إن عطشنا أو شربنا الدمع..ديمة


العلامات الفارقة في اعتبار الناس ليست علامات فارقة في اعتباري.

سأحقق في 2012 عدة نجاحات. تصنيف الهيئة الصحية و نجاح أبحاثي في معمل رويال تشيلسي و سيكتمل قبولي في إحدى جامعات كندا و لندن لدراسة البورد و سأعرف حينها أي مكان سأختار. عائلتي ستكبر و سيكون أثَري على ابنة أخي الكبرى جميلاً لأنها أكثر بنات إخوتي تعلقاً بي. لن تكون عودتي إلى مكة/جدة واستقراري بها عشرة أشهر بلا قاعدة أرسِها قبل سفري مجدداً في نهاية العام. جِدة سيكون لها نصيب من نشاط سأتعب فيه خصيصاً لأجلها. هذه المدينة التي تغفو روحي على موج بحرها الحزين، حان الوقت لأكون أنا البحر للبحر..ثم أهلي الذين لن أدخر وقتاً و عرَقاً لاختراق جميع التابوهات التي تمنع مساعدتهم..أهلي الذين أعنيهم هم أهل جِدة و مكة.

هؤلاء البسطاء المحزونين الذين أكلتهم عفويتهم ونهشت قلوبهم و أرواح أبنائهم و أزواجهم أيادي الخونة. أعرف جيداً أي حال آل إليه أهل جدة بأسرهم بعد كوارث الثلاثة أعوام المنصرمة. عامين سيول..و عام حريق مدرسة براعم الوطن. كما أعرف جيداً أي حال فاسد منحط وصلت إليه مستشفياتنا الحكومية وبعض الخاصة التي تنتظر نزول المصائب على رؤوس الناس موسمياً لتدير ماكنة استغلالها لعوزهم. لا أهدف للعمل طبيبة فحسب. سأكون كل شيء يمكن للمرء الذي يخاف الله في الناس أن يكونه. لن أسمح لسوس السوق السوداء المتفشي في المستشفيات أن يفرض قيوده علي..إما أن ألتزم بها أو تقام حولي عملية كيدية تشرِّدني! سوق سوداء تبتز كبار السن و الأميين و الضعفاء من الشباب..عمل موعد لمريض، التجاوز عن مريض نسي موعده وجاء بوقت لاحق، سرعة إسعاف الطبيب المناوب في أقسام التنويم لأي مريض يناديه وإن توهَّم المريض جهلاً و ألماً أنه بحاجة للطبيب. عدم رفض علاج أي مريض بحجة عدم وجود سرير فارغ أو مكان يحتوي جسمه الضعيف. التساهل في نظافة جميع المرافق المتعلقة بالمريض بحجة أنَّ عامل النظافة مسكين! أنت مسكين لأن وظيفتك متواضعة لكنك تأخذ أجراً نظيرها ويجب عليك أن تكون مخلصاً في عملك.

كل هذه واجبات على منسوبي المستشفيات السعودية انحسر إلى حد قاهر تطبيقها من محبِّي البطالة المقنّعة و الطماعين و الكسالى إلا برسوم و رشاوى و إذلال للناس.إنها ليست سوقاً سوداء لأنها آلت إلى بيع مصالح الناس بالمال و الكرامة بدلاً من خدمتهم و الرفق بهم وهم يعلمون أن هذه الخدمة لن تكون مجاناً فكلهم يحصلون على رواتب مقابل حركة أياديهم ، بل و أيضاً هي سوق سوداء لأن مامن نفس تبيح لنفسها أن تبتز مريضاً سوى نفس سوداء. شديدة الحلكة لا حل لها إلا هداية من حيث لانعلم أو عقاب من أحد رشيد.. و الراشدين كما أرى في حالة انقراض.

لن أخرج من تلك الإقامة القصيرة في العمل بلا إحقاق لعدل. و لو كان على مريض واحد.أعرف جيداً أنني لن أتأقلم في العمل بوطني بوقت قصير ولا بيُسر. ذلك أن الوطن تحول إلى حاجز إعاقة للمواطن.بيننا المعلم و المهندس و الطبيب و المحامي والسياسي و البنَّاء بل وحتى بائع الخضار و أدوات الزينة و البائعون في الكافتريات المتجولة و أكشاك الخردوات الرخيصة. كل هؤلاء سعوديوّن. لم يطلبوا غير فضيلة واحدة ( العدل) و سبحان من وصف نفسه بالعادل. أراد من آية أسمائه الحسنى تعليمنا أن التحلي بالفضائل جهاد أعظم من جهاد المعارك و الحروب.لأنها فضائل اتصف بها الله عز وجل ومن يقدر على اكتساب أحدها سيكون قد فاز فوراً عظيماً.جهاد نفس..هذا هو الطريق . و النفس أقبح أشكال الشهوة إن لم تضع حولها سوراً يشد جماحها أو سقفاً يحدد كفايتها.

