دفاتر راسكولينكوف 2

– الصعلوك

الماكثون في المنزل. لا المنعزلون. هؤلاء الذين قد يكونوا نحن. و نحن الذين قد نكون أنا. لا أتحدث عن نفسي بالجمع تفخيماً، بل تشتيتاً. إقناعاً بأنني لستُ وحدي في المكوث. مثلما لم أكن وحدي في المخالطة النفاقيـة. فلتكن هذه الهلاوس هكذا مثل من يغني شيئاً غير مفهوماً في زقاق حي العاديّين. هل تخيلتني سأقول زقاقاً يؤدي إلى حانة؟ هذا تصنُّعٌ فج لم أعد أطيق قراءته في قصص المقلِّدين فضلاً عن كتابته. إن أحياء العاديون ثملة أيضاً. محملة بسُكر أحلام قاطنيها الكبيرة والصغيرة والممكنة و بعيدة المنال. قد تجد أعظم حلم لدى فتاة في هذا الحي أن تقتني هاتفاً من شركة عالمية و تنشيء حساباً في السناب شات. كما أن أصغر حلم لدى فتى الحي المشاغب أن يصبح مليونيراً يشتري بالأموال طائرة يجوب بها العالم ويفعل كما يفعل الأسيـاد في النزوات. تبدو الآن الأغنية التي لم تكن مفهومة، واضحة مثل عنوان كتاب مقروء. اراها بخط أزرق ” هيا نرتمي في غرفة لارا” لحنها كريه بالنسبة لي. مثل لحن كل أغنية روك أصمم أن الهدف منها إحداث ارتجاج في الدماغ.

ينعزلون. أولئك الذين خشيوا أن يصيدهم الحُب قبل أن يصطادوا بعضاً من حياة. أو كما أوصى إنسي الحاج، أن لا يجعلوا الحنان يلتف عليهم. قال احذروا. تُجبرهم الحرب على المكوث كعجائز ينتظرون ما تبقى من أمل على شكل أحفاد يزورونهم في عطلة الأسبوع و يملأون الدار لهواً و فوضى و رائحة كعك و حلويات. تمر الأسابيع و تصير سنيناً و يشب الأطفال ويصبحون نساءً و رجالاً ولا أحد يذهب إلى الدار القديمة المأهولة بالجدة. للمكوث صور كثيرة. خطرت هذه لي لأنني اشتقت إلى جدتي. كنت لا أتركها تتأمل قُربي منها. عشتُ معها و شبعتُ من رائحة الريحان في جدائلها و رأيت ابتسامتها الراضية حين غفت في حضن الملائكة. قيل لي بعد أعوام أن ذلك كان اسمه موت.

ينعزلون. الصعاليك المتفوقين بصِدقهم على مرتادي المقاهي و صالونات الأدب. لستُ مع معتقد لوباتشيفيسكي بأن الأدب كالسياسة لا ينجح دون أن يكون الكذب سنامه العالي. ربما كان يشير إلى المخيلة. فالأدب يتجمل بالتخيل. لكن الكذب كالتملق، وجهين للتضليل. أجد نفسي منحازة بلا مجهود إلى صعاليك الحي الشعبي لأنني لا أبحث عن الحقيقة وأنا معهم. تجلس الحقيقة معنا وتحتسي الشاي بدلاً من القهوة و المكسرات بدلاً من الكعك الإنجليزي و نقرأ معاً سأم باريس بدلاً من رواية عضو النادي الأدبي و حجز قاعة في يوم العطلة للثناء عليه والتأكيد أن من في رأسه عقل لن يفوت قراءة رواية رهيبة كرواية الرفيق عين.

نُستأمَن وإن لم نكن آمنون. الإنعزاليون. أنا و رفاقي. أتحرر قليلاً من لهجة التشتيت و الربكة و أتضح كسِمة ليل. يمكن للبعض أن ينعت الضحى بالصباح. والعصر بالظهر. لكن الليل واضح. ليس هنالك أسوَد غامق و آخر فاتح. نتميز بعدم قدرتنا على شن الحروب. إن أعيَتك الوحدة تعال نمكث وحيدين كل منا منفصلٌ في حالهِ معاً. لن تخاف من أفخاخ محاكم التفتيش معنا. نشعر بالذعر كثيراً ولا ننام. لا نأكل في العادة. لا نرتدي ملابسنا الجميلة والجديدة المرتبة في الخزانة كأغراض عيد. وحيدون كما رغبنا، كما احتجنا. لا نشعر بالأمان كثيراً، ليس دائماً. أوقات و أوقات. حسب الظروف. لكننا بيتُ أمان لا تكسر له نافذة لمن يأوي إلينا من المتماهين مثلك مع أفراد القطيع، مع أهداف المجموعة. الهاربون على سبيل السأم أو خيبة أمل وقتية جرَّاء موقف غير مستغرب علينا لو عرفناه. ربما سنضحك و نقول ” قديمة”. وربما سننفعل ونقول: لهذا لا نحب أن نخالط الناس. يسمِّنا البرجوازيون صعاليكاً لأننا عصبة الطبيعة. أعداء التنميق. مناهضي صناعة الإنسان. أن تكتشف الإنسان ليس كأن تصنعه. الصناعة جريمة في عُرفي. الاكتشاف عبقرية. بناء شيء من الاكتشاف جنون. هكذا أفسر الأمور وهكذا ينفر منا أصحاب الياقات البيضاء فرارهم من الجامعيين الباحثين عن عمل. لم أجرب البحث عن معنى صعلوك في القاموس. أعرفه من قصص المثاليين كما عرف الجميع. إن كان الصعلوك هو من يعيش في الهامش. فيجب أن نتمسك بهذا الشرف فرحين مثلما يفرح لاعبو كرة القدم بجائزة اللعب النظيف. و إن كنت سأطلق اسماً على قطيعي، فنحن عابرو السبيل. مأوانا مقاومة التوطٌّن في مكان يخبرنا أن علينا الخروج إلى الناس. الثناء عليهم إن منحنا أحدهم كوب ماء ونحن ضيوف في منزله. أو إن قال لنا موظف الاستقبال أن هناك غرفة شاغرة عند دخولنا إلى النزل كي نبيت فعلاً فيه. نُحب ملاذاتنا الصغيرة، أحياناً الكبيرة. اتَّسمنا على سبيل المبالغة بأننا مشردون يعيشون في أوكار ضيقة. قد تكون خيالات النرجسيين حصرَتنا في هكذا مضائق. وجوهنا متعبة لا من طول المسير، بل من البحث عن تفسير.

