133

كان دواءً , ثم أصبح زهرة نامية .

هذا هو فعل الكتابة عندما أعذبها بعِشرتي . حفظ الجميع إجابتي حتى لم يعودوا يسألونني لمَ تكتبين . لمَ تطيلين و تُحدثين سيلاً مخرِّباً لا يتوقف . المرأة التي تعشق التشبث بعصا النحو و الصرف قالت أنني أفسدت مفعول الدواء بكل تلك المواد التي أمزجها فيه . و أخرى محللة نفسية قالت أنني مازوخية . أحول الدواء إلى داء و أستمتع في تعريض نفسي له لأنني أحب أن يراني الناس ” مريضة ” ؛ لو أنها كانت أكثر دقة و قالت أنني أحب أن يراني الناس ” مصابة ” لمنحتها عشر علامات و فوقها نجمة !

الكتابة تشبه أفعال الإنسان التي يختلف عليها الفئويون . هناك من يعقد الأمر و يجعل منه اختراعاً يجب أن لا يجرؤ المرء بالاقتراب من مختبراته الخاصة إلا بعد دراسة و سهر ليالي و زهد في معاشرة الناس و تعفف عن مباهج الحياة من فنون و صور و عبث و لهو ؛ و هناك من يحول الكتابة إلى أيقونة حرف علة و حركات تشكيل مملة تنسيك قصة هذا الكلام و فكرته و معناه و تحرمك من اللذة بأي جمالية فيه , إنها تجعلك تعيش النص كمقص يضل طريقه إن لم يمشِ على خطوط باترون لإتقان شكل التفصيلة .

هناك من يرى أن الكتابة جهاد دينيٌّ خالص , حركة إصلاح و تقويم و مدفع رشاش لإبادة الكفرة و المنافقين _ أولئك الذين ليسوا كفاراً لكننا نكفرهم لأننا وكلاء الله في الأرض _ من يستخدمها لغرض عاطفيٍ هو يرتكبُ فعلاً حراماً لا شبهة فيه ! من يستخدمها لإبداء رأي في قضية مختلف على حكمها هو رويبضةٌ أشِر لا جدال حول فسقه و علمانيته و فجوره حتى إن كان يحفظ قرآن الله كاملاً و يحافظ على صلواته و عباداته و يخالط الناس بخلقٍ حسن لكنه ليس ملتحياً ولا مقصراً لثوبه ولا هو ممن اصطفاهم المجتمع ” شيوخاً و رجال دين ” حتى مع علمهم أن كل موحد مسلم هو رجل دين . هناك من يعتقد أن الكتابة حجر تكسير للقناديل , إطفاء لشموع يحتاجها من كانت عقولهم حجراً ثقيلاً على رأسهم حتى شقَّت حفرةً ظلماء تحتاج إلى ما يومض في عتمها لعله ينتشل الجثة , يدفنها بكرامة أو يرسل وصيتها مع الزاجل إلى ابتسامة الأمهات .. أعظم من يُنقذ و يردِم و يُصلح و يستخدم أصابعه كبريتاً لإعادة إشعال القناديل . أمهاتنا أقلامنا , أناشيدنا السرية التي ندونها على هامش الصفحات لأن موضوع التعبير عن شيء آخر يشبه ” حي على الإرهاب ” . أمهاتنا ابتسامة الأمل التي نحلم بها في وسَط يقول أننا الفتنة الحرام و المفسدة التي يجب درؤها كي لا تتكاثر مزابل النطف المتناثرة على أرصفة الفضيلة .

حتى الأمهات اللاتي توفاهن الله . أثر أقدامهن على الأرض ينحني أمامه الزاجل و يجمع بعينه ما يستطيع منه لإرساله كمعونة إلى جنود الدفاع عن الشرف من عار المجتمعات على مدى العصور ” المرأة ” . يضع المعونة أمام أبوابهم ؛ علَّ رائحة الجنة في أثر أقدام الأمهات يفتح طريقاً في مغارة عُقل بابا و الأربعين حانوتي .

هناك من يقول أن الكتابة غطاء يقي البردان من ورطة الشتاء . أحب الشتاء . لكنه يحل على الفقراء و العازبين مثل ورطة , الخروج منها ليس مكلفاً كثيراً سوى في بلدنا . بعد أيام ستحل ذكرى مرور سنة على كارثة سيول جِدة . كانت في يوم عرفة . التاسع من ذي الحجة . أقلام كثيرة ثلِمة و أخرى حادة و أخرى كانت نائمة كلها ستُشحذ و تصرخ و تطلِق شعارات الإنسانية و الحقوقية في يوم الكارثة . سيكون صعباً أن تميز بين المنافق و المرائي و بين الصادق الغيور . عندما كتبتُ مقالاً في العام الماضي قالوا أنني أتملق و أنني أريد اللحاق بحفلة توزيع الألقاب و المدائح على الناجين من الكارثة و الذين لم يمسسهم مطرها بسوء . بينما رأيت كيف احتفوا بعملاء امريكا المنافقين أولئك الذين ليس همهم الضحايا ولا أرض جدة و تعويض المنكوبين .. كانت قضيتهم هي مثل قضيتهم الدائمة القديمة .. صراع السياسيين للحصول على مقعد يسهل حركة الانقلاب على الحكم . حلمهم الأسود الذي يجبروننا على قراءته معهم و كأنَّ سماء جدة ينقصها سواد الغِربان , و كأن أرض الوطن بكاملها ينقصها سواد سواء أكان غالياً نسمع عنه ولا نراه ” نفط ” أو رخيص نتنفس رائحته و نكافح لنتخلص من صداقته رغم أنه الأوفى لنا من بين جميع الكلاب ” الفقر ” .

