لأننا نحنُ المنافي، وبعضنا أوطان

ليس على فرض أننا لسنا أكثر من غبارٍ كوني، نحن حقاً غباراً لكنهُ أرضيِّ. الكون أرقى من الأرض، ليس أكبر، أقول أنه أرقى، و أعلى، غبارهُ نجوم و إكليلهُ الذي ينشر البريق في الأرجاء رثاءُ النجوم حين يموت نجمٌ منها. لنقل أن الأرض بشْرة سمراء. من نحن؟ من نحنُ سوى بثورها التي تفشَّت قبل أن يلحق جهازها الباطنيُّ بتكوين دفاعٍ دموي يكافحنا؟ كبرنا و تشكلنا و أصبحنا ما نظنهُ كائناً مفهوماً. فقط لأننا نحن من ربَّــينا بعضنا منذ الولادة. أمهات وآباء و عائلة و صحبٌ و مجتمع. صنعنا ما عرفناه وألِفناه من أشكالنا المتغيرة كثيراً عما خُلِقَت عليه. حَفرنا ثغراتنا بأنفسنا. زرعنا نهماً أسميناه بعدما مارسناه بالرزايا وما يجوز ومالا يجوز و قسَّمناه على المرتكبين كيفما عنَّ لعقلنا الناقص مهما ظن المعجبون أنه أكمل من عقلٍ ناقصٍ آخر. عبثاً قمنا بإحالة تبايناتنا الأخلاقية إلى العقل، وما الحقيقة سوى أننا نتاج طبقة الجِلد التي تعاملَت مع انتثارنا عليها بصفتنا بثوراً و ذرّات غبار بتبايُنٍ لا مقيَّد ولا محدود. أتعاطف مع العقل. سعيتُ دوماً أن أكون صديقته استنصاراً له من ضغط المسئوليات الفوضوية الشبيهة بالقصف العشوائي عليه. نحن لسنا سوى عمليات ترميم لروح تضمحل مع اضمحلال الزمن الذي نستخدمه ولا نراه. أو ربما الزمن الذي يستخدمنا، أو أننا نستخدم بعضنا متكئين على الحدس لا اللمس ولا التلامس ولا حتى التلاقي وجهاً لوجه، وهو ما كان سيكون اللقاء الأكثر خلوداً على هذا الفِناءُ الفاني الذي مهما كانت مدته ستقاس باللحظة، لا بوحدة طول أو حرارة.

نحن ما نجهله عنَّا. لا تنسَ هذه الحقيقة. لن تجد من يقولها لك بهذه الحَرفية. اعتاد كثير قولها من خلال إفرازات النفس الأمارة بالسوء. فتارةً يخرُج الأمر على شكل انتقاصٍ ممن نجح في فعل شيء صعُب عليهم، يقللون من أهمية هذا النجاح. يطعنون في حقيقته و نوعه و نتائجه وجدواه. و عندما يكون لامعاً كالماس حيث يصعُب إنكاره، يطعنون فيك شخصياً. يقولون أنك قمت بهذا الأمر لأنك تريد التصفيق ولفت الانتباه. يُشعرونك أنهم الله المطلع على النوايا. هؤلاء هم نحن أيضاً في نواحي أخرى، و أوقات مختلفة، سابقة أو لاحقة. وقعنا جميعاً في الفخ نفسه و أعترف أنه وقوع متفاوت الانحدار، حيث أن بعض السقوط علوّْ. كمن يسقط متعثراً بحجر لا متلصصاً مدَّ قدمهُ إلى الجرف أكثر من اللازم ليرى ماذا يفعل سكَّان الأسفل فهوى. نحنُ ما نظن أننا نعرفه عن أنفسنا، تقع الحوادث، فنعرف كل مرة أننا كنا غرباء عنا. أو في أفضل الأحوال عابري سبيل منشغلين برصد ما نراه على جوانب الطريق عن رصد ملامح وجوهنا عند كل نائبة، حتى فقدنا التعرف على أنفسنا حين صادفتنا المرايا على أبواب لا بد أن ندلف منها إلى مكانٍ تلو المكان. نحن العواصف التي خشينا منذ كبُرنا أن تهُب فتجعلنا عُراة لمن يتسابقون إلى الشهادة علينا. فقدنا صبرنا على الحجارة الساكنة أكثر مما فقدناه على الخونة و لئام الناس الذين أغدقنا عليهم الإحسان. تبدَّت عورتنا العقلية بفعل غضبنا الأهوج على من تدخَّل ليَجمع أكثر مما ارتدينا لنسترها أمام من تدخَّل ليشتت، و يغدر، ويفضح أمانة أسرارنا المستودعة عنده، ويقتُل، حين يسمي الغدر وقاية من عواصفنا، بينما كانت عواصفنا ليست سوى صراخ النسيم و قد ملَّ المرور على الزائفين مرور الكرام العابرين.

