134

تتعذر الصفحة الثقافية في جريدة ( ……. ) على الطبع اليوم .

ــــــــــــــــــــــــــــ

يعاني ممَّا يعانيه أصدقاءه ضده , أو أولئك الذين ينادونه صديقاً .. مجرد نداء , لغو صفات . و هو لأنه يشتري الراحة دوماً يجاري .. يجاري ولا يشعُر . لأنه يفهم , حباه الله بملَكة حاسة سادسة متوقدة خمسة و عشرون ساعة . تسانده في الصحو و النوم و عندما يفكر داخل الصندوق أو خارجه . يعاني مما يعانيه أصدقاءه ضده ؛ متلازمة العجب . إنه اسم علمي لبق , أو أدبيّْ . لكنه يعرف أن الاسم الصحيح للمتلازمة هو الكذب , الشك , الغيرة .

أن تكون مريضاً باللامعقول لأنك لم تمارس . أو أنك مارست و لم تتعلم لأنك مارست بغية الوصول السريع إلى هدف تنتشله و تغلق الباب خلف ذلك العالَم كي لا تترك فرصة لمسمار يدق نفسه على بابك الجديد ذخيرة لأيام العوز إلى نصيحة أو .. نتيجة تجربة .

بالأمس كنت تقول لصديقك الذي يعاني منك و باقي أفراد مجموعتك المستنسخون من بعض .. أنك لا تحترم من يكتب متكئاً على خياله فحسب . عشرات القصص و سيناريوهات المسلسلات الطويلة التي كتبها كانت خيالات محضة . لم يجرب , لم يعِش , لم يتألم و لم يفرح و لم يحزن و لم يُصدَم بشيء . حياته نائمة خاملة ضامرة .. يعمها مرض ال restness ! بينما تحترم و توقِّر حتى تكاد تعبد من يكتب متكئاً على نظام شقاء و معمل تجارب 10 stars . و هذا سبب وجيه لاحترام كاتب ما . لأنه يجعل منه منطقياً أكثر في أقواله . واقعياً أكثر و يعرف أين المكان المناسب لاستخدام الخيال و أي مكان يحول القصة إلى أضحوكة إن خلَت من المنطق و جنحَت إلى قول الفيلسوف العظيم فلان أو الروائي الخطير علان ؛ أو حتى .. السياسي الفصيح ابن السياسي الذي اغتيل في عام 18… م و قد كان محنكاً و متفوقاً في رئاسة جهاز الأمن الوطني .

صديقهم الذي يعاني من اصدقائه أبطال الشعارات الفقاعية هو كاتب عاش . و الكاتب العائش ليس كمثل الكاتب الحي .

الأول هو الذي لا يكتفِ بخاصية الحيوية الفيزيائية مِن تنفس و أكل و شُرب و نوم . هو الذي يعيش الحياة بحياتها و بموتها ! يعمل و يسقط و ينهض على قدميه أو على عكاز , يخالط الناس و يفعل كل ما يفعله الذين يؤمنون بضرورة المخالطة . يخلص مع هذا و يعاون ذاك و يأخذ حقه من آخر و يمنح آخراً حقه و يكذب أحياناً ليصل إلى حقيقة تسهل عليه قراراً بالرحيل عن امرأة أو الحفاظ على رفيق درب فجَّ عن الدرب بعدما اغتنى أو .. اغتر بما آتاه الله .

العائش هو المرء الديناميكي الذي يموت ألف ميتة إن استراح عقله عن التفكير و جسمه عن التنفيذ .

بينما الحي هو الذي خانته الحياة فخان نفسه بقبول الهزيمة , فكان العمل الوحيد الزائد عن فيزيائية ما يقوم به جسمه في أيام طوال هو الكتابة . مهلاً .. ليست كتابة محضة . بل كتابة تخيلية محضة . أيامه خالية من الأحداث , فارغة من الكلام المهم و الأفعال المؤثرة التي تستحق التدوين . إن قام بتدوين شيء حقيقي عن نفسه لن يكون سوى :

