لماذا الكتابة كل يوم تجعل منك شخصاً أفضل؟

ثلاثة أسباب تجيب على ” لماذا الكتابة كل يوم ستجعل منك شخصاً أفضل”

tumblr_o39rhzkCFM1uy4j55o1_1280

ترجمة ذاتية لمقال قصير بقلم الكاتب جيف جوينز مقتبس من مدونته. عبَرت صدفة على هذا المقال أثناء نومي في المستشفى مريضة لأيام. وقد أعاد لي الشعور بأنني أتحسن عندما أكتب وقد كنت أظنه وهماً لأن هناك بعض الأشخاص من حولي قالوا لي أكثر من مرة: كيف تستطيعين الكتابة كل يوم وأنتِ مريضة؟ ألا يؤلمك الجهد المبذول في الكتابة؟ فكروا في الناتج الفيزيائي لفعل الكتابة ولم يفكروا في الناتج النفسي الأكثر أهمية للمريض. هذه الترجمة لمن لايستطيعون القراءة بالإنجليزية، للذين يظنون أنهم غير طبيعيين لأنهم يكتبون يومياً. فـ هيـا :

( أنا مؤمن بعادة الدوام الكامل في الكتابة. قد يمكنك الإستغناء عن ممارسة هذه العادة إن كنت عبقرياً، ولكن معظمنا لديهم موهبة فقط. وهي ببساطة شيء يمكن أن يعاوَن طوال الوقت بواسطة العادات البدنية و العقلية أو.. ستجف الموهبة وتمضي بعيداً.) فلانري أوكونور

عندما يسأل الناس عن عاداتي في الكتابة ويسمعون أنني أكتب يومياً، يقولون أحياناً: “أوه.. لن أستطيع أن أفعل هذا.” و كأنه اختيار. الحقيقة هي أنه ليس كذلك. الكتابة بالنسبة لي، هي شيء يجب أن أقوم به. خلاف ذلك، لا أشعر بنفسي.

لم يكن الحال هكذا دائماً. لم أولد وبيدي قلم رصاص ولم أخربش قصصاً في دفتر الملاحظات قبل الحبو.

مثل أي شيء. الكتابة عادة. ولكن الآن، بعد سنوات من أول مرة أجبرت فيها نفسي على الإستيقاظ في الخامسة فجراً و البدء بالكتابة، فإن الإنضباط على الهجوم على صفحة فارغة لم يعد يمنحني أدنى شعور بالتهديد والخوف. كل العادات هي هكذا، أول مرة هي الأصعب. وكل تجربة لاحقة تصبح أسهل. والجهد الذي تبذله يتناقص مع اعتياد العضلات على تسلُّم المهمة. تبدأ تشعر أنه شيء طبيعي، حتى أنه لا يكلِّف مجهوداً.

ولكن لماذا يجب عليك الإهتمام بهذا الشأن في المقام الأول؟ هل العالَم حقاً بحاجة إلى المزيد من الكلمات؟ المزيد من التدوينات؟ ربما لا. وحتى مع ذلك، لا أزال أؤمن بهذه العادة اليومية.

الكتابة كل يوم لا تجعل منك كاتباً أفضل، إنها تجعل منك شخصاً أفضل.

هنا لماذا و كيف يحدث ذلك:

  1. الكتابة اليومية تبني انضباطك

لم أكن أمارس الرياضة في المدرسة. ونتيجة لذلك تعلمت الإنضباط في وقت لاحق من الحيـاة. أعتقد أن هذا كان السبب في جعلي أناضل للتمسك بأي شيء إلى ما بعد تلك الفترة في حياتي. لم أتدرب على ذلك أبداً. و بدون تدريب، لن يكون لديك انضباط.

لكننا نسيء فهم هذه الفكرة للإنضباط. التفكير بأن الإنضباط شيء موجود من قبل القيام بالعمل غير صحيح. الإنضباط هو نتيجة ثانوية للتمرين. وليس شرطاً لحدوثه. هنا قصة من كتاب آن لاموت Bird by bird لتوضيح هذه النقطة:

” قبل ثلاثين عاماً، كان أخي الأكبر الذي في سن العاشرة آنذاك، يحاول كتابة تقرير عن الطيور من الفئة التي لديه، كان يفترض عليه إنجازه في اليوم التالي. كنا في مقصورة العائلة في الخارج في بولينز. كان جالساً عند طاولة المطبخ وعلى وشك البكاء. محاطاً بورق وأقلام رصاص وكتب غير مفتوحة عن الطيور. متجمداً من ضخامة المهمة المقبلة. جلس والدي بجانب أخي و وضع ذراعه على كتفيه وقال: طيراً فطيْر. ياصديقي، خذها فقط طيراً فطير.”

