123

..

 

.

قابل جارتي العجوز , فنانة بارعة في الرسم . سألها عني .. من هذه الصبية في الجوار ؟
أجابت : إنها شفَتين .
جعلاني أفكر في الأمل .
ثمة من يسأل , إذن ثمة من يهتم .
ثمة من تجيب , إذن ثمة من تعرف .
ثمة من تقول جواباً جميلاً , إذن ثمة طيبين .

ليس أنَّ الطيبة هي الكلام الجميل , قد تراني شفتين لأنها تعتبرني ثرثارة , هذا و أنا لم أتحدث معها طوال ثلاثة أعوام سوى مرتين . نوع خاص من الطيبة . نوع دقيق و صعب . ليس سهلاً ممتنع , بل ممتنعٌ ممتنع , عدا على أرواح مُيِّزَت بكرامات خفية لا تشعر بها سوى حين الإجابة على سؤال عن هوية .. أيُّ هوية .
من الطارق ؟!
من أنت ؟
من هذه في الجوار ؟
من ذلك المتلصص خلف الباب ؟
من هؤلاء الغرباء على أطراف القرية ؟
من قتل غزال البرِّية ؟
من التهم كامل الطعام في الطبق ؟
من يعرِف الله ؟

ليس بالضرورة أن تكون إجابات هذه الأسئلة بنعم أو لا . إنه موعد الومضات . إخراج ما في الجِراب من حبوب قمح . تحول الشفتين إلى صوت ليز الخرساء و هي تحاول أن تهتف لإخوتها الصغار : هيا إلى الطعام .. هيا إلى المائدة .. هناك شرائح لحم !
كنت عندما ينظر إليَّ أحد لا أعرفه أشعر أنني أنسلُّ من هويتي فأقلق حتى إن استمرت تلك النظرات أياماً فإنني أوشك على الجنون لأنني أعود غير قادرة على الإمساك بأطراف تركيزي . إنني أشبه هنري ميللر في هذه الحالة النفسية . لكنني في أوقات مؤخرة لم أعد أقلق , لأنه اجتمع أن تكون تلك النظرات من أناس طيبين . يجيبون على أسئلة المتطفلين على جارتهم بكلمة أو اثنتين على الأكثر . كلمتين في الصميم بلا زيادة ولا نقصان . لهذا كان قلبي مستريحاً عندما قالت العجوز للرجل الفضولي أنني ” شفتين ” .
عندما خرجت من المنزل وجدته نظر إلى شفتيَّ فوراً و حدق فيهما ليعرف ماذا كانت العجوز تعني لكنني تظاهرت بالبرد و ضممت كفيَّ إلى فمي أدفئهما رغم أن ذلك الصباح كان دافئاً أكثر من حاجة المتخففين !
مثيرة هذه النغمة في الحياة . تدفعك إلى الشعور أن كل ما حولك لقطة من فيلم كلاسيكي من الزمن الجميل . كنت سأرتاب لو كانت العين التي تنظر إليَّ عين سيارة أو مقدمة قطار ! لا أنا ولا المحيط الصغير من حولي نألَف صخب الحداثة و ضجيج الحضارة التي استخدمها الناس بالمقلوب . أضحكَني هذا التعبير .. يشبه أن يرتدي رجل مهتم بآخر خطوط الموضة ثوباً بالمقلوب . لكثرة ما يرتدي من الثياب اختلطَ عليه وجه الرداء من القفاء !
كأنني ردمت اليوم هوة . هل اكتشفتُ أنني أحب شفتيَّ مثلاً و استيقظ شعور الزهو فيّْ ؟!