لست جيدة في تذكر الأشياء .

“لم تكن الروايات أو مقاطع الروايات التي كتبتها سوماير سيئة كما تعتقد . صحيح أن أسلوبها أحياناً يشبه قطعاً مختلفة من القماش الذي تخيطه مجموعة من السيدات العجائز العنيدات لصنع غطاء . لكن لكل منهن ذوقها الخاص. “

عندما وصلني بريد من السيدة فاء يبدأ بهذا المقطع من رواية سبوتنيك الحبيبة لم تكن قد نقلته كما هو , بل تصرفت في كلمة واحدة فيه هي اسم سوماير , بدلاً منها كتبَت ” أشعار ” .

لم أقل لها رأيي في رسالتها حينئذ , و عندما طلبَت ردي قلت لها ليس لديَّ تعليق . أتناول ملاحظات الناس عادةً بلا تعليق . أحتفظ بها في مكان راقٍ لكنني لا أمنحها قداسة ما . إنني أكثر من يجلد نفسي و يسخر من أسلوبي و طريقتي في الكتابة . لكن السيدة فاء كانت حساسة أكثر مما يجب , أكثر مني .. تخيل ؟! ظنَّت أنها ارتكبت بحقي خطأً شنيعاً لشدة ما أحبَّتني فسألتها كيف أثبت لها أنني تقبلت ملاحظاتها و قرأت كامل رسالتها الطويلة جداً بقلب ليِّن كالاسفنجة يمتص الوصايا و الانتقادات , أجابتني : اقرئي الرواية .

و هكذا كان أول اسم كتاب اشتريته في النزول التالي إلى مكتبة الساقي هو سبوتنيك الحبيبة , للروائي الياباني الأول هاروكي موراكامي . عندها أبهرني غلاف رواية جديدة له هي كافكا على الشاطئ . البساطة في الفن حين تمزج خطين و تصنع منهما لوحة واحدة مثل الواقعية بالخيال .. تسحرني . بينما لم أجد اهتماماً مماثلاً بتصميم أغلفة سبوتنيك الحبيبة لا بالنسخة اليابانية ولا الإنقليزية وبالطبع .. بالطبع جداً .. ليس بالعربية ! لكنني بعد الذي قرأته تخيلت أنني لو كنت أعرف سرَّ ذلك الوهج في لغة موراكامي و الذي عرفت فيما بعد أنه بسبب تأثره بدوستويفسكي و هيغو و عظماء الأدب الكلاسيكي تحديداً اولئك الذين أحبهم , لاهتممت بقراءة الرواية منذ سنوات و إن كانت بلا غلاف !

حسناً أعود إلى قصتي مع هذه الرواية , خروجي عن حدود ما كنت أتحدث عنه إلى أمور فنية كتصميم الأغلفة و سر محبتي لموراكامي و هي المعلومة التي جاءت مبكرة و كان يفترض أن أذكرها في نهاية هذه الكتابة يؤكد لك مصداقية السيدة فاء عندما أخطرتني أن هناك رواية من النوع الذي أحبه كتبَتي بالمقاس و تفصيلة الباترون ! تقول السيدة فاء لقد قال موراكامي على لسان الراوي في سبوتنيك الحبيبة كيف تكتب أشعار . وصف ماذا تكون علاقتها بالكاتبة . و ليس عليكِ يا عزيزتي أشعار أن تكترثي بالقصة العاطفية لسوماير فهي من بداهة الاختلاف بين شخص و آخر كما اختلاف بصمات الأصابع عن بعضها البعض . إنني أحترم ذوق السيدة فاء . هي قارئة قديمة . تقرأ منذ واحد و ثلاثين عام . في ظروف أخرى كنت سأتخذها عرَّابتي في القراءة و النقد . لكن ظروفاً قاسيةً تشبه مصير الكلبة لايكا التي غابت في المجهول على متن المركبة الروسية ” سبوتنيك 2 ” تلك التي لم تعد أبداً مثل نظيرتها الأولى سبوتنيك 1 .. حالت بين لقائي بالسيدة المحترمة فاء و لو مرة في العمر . لكنها ظلت صديقة الروح و لون القلم الأحمر الذي أحتاجه لتصحيح كتاباتي . إنها الوحيدة التي قرأت لي منذ بدأت أقوم بالنشر البائس بجدية في 2006 و حتى اليوم . عندما أقول أنها قرأت لي , فإنني أعني أنها كانت تقرأ نصوصي مثلما فعل صديق سوماير بكتاباتها التي كانت ترسلها له ليقيِّمها . حتى أنه قال هذا بنفسه :