ستحصل على قوة أكبر عندما ترفع أوزاناً صغيرة الآن، و أخرى أكبر فيما بعد. الشيء نفسه ينطبق على الكتابة و أي عضلة إبداعية. الكتابة لبضع دقائق كل يوم يمكن أن تبني نظاماً خاصاً بك. تماماً مثل الركض و القراءة أو أي تمرين يمكن ممارسته يومياً. إذن، ابدأ الآن. الإنضبطاط يأتي مع التدريب.

2_ الكتابة يومياً تجعلك أكثر ذكاءً. بالأخص عندما تكتب باليَد.

الكتابة تجعلك تفكر. حتى أن بعض الدراسات أظهرت أن الكتابة بواسطة اليد تزيد من النشاط المعرفي ويمكن في الواقع أن تجعلك أكثر ذكاءً، طالما تضع لوحة المفاتيح جانباً كلما أمكنك و تكتب بيدك. د. ويليام كليم كتب اليوم في هذه المقالة النفسية :

“هناك رقعة في الدماغ تزيد مهارات التفكير من منافعها عند القراءة والكتابة. لكتابة متصلة مقروءة، نحتاج إلى مولِّد يتحكم بما هو فوق الأصابع. عليك أن تتنبَّه وتركز وتفكر بماذا وكيف تفعل ذلك. عليك أن تتدرب. تشير دراسات تصوير الدماغ إلى أن هناك مساحات نشطة متصلة بالدماغ لاتتفاعل مع عملية النقر على لوحة المفاتيح.”

اشتهر همنقواي بالكتابة بيده كل يوم قبل نقل مسوداته إلى الآلة الكاتبة. كانت لديه مخطوطات لطيفة للغاية. جي كي رولنغ فعلت هذا مع هاري بوتر وكذلك قامت بتدوين الأفكار والقصص على قصاصات صغيرة جمعتها أو كانت موجودة حولها. هناك شيء في هذه العملية من الكتابة وخصوصاً الكتابة باليد تجعل الدماغ يعمل بشكل أفضل. هنا ماتقوله الكاتبة كلوديا أولتشر عن هذا الشأن:

“هناك سبب لماذا الكثير من الأشخاص الناجحين يكتبون كل يوم. سواء كان ذلك في مذكرات يحتفظون بها أو مدونات يكتبونها. الكتابة هي شيء يخضعك إلى توضيح أفكارك وعرضها بشكل ملموس أكثر. إنها تأخذ الكثير من الجهد ولكن مع مرور الوقت ستصبح أسهل. وستبدأ بملاحظة أن الأفكار تصبح متموجة أكثر، وأيضاً سوف تتناقص شكوكك وقلقك حول أفكارك الخاصة بك.”

عندما لاتعرف ماذا تكتب ستتوجه إلى الإستقراء. وهكذا من خلال الجلوس كل يوم للكتابة، سوف تمرن دماغك بطرق لا تتحصل عليها دوماً بدون هذا التمرين.

3_ الكتابة كل يوم تمنحك شعوراً بالإنجـاز

جميعنا نريد أن نشعر بأننا لا نضيع وقتاً. الكتابة لبضع دقائق كل يوم _في مجلة أو مدونة_ تتيح ذلك. سيكون لديك شيء تعرضه من أجل أن تصنع يومك، وهذا يجعلك سعيداً. على الأقل هذا ما فعلته الكتابة مع ستيفن كينغ الذي كتب ما يلي في مذكراته الشعبية “عن الكتابة” ما يلي:

king-book

” أنا أكتب لأن الكتابة توفيني. ربما تسدد قرض الرهن العقاري لبيتي و قرض الأطفال عند ذهابهم إلى الكليَّة. ولكن تلك الأسباب جانبية، فقد كنت أكتب لكي أثمل. فعلت هذا للحصول على سرور نقي. إذا كان بإمكانك أن تفعل هذا لكي تفرح، سيمكنك أن تفعله إلى الأبد. “

هذه فقط بعض الأسباب لكي تنبغي عليك الكتابة كل يوم. هي أسباب تجعلني أحافظ على تمرين الكتابة اليومي. بالتأكيد، هي أيضاً مهنتي و وسيلة دخل لعائلتي. ولكنني كنت أكتب يومياً قبل هذه الظروف بوقت طويل. لا أفعل ذلك للحصول على مال. لكنني أحصل على المال لأنني أفعل هذا كل يوم.

هذه قوة العادة. تأخذك إلى أماكن لم تكن تحلم أبداً بالذهاب إليها.