حقائبهم لا تخلو من كتاب لفرناندوا بيسوا و كافكا. قائمة الأغاني في هواتفهم مفعمة بكلاسيكيات عبدالحليم و فيروز و ألحان السنباطي و محمد عبدالوهاب. يتحرَّجون من الإفصاح عن كراهيتهم لماركيز و ابراهيم نصر الله. يخشون التصريح عن استثقالهم صوت أم كلثوم. لا يمشون بجانب الحائط بل يسيرون في خطٍ متعرج و يضيّعون أنفسهم بين الحشود في الأسواق المخصصة للبسطات و الباعة الوافدين و الأسر المنتجة والمنسوجات اليدوية. ينتظرون الليل كل يوم كي يستردون كرامتهم التي أهدروا ما استوجب عليهم هدره منها نهاراً كثيرانٍ اسبانية. يلعقون جروحهم، أقصد نلعق جروحنا التي أحدثها فينا الاجتماع بالأنيقين رجالاً و الفاتنات نساء. ضمادنا ضوء القمر و ما تيسر من كلام لوركا و حزن تشايكوفسكي.

قال شيخٌ عجوز جلس جواري في الحديقة يوم عطلة أن الانعزاليون هم صفوة الخَلق. سألته إن كانت الحيوانات صفوة خلق أيضاً. أحب الحيوانات و سأحب التأكد من أنها صفوة كي أفرح بثناء الشيخ من حيث صنفني وكأنه يعرفني منذ مئة عام. جاوبني أن الحيوانات فرعٌ أرضيٌ للملائكة. ذلك أنها لا تخطئ أبداً. أما صفوة الخلق فهم يخطئون، لكنهم يشعرون بالندم ويقتلون أنفسهم إن تعاظم سخطهم ولا يعرف الغرور إلى ناصيتهم مكاناً. سألتهُ إن كان يمكن للصفوة أن يكونوا صعاليك. سرقَ وردة قلبي ببسمةٍ عذبة وقال بصوتٍ كترنيمة، من اعتاد العزلة عرف مساوئ الجاهلين و تآلف معها وكان نأيَهُ عنها هوايةً. خلدت تلك الليلة إلى النوم بروح نورس مهاجر عن الصوالين إلى الشارع. عن الشواطيء إلى السواحل، عن الأرض إلى السماء، عن منازل الآخرين المدعوة إلى احتفالاتهم إلى منزلي. عن جموعهم إلى وِحدتي. عن جهلهم إلى وعيي. عن سوئهم إلى شفقتي عليهم حين قالوا أن الوحيد هو في الحقيقة شخص قد غضب الله عليه.

كُنا نهرب. وكان الهروب انحيازاً لنظرية أن تنجو. لا أن تبقى و تغرق ليقال أنك صابر. هروبنا لم يكن انتقال من بلاد إلى بلاد. إنما من قَلْبٍ إلى أنفسنا. كان لزاماً كمخلوقات عاشت على نفس الكوكب أن نمر بنفس التجربة. كلنا، أي كل الناس. نحن والآخرون. تباينَت خيبة الأمل والنتيجة أيضاً كانت متباينة. خاب أملهم فأحرقوا السفينة على ربَّانها. و خاب أملنا فهربنا من سفينتهم إلى أنفسنا. أعشاشنا سفنٌ ترسى على أعتى الشواطئ بلا خُطاف. يا للعزلة. كم هي تذكرة عبور VIP إلى مدينة ويلز. إلى كلاب تلعب معنا ولا تعض. إلى حدائق نتنزه فيها و نفرح بالتحايا مع اللطفاء، لا نأوي إليها بعد انتظار خاوي الوفاض. يا للحياة وحيداً، كم تطوقك بالسلام أيها الصعلوك العظيم الذي اختار الهامش و نبذ متن المتسكعين على أكتافك كبكتيريا لا تعيش دون كيانك كمزرعة لهو وتكاثر و.. أمان.

” بعد أن كشفت عن اللغز و عرفت السير نمت في طمأنينة. في رعاية شذى تلك الأعشاب الساهرة الحـارسة.” – نيرودا