” كانت سوماير تعرض مسوداتها على شخص واحد فقط في العالم كله .. هو أنا”

عندما تقرأ السيدة فاء نصاً لي , تقوم بالتعليق على بعض السطور باهتمام شديد . تارةً تدون ملحوظة , و تارة تثني على عبارة , و تارة أخرى تكتب لزمتي في التعبير عندما يعجبني شيء لأول وهلة ” wooow ” ! و أحياناً تعلق على عبارة يختلف رأيها معها بسخرية نقية من الوقاحة .

لم أرسل مرةً مسودات كتاباتي إلى السيدة فاء . كانت هي تجمعها . ما زالت تفعل . تقول أنها وزعَت نوعاً سويسرياً فاخراً من الشوكولا على زميلاتها في العمل احتفالاً بي عندما أنشئت مدونة ! مازحتني عندما سألتها استغراباً : هل إلى هذا الحد .. كان يجب عليَّ صنع دولاب لكراكيبي ؟! أجابتني مازحة : أبداً عزيزتي . هذا الاحتفال و المسرة هي لأنكِ أرحتني أخيراً من عناء ملاحقتك في المنتديات و جمع نصوصك التي تفرطين في حقوقها و كأنك تقولين للقارئ لست أثق بنفسي . و كأن الكلام لعبة سهلة . من نحن بجانب الحيوان إن لم نتميز بالكلمة , كنا سنتساوى عدا فرق الطول و ربطة عنق الرجال و أحمر شفاه النساء !

كل شيء في رسالة السيدة فاء الأخيرة التي حدثتني فيها عن شبه سوماير نجمة رواية سبوتنيك الحبيبة بالعلاقة التي تربطني بالكتابة , حرضني على قراءتها . بعد أن كنت مضيت في علاقة تقدير عميقة و رصينة بالروائي كازو ايشيجورو سوبر ستار الكتابة الإبداعية اليابانية . و الذي تعرفت عليه فقط من خلال رواية بقايا اليوم . منذ مدة كانت النية قراءة رواية ثانية لايشيجورو لم تترجم إلى العربية بعد .. لكن الإنجليز هنا يحبونها , ليس أي انجليز بالطبع , أقصد أولئك الذين يزورون المكتبة كثيراً و يشبهون المجهر عندما يقبعون بين الكتب مثلي .. هم من حدثوني عنها عندما عرفوا عن إعجابي ببراعة ايشجيورو حتى أنَّ احدهم وعدني بجلب عنوان و بريد ايشيجورو الخاص به في لندن .. حيث يقيم على بعد اربع ساعات من مدينتي.. اربع ساعات فحسب .الرواية التي كان مقرر أن أقرأها هيNever let me go ؛ لكنني عوضاً عنها و بلا أسباب منطقية سوى المتعلقة بفضولي لمعرفة ما وراء تصميم غلاف جذتني بعض الأمور فيه .. قرأت كافكا على الشاطئ لموراكامي . و الحقيقة أنني استمتعت .

لا أستطيع المقارنة بين كاتبين فذَّين لمجرد أن أرضهما و لغة كلامهما الأصلية واحدة . كل منهما عاش في بيئة مختلفة كلياً عن الأخرى . لم يدرس و لم يقرأ ما قرأه الآخر و إن حدث فإنه ليس في نفس الوقت ولا عندما كان يحمل نفس ثقافة و أفكار الآخر .

يمكن أن أفضِّل كاتباً عن آخر حسب مواصفاتي أنا للرواية الناجحة , و هناك مواصفات أخرى للرواية الجميلة , و أخرى لرواية تجمع بين الاثنين . و في كل واحد من الاثنين عشرات المواصفات الأخرى . فالرواية الناجحة هي كل رواية جميلة , مفيدة , ممتعة , راقية حتى في طرقها للتابو , حتى في نزولها إلى أزقة المجتمع الضيقة و أنفاق الفقر السحيقة و التحدث بلغة أبنائها .