إذن إلى أين ستأخذك أنت الكتابة كل يوم؟ كيف؟ وماذا الآن؟ من أين تبدأ؟ ابدأ من خلال الأخذ بمشورة آن لاموت من كتاب طير فطير:

” ولكن كيف؟ يسأل طلابي: كيف تفعلين ذلك حقاً؟ أقول لهم، اجلسوا. حاولوا الجلوس في نفس الوقت تقريباً كل يوم. هكذا تدربو اللاوعي لديكم على الركلات الخلاقة. لذلك يمكنك الجلوس في التاسعة صباحاً مثلاً، أو العاشرة ليلاً. ضع ورقة في آلتك الكاتبة. أو قم بتشغيل الكمبيوتر و افتح الملف المراد. ستحدق فيه لساعة أو نحو ذلك. ستبدأ بالإهتزاز.. فقط في البداية. وبعد ذلك مثل طفل مصاب بالتوحد، ستنظر إلى السقف وتتثاءب لقرابة الساعة و تعود لتحدق في الورقة، ثم ستبدأ أصابعك تستعد للنقر على لوحة المفاتيح. ستنحرف إلى صورة تتكون في عقلك، مشهد، لغة، شخصية، أياً كان. ثم سيبدأ عقلك بالهدوء والإستماع إلى صوت ذلك المشهد أو الشخصية لقول أشياء أخرى فوقها تصفها وتعبر عنها في عقلك.”

للبدء في الكتابة اليومية، يمكنك الإنضمام مجاناً إلى تحدي الكتابة 31 يوماً الذي أنشأته. ستحصل على كتابة توجيهية ترسل إلى بريدك الإلكتروني كل يوم للشهر القادم. ابدأ الآن:

My 500 Words: A Writing Challenge

كل عام والكِتاب بخير، و صبا لا يشيب

wbd-fest2

اضغط على الصورة لرؤية عروض اليوم العالمي للكتاب في بريطانيا.

tumblr_o2ylxyxpqj1u5lmwdo1_1280

aT7zu3k2

اليوم الثالث من مارس، هو يوم الكتاب العالمي. عرفت وحفظت هذا التاريخ عن ظهر غيب في مارس 2008 حيث كان أول يوم كتاب عالمي لي في بريطانيا. لم أكن أجوب أنحاء لندن، المكان الأجمل للاحتفال بيوم الكتاب، و للإحتفال بقارئ الكتاب. كنت أذاكر لاختبار هام يؤهلني النجاح فيه للقبول في السنة التحضيرية في كلية الطب. وعند الذهاب إلى المعهد صباح اليوم التالي وجدت لوحات و إعلانات عن مسابقات و عروض وهدايا و أمسيات و تهنئات للرفيق الأعظم في حياة الإنسان..الكتاب، بمناسبة يومه العالمي. كنت أتحسر لأن أمة اقرأ لا تعبأ بالورق، ولا بالكلمة ولا بالمعنى، و حتماً هذه الأمة اليوم، لا تعبأ حتى بالقرآن الذي نزلت فيه آية ” اقرأ” و “ن، والقلم وما يسطرون”. لكن الأمم التي تمنح للمحتفى به حقه تشعرك فرحتها واهتمامها أن كل شيء جميل سيفوتك إن لم تعش اللحظة، فكان الدرس الأول في يوم الكتاب العالمي، هو أن أحتفل أنا به، و ليفعل كل أحد آخر ما يريد. على الأقل يبقى عزيزاً أن لا يخسر المرء إحساس بهجة الاهتمام بشيء عظيم بنفسه.

يتناقل القراء و الصحفيين باستهلاك ابتذلوه أحياناً مقولة بورخيس المشهورة عن تخيله الفردوس على شكل مكتبة. كنت أرى من يضعون صور كتب رديئة الكلام والموضوع ويربطون عليها شريطة حمراء فوقها كرت مكتوبة عليه عبارة بورخيس! كنت أشمئز و أغار على الكتاب كسيِّد مبجل لا يليق أن يلعب به الدخلاء على الثقافة والأدب والكتابة وحتى القراءة. لكنني اليوم تغيرت. أدركت شيئاً فشيئاً أن من لا يخطئ لا يتعلم. حتى أولئك الذين لم يعرفوا أنهم مخطئون. استمروا حتى هذا اليوم في الترويج لبضاعتهم التي لا تُباع ولا تُهدى ولا تشترى. لكن لم يكن كل هذا مانعاً لحقهم في الكتابة. فالورق والحبر متوفر للجميع. ومن يحاول أن يكتب و يقرأ هو أفضل ممن يقول أن القراءة والكتابة فعل الفارغين والذين لا يوجد لديهم ما ينجزونه في معمَل الكون الرحب. أولئك الذين تلتفت يمنةً ويسرة لتتعرف على معملهم فتجده مصيدة يرفهون بها عن فراغاتهم الكبيرة كثقوب سوداء، باصطياد راحة الآخرين و تشويهها.