صدقني، نحن اللعبة نفسها التي قال جاك تورنيه حين تعرف عليها: “ما لم أكن أعرفه هو أنه في هذا العالم ما من طريقة للفوز. هناك فقط طرق لإبطاء الخسارة.”

نحن الظلام. يفعل بعضنا أشياءً تضيء النور في قلبه، فيصبح هو الظلام سابقاً و النور حاليّاً. و يحفر بعضنا الآخر في أراضٍ جوفية تُدفِّق الينابيع من عينيه، فيصبح هو الظلام سابقاً والعذوبة الدافعة إلى الحُب حالياً. نحنُ الطريق الطويل الذي قد يُفضي إلى بحرٍ بلا ساحل، أو إلى صحراء في أقصى الشمال لا يضيء فوقها نجمٌ يهدي إلى جنوب، أو إلى البيت، حيث النجاة. على كل حالٍ يجب أن نمضي. إن كان أحدنا لم يجرب المضي، حيث أنه اعتاد تجربة التوقف والتطلع والتأمل باسم التريث، فيجب أن يبدأ بالمضي.. على سبيل التداوي لا ” ماذا سأخسر؟” لا يمكن أن يكون المضي قدُماً أحد أوجه ما نقول عليه ” سيَّان إن فعلتُ هذا أو ذاك”. حريٌ بالمرء الذي يريد شيئاً من هذا الكوكب المروع أن يمضي. فقط يمضي، والبقية تأتي تباعاً كشروق الشمس كلما تقدم في المضيّْ. عند ذلك سنكون نحنُ المُضيُّ أيضاً. مهما أخطأنا الطريق، سنكون أسمى ممن امتنع و تردد فصار مثل جنديِّ جبان يريد شرف الانتساب للمعركة و نوط الشهادة عليها عن بُعد دون خوضها. دون القتال فيها. لا أعرف من فعل هذا و اعتُبر شجاعاً سوى من أدركه الموت قبل الخروج إلى الطريق. يموت بعضنا وهو غر. لم يلحَق أن يتعلم ما الطريق، وما المضي. ظنَّ في عمره القصير القليل أنه يعيش حلُماً يديرهُ قلب أمه الحنون. وعندما تكون الأم طرفاً في الحكاية، يحال اسمنت الطريق إلى فِراش مغطى بريش النعام حيث العطف، حيث العمى و التعامي. ولا أعرف غيرهُ تعامياً محمود.

أعرفُ بعض الذين عرَّفت أفعالهم عنهم. أولئك الذين خلعوا مبادئهم عند أبواب الارتزاق طمعاً في العيش. كلنا نبحث عن العيْش. لكن ليس جميعنا يرتزق. العيش العادي ليس كالعيش الرغيد. ليس الترزُّق كالارتزاق. ليس من فُرِضت عليه عِشرة الصهاينة كمن طبَّع معها ملء إرادته و هي بعيدةٌ عن مدارهِ و أرزاقه و أملاكه بُعد المستنقعات عن الأنهار. لن تجد حيواناً يتحول إلى ثعبان، نحنُ فقط. نحن من يمكننا التحول من إنسان إلى خنزير. لا أعيب على الرغد. أشجبُ فقط التحول إلى كائنات وضيعة للوصول إليه. صنع المتحولون فراغات تستحي ثقوب الفضاء السوداء من التقارُن معها. ولأن الفضاء أسمى منا نحنُ القابلون للتحول إلى الأدنى فالأدنى منا، سقطنا في فراغاتنا بدلاً من التحليق ببعضنا إلى مناطيد تناطح النجوم و نحنُ قادرون على الصعود إلى ما هو أعلى، حيث أنفسنا. هذه الأنفس التي تشكي الهجر والتفسخ ممن استعملوا أمعائها الغليظة عوضاً عن جوهرها المكنون في المنتصف..هناك تماماً، حيث ” نحن” الحقيقيون.

