاكتشاف كوكب آخر وتجهيزه للهجرة إليه إذا ما سئم قاطنوا هذه الحياة من مباهجها التي أمثّلُ أحدها بصفتي شايَ الياسمين. مغلية تحت هذا العالَم بلا انسكاب على الحواف، أو هكذا أُرى من الخارج. آه كم هي الأشياء تبدو.. أشياءً.. عندما يُنظر لها من الخارج. و آهٍ كم هي الأشياء، يورانيوم لا يعرف للأشكال عقيدة إذا ما تهاود معها، يشوه كل شيء، من الداخل، من الأعماق، من الأسطح، من المرئي لللآخرين واللامرئي. كم تمنيت طوال حياتي لو كانت الأشياء هلاماً مقرفاً مثيراً للغثيان بدل كونها مبيدات، محض مبيدات، لظللتُ أتقيأُ اشمئزازاً و أنا ممتنة كلما طفح بي الصبر بلا تعب ولا ضمور.

مثل كفٍ تنشغل بالتضميد بدلاً من التلويح، أمتنّ. كل الذين لوَّحوا في زمني حزانى وقتيين. لا أرغبُ أن يكون المودِّع حزيناً أبدياً. لكنني لا أرغب أيضاً أن يكون منافقاً. لغة الكفوف تحملُ في مخيلتي جمالاً يصل إلى وصفها بلغة نمو العشب في الهواء غير المستقر، مثل تُخمٍ منحدر. أو رائحة عطر تتلفَّت ولا مخلوق.. لا تعلم من أين تسلل كالعبق إلى القلب. صورة حزن سامية. ولا أريد أن أبدو غريبة وأنا أتحدث عن الرقة بعد ذلك العصف. لكنها الحقيقة. أمرٌ يحدث و يغيظ مثلما يغيظك وأنت تتمشى بجوار البحر مرور طفل في السادسة يدخن بشراهة ويبتسم كصعلوك. لا يثير حنقه لعب الأطفال بالطائرات الورقية ولا الآخرون لاعقوا الآيسكريم. بعض تلويحات العدميين الذين وإن شعروا بالحُب إلا أنهم يأبون الاعتراف به هي تلويحات كصولجان.. يؤدي لعبة موت، و في الموت لا يقول المرء مع السلامة. يقول وداعاً ربما، ودائماً الوداعات كالحشرات، منها ما هو فراشة، ومنها ما هو بعوض.

يلحقني منذ الكلمة الأولى سؤال أسود. ما الذي أفعلهُ هنا؟

هل أتسكع في مواقيت التعب مثل طفل يحبو باحثاً عن أمه غير مكترث بما سكبَ من الحليب؟ أم أدخن لفافة سخط لا هواء أنفثها فيه سوى هذه الورقة؟ هل أنني أتسكع دون أن تدركني الأسطر؟ أم أحرث عقلي كمن يحفر في الصخر بلا مطرقة ولا مجرفة ولا أدوات؟ هل ألعب في العتمة لعبة الضال الذي يريد التحدث كيفما اتفق علهُ يجد الضوء كشعرة شمس بين كومة حظ ليلٍ مطحون؟ أم أذهب وأجيء كلعبة بندول وما أنا سوى خدعة جدار معلقة إلى لوحة رسام مجهول وجدها بعض أهل الحي ملقاة في باحة بيت خلفية باعهُ أصحابه قبل عام؟ لستُ أخجل من غبار نسيانٍ يعتليني، ويعتريني. قد يكون الغبار ردائي عندما تعريني النوستالجيا، فأضئ بذات غباري كذرات ذهب خام لم يصل إليها عمال المنجم والصاغة، ولم تمر فوقها قاطرة نقل النفايات إلى أحواش إعادة التدوير. أعترف أن التسكع بعد يوم أشغالٍ طويل يبدو مثل لعب مع حمَامة بيضاء أمام الذهاب إلى بيت لا يستقبلني فيه أحد. الضياع بين جموع المهزومين والمغادرين والواصلين و المتنزهين والمتعجلين والمشغولين والفارغين والأصحاء والسكارى بل والشرفاء والمجرمين، ضياع مجيد أشتريه ببقايا عافيتي. الانسياب في ضمور الوقت و إن كان على وسادة بجوار مدفأة تعالج صقيع هذا الدم المتجمد في العروق أعرف أنه انتحار بطئ لا يُقدِم عليه سوى الجبناء. قد لا ترى بأساً في الخلاص جباناً. لكنني أيضاً لا أرى بأساً في التجلِّي باصطياد الضياع اللجوء، بدلاً من القطن الجِدار. هذه الأحادية أنا، عندما تذكر اسمي افتح قوسين و اكتب ( يقظةً أبدية). عندما تذكر اسمي، تبرأ ولو بالرصاص والدم من قوسين وضع فيهما ( نوماً وقتياً). وإذا مرَّ خطٌ في الأفق، قل هذي رفيقتي عادت من غبارها و احترقت، أو تفتَّحَت.