21 Grams

..

 

 

كم تساوي 21 غراماً ؟
وزن طائر ؟ أم لوح شوكولا ؟
يفقد الإنسان عند موته 21 غراماً . لكن متى تكون اللحظة الصحيحة للموت ؟ هناك من يرى أنها اللحظة التي يموت فيها حبيبه فتتوقف الحياة عن الحياة , و يصبح دوران الزمن مثيراً للغثيان .
إنه السؤال الأكثر أهمية .. كم غراماً تزنُ الحياة ؟ و بمَ تُوزَن ؟

Sean Penn الحاصل على أوسكار العام الحالي عن آداء أفضل ممثل في فيلم Milk / و يقوم في فيلم 21 غرام بدور بول ريفر , يجيب على السؤال بشكل يقلب مرصد الحياة في رؤوسنا و يجعلنا نتقلب ما بين معادلة العقل الرياضية التي تمنح الحياة فرصاً كثيرةً منا مَرة , و عاطفة القلب الذي لا ينفكّ يشمّ رائحة الموت كلّ مرة .

إنه لا يرفض فرصة الحياة بقلبٍ بديل , خاصة أن زوجته ” ماري ” تطوّق حياته كوْنهُ لا يستطيع إدارتها وحده الآن . ماري عشيقته قبل الزواج أيضاً , يحصل بينهما خلاف تحبِل أثناءه و تجهض لأنها قررت الانفصال عن بول و دون أن تخبره عن الطفل و الإجهاض . ينفصلا ثم تعود إليه بعد سنوات و يستقبلها بحب لكن تلك الفترة كلها لا تظهر في الفيلم إلا من خلال حوار قصير بينهما إبان شفاء بول بعد عملية زراعة القلب , حين كانا في زيارة لطبيب ميري الذي يعالجها من أثر الإجهاض و هي التي تريد طفلاً الآن بأي شكل . فكان أن قرر إجراء عملية جراحية لها مقابل تعاون بسيط من بول الذي لم يكن متفاعلاً مع قرار الإنجاب لأن مشاعره تجاه ميري بدأت تخمد منذ فترة , ثم انتهى كل شيء بعد أن كشف له الطبيب أنها سبق و أسقطَت طفلاً منذ سنوات . سبب آخر لموت الحب بينهما يتعلق بطباع ميري المستبدة و تذمرها الكثير و أشياء أخرى لم يخبرنا بها ساحر الفيلم المخرج أليخاندرو غونزاليس لأن الفترة المقصودة في الفيلم هي ما بعد زراعة قلب مايكل زوج كرستين لبول و بحثه عنها كي يرد الجميل بطريقة لا يعرفها و لم يخطط لها مسبقاً .

الشخصية المحورية الثانية في الفيلم هي ” Benicio Del Toro ” أو جاك جوردان و هو مجرم سابق تاب عدة مرات حتى جاء وقت و أقنعه صديقه القسيس بالتدين . يحدث أن يدهس رجلاً و ابنتيه في إحدى الليالي أثناء قيادته لشاحنته عائداً إلى البيت للاحتفال مع زوجته و أصدقائه , يصاب بضربات شديدة من ضميره الذي يرتدّ عن التوبة و يقول للقسيس حين يزوره في السجن محاولاً أن يجعله يتمسك بحبل الله و يكثر من الدعاء إليه : فعلت كل ما أراده الله مني , تبت و اعترفت بأخطائي و أقلعت عنها و التزمت بواجباتي مع أسرتي و أصبحت زوجاً و أباً مثالياً و لم أفوّت صلاةً في الكنيسة , لكن الرب اختار أن يهديني شاحنة أقتل بها رجلاً بريئاً و ابنتيه , لقد اختار أن يجعلني أذنب لأنه لا يحتاج إلى ثقتي به كما أنه لم يثق بتوبتي إليه .
يحاول القسيس ردعه و يقول له لا تكفُر لكن حجم الواقعة أكبر من أيّ تخدير يناقض العذاب الذي أوقعه فيه القدر .

في المستشفى , توقع كرستين “ Naomi Watts ” على أوراق التبرع بقلب زوجها بعد أن يخبرها الطبيب بوفاته هو و ابنتيهما , و أنّ هناك رجلاً بحاجة ماسة إلى قلبه و سيكون عملاً عظيماً لو أنها منحَت ال 21 غراماً التي فقدها زوجها لرجل آخر ستهبه حياة أخرى تزن أكثر من هذا بكثير .

