أيها العقل الذي يشبه شارع

 

لا أريد أحلاماً.. أريد أن أحققها.

لا أريد مالاً, أريد طريقاً إلى روما. ماذا إن كان المال هو الطريق ؟ ماذا إن كان الكف عن الطعام ؟ الكف عن القراءة ؟ الكف عن مشاهدة التلفزيون ؟ الكف عن سماع برنامج أمن و أمان في الإذاعة المحلية ؟! الكف عن متابعة الميزانية السنوية للبلاد ؟! كل هذه طرق تؤدي إلى روما التي في مخيلتك. فكر فقط ..إن كنت فاقد الإرادة و استعضت عنها بأنفاق تؤدي بك إلى الشارع و منه إلى الفضاء.. إلى حيث تريد رؤية العالم من فوق . و يبدو تحتك كل شيء صغيراً حتى تشعر أنك ملِكُ الأرض لأنك ملكت حلمك و رأيته بأم عينك بدلاً من خيالك لمرة واحدة ..فكر , إن كنت ستفعل كل هذا و أنت هش القلب مرعب الشهوة ..أين ستأخذك الرياح ؟ لا تنسَ ..ليست روما المكان الوحيد في العالَم. هناك سجون موسكو مثلاً. أو غابة أكلة لحوم البشر . أو الموت ممزقاً ..حتى أنك لا تستطيع اصطحاب حلمك إليه..الموت أقصد. المنفى السحيق.

قبل مشاهدة الفيلم كنت قد قرأت الرواية. قرأتها في 2010 بعدما شاهدت صبيةً بنفس عمري تموت معذبة في قسم التأهيل النفسي لمدمني المخدرات . كان حلمها أن تهاجر إلى اليابان لكنها من عائلةٍ جد فقيرة و معدمة العِلم تقريباً. ثلاثة من أفرادها منغوليين. و الأب مبتورة قدميه من أثر السكّري . الأم متوفاة. وعدها رفيقها أنها ستهاجر إلى أجمل مكان في العالم إن هي شاركته في بيع الحبوب لأنها تدرُّ عليهم كنزاً لم تقع عينها على مثله من قبل. بقية السيناريو معروف. فكّر كم يتكرر كل يوم في كل مكان بالعالم . كم نفساً تذهب ضحية نفس القصة بل أن بعضها بحبكة رديئة لا تخدع طفلاً لكنها تخدع المعدم و المحتاج إلى بصيص أمل .

صديقتي الإنجليزية في التدريب الاكلينيكي حينها سألتني ما إذا كنتُ أشك مثلها أن الفتاة التي توفيت كانت تقلد ماريون عشيقة هاري في فيلم Requiem for a Dream . قلت لها أنا أعرف هذا الفيلم لكن لم تواتني الفرصة لمشاهدته بعد. نصحتني فوراً بعدم مشاهدته الآن, حينها أقصد ..عندما كنا نتكلم. دلتني على رواية Hurbert Selby Jr. التي حولها آرنوفسكي إلى الفيلم المشهور. بما أنني أحب القراءة قالت لي اقرئيها ثم شاهدي الفيلم فقد يختلف الانطباع الذي يخلفه كل منهما في نفسك. لم أجد الرواية في المكتبات القريبة من منزلي آنذاك فقرأتها من الانترنت , للحق..كنت أتخيل شكل الأبطال أثناء القراءة و أرسم ملامحهم و هم مرضى من الهيروين و حتى سارة قولدفارب ..كلما توغلتُ في القصة كلما داهمني وجهها المغدور بازرقاق يشي باقترابها من الموت مع كل حبة سد شهية تحتوي على مواد مخدرة , و مع كل هلوسة تسببها تلك الوساوس تحت مفعول الحبوب حتى أنك قد تنظر إلى الثلاجة و إلى طبق طعام صغير فتفز مرتعباً منه متخيلاً أنه وحش كاسر سينقض عليك و يفترسك أنت و حلمك .

بقيت لمدة أفكر في التعليقات التي قرأتها على الرواية ببعض المواقع .كانت صديقتي الإنجليزية تشاركني قراءتها. و تنتقدني كلما مررنا بتعليق يقول أن الرواية تحذر من جميع أنواع الإدمان التي يسببها فرط الشهية لشيء ما. ليس بالضرورة أن يكون هيرويناً.. فقد يكون إدمان الرقص , أو إدمان القراءة , أو إدمان شرب الكحول و كانت صديقتي تضيف : ( أيضاً إدمان العبادة ! ) و عندما رأت في عيني علامة استفهام أكمَلت : برأيكِ لمَ أصبح الإرهابيون إرهابيين ؟!

