222

أهلاً يا عزيزي،

إنه ما قبل نهاية الطريق بنصف يوم. أعرف هذه الخطوات. عندما بدأت بالمضي كانت الشتائم تغطي مفترق الطرق فظننتهُ أول الشارع. قلت يجب أن أمضي. لطالما مضيت على عمى لشدة ما احمرت عيني وكأنها أول مرة أُترَكُ فيها مثل كلبٍ نجس لا يجوز المبيت معه. أو آخر مرة يتوقف فيها المتظاهرون بالملائكية و الانشغال برصد الحسنات والخطايا عن الكلام معي أنا الشيطان الرجيم الذي صدَّق وعدهم بعدم التخلي عنه، مأخوذاً بغروره. لا أعلم ما الذي رأيته في مظهري من مزيةٍ تغري بالمكوث. كان التجول دائماً صيغة ملامحي لمن لا يعرفني. أنت عرفتني هكذا. أثناء تجولنا، أنا ذاهبة إلى متجر الكتب، و أنت ذاهبٌ إلى نادي اللياقة. العابرون أخبرهم أن هذه أنا من خلال الحديث عن التجول في كل مكان يصدقوه و يكذبوه. كأن أقول أنني دلفت البارحة إلى إحدى الحانات و شاهدت مجون الضائعين عن أنفسهم لكنني لم أشرب خمراً و لم أرقص مع عربيد. أضرب نفسي في الصباح قائلةً ما الداعي لقول شيء كهذا؟ ثم أجيبني كم مرةً قال الناس لبعضهم أشياء لا داعي لها و مرت الأمور بسلام؟ بل أنها أعجبت بعضهم و جعلت من بعض آخر مشاهير حمقى؟ أنا لا أبتغي شيئاً حين أقول أنني أتجول في مكان لا يهمك أن تعرف أنني ذهبت إليه. أريد فقط التعايش مع هذا الدواء، أو المخدر على وجه الدقة. أن أمضي، أمشي، أسير. أذهب. تمنيت دوماً أن يكون.. أن أرحل. لكن الحياة علمتني أن الرحيل للطيبين. عندما أتذكر، أقع في حالة إنكار وجودية لكل شيء من حولي. منبه المشي اليومي هو صاحب الفضل في إيقاظي من الغيبوبات الصغرى المميتة. يرن فأبدو كسجين خرج من معتقل انفرادي تحت الأرض. لن اذكر اسم أحد المعتقلات لتطعيم النص بمعلومات حاضرة بدلاً من الإسقاط. في كل مكان هناك مثل هذه القبور المخصصة لدفن الأحياء. ليس كياناً غائراً أسود التعذيب كهذا محتكر على سجون العراق وسوريا والمغرب. حدث ذلك لأول مرة حين رحل أخي منذ أربعة أعوام. كنت أنكر أنني هنا. أن كوب الماء هو كوب ماء، وأن قميصي الذي أرتديه هو قميص. رفضت الاستحمام لأيام. كنت لا أصدق أنني فوق الأرض بينما يرقد أخي تحتي.أقوم بصلواتي دون حجاب على رأسي. دون وضوء. توسلت أكثر مما صليت، أو ربما صليت بالتوسل أكثر مما أديته بالمفروض، طلبت من الله النجاة والمعرفة. لم اطلب طمأنينةً قط. عرفت أن راحة القلب قد أفِلت مع أفول أخي. لكنني من هذا النوع الهمجي من العائشين. أتناول المعلومة كما يتناول البرّي لحم صيدهِ الشهي، ثم أرقد في خلاء وهذه طمأنينتي، و الأرض في موضع القِبلة خلائي. لطالما كان الجهل عدوي، لا الناس، مهما اشتد تربص بعضهم بي. جاهلين، ولذلك، غريمي هو الجهل لا الجاهل. أنكرت أصدقائي و أنهم موجودين في حياتي، عندما كانوا يتركونني لأهدأ كنت اتهمهم بعد قليل بأنهم خائنون قرروا التخلي عني في مصيبتي، وعندما كانوا يتلطفون بمواساتي كنت أنعتهم بالتعالُم على رأسي وقول أشياء في وقت غير مناسب. لكنهم اصدقائي. لم يتركني أحدهم ضحية غول الاكتئاب حتى أن فيصل _ يكبرني بعشرة أعوام_ الذي يحب الألعاب الالكترونية ويبغض القراءة اشترى كتباً أحبها لأول مرة في حياته وقدمها هديةً لي.