يؤرخ ألبرتو مانغويل في كتابه تاريخ القراءة مرحلة فرانجيسكو وأوغسطينس الذي يحث على كتابة ملاحظات عن الشيء الذي يجذبنا أثناء القراءة فيقول: ” عندما تقف أثناء القراءة على أفكار قيمة تشعر أنها أثارت أو هدأت روحك، لاتعتمد فقط على ذكائك، بل ثبت هذه الأفكار عميقاً في ذاكرتك. وحاول إدراكها بواسطة التأمل الطويل. عليك العمل مثل الأطباء الأذكياء المجربين، بغض النظر عن مكان وزمان إصابتك بمرض لايمكن تأخير علاجه، يجب أن يكون العلاج رهن يديك، ثم عليك أن تزود هذه المقاطع، كما قلت سابقاً، بعلامات معينة للتمكن بسهولة من استرجاعها إلى ذاكرتك، وإلا فإنها قد تفر من عقلك.

إن ما كان يجول في خاطر أوغسطينس، حسب تصورات بيتراركه، هو نوع جديد من القراءة: عدم استخدام الكتاب كدعامة للأفكار، وعدم الثقة به دون قيد أو شرط كما يثق المرء بكلمات رجل حكيم. عليك أن تستخلص منه أفكاراً وجملاً وصوراً و مقارنتها مع ثمار قراءات أخرى.وربط جميع هذه الأمور مع تصوراتك الذاتية، وبالتالي تحقيق نص من إعدادك.”

لماذا أدرج هذا الاقتباس فجأة؟ إنه ليس فجأة. بدأ الأمر منذ وقت لم أقم بتأريخه. لكن قبل عام وربما أكثر، لاحظت أنني أدون في دفتر ملاحظاتي أفكاراً لم آلفها عن نفسي. مثل انزعاجي من حملة تشهير بشخص من الناس نشر كتاباً يحمل خواطره المبعثرة في تويتر. و مثل غضبي من شتم كاتب آخر نشر كتاباً نصوصه طافحة بالإيحاءات الجنسية. لفت نظري عندما راجعت المذكرات أنني كتبت أسباب الضيق في الهامش، مثلاً: يتظاهرون بالعفة الأدبية وهم المنكبُّون على روايات هنري ميللر ويوسا كانكباب الفحول و الشبقات الجائعات على مطعم جنس فاخر. إذن هذا هو المراد؟ أن يكون المطعم خمس نجوم و ذو خدمة تقدم الشموع و الورد الأحمر في مزهريات زجاجية طويلة و معشقة بالكريستال؟! أنا في صف الإستخدام الفنِّي للتابوهات، و ضد استهلاكه كما تفعل بهيمة تحفر في التراب لتحثوه في وجيه المتطفلين. لكنني أيضاً ضد الإدعاء و التقمص اللا فنّي. عندما ترفض كتابةً لأنها إباحية هو أمر مختلف عن رفضك لها لأنها ابتذلت هذه الأدوات بغرض الربح. لم يذكر أحد المدَّعين أنه ضد الإسترزاق بالكتابة، وأحد وجوهها هو تناولها من زاوية الجنس. كانت وسوم التشهير بالكتَّاب التجاريين تدَّعي فقط أنها ضد الفسق في الأدب، وعندما تتصفح حكاياتهم عن قراءاتهم المفضلة تجد تصفيقاً لا يتوقف لميللر و آناييس نن و تدويراً لاقتباسات إباحية كثيرة لم يقولوها في أحد أعمالهم على الإطلاق! أي أنهم ركبوا الموجة وهم حتى لم يقرأوا أعمال هذين الأديبين العالميين. هذا فقط على سبيل المثال. آنذاك توقفت عن إدانة أي شخص يجرب الكتابة و نشر الكتب. لتكن مهنة و مصدر رزق كما فعل أسلاف سبقوهم. لا بأس إن كان الأمر في آخره سيلقِ بكل الأدعياء من كتَّاب و قراء إلى قاع السد كالطوفان، ويبقى الجيدون ما بقي الزمن و دار.

استخدمت مؤلفات مانغويل نفسه كدعامة لأفكاري. برغم إيماني به كرجل حكيم لكنني اتبعت ما أورده عن عقلية أوغسطينس و ربطت ما استخلصته من قراءاتي كأفكار بصُور كثيرة تتحرك أمامي في الواقع و تأكل من تساؤلاتي شيئاً يثير جوعاً كافراً إن لم يُشبع بالأجوبة. لم أصل إلى مرحلة الشبع بعد. لكنني في مرحلة أمنح فيها حق الإحتفال بالكتاب مثلاً في يومه العالمي للكتاب والقراء المجربين و التجاريين قبل أولئك الهواة و العشاق و الذين أسمِّهم عائلةُ الكتَاب. لن يعي المرء شيئاً عن جهله إن لم يوضع في بيئة صحيحة الفهارس. مهرجان الكتب درس ممتع خالٍ من التلقين. وسط الكتُب عموماً هو نهرٌ متذبذب الأمواج، إنه ليس كالحياة التي عرَّفها الشاعر جان كوكتو بأنها سقوطٌ عمودي. أتحسس رأسي عندما اقرأ هذا التعريف! وُجدَت المكتبات و بسطات الكتب و أندية القراءة لإحداث توازن بين عمودية الحياة و أفقية العيش المتسم دوماً بالصخب، والعنف و الفوضى. الحركة الموجية دوماً نزعة إتزان.