إن عجزت عن التغيير سأرحل. سأجاهد نفسي على عدم البقاء في مكان يعامل عوز الناس وتواضعهم كما يتعامل الأسياد مع العبيد. و لن يكون المرضى وحدهم تحت رحمة ذاك الفساد. الموظفون أيضاً..أولئك الذين يشعرون أنهم دخلوا إلى الجنة لأنهم حصلوا على وظيفة في مملكة الإنسانية التي تشترط الذل قبل قبولك في عمل ! إلا إن كنت تحمل بيدك ورقة من (طويل عُمر) من أي درجة كانت. المهم أن يكون اسمه رناناً يوقف شَعر المدير و النائب و حارس الأمن المناوب!

في 2012 لن أتزوج. لن أخون. لن أفرِّط في قطي السمين ميزو. لن أجري عملية زراعة كلى. لن أكون على علاقة بأحد لاأعرفه. لن أفرح..
2012 ليس عام فرح. إنه عام تجديد تروس الماكينة القديمة داخل جسدي. عام إكمال الحياكة و الصناعة و الإنتاج.

الذين أحبهم رحلوا.
تسربوا من بين يدي وصار تعبيرهم عن اسمي حين يرد على ذاكرتهم يشبه : اوه..أظن هالاسم مر علي بس مو متذكر وين!

و أنا بعد كل شيء أسرفت عليه قوَّتي وصبري و دمي..لم أعد أقوى على بذل أي شيء من هذه عندما يتعلق المصاب بحبيب/ة أو صديق/ة. لذلك لن أتخلى عن حبي لهم. سأبقى أربي الحب في قلبي مثلما أربي الورد في الركن الصغير بباحة منزلي. ولأنني علَّمت نفسي بنفسي أن من يحب لا يكره..فلن أقطف حباً زُرع و نمى في قلبي لأنه مامن وردة تُقطف من جذرها و تكمل نموها في تربة أخرى. من يفعلون ذلك يجمِّلون التربة فحسب..يعلمون أن نزع الروح واستبدالها بأخرى لايعيد إحياء الجسد. ويعلمون أنهم سيقومون بتغيير الورد المزروع في غير أرضه كل يومين مثلما يغيِّرون صندوق الخضار كل يومين في ثلاجتهم المنزلية.
سأفعل كل ذلك و أنا ميتة. لأنك استطعت أن تقطفني من قلبك دون حتى أن تضعني في أصيص بديل..ولو على سبيل المجاملة.حتى وإن كنت تعلَم أنني لن أقبل بأرضٍ غيرك. ولأنني أعيش منذ فارقتني عذاب هذه التضحية..لن أعامل رقتك كما عاملتني ولن يكون لفعل التضحية بك محل إعراب في قاموسي.

في 2012 سأنام.
أريد أن أنام نوماً مختلفاً عن نوم البشر.
يعرف الله أي نوم يعوزني، كما يعرف أي أريكة يطلبها بدني. و أنتظر ملَكاً إما يجلبها إليَّ أو يحملني إليها.
سأسعى، و تبقى مشيئة ربي ذلك الفص المغروس في كل نبضة قلب إما تحقق الأمنيات بوقتها أو تؤجلها لوقت يفرح به الاعتباريون قبل أن يحزنني.

هذه هي العلامات الفارقة التي بدأت بها الحديث.
ستفخرون بي. ستسرفون في وصفي بالقوية الصلبة أكثر فأكثر. هذا كل ما يهمكم..
أما أنا. فكل ما سيحدث لن يحيي شيء من الميت فيّْ. علامتي الفارقة ليس ما تعتقدون أنه الأنسب لي. علامتي الفارقة في عودتي إلى الأرض التي قطفَتني و ألقَت بي للريح.. دون أرضي. أنا لست سوى إما طابعة أو ثلاجة أو مصنع أفكار أو معمل أبحاث أو جمعية خيرية.
إنسانة ؟
( صوت قلبي اللي يموت وما يموت )

.