حريٌّ بي القول أنني لا أُدخل المواضيع ببعضها تهرباً منك. الأصدقاء لا يهربون من بعضهم. إن قالوا نحن أصدقاء ثم هرب كل صديق من الآخر، ببساطة فقد كذبوا، تخيلوا، أخطأوا الفهم والتقييم و التصنيف. ضللتهم هلامية المشاعر التي تُحس ولا ترى، وكل مالا يُرى هو موضع تأويل. الهروب هو خاصية المُحب المهزوم. ذلك الذي استسلم كجندي عاد من المعركة مهزوماً لأنه يدرك أن مقاومة قضية خاسرة للأبد ليس إلا أنبوب تنفس اصنطاعي لميِّت دماغياً يرفض ذويه التسليم بأن حفظ ما تبقى من كرامته هو في إدراك أنه رحل، هُزِم. كلنا، أعني المتوجعة أرواحنا، مهزومين، خصمنا الحياة. تشبه أياً منا، هناك من تقبل صداقته، و هناك من تحبه، و هناك من لا تستطيع قبوله في دوائرها، فتقضي عليه. كنتَ تعتقد و أنت تدخل حياتي أنك ستدلِف إلى روما حيث قادك الطريق، فإذا بك مكانك سر. كنت تعتقد أنك ستدخل إلى رواية السيدة دالاواي، فإذا بك في مسرحية الشيطان “فولند” الذي زار موسكو، إلا أنني زرتُ العزيزية، وما من مارغريتا وجدتها عاريةً تجوب سماء المنطقة سوى رائحة وجودك القديم، حين كنت تستعير آثامي و تقشرها من الندم كحبة الفستق وتضعها أمامي قائلاً: لذيذة، نحن على الأرض، دعي مكنون السماء حين نرحل للسماء. كنت تعتقد وأنت تدخل حياتي أنك ستدخل بقدميك حافياً إلى نهرٍ فرات يرويك بلا شبع، فإذا بك في بحرٍ أجاج لا يمكنك أن تشرب منه سوى مقدار ما تشرب من ماء عينك حين تعضَّك الوحشَة كما تعضني الوِحدةُ منذ حولني الشوقُ بلا جدوى.. إلى خيال. كنت تعتقد وأنت تدخل حياتي أنك ستكتب ملحمةً عن الحُب بشاعرية جبران عندما كتب إلى مي و سخونة هنري ميللر عندما كتب إلى آناييس نن ، فإذا بي أنا أكتبُ رسائل لن تصل إليك. كنت تعتقد وأنت تدخل حياتي أن مهارتي الفكرية ستحولك من وهمٍ إلى كينونة ومن كينونة إلى لوركا مثلاً، فإذا بك تُدرك بنفس مهارتي الفكرية أنك لست سوى بضع نقاطٍ في ميثولوجيا لم أضع لها اسماً، بل رائحة جوفك وأنت تقول “مشتاق”. كنت تعتقد وأنت تدخل حياتي أنك ستُسجَن كعصفور ملوّن في قفص تمتلكه أميرةٌ من ويلز، فإذا بك خلف حائط في أرض ترابية على طريق الليث مهددٌ بالانهيار هو ومن يتكئ عليه من العابرين ومن يتوارى عنده من المتبوِّلين. كنت تعتقد وأنت تدخل حياتي أنني سأهديك يوماً أوسكار أفضل رفيق رحلة، فإذا بي أهديك رسالة أخاتل بها الحقيقة، أنك لم تَـدخُل إلى حياتي قط.

