131

.

لا يزعجني ” مود ” الثورة . تلطفت ماريَّة حين وصفت طبعي بالعصبي . لم أرغب الرد عليها ساخرة : جربي أن تهدديني بشيء يلمس نقطة ضعفي و انظري للنتيجة .

مارية من الناس القلائل الذين صدَقوا في حبي . لم تهددني مرة بشيء . لا الأشياء التافهة ولا المهمة . لا الأشياء المُرة ولا الحالية , لا الأشياء المصيرية ولا الثانوية . ماريَّة راقية . الاستغناء عن لغة التهديد من بين ملايين لغات الكلام هو رقي أراهن أنَّ بشراً معدودين على أصابع اليد هم فقط من استطاعوا تنفيذه بل و رفضه في أي علاقة سامية رفضاً كلياً .

التهديد في العلاقات غير السامية أو تلك العادية ليس ذو قيمة ولا معنى . إنه ليس أكثر من تعبير المهدِّد عن نفسه , أخلاقه , عقله , ثقافته , بيئته و كل شيء يؤثر في التكوين .

لكنني عن العلاقات الشريفة أتحدث . العذبة , الدافئة , الشبيهة بنخل باسق له طلع نضيد . بعض الخصال حين تُستهلك كثيراً في علاقة كحيلة الأبعاد .. تسيِّل الكحل و تفسد ملامح الوجه . تجعل الحلو مُراً و العالي أسفلاً و الأبيض أسوداً و أحمر الشفاه كتلة من دم .

ماريَّة رفيقة كانت سيئة في أوقات كثيرة . لها طباعها التي تجعل منها قطعة كعك خمِج . هي قالت هذا عن نفسها في إحدى لحظات التجلي التي سمحَت لي بسماع أسرارها . لكنها معي .. كانت رصيفي أنا الطريق الآمن لعبور المسافرين و المهاجرين و الأصدقاء و الزملاء .

عندما يتشقق وجهي ” أنا الطريق الآمن لعبور المسافرين و المهاجرين و الأصدقاء و الزملاء ” أقلق من أنني ما زلت احتفظ بصفتي . فألوذ إلى ماريَّة لأستعيد منها الثقة . و أطمئن على أولئك اللائذين في قلبي و أطمئنهم بابتسامة و زهرة بيضاء : لا مخافة .. آمنون من صدع الطريق .

هذه الليلة ليلة حزن . ليلة شِق أليم . ثُرت و صرخت و بكيت . لم أشتكِ .. لا أحد يصلح لدور المرآة , ولا أحد يمكنه القيام بدور الأذُن , الناس يقومون بدور الفم و العيون فحسب . لا أحد يطيق الاستماع إلى شكوى في هذه الأيام . حلَّ الشتاء , الكل بحاجة إلى دفء و هدوء . إلى حرارة حُب . لا جحيم كراهية . إلى حطب يوقد للبداية شمس و نور , لا إلى أسلاك تفجِّر في البداية حريق نهايات .

كان أمامي خيارين لطيِّ هذه الليلة .. إما الحزن , و إما الثورة . على نفسي طبعاً , فلستُ أملكُ سهماً في قلوب الآخرين .

اخترت الثورة . لأنني عندما عشت عمُراً أنفض الحزن كان حناني يجلبه مع أنفاسي أثناء النوم و يعيده حولي في كل شيء .. في الوسادة , و الغطاء , و وجهي ( اللي ضيعته زمان ) و في بقية يومي حتى تغرب الشمس و أخرج من رحلة معالجة المرضى إلى رحلة معالجة النفس من الأسى .

لم أكن أصدق أوبير برولونجو حين قال في قبلة يهوذا : ” ستكتشف الحزن و الثورة في آنٍ معا . لا تحتفظ إلا بالثانية , لكن لا تدعها تهجرك أبداً , فالأسوأ هو أن تحيا نائماً ” .

كنت أظنه نازياً كعادة الكبار في عصره . يدعو إلى العنف و ينبذ مشاعر ناعمة في ضعفها و وجعها كالحزن . لكنني عرفت الليلة أن بإمكاننا الاحتفاظ بكل شيء رفضناه فقط إن عرفنا كيف نقلم أظافره ليكون مؤونتنا الحانية عندما يعوزنا البكاء على الأطلال . عندما تقلم أظفار كائنك الغضوب , لن يقوم بإشهار سلاح التهديد في وجهك أبداً .. ولا بوجه من تغضب عليهم . لن يقول لأحدهم : افعلها و إلا سأقتلك . لا تفعل هذا و إلا سأهجرك !

قد يقتلك فوراً . أو ينزع قلبك و يرمِه أمامك و يغادر بكامل القسوة الخلاَّقة . لكنه لن يخيفك أبداً.

و هذا أرحم الحزنيْن .