صديقتي مارية كانت أكثر النساء من حولي كرهاً للكتابة . لكنها منذ ثلاثة أعوام انطلقَت تكتب بشراسة كأنها وقعَت على غنيمة تخشى حصول غيرها على لقمة صغيرة منها . استقطبَتها الصحف و أجريَت معها عشرات اللقاءات في التلفاز و عرض عليها العمل في صحيفة القارديان البريطانية و هي اليوم من أشهر كاتباتها في مجال المعارضة و حقوق المرأة . لم أكن أجد وقتاً لأطرح عليها سؤالاً من كلمة واحدة مكونة من حرفين : لمَ ؟

لكنها في آخر إجازاتها التي استطاعت فيها الاتصال بي للاتفاق على لقاء في الهايد بارك المجاور لمنزلها لأنها أصبحَت العملاق الأخضر المشغول الذي لا يستطيع الذهاب للقاء صديقته في الهايد بارك البعيد قليلاً , أجابتني : أحتاج إلى ” فَحل ” و مال .

ليست وحدها التي ارتدت جلباب الكتابة لأنها صارت تقرف من مهنة حلب الأبقار في مزرعة جدها فيحان ” اسم رمزي ” , أليس كذلك ؟

حليب المراعي لا يدر مالاً سريع الوفرة و رجلاً وسيماً لأنه يرتدي بدلة سوداء و ربطة عنق مخططة بالأحمر و الأزرق مثلما تفعل الكتابة مع المشاهير في بلاد المصالح . وجهه قبيح . لكنَّ لسانه جذاب بمصطلحات الليبرالية و الإنسانوية و مفردات أطلس المنطق و السياسة كما أن جيبه دافئ بقيمة كل ذاك الكذب . صديقتي مارية عرفَت كيف تتخلى عن كلبها الوفي ” فقر ” و ترمي به في حاوية نفايات لا يجرؤ عمال النظافة على إزاحتها و لو سهواً في إحدى شوارع شمال الرياض أو شارع العرب في لندن . إنني أكتب قبل مارية بسبعة أعوام , و لو أن عمُري كان أكبر قليلاً لزادت إلى عشر ! لكنني حتى اليوم يعوزني لوح خشب أملس أحوله إلى ” سبورة ” للتمرُّن على رسم models مادة التشريح حتى أقوم بتنفيذها دون ربكة في آخر امتحاناتي النهائية قبل التخرُّج هذا العام .

أفكر أحياناً أنني أكثر الكاتبات المسكينات في حلقة صديقاتي و زميلات كل الأماكن التي عملتُ بها , أولئك الكاتبات اللاتي يكتبن و اللاتي يرتزقن من الكتابة و الأخريات اللاتي يتخذن من الكتابة مخدراً ينسيهن بشاعة العالَم في الوقت الذي اتخذها أنا علاجاً يوقظني لأرى طريقاً آمناً في العالَم و إن كان ممهداً لشفقة المرضى الذين يظنون أنني أكتب لأنني أشاركهم مرض ما .. يا للوسوسة !

عندما أريد الصلاة لله في الرخاء فإنني أكتب .

و عندما أريد الدعاء لأمي و أبي الذين نسوني على الأرض عندما نعِمَا في الجنة فإنني أكتب .

عندما أريد أن أقول للناس أحسنوا الظن بقلبي عندما يغني في الحب , فإنني أكتب قصصاً مؤلَّفة عن ال side effects للحب .

عندما أريد أن أطلب تعريفاً للكتابة فإنني أكتب عما يكرِّه الآخرين في الكتابة يجعلهم يقولون هي كل شيء إلا ما تقومي به . لأنني أكره أن تتحول الكتابة إلى مصطلح بحاجة إلى تعريف . و هي غريزة المعوزين إلى أي شيء تخفف الكتابة حدته إن لم تستطع الحياة تلبيته و إن لم يفلح الكلام باللسان في صنع نسخة من المفتاح . حتى أولئك الذين يجهلون عوزهم و عطش أصابعهم إلى الأقلام , الكتابة هي غريزتهم . لكننا هكذا دوماً .. لا نكتشف كل غرائزنا إلا بعد سنوات الضياع أو في خضمها , عندما يصبح حجز طوق النجاة بالطابور و الأرقام .

عندما أريد اعطاء ظهري للعالَم فإنني أكتب .

و عندما أريد أن أكسر برجاً عاجياً أو أحكِم مقعدي خلف برج آخر .. أكتُب .

إنها ليست طريقة للعيش كما يبدو . تلك مجموعة أمراض , و أنا أكتب لأنني أحتمل سفه الجنون , لكنني لا أحتمل وجع النَّفْس التي يعوزها فَم .