أما لمَ انتقدَتني . فلأنها تعتقد أن نهايتي قد تكون مثل نهاية سارة قولدفارب أو ماريون إن أنا لم أتعالج من الإدمان على القراءة . هي لا تعرف بإدماني على العزف. أنا لا أعزف أمامها. لا أستطيع أن أعزف أمام أحد مطلقاً. إنني مأخوذة بثقافة العيب في مجتمعي . عائلتي ترفض أن أستخدم آلة العود أمامها. و هكذا اعتدت أن أعزف لوحدي.

تقول سارا ( صديقتي ) أنني سأصاب بالعمى قبل أن أموت. و سيكون شعوري بالعمى مثل شعور المرء عندما يصب في عينه ماء نار ! وعندها سأموت من القهر و الألم . تقول أيضاً أنني سأتحسس وأنا عمياء كتبي فأشعر بكائنات لزجة تغطيها . إنها الدود الذي سيتسرب إليها و يأكل أوراقها كالجراد عندما أهجرها ويغطيها الغبار. سارا لا تكره القراءة . لكنها تعتقد أن حبي أنا للكتاب تجاوز الحد الطبيعي الذي يبقَ المرء بعده سليماً .

سألتها مرة : ما هو حلمي الذي تعتقدين أنني أريد تحقيقه من خلف القراءة ؟

فقالت : تحلمين أن تصبح لديك حياة.

كانت صادمة . طوال هذه السنوات و أنا أفكر في قولها. ليس لأنه صحيح. إنه خاطئ إلى حدٍ ما, وصحيح قليلاً. لكنها كانت صادقة عابسة جداً لشدة صدقها و هي ترمي بهذا الاعتقاد. في الحقيقة لديَّ حياة . الطبيب هو أكثر الناس المتخمين بالحياة و إن كانت ليست الحياة التي يتمناها أحدهم. لكنها في آخر الأمر..حياة. عندما تعيش مع المعلقين بين الحياة و الموت و تنحاز بهم إلى الحياة نائياً بأجسادهم عن الموت ..تكون قد شعرت أنك عشت معهم. أنك ولدت من جديد بنفس اللحظة التي ابتسم فيها المريض و هو يجيب على سؤالك عن حاله اليوم بـ ” أنا بخير ” أو ” لم أعد أشعر بألم” .

لكنني أقرأ لأنني أحلم بالجَمال و الإنسان. حلمين لم يتحققا في حياتي . حيث زمن الحروب و صراع المال و السلطة و الشهرة. الحب في الخمسة وعشرين عاماً التي وعيت بها كان شحيحاً. و إن حضر..يحضر زائفاً. لطالما كان النفاق هو سيد الموقف. ثم كان خبر سيلان الدم و حدوث المجازر تلو المجازر في كل مكان لا يملك أبناؤه أكثر من الحجارة للدفاع عن أرضهم و عرضهم و كرامتهم .

شاهدت فيلم ” مرثية حلم ” قبل أيام .

بعد انتهاء الفيلم قمت فوراً و تفقدت ردائي الأحمر الوحيد في خزانتي. كان الجو بارداً إذ أنَّ مدفأتي معطلة. الساعة الثانية فجراً.. لكنني خلعت ملابسي و قست الرداء الخالي من الأكمام لأنني خفت أن أضطر إلى خسارة شيء لأستطيع ارتداءه مثلما فعلت في 2009 ..حين اشتريته من مانقو . لكن الرداء ضمَّ جسدي برفق..دون أي عناء . حينها فقط عرفت أن الفيلم كان صادقاً ولم يكن الممثلون فيه يمثلون . كان تلبّس القصة حقيقياً. مُرهِقاً و ذو عناء استحق الأوسكار , و كان أن ظلمَ التحكيم و التصويت هؤلاء الأبطال فلم يتم ترشيح الفيلم ! أعتقد أن المحكّمون كان قد أصابهم العمى لكثرة ما أدمنوا على مشاهدة الأفلام التجارية .

يتبقى القول أن الموسيقى في هذا الفيلم هي عكازك الذي يسندك عندما يكاد يغمى عليك من الحزن على سارا قولدفارب و الخوف من التعفن الذي أصاب ذراع هاري جرّاء حقن الكوكايين و التي حقن ذراعه بها آخر مرة فوق الجرح المتعفن مباشرةً ! فكانت النهاية شنيعة له و لكل المدمنين . ذلك أن الإدمان بعد فرار الوقت لايمكن تشبيهه سوى بقنبلة ستبيدك مهما فصلت عنها أسلاك التنشيط.

 

الحب لوحده لا يكفي .ولا الأحلام الجريئة . أريدك بخير .

ــــ

قرأت لسيجموند فرويد ثلاث كتب فقط من مجمل أعماله , ذلك أنني لست مهتمة بالتحليل النفسي لكنني حين قرأت له كنت فضولية جداً فيما لا يروقني ! فكنت أقرأ في علم النفس و التاريخ و أنا لا أحبهما.

ثلاث رسائل في نظرية الجنس , الأنا و الهذا , مستقبل وهم .