يبدو أنني كنت أمسك القلم لفرناندو عندما كتب أنَّ ” الاشتياقات؛ لدي منها الكثير حتى مما لا يمت إلي بصلة بسبب قلق الهروب من الزمن و داء الحياة الملغّزة. الوجوه التي اعتدت رؤيتها في شوارعي المعتادة، يعتريني الحزن حين لا أراها وهي ليست مني في شيء إن لم تكن رمزاً للحياة بكاملها.” تمشي التساؤلات على هيئة عنكبوت محاذٍ للاشتياق الأرعن. شبكة متناسقة من أسود فاتح و آخر لامع يشبه منتصف الليل في الخامس عشر من أغسطس. لا أفهم شيئاً عن الشكل النهائي للنسيج. أتفكك أمامه إلى شيئين كلاهما لا شيء. أو بطريقة بيسوا ” حياة شبيهة بحياة تلك الشوارع، الممتلئة في النهار بضجيج لا يريد أن يقول شيئاً، والممتلئة في الليل بانعدام ضجيج لايريد أن يقول أي شيء. أنا في النهار لا شيء. وفي الليل أكون أنا، لا يوجد فرق بيني وبين تلك شوارع تلك الجهة باستثناء كونها شوارع، و كوني روحاً.” أبدو كرأس يمتشق فكرةً ضخمة بحجم غريغور الذي أصبح صرصوراً بمشيئة كافكا على حين غرة. لم تنفعه تساؤلاته عن سبب تحوله إلى هذا المسخ إلى أن مات ميتةً تقليدية يمكن وضعها ضمن أول ثلاث احتمالات شكل موت باقي الصراصير في العالم. مسحوبين إلى بالوعة، مسمومين بمبيد الحشرات، أو مضروبين بأي جسم يمكن أن يرديـهم كمكنسة الخادمة أو حذاء أحد السكَّان. ليست التساؤلات مهمةً عرضيَّة في حياة شخص يئن تحت كابوسية الواقع و ينفصل عن ذاته فوق سـادية التخيلات المستحقة لمرء ذي كرامة كهذا. أقصد أنا أو أنت أو أحد الذين يعتقدون أنهم يستحقون واقعاً متناظراً مع الأحلام، لا هيلوغرافيا من الحياة على الضفة الأخرى أو ما سميناه لقسوته بالكوابيس. آهٍ يا عزيزي الذي لم يدخل حياتي قط، ” كم مر من الوقت دون أن أكتب شيئاً. اجتزت في أيام معدودة قروناً من التخلي القلق عن الكتابة. لقد أسِنتُ مثل بحيرةٍ مقفرة. وسط طبيعةٍ لا وجود لها” – بيسوا.

بلَغـت التساؤلات الحائرة في عقلي..تحديداً، الحد المتأرجح ما بين الوعي واللاوعي، حيث أعود إلى إنكار وجودي و أنفصل عن الإحساس بملابسي و أطباق طعامي وأشيائي الضرورية في يومي لكي أعيش، مبلغاً أعادني إلى الكتابة كما يعود المعتزل من الصومعة إلى المدينة وأول مشوار يذهب إليه هو الحلاَّق. أقول أن الكتابة بتشبيه قد يثير الضحك يمكن أن تكون كعملية الحلاقة والتشذيب. أن أتناول المقص وأجز تراكمات كوابيس الواقع وأنا أعلم أنها ستعود كما يعود شَعر الرأس و يطول، تساءلت فوق التساؤلات عن الجدوى من عودة عبثية لا تحل عقدةً ولا تربط لؤلؤ منثور عند أقدام قطَّاع الطرق. أتنبَّه إلى علوُّ صوت الفوضى التي و كأنها موسم التسوق في الجُمعة السوداء عند نهاية العام، مع فارق جوهريٌ أنه ما من سلعة معروضة هنا غير روحي. لا أحد يشتري مثل هذه الروح المتضخمة بكدمات الحياة التي لا تعاش لا بالأنا، لا أحد سوى من لم يذُق. لا أعلم إن كانت تنفعه نصيحة: لا تجرِّب.

و على غرار بابلو نيرودا حين تساءل في ديوان النشيد الشامل بوجودية صرفة، مفعمة بالهول مفرغة من الشاعرية:

من يغني في أعماق المياه؟ في البحيرة المهجورة؟

لدي تساؤلاتي غير الوجودية، عن أمورٍ كذَّبت مراراً أن تحدث قيد حياتي على الأقل. لنقل تساؤلات لا منتمية. من يهتم بتصنيف هكذا اسئلة مخوزقَة من الوجع على كل حال؟