بعد نجاح الجراحة يسأل ” بول ” و يلح على معرفة المتبرع و يرفض الطبيب إخباره لأن أنظمة المستشفى لا تنص على إفشاء هوية المتبرعين ما لم يصرّح أهل المتبرع نفسهم للمريض .

فيكلف صديقاً يعمل في مكتب تحريات بكشف هوية المتبرع و يحضر له كل شيء عن كرستين الأرملة المفجوعة في رحيل عائلتها الصغيرة .

بعد عدد من الأحداث تتعلق كرستين ببول و كل ما يحصل بينهما يقول أنهما أصبحا في الموقع المناسب لكليهما .. كحبيبين و ربما زوجين فيما لو سارت الأمور على نحو آمن . لكننا نعرف أنّ بول كان مشفقاً على كرستين و رهين شعوره أنها تفضّلت عليه و وهبته حياة زوجها لذا عليه الاعتناء بها بكامل قوته العاطفية و .. الجنسية . أما هي فلم تكن تحب بول بل مايكل الذي يحيا بقلبه في هذا الرجل الآخر .
لم يكن ” بول ” رجلاً سيئاً , إنه طيب جداً , عاطفيّ و حنون .. يلائم امرأةً جريحة تحتاج إلى ضماد على هيئة رجل .

لا ينبغي حرق الأحداث أكثر من هذا , لكنه فيلم بفلسفة تفزّز العقل ليسأل , ليبحث , يُصلح , يبني , و يعيش .. لا ليكفر أو يستسلم للموت .

فكرت كيف أنّ الحياة تعطينا أحياناً أشياء قليلة من كل شيء , كأنها تعطينا 21 غراماً من الأشياء الجميلة و القبيحة ..
21 غراماُ من الحب , 21 غراماً من الحزن , 21 غراماً من النجاح , 21 غراماً من الفشل , 21 غراماً من السعادة , 21 غراماً من الأمان , 21 غراماً من المرض , سيكون عادلاً أن تأخذ منا 21 غراماً في اللحظة الصحيحة للموت .

على ضوء الفيلم كتبتُ شيئاً غبياً لكنني ارتحت لفكرة فِهم الأمور و الحديث معها على هذا النحو :

Poul ,
فكرت في رسالتك بشكل آخر , هل نستطيع القيام بكل الأشياء التي نريدها قبل الموت ؟
منطقيّ أن تسأل هل بإمكاننا أن نعيش حياتين قبل أن نموت ؟ لكن كل شيء حدث معك كان يؤكد أن الحياة عدد لا متناهي من الحيوات الصغيرة , نحن نعيش مع كل شخص عدة أشكال من الحياة بول , لكن يظل بإمكاننا أن نحدد من الذين نريد أن نعيشها معهم . تعاطفتُ كثيراً مع ماري . الوضع الطبيعي لمن يشاهدكما دون دقة أن يظنّ الحب كان من ماري و أنت القاسي الذي أنِفتها و مللت لكثرة ما ألحَّت هي على إنجاب الطفل . لكنني رأيت جيداً أنك أنت الذي أحببتها منذ بدء علاقتكما التي لم تظهر في الإطار . ماري كانت مأخوذة بعقدة الذنب فقط . ذنبها تجاه أمومتها التي قتلتها في أول حمل , ذنبها تجاهك و التهور في إنهاء كل ما يخص علاقتكما الأولى قبل أن تفصلا و تعودان مجدداً إثر إجهاضها لكن صدقاً .. لا أظنك كنت ستفرح كثيراً بالطفل . يبدو أنك بدأت تكتشف خطأ عودتك إلى ماري قبل استبدال قلبك بقلب مايكل . ربما كان منطقياً أن تكون أنانيتها سبباً إضافياً ذوّبَك في كريستين , لكنك كذبت أيضاً حين أوحيت لها أنّ رفضك إنجاب طفل كان لأنها ضحّت بالأول دون علمك . كان واضحاً أنك لا تريد الإنجاب منها في الأصل . لم تكن متحمساً قبل إجراء عمليتك حينَ أخبرتك عن وجود أمل . عرفتَ كيف تتخلص منها , و اخترتَ قبل النهاية بعدة دقائق أن تعيش حياة أخرى مع كرستين , حياة لا تقل عن سبب عودة ماري للإقامة معك . كلاكما قضَى عليه هذا الضمير الذي شبّ حريقاً في حياتكم التي لم تكن آمنة.. لكنها كانت هادئة بلا صوت رصاص ولا ضجيج صراعات الحب .. الضحية الوحيدة لكل ما يحدث بين العشاق .
كرستين أيضاً لم تحبّك بول . لكنها ليست معادلة صعبة , ولا فلسفة تستحق تلك الطريقة المضغوطة لتخبرنا أنّك تحمل قلب مايكل . كرستين ظلت تعشق زوجها , زوجها الذي بظهورك في حياتها شعرَت أخيراً أنه لم يمُت , بل عادَ بنفس قلبه الذي أخلص حبّاً لها , في ملامح وجهٍ جديد .