ليس لدي قصص أقولها في هذه التدوينة. تحدثت من قبل عن طفولتي مع الكتَاب و السلسلة الخضراء وروايات رجل المستحيل و مجلة ماجد و المنهل و اليمامة، ثم عن مراهقتي مع روايات آغاثا كريستي و يوسف المحيميد و مجلة ناشيونال جيوغرافيك و فواصل. ثم أخيراً كيف وقعت في جوى روايات دوستويفسكي عندما اشتريت المجموعة كاملة بترجمة الراحل سامي الدروبي من إحدى معارض الكتب في 2006 و كيفَ شعرت أني كبرت فجأة عندما قرأت كل ذلك الكم من الحُزن و المأساة و تضاريس الإنسان المعذب، حدث ذلك حسبما أتذكر جيداً بعد رواية الجريمة والعقاب و رواية الشياطين. كنت لم أخرج من مرحلة القراءة لكريستي بعد. أشعر ببعض الندم اليوم عندما أتذكر كيف فجأة بعدما قرأت بضعة قصص لتشيخوف بعد الانتهاء من قراءة ثلاثة أعمال لدوستويفسكي، حملت جميع روايات آغاثا ووضعتها في صندوق كرتون لم يكفِها فحشرتها فيه كيفما اتفق و سحبتها إلى الشارع وناديت على عامل النظافة ليلقِ بها في حاوية غير حاوية الحي. كي لا أضعف و أستعيدها. شعرت بالسخف والتفاهة في لحظة من نوع قراءاتي في الماضي. وهو النوع الذي قمت بإعادة تحميله في هذه الأيام و أعيد كلما داهمني الشجن قراءة رواية لكريستي أو تصفح بعض السطور من إحدى روايات السلسلة العلمية ملف المستقبل، و حتماً أشعر بفخر كنت أفتقد إليه في تلك السنين. لست فتاة ذات ماضٍ مع هوايات نسائية صرفة كالتسوق و إضاعة الأموال في شراء الملابس وأدوات التجميل. رغم أنني أبداً، لم أرها تافهة في أي مرة اشتهيت فيها الإطلاع على آخر خط للموضة في شيء ما و اتبعته. لكن هذه الهوايات لم تكن هواي. التسوق، الطبخ ( الذي أجيده)، الإدمان على إقامة الحفلات و الذهاب إليها. إنني رهينة المكتبات و الحدائق دوماً. و أؤمن أن من يحب شيئاً يستطيع استخراج أوجه المتعة و السعادة فيه.

إنني أكتب هذه التدوينة فقط لأقول أنني أدين للقراءة بشيئين:

OojaQkgZ

iJ9sjFsn

الأول،

أدين للقراءة بتعريفي على أجمل مكتبة، ومتجر كتب رأته عيني. لم أزر كل مكتبات العالم العظيمة بعد. لكن مكتبة Waterstones في لندن لا يفوقها جمالاً سوى مكتبة لندن الوطنية وإن كنت شعرت بالألفة والهوى ل Waterstones أكثر لأنها لشراء الكتب لا للقراءة فحسب كما المكتبات الوطنية والمركزية. من هذه المكتبة اشتريت أجمل كتب قرأتها في حياتي. أرغب باستثناء كتب دوستويفسكي لكن شيخ الروائيين الروس منحني إنسانيةً و نبلاً أكثر مما منحني جمالاً. وجدت الجَمال المبتغى في روايات موراكامي و كورماك مكارثي و كونديرا و مذكرات الولد ويمبي. نعم، بلا استصغار. عندما تقرأ هذه المذكرات المخصصة لفئة النشء تُدرك أنك تقرأ دروساً للقراءة البصرية و المختزلة. كيف تقول رسائل عديدة في عدد قليل من الجُمل؟ كيف ترصد ملاحظاتك عن الأشياء و الأحداث بطريقة جذابة غير تقريرية؟ كل هذا يخبرنا به الولد ويمبي الذي تخصص له المكتبات ركناً لأنه يستحق التكريم و نجد هذا الركن حتى في مكتبة جرير. في مكتبة Waterstones تعلمت و تقدمت في القراءة الأدبية باللغة الإنجليزية و تحسنَت قراءتي السريعة بالإنجليزية أيضاً. كنت قبلها مجبرة التركيز على القراءة الإنجليزية العلمية لمتطلبات الدراسة. وضعني فقر توفر مكتبات عربية في ليدز ولندن في اختبار ظننته صعباً لكنه كان من أحب الإختبارات إليّْ. خرجت من معيشتي في بريطانيا بعد سنوات وعدت إلى وطني بواحد وستين كتاباً حصيلتي من مكتبة Waterstones على مدار الأعوام، أثمن الأعوام في حياتي. تلك الكتب كانت الشحنة الوحيدة التي تكبدت تكاليفها الكبيرة برحابة صدر ولم أشعر بالشقاء عندما حرمت نفسي من عدة ضروريات على مدى أشهر لأنني استهلكت ميزانيتي في نقلها إلى منزلي في مكة.

