124

 

.

ما الذي يمكن كتابته عن فندق قديم ما زال يستقبل النزلاء ؟
يمكن تأويل ما يحدث داخل الفندق باعتباره كتابة عن الفندق نفسه , فلا بد أن ينجلي سر من أسرار بقائه حياً مأهولاً منذ خمسين عاماً حتى اليوم من خلال حركة و سكنة و طريقة جلوس و قيام النزلاء . موظف الاستقبال و حجز الغرف أيضاً , و أيضاً الموظفة المسؤولة عن ثلاجة المرطبات على يمين بهو الفندق .

– الإطراء على الفندق في أول ثلاثة أعوام بعد افتتاحه جعله يتحول إلى طاووس متقمص لكيفية السلحفاة في العيش . يقال أن الإطراء يمنحك الثقة . و عندما تكون واثقاً من أنك ناجح , ستزعج الناس أكثر كما أفعل مثلاً عندما أكتب و أكتب رغم انزعاج جيل القفز على الحواجز ! إنك تصر على البناء , على التعمير , على فعل الأشياء بطريقتك السرية و إن كانت بائنة . مثل من يصنع كعكة التمر دون أن يستخدم العجوة بل مسحوق بنكهتها و مع ذلك يعشقها الناس و تصبح تجارته الرابحة التي تدر عليه الملايين ! إنه الإطراء إذن . جعل فندق الحي القديم متحفاً ما زال ينزل فيه العابرين و البؤساء و أولئك الذين يحتاجون إلى مِنحلة لكتابة قصص مؤثرة تُدرج عبطاً في بند الواقعية .

– الفندق ربكم الأعلى .
المُعيل الوحيد و ( الأفضل ) على مستوى المدينة كاملة . الفقر مدقع , و الناس لا يستطيعون دفع إيجار لبيوت قديمة تنام الحشرات في أنحائها أكثر مما قد ينامون , و هم الذين بطبيعة هذه الحال لن يناموا لساعات طويلة يومياً , حتى إن كان المرض يدق أوصالهم . أمامهم رحلة كدح شاقة لتأمين ثمن غرفة إضافية جزء منها مغطى بقطع بلاط فاخرة . الجزء الآخر يفضل بقاؤه على ألواح الخشب لكي يذكِّر العائلة دوماً بماضيهم فلا يغتروا ولا يتكبروا .

– محاولة كشف أسرار محتويات غريبة أشعلت فضول الناس لظنهم أنها مقتنيات قديمة مسروقة من منازلهم . محتويات مثل رأس غزال صغير , مجلة عربية , حجابٌ فارسي , اسطوانة مجموعة خطابات لجوزيف غوبلير ترافقها أحياناً مقاطع من خطابات مشكوك في صحتها بصوت هتلر , تمثال متوسط الحجم لأطول رجل في باكستان .

– الفندق كان نشرة أخبار لصوص الحي , حيث لا إعلام واضح ولا جواسيس يقدمون خدمة توصيل الوشاية المنزلية . في الفندق هناك مقابل لمهنة الشائعات و الفتنة و التشهير . حتى أن مكائـد تصفية الحي من المفسدين كانت تتم في الفندق في غرف تغيَّر ترتيب أرقامها الآن .

– مالك الفندق مريض بتقدم العمر . كان يحتاج إلى إبقاء ما يشجعه على الحنين و الشكوى عندما يشيخ ولا يعود بإمكانه أن يقص للناس حكاية عن الماضي باستخدام حذائه البالي أو صورة ابنته التي أكلت النار يوماً أكثر من نصفها .

– بلدية المدينة تقدِّر الكُتَّاب . قامت بالحفاظ على الفندق ليكون ذخيرة قصص لهم عندما يسأمون تكرار أشكال الأفراح و المشاكل في وجيه الناس .

كتبتُ هذه التأويلات و أنا جالسة على طاولة مقهى شعبي أمام الفندق . لكن أصوات عمال الترميم أزعجتني قليلاً . إنهم عمال ترميم يقومون برصف كامل الفندق بنفس نوع و لون و نقش سيراميك غرفة العائلة الفقيرة التي أبقت جزء غرفتها الثاني مبطناً بألواح خشب أصفر رغبة في عدم تبديد القدرة على الاتعاظ . العمال يقومون بتجديد الفندق . يستخدمون سيراميكاً صُنع قبل بناء الفندق منذ خمسين عام .