” هذا يوم ممل . استيقظت مبكراً و لم أجد ما أفعله فخرجت أبحث عن مقهى يجهز إفطاراً شهياً , وجدت واحداً خمس نجوم .. أفطرت على كرواسان مغلف بالشوكولا و عصير فِرش كوكتيل مع بعض حبات من الكوكيز الملون . الجو حار اليوم , عدت إلى المنزل لأنعم بهواء جهاز التكييف و أغرتني البرودة فعدت إلى النوم . صحوت في الثامنة مساءً على اتصال محمد الذي ذكَّرني بمباراة الاتحاد و النصر بعد قليل . دعوته إلى مشاهدة المباراة معي في المنزل و اقترح عليَّ إحضار مؤونة المشاهدة من شيبس و بعض العصائر فوافقت و قمت أجهز براد الشاي و أتأكد من قوة إرسال قناة الرياضة . وصل محمد في التاسعة . شاهدنا المباراة ثم خرج محمد و جلست أقلب في القنوات فلم أجد فيلماً مثيراً يستحق تبديد الوقت الممل عليه . كان بجانب فراشي رواية حب في السعودية .. حصلت على هذه الرواية بصعوبة لهذا أعيد قراءتها كلما مللت . إنها تشعرك و كأن فتاة أحلامك بجانبك و كأن في داخل روحك روح عبقة بعِطر لطالما سحق غرور الرجال على مدى الأزمان !! لا أعرف ما الذي حدث بعد ذلك , يبدو أن النوم غلبني أثناء قراءتي للرواية . و هكذا انتهى اليوم ”

و هكذا تدور معظم أيامه إلا من أحداث ضئيلة الإثارة مثل تسلل قطة جائعة إلى فناء البيت أو زيارة عجوز متسولة تطلب ثلاثة آلاف ريال قيمة علاج والدها المصاب بفشل كلوي لديها تقريره المزور الذي لا تحتاج أن تطلبه منها فهو متأهب أمامك قبل تأهب صوتها و وجهها !

ما الذي يحدث ؟

يحدث أنَّ أصدقاء صديقنا العائش الذي يعاني من أصدقائه المصابين بمتلازمة العجب و الشك و الكذب و الغيرة .. هم من النوع الحي من الكتَّاب ؛ النوع الحي من المثقفين ؛ النوع الحي من المفكرين ؛ النوع الحي من الشخصيات الكبيرة و السياسيين . النوع الحي الذي يتكلم و يأمر و ينهى و إن شق كثيراً على نفسه فهو يحرك إصبعه بجرة قلم لإصدار بيان ما . بيان إلى عائلته أو أفراد قبيلته أو حتى أصدقائه في جمعية الدفاع عن حقوق الضبان و مكافحة مجرمي القنص الذين يهددون حياة الضب من النفوق و يبدو أن أمر إنشاء محمية لهذه الكائنات النادرة أمر صعب على تجار الكلام .

أصدقاء صديقنا المبتلى , هم النوع الحي من الكتَّاب لكنهم النوع العائش من الكذب , من التسلق , من القوة المزورة برقائق الصوت العالي و المفردات الحادة و الرصاصات الطائشة . النوع الذي يحكم في قضيتك قبل المرافعة و الاستماع إلى الشهود و قبل حتى رؤية المتهم ! يعرفون شكله , لكنهم لا يعرفون من هو بالداخل .

هم النوع الذي تقرأ كتاباته فتعتقد أنه بدأ بياعاً خلف عربة الفول أو بسطة المسابح و المساويك . ثم تدرج في الكدح و حياة العصامية حتى صار من كبار المشهود لهم بالقلم الرنان و الصوت ” الزنَّان ” ! علاقاتهم كبُرت , لأن بضاعتهم قول عكس ما بباطنهم . لم يكسبوا ما كسبوا , بل ” تكسَّبوه ” . صار لديهم من يدبج عنهم الكلام و يردمُ بحور الغيم التي كانت تفصل بينهم و بين هامات مغسولة بالشمس . صاروا في أبهى رؤاهم .. في أبهى رؤاك ! حتى أنَّ أحداً لم يعُد بإمكانه تخيل صورة عنهم تشبه أن يكونوا غرباناً تمد على الفيافي جوانحها و ترسو في سهوب العائشين الدافئين بحرارة عرَقِهم و وزن الهموم التي يستثقلون خلعها عن رؤوسهم قبل النوم .