أدين لأحبتي عظماء الأدب و الفكر والعلوم. هم أحبتي حرفياً. أحبهم ولا أتخيل كيف كان سيكون شكل حياتي و تضاريس روحي لو لم اقرأ لهم. كونديرا، دوستويفسكي، تولستوي، تشيخوف، بوشكين، ديكنز، لوركا، إميل سيوران، جورج أورويل، فيرجينيا وولف، جوستاين غاردر، آلان وايتمان، هاروكي موراكامي، يوسا، باتريك موديانو، ادوارد غاليانو، ميشيل فوكو، حسن مطلك، واسيني الأعرج، إبراهيم الكوني، كورماك مكارثي، ديفيد والاس، البرتو مورافيـا، بورخيس، كنوت هامسون، هيرمان هسه، وودي آلن، أمين معلوف، جبران، ميخائيل نعيمة، مالك حداد، قاسم حداد، فاروق جويدة، أحمد مطر، محمد الثبيتي، كانط، نيتشه، هيدجر، حنة أرندت، مونتسيكو، آينشتاين، معدِّين ومؤلفين سلسلة كابلان وأطالس التشريح وعلم الأمراض من أطباء وعلماء. و أخيراً، امبرتو إيكو.. لم يتحول حزني على وفاتك إلى رماد بعد. لتنعم روحك يا إسم الوردة.

هذه عينة من آخر مقتنياتي من Waterstones ما قبل ثلاثة أعوام. باستثناء القاموس الإنجليزي الذي اشتريته في السنة الأولى من كلية الطب وقد كان خير معين في شرح كثير من المفردات التي لم تتعلق بالطب في الحقيقة، و إنما بالعلوم عموماً. و أنصح به لأنه يعتمد على تفسير الكلمات بالرسم و المعنى.

OGNZvRNl

الشيء الثاني الذي أدين للقراءة به،

الكثير من تغيراتي التي أشعر بالرضا عنها اليوم. أدين للكتاب بكشف الكثير من الزيف القرائي في عقول و أنفُس لم أتوقعها. كلما قرأت أكثر، كلما عرفت أن القراءة بلا تطبيق للأفكار التي أعجبتنا فيها هي محض تمزيق للمعنى. تفريغ للروح من صوتها و هويتها و تمثيل بها في أي اتجاه.

أدين للكتُب التي اشتريتها و أهديتها لأناس أحببتهم و يبدو أنهم قذفوا بها إلى الجحيم اليوم بعد كفايتهم من أسباب احتفاظهم بي في حياتهم. أدين لتلك الكتب لأنني عندما أتذكرها، أستعيد كيف كنت أتمناها لنفسي لكن عدم امتلاكي لمالٍ كافٍ لشراء نسختين جعلني أفضِّل إهداءها لهم لأن شعورهم بالسعادة سيسعدني. أدين للكتب المهداة لي من أشخاص أحببتهم و أحتفظ بإهداءاتهم و أبقى وفية لها ما حييت، لا تغيرني الأيام ولا سوء الظنون، لأنني لا أسيء، أو هكذا أحاول، فإن راودتني نفسي. أعتذر منها و منهم و أعود إلى حديقة نفسي مطمئنة بسلام. أدين للقراءة التي علمتني أنها قد تكون اكسسواراً عند أقوياء على الكلمة ضعفاء على النوازع. يتجملون بعناوين الروايات العظيمة و السير الذاتية ذات الهيبة والوقار وعند أول تجربة لخلاصة القراءات الرهيبة تلك، يرى المرء شيئاً كان صرحاً فهوى. أدين للقراءة أنها سلاح. لكنه خطر عندما يعبث به السفهاء. أتسلح بالقراءة اليوم كلما رأيت انقلاباً لمسلمات الأمور، فالسيء ينعت الطيب بالسوء و يقول له لقد أضجرتنا وأنت ترينا أنك طيب وأننا سيئون! و الكاذب يتهم الصادق بالسطحية و ينزع عن الذي ينشر كلمة جميلة ونقية حقه في دعوة الناس إلى قراءتها لأنه يعرف أن المشغولين بأخبار الموت و نشر صور الجثث والدماء و الأشلاء لن تصل إلى قلوبهم نغمة الكلمة التي تنفخ معناها في فمِ وردَة، سائلة أن يمنح المرء صدرهُ فرصة أن يتلبس وهلة ولوهلة، عقداً من الياسمين. كلما شهدتُ على ركض قراء كثيرون اتخذوا من القراءة خوذة حماية أثناء ممارستهم للمصارعة بدلاً من أن يتخذوها مصلاً يجدد الدم في عروقهم، أرنو إلى كتبي و أقبِّلها. لم أكن أفعل هذا قبل أعوام. لم أكن أقبِّل كتبي الحبيبة. اليوم أفعل و أحياناً أبكي خائفة مستوحشة. أفقد أُلفَتي مع هذا العالم، أو كي لا أظلمه ساهية، أقول أنني أفقد ألفتي مع هؤلاء الناس الذين لهم أتباع و جماهير مغيبين كُثر في هذا العالم. يؤسفني أن العالَم ليس له فَم يصرخ. ولا يدُ تشير إلى وجوب التوقف و النزول عن عاتق الأرض. لكن، يفرحني أنني في أسوأ الأوقات لا أفقد صوتي الموجود في أفواه أبطال الحكايا في الكتب، ولا يدي التي تقلِّب الصفحات بلهفة لتشرَب، و تسلى، و تستكين.