لماذا لم أستطِع رؤية آرتورو الذي كان يجلس خلفي؟ رقبتي لم تكن متورمة. لم أصب بحزام ناري في حياتي. يا لحظي السعيد. أستطيع الالتفات إلى الوراء. كيف حدث و أن بررت عدم الانتباه له بأنني لم أستطع رؤيته لأنه جلس هناك؟ حيث لا أرى؟ لمَ أصبحتُ أستعرضُ أفكاري القابلة للسرقة بعدما كنتُ أخفيها و أدَّعي أنني لا أجد وقتاً للتفكير بسبب العمل؟ منذ متى أصبحتُ أعتقد أنني أنتج فكرة تغري بشراً لخطفها أصلاً؟ الناس مهووسين بخطف أفكار المشاهير لا المطمورين في جبة العمل والظل. ثم لمَ عندما بدأت بالاستعراض الفكري، اخترتُ طاولة الطعام في كافتريا المشفى بدلاً من لوحة العرض في غرفة الاجتماعات مثلاً؟ الجمعة الماضية عرضت فكرتين على مقعد الجبس أمام البحيرة التي كنت أزورها للهروب من الحياة المظلمة إلى الخيال المضئ. الجمعة ما قبل الماضية عرضت خمسة أفكار على سرير نوم صديقتي. منذ متى وأنا أعطي لأفكاري هذه القيمة العاطفية؟ ما هي الرسالة الأولى التي يقولها من يتعافى من الإدمان على الشوكولاته الساخنة إلى المدمنين على القهوة السوداء؟ أيٌ كتابٍ أزرق سوف يوصيهم بقراءته إن لم يكن في الدنيا كتابٌ أزرق بحوزة زمالة المدمنين المجهولين على المخدرات؟ ما الذي يعنيه العابر الذي قال لبائع البالونات في شارع الصيادين بالأمس: إنك محظوظ، ليس هناك أناسٌ كثر هذا الصباح؟ أي كلام يمكن للكراسي و الستائر في المنازل المهجورة في بوليفيا أن تبعثه لصديقاتها في المنازل المهجورة في صربيا؟ يجب النظر إلى تاريخ الدولتين و كيف يعاش فيهما قبل تخمين أقوال واقتباسات على ألسنة الكائنات المسكينة المكسوة بالغبار وبعض الأرواح الراحلة. لماذا كل البقاع لديها شعوباً وليست كل البقاع لديها حكومات؟ لا تصحح لي ياعزيزي الذي لم يدخل حياتي قط، وتذكرني ببعض أسماء المجرمين الذين أسماهم غول الرأسمالية حكومات. أنت تعرف أنني أتحدث عن أبطال خياليين يشبهون رومانسيتي التي تعايرني بها عندما تعجز عن مواساتي في مواقف الغدر، أقصد الزعيم عياش الحاج أو في أكثر الظروف قلة، علي عزت بيجوفيتش. كيف حدث وأن كتب الكسندر دوماس رواية الفرسان الثلاثة بينما كان يجب أن يكتبها فيكتور هوجو؟ أخبرني يا كورماك مكارثي بعدما قرأت رواية كل الجياد جميلة، كيف أنظر إلى نفسي وقد أتبعتها بقراءة رواية الإبن الضال لدانيال ستيل وأعجبتني؟! أيها النشيد الشامل، يا بابلو نيرودا، أخبرتنا في كل قصيدة كتبتها أنك لن تتوقف. سأرافقك وسنمضي في كل ليل، قل لي فقط أين حافة هذا الظلام كي أتخفف من ثقل البوصلة و الحذاء و قنينة الماء، إن ارتابتنا الظنون وتراجعنا ذات نكوص وقررنا الارتياح برهة عند جُرف، أيُّ عتم سيكون؟ هناك حيث الأراضي التي بلا أسماء، بلا أرقام، بلا أمريكا؟ أم هنا، حيثُ قلبي، الذي بلا مصباح، بلا شُرفات، بلا أزهار؟

لم أطلب من الحياة سوى إجابات. ليس بيسوا وحيداً في صدود الحياة عن طلباته الصغيرة في عين كل شيء وكل أحد بمن فيهم الحياة بأسرِها، لكنها احتياجات عظيمة عنده. هكذا تساؤلاتي. أي شيء مروَّع يمكن الإدلاء به أكثر من القول أنني أحسبُ أشيائي وَهْماً، مثل رسومات على مسودَّة سترمى في الحاوية و تصبح شيئاً من الماضي _ رسمتُ ومزقت الرسم لأنه لم يلمس قلبي ورسمت شيئاً آخر على ورقة جديدة_ ؟ إن اعتبار الموجود شيئاً غير موجود يفضي إلى الانفصال عنه، أي اللاانتماء إليه، أي الانتحار طال الوقت أو عجِل، ولو بدون سلاح. ولو بدون دماء و أشلاء. إنني أمتلكُ أشياءً جميلة يخبرني الآخرون في كل فرصة أنها أشياء عظيمة يتمنى أحدهم الحصول عليها. لستُ انهزامية إلى حد القول أن فقدان الاحساس بها لا يهمني. بل إنني أحزن. يكتبُ فرناندو بيسوا هذا الحزن قائلاً: ” القليل من السكينة مع قليل من الخبز. ألاّ تثقل علي معرفتي بأنني موجود، وألا أطلب من الآخرين شيئاً وألاّ يطالبونني هم بأي شيء. هذه الرغائب ذاتها تم تجاهلها. كمن يتجاهل الظل لا بسبب الافتقار إلى المشاعر الطيبة، وإنما لكي لا يتحتم عليه فكّ ازرار السترة.”