لم أفكر في قراءة بيوغرافي عن فرويد غير الموثقة في ويكيبيديا. لكنني بدأت أفكر في اقتناء كتاب شامل لكل شيء عن فرويد ..حياته , طفولته, نظرياته, مشاكله و اضطراباته النفسية, المنعطفات التي مر بها أثناء تأليف كتبه, سيرته في المدرسة و الجامعة , علاقاته النسائية و الأخرى العلمية .

لايمكن القراءة عن فرويد دون الشعور بالخطر. إنه ملكُ المحللين النفسيين في الإقناع. لكنك لا تستطيع الارتياب وأنت تكتشف ثغرات عديدة في نظرياته التي كانت أساس طرقه في العلاج النفسي ..تلك القائمة على تفكيك غريزة الجنس و ربطها بأي خلل ينتاب الإنسان..عاطفياً كان أم عقليّاً ..وبذلك تم تصديق العديد من تلاميذه على نظرية العلاقة بين الجنس و أمراض العصاب كالهستيريا و المازوخية ( حب العنف و تعذيب الذات جسدياً ) لكن كارل يونغ Carl Jung لم يكن أحد هؤلاء التلاميذ. لقد عارضه حتى حصلت قطيعة بينهما بعد أن تطور يونغ في أبحاثه و تم دعمها في المؤتمرات العالمية. لكن جدير بالذكر أن يونغ لم يكن يعارض المبدأ في نظرية فرويد الجنسية أو ما تعرف بـ ” الليبيدو ” بل عارض أن تكون محدودة إلى الحد الذي يجعلها وحدها السبب في الأمراض العصابية. و ليونغ كتاب يشرح فيه فكرته و نقاط اختلافه مع فرويد بعنوان ” الشكل التحولي والرمزية في الليبيدو “. يمكن اختصار نظريته المعارضة باسمها الذي عرف فيما بعد باللاشعور الجماعي. في إحدى الدراسات عن سلوك و أفكار كارل يونغ قيل أن نظرته للإنسان نظرة دينامية مختصرة في تصورين هما : الكينونة ( كيف يكون ؟ ) و التحول ( إلى ماذا يتحول ؟ )

وحقيقة عندما شاهدت الفيلم و كيف عالج سابينا اقنعتني نظريته أكثر من نظرية فرويد.

قصة الحب التي يعيشها الأستاذ و تلميذه لمريضة نفسية واحدة ” Sabina Spielrein ” كانت أفضل طريقة سينمائية مختصرة و مبسطة للتعريف بطريقة كل من فرويد و يونغ في العلاج و أيضاً ..الأمر الأهم ..في شخصية هذين الطبيبين خارج أروقة المستشفى . كيف يفكران ؟ كيف يعيشان ؟ كيف ينظران إلى المرأة ؟ كيف ينظران إلى العِلم ؟

مهما كان الطبيب مغروراً بعبقريته إلا أنه سيحزن عندما يفقد أحد تلاميذه النجباء. هكذا كان حزن فرويد حين تمت القطيعة بينه و بين يونغ. عندما قرأت كتاب مستقبل وهم لفرويد شعرت جلياً بحزنه في آخر حياته التي ألّف فيها هذا الكتاب و كتابَيْ ..قلق في الحضارة , و موسى والتوحيد. لقد كان لشدة ولعه بالتحليل النفسي ” المدرسة التي أسسها ” يخاف عليها من أذى الأيديولوجيا اليسارية ذلك أنه اقتحم موضوع الجنس في التحليل اقتحاماً جريئاً لم يجرؤ عليه أحد قبله. ثم عندما أثبت نجاح نظرياته تم دمجها مع المدارس السائدة بحكم أن الضرورة تفسح المجال لما لم يفسح من قبل و إن كان بغرض المعالجة .

لم يلفتني كثيراً دور سابينا. كنت أتوقع أن تصبح بعد التشافي ذات شأن في نفس التخصص أو في الرسم. مررت بالعديد من المرضى العصابيين في المستشفى فنانين في الرسم . ذلك أنه أسهل طريق يمكن للمرء في خضم اضطرابه أن يبصم فوقه بوهمه و خياله و جنونه. لكن سابينا لعشقها لكارل يونغ تأثرت به و تخصصت في الطب النفسي للأطفال .

رأيت أن آرنوفسكي ظلم فرويد على حساب يانغ. لكنني أكبرت فيه هذا بدلاً من أن أستاء! ذلك أن فرويد منذ بزغ بمدرسته و حتى بعد وفاته بل و إلى اليوم و هو المعلِّم الغامض الذي كان يجمع عدة أشخاص في شخص واحد. أو كما يحب هو أن يصف نفسه.. عدة سُلطَات عقلية في كيان واحد.

أعتقد أن فرويد نموذج مثالي للجنون المثمر. و تمنيت لو أن ميشيل فوكو قام باستخدامه بأي شكل في كتابه الخالد ..تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي.

blogger statistics