إنني أفضِّل هاروكي موراكامي على كازو ايشيجورو فقط إن كنت سأعتبر أن موراكامي لم يكتب رواية جنوب الحدود .. غرب الشمس . فهي ليست في مصلحته عندما يقيمها قارئ يأخذ كاتب ما بجملة مؤلفاته ولا يتذكر مثلاً أن بدايات الكتَّاب لا بد و أن تكون لها أخطاؤها و ركاكتها مهما كانت قوية في نظر قارئ آخر عن مؤلفاته التي نضج فيها و تفوق على نفسه بل و استطاع ابتكار تكنيكه الخاص به كما فعل موراكامي . هذا مع العلم أن جنوب الحدود غرب الشمس ليست بداياته . سبوتنيك الحبيبة جاءت بعدها بعامين . لكن الفرق شاسع يشبه حدود ما بين جنوب القمر و غرب الشمس !

موراكامي كاتب خلاق . أخذ من كل أدب تأثر به شيئاً . إنه مزيج قراءاته لكتب خالدة فرضَت نفسها حتى الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب . فهل هنالك من لا يعرف قصة البؤساء و هايدي مثلاً ؟ قصة ريمي الفتى اليتيم ؟ هل هناك من فاته ولو مشهد قصير من مسلسل نساء صغيرات ؟ كلها كانت قصص عالمية من الكلاسيكيات الخالدة . في سبوتنيك الحبيبة تستطيع أن تشعر بظلال دوستويفسكي على عقل الراوي صديق سوماير و قد كان الصوت الحكيم الذي يتكلم لها عن الواقع كلما أوشكَت بأحلامها على تناسيه . نعم سوماير لم تكن تنسى , لكنها لا تحمل من ذلك الواقع ذكريات كثيرة منقوشة التفاصيل في الذاكرة و الفؤاد . ذلك عن ماضيها الذي كان واقعاً في حينه بالطبع . أما عن حاضرها فذلك ما كانت تبغيه .. أن تقوم بتوثيق كل شيء يتفكك في رأسها إلى قصص و كلمات متقاطعة و ذلك عبر الكتابة . قصة كانت أو رواية .

هناك من لا يحب الأدب الواقعي عندما يمتزج بفنتازيا غير مستحيلة الحدوث ! هل من المستحيل مثلاً إطلاق مركبة خفيفة الوزن إلى الفضاء و على متنها كائن حي ؟ ماذا عن زيارة قصيرة لوكالة ناسا ؟

قرأت ماركيز و أُخِذت كُلِّي بواقعيته . ليس أكثر مما أحدثته بي واقعية مكسيم غوركي . لكن هذا ما يحدث في تكنيك المزج بين الواقع و الفن . و الفن كما أردد مراراً عند حديثي عنه ضرب من ضروب الخيال الذي نجح الإنسان هذا الكائن المعقد اللغز في تحويله إلى حقيقة .

لمَ أقول كل بيوغرافيا الكتابة الأدبية عند موراكامي بهذا الإطناب ؟ يكفي اعترافه بنفسه و أيضاً على لسان راويه في سبوتنيك :

الرواية ليست شيئاً من هذا العالم . تتطلب الرواية نوعاً من التعميد السحري لربط هذا العالَم بالعالَم الآخر .

في سبوتنيك الحبيبة فتاة أصغر مني بعامين أثناء كتابتي لهذا النص . هي في الثانية و العشرين . مجنونة و مأخوذة بالكتابة . تحلم أن تصبح روائية _ أنا لست أحلم أن أصبح روائية , إنها سوماير ! _ تقول عن عشقها هذا مثلاً :

“رأسي مثل حظيرة سخيفة مليئة بأشياء أريد الكتابة عنها . صور , مشاهد , نتف كلمات .. في ذهني كلها متوهجة , كلها مفهمة بالحياة .. اكتبي .. اكتبي ! تصيح بي . ستولد قصة رائعة , يمكنني الإحساس بذلك . ستنقلني إلى مكان جديد جداً . المشكلة , ما إن أجلس خلف مكتبي و أضعها على الورق حتى أدرك أن هناك شيئاً ينقصها . لا تتبلور , لا بلورات بل مجرد فقاعات . ولا أنتقل إلى أي مكان آخر . “