يا عزيزي، يبدو أنك دخلت إلى جزء ناتئ من حياتي بعد قراءة هذا الشيء الذي لا أستطيع وضعه في مقام. ليس من اليوميات، إذ أنه يحدث كل يوم، ولا قصاصة من مذكرات، إذ أنها أقصر و أكثر اختزالاً من هذا الهذيان رغم أنها شذرات يتوقع من يقع على شيء منها أنها مكتوبة تحت تأثير التعاطي، ولا مقال إذ أن هيئة البروتوكولات الأدبية ستجرِّمني إن جرؤت على التلفظ بهذا النوع لشيء من مكاتيبي، ولا رسالة، إذ أنك أيها العزيز، لم تدخل إلى حياتي قط. سأخبرك فكرة. من الذي قرر أن السؤال في شكله التجريدي يجب أن يكون قصيراً على هيئة ” كيف تشكَّل الكون؟” ليكن هذا المكتوب كله، دفعةً واحدة.. سؤال. واحد من تساؤلاتي التي صدَّت الحياة عن إجابتها، تركَتني مثل ذلك الجندي في المعركة، لكن في كل يوم جديد يحدث أن يتفوه أحد يمر بجانبي، أو يقابلني، أو يطلب خدمة مني في مكان عملي، بشيء يخبرني أن الوقت لا زال مبكراً على الاعتراف بهزيمة. أعني هزيمة أظنها حدثت لكنها في واقع الأمر لم تحدث. لا أقول أنني بافتراض هُزمت، وكلنا كما أسلفت مهزومين في هذه الحياة، ستكون الهزيمة شفوية، أو على شكل إجابة تقال. قد تأتي الخسارة في ثوب حزن كأحزاني. ” في كل لحظة حزن، كنت أعتقد أن هذه المرة الأولى التي أدرك فيها أني في حداد. و هذا يعني شمولاً للشِّـدة.” – رولان بارت. وقد تحِّل مثل لفحة هواء في منتصف ليلة شتوية، باردة حد الوخز. جافة حد اللامبالاة. إحدى انهزامات المرء الذي يعاني من عدم شفافية الآخرين معه، أن يعامَل بعدم اكتراث. جرح الاستهتار مستحق إن كنت سيئاً لا حل ينهي الأزمة معك سوى التجاهل، هذا الذي يسدَّد تحت اسم الاحتقار. لكنه جُرحٌ كالقتل إن كان غدراً ممن توسمت فيه أن يكون اصبعك الوسطى التي ترفعها مع السبابة لتفرَح بالنصر. ” كنتُ أشعر بضيق يكاد يكون شعوراً بالذنب، لأني أحياناً أعتقد أن حزني يتحول إلى مجرد تأثر. ولكن طوال حياتي ألم أكن كذلك؟ متأثراً؟! ” – رولان بارت.

من العزيزيّـة في الرياض، إلى الحي الإسلامي في قرطبة: تتراصف الأحداث المختبئة مع جوقة التساؤلات التي ترفض التنازل عن حقها وتندلع في قياسي للمسافة شعورياً كالنار. ليس تمرداً ولا مقاومة كما تريد مني الحياة عندما تركتني كمحارِب، إنما مرآة عاكسة لما لا يردمه الرماد. تبدو المرآة كائناً شفافاً ذو أثر وتأثير. يليق أن تكون من محتويات مؤونة التجول عندما أمضي من هنا إلى هناك مؤصِّلةً لذاتي التي وجدتها في السير قدماً كما يتقدم الزمن ولم تراوده نفسه مرة للتطلع إلى الوراء، علَّه أسقط أحداً من ضحايا التأني، أو عباقرة البديهة في غلق الثغرات بما تيسر من الخرافات.

في أعماقي شعورٌ واهن بأني أستطيع. سمَّاهُ إنسي الحاج بالتعب النهائي. و أحسم قدر ما أحزم أمري على المضي مهما تعاظم دمار الطريق بأن التعب النهائي ما هو إلا سيل مياه تبتغي المجرى.