نحن هاروكي موراكامي. لسنا كافكا على الشاطئ فحسب. ولا ناكاتا المتحدث مع القطط. بل الكاتب نفسه. حسناً، لأتوقف هنا عن المضي برهة. يجب توثيق حقيقة لا يُمكن التدليس فيها ولا الجدال غير المفضي إلى التنافس حولها. أننا لسنا جميعاً موراكامي. ولا كلُّنا كافكا الباحث عن نفسه في خضمِّ العاصفة التي غيرت مسارها كلما غير اتجاهه و صارعته وصارعها نـداً لِند. ليس الجميع يحمل هذا الشرف ولا كلنا نستحقه. من آمنوا بوجوب التقاطع مع أنفسهم حين يجب التقاطع، والتوازي معها حين تتوازى الحياة بكامل جشعها ورغبتها في خطف المرء إلى الهاوية، من صدًّقوا أن القدرة على الاحتيال هي قوة يمكن استخدامها للتأقلم مع النقص والعمل طوال العُمر المفضي إلى الموت كلما تقدم الزمن بالبشرية ثانية، عملاً يطوِّع الزمكان إلى أبعاد ثلاثية ورباعية و خماسية تأخذنا حيث تحب الروح أن تكون، دوماً في علوّْ، لا حيث تريد أطماعنا أن نكون، دوماً حيث تدوس أقدامنا. من وثقِوا بأن غرائبية الأحداث ما هي إلا كائنات نحن من صنعنا بداياتها وفوجئنا بتمردها على رغباتنا، و كسرها لقابلية أمنياتنا، فصححوا واستيقظ عزم الأبطال فيهم وتحول الغريب على أيديهم إلى إبداع يُرى فيُشاد به لا خرافة تُحكى فيُعجب السامع بأسطوريتها. هؤلاء، فقط هذه الزمرة الماضية كما تمضي القوافل بالغنائم على أسنمة الإبل، بل و فقط هذا السرب من المدركين بأن السعي والهروب طريقان متضادان لا يلتقيان، فالساعي مؤمنٌ شجاع، والهارب مُتطيّرٌ جبان. هم فقط و إن كنتُ منهم كما أبتغي لا كما هي الحقيقة التي لا أعرفها بعد، من يحق لنا الانتماء إلى كافكا على الشاطئ. حتى لو أخذنا دور القطط، وإن كنتُ أحب أن أكون أمين المكتبة الذي أثَّر على كافكا فجعلهُ منتمياً إلى نفسه، لا إلى نفوس الهاربين. ولا إلى قطاع الطرق الذين روعوا الماضين نحو مصائرهم فحوَّلوا المصير إلى حتف. يمكن التسامح مع كل اللصوص عدا هؤلاء. مرتزقي الأهداف. الدائرين حول أنفسهم بلا هدف. حين ضلُّوا الطريق، قطعوه على السائرين و سرقوا أهدافهم ثم رموا بهم إلى أقرب صدمة أدت بهم إلى الموت أحياء.

يحدث كل شيء بين عشيةٍ و ضُحاها. نحنُ الأقدار المسخَّرة لبعضنا البعض. نحن المفاجآت السارَّة إن كنا صالحين و الكوارث القاتلة إن كنا نطبِّع للفساد على أنهُ حرية. مهما جهِل بعضنا أن الحرية هي أن تكون مسئولاً عمَّا يخرج منك نحو صدر الآخرين. يجب أن لا نتوقف عن المضي. هكذا فقط تتحول الأشياء الصغيرة إلى أكوان تُرى بالعين من حيث نكون لا عبر ما ترسلهُ إلينا ناسا. مهما كنا خائفين في أعماقنا، يكسينا السير دفئاً باعثاً على الهدوء. و من الهدوء نصنع ما يمكن أن نضيفهُ على وصفنا لنا: بأننا نحن؛ نحنُ مولدات الطاقة و السحُب المحملة بالغيث، نحن الإغاثة بإعادة المفجوعين من الحياة التي هي كما قال موراكامي عبارةٌ عن وداعٍ طويل، إلى الطريق. نحن المصابيح التي تضيء للمارة بعد منتصف الليل، و واحدٌ منا، هو القمر.

  • صورة التدوينة لوحة تعبيرية أجهل صاحبها لرواية كافكا على الشاطئ.