هل كان هذا كل ما تريد القيام به قبل الموت بول ؟ قبل أن تفجّر قلبك بالرصاصة الخطأ ؟ هل كانت كرستين هي ما تريد ؟ الحب إذن ؟ راحة البال ربما , النوم دون كوابيس ؟
أصدّق الاحتمالات الأخيرة . قد نضحي بأغلى حياة عشناها كي نستطيع النوم ليلةً دون فزع أو الخروج إلى الشُرفة مراراً بعد منتصف الليل بلا سبب .

_ تقييمي 8/10

إله الأشياء الصغيرة

..

 

_ عندما تعيش أكثر من عشرين عاماً ثمّ تستيقظ في إحدى الصباحات و تجزم أنّك اليوم ترى العالم لأول مرة . تعيشه كما لم تفعل من قبل , تنظر إلى تفاصيل صغيرة و أشياء صغيرة تنفذ أدوارها بسرعة حولك , أنت تنظر إليها مثل طفل يراها لأول مرة , هو لن يألفها , سيكون الشعور الأول : الريبة . الروائية تتعمد أن تغرس الأشياء في قلوبنا بقسوة و صلابة . لن نشعر أنّ هذه حكاية ترى , أو فيلماً سينمائياً مُتقن المؤثرات . إنه واقع سنعيشه و نخرج من الغلاف الخلفي و نحن نجزم أننا لم نقرأ بل عشنا , و سمعنا أصوات الأشياء الصغيرة و خرفشة النهاية التي كلما لاحت لك , كلما عدت اكتشفت أنك لا زلت في الخطوة ما بين مدخل الأحراش و نهاية الحدود .

تقول المترجمة أن هذه الرواية ” شيئية ” , لأنها تبدأ و تركّز على حركة الشيء باتجاه اللغة . بمعنى قد ترى الشيء عادياً , لا غرابة فيه .. إنما الأهمية , كيف تصوّر هذا الشيء , كيف تكتب عنه ؟ .

في الرواية حديث عن الطبقيّة , عن نساء الهند في الأماكن المسوّرة بكهرباء الشدة و ضدّية الآباء لهن , عن كيرالا جميلة الهند , عن مجتمع السوريين المسيحيين الذين استوطنوا في الهند , و حين نذكر المسيحية السورية في كيرالا خاصةً , نتذكر فوراً قادة مار ساباريسو السوريين الذين أسسوا الديانة المسيحية فيها بعد أن قام القديس تمواس الكنعاني بوضع قواعدها الأولى , كتعاليم و تعريف و طقوس في كيرالا في عقد العشرينات ما بعد السنة الثمان مئة الميلادية .

إله الأشياء الصغيرة رواية لا ينبغي عليك الإقتراب منها إن كنتَ هشّاً أمام عرَض الصداع . هي ليست بالرواية الرقيقة أو التي تشعرك أن نبعاً عذباً قد انشقّ في صدرك . هي رواية تسبب لك في القراءة الأولى دوراناً و تمعناً في أشيائك الصغيرة التي صنعَت حياتك , عليكَ أن تعيد قراءتها لأنها الدواء للداء الذي ستشعر به جرّاءها .

إله الأشياء الصغيرة , مخاطرة لعشاق التأمل , ذوي المخيال المتسع على رقعة فضاء مفتوح .