أما صديقنا , فهذه مشكلته .

كلما كتبَ قصةً ملأى بأسماء الناس و المدن البعيدة و أبهى أو أفقر متاجرها و مواصفات بضائعها و ماذا تفعل ميليشيا الحروب الباردة فيها .. كلما كتب عن عاشقيْن جابا طرق الحلال كلها ليجتمعا دون سخط أحد من أهليْهما , حتى مرض أحدهم ثم مات أخيراً من القهر , كلما كتب عن الفساد في مصلحة المياه و الكهرباء و الأحوال المدنية في بلاده و حكى عن معاملاته و معاملات جيرانه المعلقة منذ سنوات من أمانة لأمانة و من محكمة لكاتب عدل و من جنون إلى جنون ! كلما كتب عن عملاء الخونة ضد بلاده الذين يثق بهم الساذجون في الدور العلوي من القصر الكبير ” الشارع , البلاد ” و رمى في الصحيفة علامات تدل على هويتهم و مكانهم و مخابئهم اللامحدودة و أسماء مجنَّديهم المغرر بهم من الصغار و المراهقين و الجياع إلى لقمة لحم صغيرة مرة في الشهر . كلما و كلما كتب عن كل شيء عاشه و اكتوى بجحيمه و سقط فيه ألف مرة و نهض ألفي مرة و حفر في الصخر لإيجاد حلول يوزعها على نفسه و المنكوبين من حوله ثلاثة آلاف مرة ..

قالوا له أصدقاؤه و قرَّاؤه : أنتَ إمَّعة .. متأثر بالأفلام و كتب الثوريين .. لم تجرب كيف تعرِف !

أنت كاذب . لم نسمع مرةً أن فلاناً ذهب إلى لندن و حصل أن قابل فلان المعارض فأعطاه كذا و كذا و خرج من عنده إلى السفارة مباشرةً ليبرئ ذمته و يخلي مسؤوليته !

لم نسمع مرةً أن عاشقاً احترمَ عشيقته و ذهب لخطبتها من أهلها ! يبدو أنك تتحدث عن قصة رأيتها في حلُمك .. الحب لعبة سخيفة يكذب بها ضعاف الوازع الديني ليملأون فراغهم بمعصية الله !

أنت كاذب , لا يعقل أن يحدث هذا , أنت أبله .. لم نسمع عن حدوث ذاك . أنت جاهل .. لو جربت ما جربناه لتعلَّمت !

و الحق أنهم لم يجربوا إلا ما جرَّبهُ قط الشوارع أو ببغاء ولد الجيران !

الكاتب العائش هو كاتب يريد أن يعلِّم الناس مما علَّمته الحياة دون التفكير بثمن لأنه لم يكتب ما كتبه بنية تقديم دروس خصوصية للشعب . لهذا هو كاتب فقير . ليس له نفوذ ولا جنود يدافعون عن كلمته الحذرة رغم صدقها فهي كلمة لا تكشف كل الأوراق ولا تضع كل الأدلة و هذا هو فضول و جنون الكاتب الحي .. يريد أن يحصل على كل ما لديك من أسرار . لا ليتعلم , لا ليتعظ . بل ليستخدم أسرارك ذخيرة لصنع أيام خيالية مكذوبة يضحك بها على القراء فيصدقه المتكئون على أعينهم المستسخفون بعقولهم و الذين يعتقدون أن مجرد استخدامها نوع من الكفر بإيمانيات تخفي خلفها أعشاشاً من كائنات الزور القزَمة . تتطاول و تتطاول في الظلام . و تظل قزَمة أمام صانعيها لأنهم كالخفاش يموت إن تطاول على مقربة من النور .

يوشك الكاتب العائش أن يغوص إلى القرارة ليخطف اللؤلؤ و المحار فتكون له زينة للأيام الجميلة . و يوشك الكاتب الحي أن يغوص إلى القرارة استجابة لوسوسات القاع فتكون له عقوبة على أيام السراب .

واقعٌ يشبه الفرق بين الطقس و المناخ !