بالتأكيد هذا ليس وصف كاتبة ترسم فناً و عذوبةً بالكلام ! إنه حديث فتاة مجنونة بالكتابة . مريضة .. هل تعرفون كيف هو شكل الكتابة عندما تكون فيروساً يقوم المرء بتصديره إلى القراء ؟ إنه يشبه رواية البؤساء لهيغو , يشبه رواية العطر لزوسكيند , و المسخ لكافكا . و بيدرو بارامو لخوان رولفو . بإمكانك القول أنه يشبه أيضاً رواية تلك العتمة الباهرة عند العرب . و دابادا و قوة الضحك في أورا عند حسن مطلك .

أما عن المؤكد أكثر عند سوماير , فهو أنَّها خارجة عن النسق لأن كاتبها المفضل هو جاك كرواك . ولا بد عند ذكر هذا الاسم أن نقرن معه دون فاصلة اسم روايته المفصلية في منتصف تسعينات الأدب العالمي .. رواية ” على الطريق ” . كرواك كان من كتاب تيار الوعي . عندما تريد أن تكتب بطريقة تخولك أن تقول ” أنا ” دون أن يعتبر القارئ قصتك كأنها سيرة ذاتية لك ! عليك أن تتعلم من فيرجينيا وولف و جون كرواك . و رغم أنها طريقة سهلة في القصَص رغم وعورتها إلا أنها كانت عقدة سوماير . لأنها لا تريد أن تلقي كلاماً يشبه لعبة بزل . ليس مهمة القارئ تركيب الكلمات و تكوين جمل مفيدة من خلال كتاب صنف كرواية . الحديث المنمق كشخص يرتدي بدلة سوداء و ربطة عنق قرنفلية ضروري في الأدب . إنه من اكسسواراته التي لا غنى للمرء عنها . فالرجل لا يستغني عادةً عن قلم و محفظة يظهرانه كمثقف محترم و مستور الحال ! أما المرأة فحدث ولا حرج عن أشياء الزينة التي لا تستغني عنها .

الحب هو آخر ما تفكر فيه سوماير . بعد خروجها من الجامعة قبل إكمال دراستها اشترط أبويها لموافقتهم على دعمها مادياً في الكتابة أن تدبر شؤونها المالية بعد بلوغها سن الثامنة و العشرين إن لم تؤمن الكتابة لها رزقاً . لكن سوماير فجأة .. وقعَت في الحب .

لقد أحبَّت امرأة . تكبرها بسبعة عشر عاماً . لكن تلك المرأة لم تكن تبادلها الحب .

أعتقد أنكم الآن حكمتم على الرواية بالابتذال و الوضاعة و كأن هذا الأمر نادر الحدوث في الواقع أو و كأن الكتابة يجب أن لا تحتوي إلا على قصص الفراديس العالية و الأحلام و الخيالات أو الكتابة عن الحروب و المساجين عند الحديث عن السوء . سوماير كانت تعرف هذا , لهذا قالت :

الحكم على أخطاء الآخرين في منتهى السهولة و يمنح المرء شعوراً جيداً .

لا أحد يفعل ما يرغب دون المرور بمرحلة تسمى إما الندم , أو السقوط في بئر . عندما تتحول أخطاؤك إلى أسرار يجب مداراتها عن مجتمع مكون من مخالب و أفكاك فإنك لا بد مهما اشتدت ثقتك بنفسك أن تسقط مرةً في بئر أسرارك . إما أن يكون صديقك الذي يحدث أن تجرحه حينها . أو يكون دفتر مذكراتك الذي يحدث أن تحرقه فجأة بكل الذكريات المهمة و الأثيرة فيه .

أحببت دور الراوي في سبوتنيك أكثر من دور سوماير . كنت أشعر أنها ستفعل أمراً غير متوقع في النهاية . و هذا ما حدث و بشكل مباغت يشبه أن فتاة تحبها .. فارقتها على حين غرة دون سبب ولا إنذار , تقف خلفك يوماً و تغطي عينيك بكفيها الدافئتين . فتكتشفان أنت و هي في تلك اللحظة فقط .. أنَّكما رغم عدم نسيانكما لبعضكما إلا أنكما لم تعودا تتذكران تفاصيل أحدكما الآخر كما يجب .

رغم الغلاف السيء !