شكراً لله على الكتاب. و على الكلمة الميزان.

مذكرات طالبة بورد- الحلقة الخامسة

med1

كان لقاء زميلات دراسة، أنا دقيقة في اختيار الكلمات عندما يختص الأمر بعلاقاتي. زميلات. لسن صديقات. لذلك ميلان جسدي على الأرض فجأة كان محرجاً. كنت سأسقط لولا أياديهن التي أسندتني. لكن كان قد قضي الأمر لأن قطرات من الدم تساقطت من أنفي على قميصي السماوي الرقيق المزخرف بالزهور، و قطرات أخرى تساقطت على الأرض البيضاء. كنت قد لبيت الدعوة وأنا أشعر ببعض الألم عاودني، أعرف أعراض الانتكاسة لكن لم تداهمني يومها، أخذت كبسولة ريلباكس وقلت سيكفي. زميلاتي يتخذنني صديقة وأختاً. لحسن حظي أن جميعهن طبيبات. قمت بتعليق المحلول و وضع أنبوب الأوكسجين في أنفي، الأنبوب الذي كنت جلبته معي لأنني أحتاجه دوماً بلا إنذار و لأنني بدأت أرتجف من الحرارة أعطتني إحداهن ابرة فولترين. عندما بدأت أستعيد تركيزي لمحت نورا تبكي بهدوء وهي تبحلق في عيني. حرصت ألاَّ يعرف أحد عن أمر الورم لكن انكشف كل شيء و شعرت بالخزي لأنني أحزنت زميلتي الطيبة التي أسعفتني قبل قليل في بيتها الذي يفترض أننا التقينا فيه لننسى عناء أسبوع دراسة قاسٍ من التنقل ما بين الجامعة والمستشفى. كنت سأواسيها لكنها أشارت لي ألاَّ أتكلم، عندما خرج الجميع إلى الصالة وتركنني أستعد ليصطحبونني إلى بيتي، قالت نورا : اذهبي ونامي مطمئنة، لن يعرف مشرفك ولا أحد من الزملاء شيء، لكن أريدك أن تعرفي أنني أشكرك على السماح لي ولمجموعة فترة الصباح على التعرف عليكِ. أنتِ غير طبيعية! كنت سأمازحها بالسؤال عمَّ إذا كانت هذه رمية أم ثناء. لكن رأسي كان يلف كطائرة جريحة تدور حول نفسها و خيط دخان يتصاعد من ذيلها بيأس، فاكتفيت ببسمة باهتة لم تنتبه لها على الأرجح. أنا مريضة منذ عشرة أيام. لكنني بالكاد وصلت و بدأت الدراسة. لن أستسلم لغرفة التنويم والعناية المشددة وأجهزة قراءة المخ والقلب و محاليل ضبط الضغط و الحرارة والأنين الآن. إنني أتألم لكن لن أصرخ ولن أبكي الآن. يجب أن أنجز جميع مهام مارس على الأقل. وبعد ذلك، ليكن ما يكون.

أتقدم في بحثي عن ميكانيكية عمل الدماغ و إنتاجه للأفكار بالطريقة التي نفكر بها. الطريقة المرتبة التي تضع الأفكار عن السياسة في مكانها بعد قراءة الأخبار و تضع الأفكار العلمية في مكانها بعد محاضرة في المعمل و أيضاً تضع الأفكار الشخصية في مكانها عندما تفشل جميع محاولات نسيان شخص ما ويحل محلها ألمٌ نفسي لا يقاوَم. أبحث و أختبر بعض العينات و أقرأ دراسات من سبقوني من باحثين و أكتب ملاحظاتي و أتقدم. أشعر بالرضا عندما أرى عين مشرفي تلمع كلما قرأ سطرين في البحث. بالأمس عدت بعد يوم عمل طويل إلى البيت بطريقة غير مفهومة. كنت مريضة جداً. حرارتي في الأربعين. أخذت علاجاً من المستشفى بعد انتهاء المناوبة و عدت لكن لا أعرف كيف وصلت. كان عليَّ واجب تجهيز ورقة proposal لمشرفي عن مستجدات البحث بعد آخر لقاء. وكان بيننا موعد لقاء في الغد للمناقشة. حملت همَّ الإعتذار له و كيف سأقنعه أني مريضة ولن أقدر على الخروج والكلام. بعد صلاة المغرب رفعت يدي بالدعاء لله أن يساعدني. دخلت إلى تويتر أتصفح فالحمى كانت تمنعني من النوم. اتصل بي بروفيسور. ديفيد واعتذر عن موعدنا لأن سفراً طارئاً استدعاه. كنت أتمنى لو أستطيع رؤية الله لأعانقه على رحمته. الحمد لله.

_ الوقت الآن الخامسة صباحاً، أتفقد بريدي الإلكتروني. وصلت رسالة من طالبة طب في السنة الثانية تسألني عن نصائح عامة. أحببت هذا الاختصار والبساطة. أضع ردي هنا أيضاً لأنني كثيراً ما سئِلتُ هذا السؤال:

1_ افرحوا بشغفكم. لا تستمعوا للصوت القائل أن الدراسة صعبة و قاسية ومعقدة. دخلتم الطب لأنكم تحبوه. جميع المواد ستحتوي تعريفات و رسومات جديدة عليكم لم تكن مدرجة في مواد الأحياء و العلوم بالمدرسة. اعتبروها مثل لعبة المفردات vocabulary و اقرأوها بمرح و نشاط. متى ما اعتبرت الدراسة لعبة كلمة السر، ستبدد الملل والخوف.

2_ تجنبوا التسويف. بعض الناس يشتكون من أنهم يقومون (بتختيم) جميع عبارات التحفيز والتشجيع والإيجابية لكن لا جدوى، يظلون متلبسين بالكسل والإحباط والنعاس أيضاً. كل هذا عندما يكون لديهم مهام للغد أو بالأكثر بعد الغد. السبب هو أنك تعتمد على غيرك في تنشيطك و تثق به أكثر من ثقتك بنفسك. أنت وحدك من تستطيع مساعدتك. ألزم نفسك بوقت تحدده أنت حسب تقييمك للمهام واجلس أمام كتبك بإضاءة غرفة مناسبة و بدون صوت فيلم و موسيقى و حوارات. افتح الكتاب، اقرأ المهمة المطلوبة. افتح الصفحات التي تحتوي على حلها، اقرأها وفي يدك قلم تحديد فسفوري وحدد كل شيء مهم وأغلق الكتاب ومعه أغلق عيناك لخمس دقائق وضع ال timer كي لا تتجاوزها. عندما تفتح عينك عد لقراءة ما قمت بتحديده فقط و أنجز مهمتك وانظر حينها لشعور السلام و الإطمئنان و الارتياح أيضاً الذي سيُبث في قلبك.

3_ إذا كنت تفعل شيئاً من أجلك خلال الأسبوع، حافظ عليه. مثال: (قراءة رواية، مشاهدة فيلم، تناول كورن فليكس بالشوكولا، تغريد لمدة ساعة على تويتر، إلخ..)

4_ كتاب الفسيولوجي ل ليندا كوستانزو منقذ طوارئ لا يخذل أبداً. ضعه دوماً بجوارك. كان صديقي الوفي عدة مرات في السنوات الأولى من الدراسة.

5_ راجعوا دروس السنة الماضية كلما استطعتم.

6- حاولوا قضاء بعض الوقت في المستشفى والعيادات. ليس بالضرورة أن يُطلب منكم. افعلوها بأنفسكم وستعرفون أنها أفضل مراجعة واستذكار للمحاضرات الإكلينيكية التي تبدأ في السنة الثانية ( كل كلية وحسب خطتها الدراسية) .

7_ تجنبوا الإرهاق. امنحوا أنفسكم وقتاً. الجدية والصرامة لا ينبغِ أن تكون مرادفات للتهلكة.

8- اكتشفت في وقت قريب أن السؤال الشائع والمستديم (كيف أذاكر مواد الطب) أغلب إجاباته من مختلف الأطباء و الطلاب المتقدمين لم تجدي السائلين نفعاً ملموساً. السبب؟ لأن كل شخصية و عقلية لها طريقة استذكار خاصة تتناسب معها. أنا مثلاً من الأشخاص ضعيفي الذاكرة، لا أستطيع الحفظ. كيف كنت أحفظ أسماء الهياكل و الأعضاء وأعراض الأمراض في الأناتومي و الباثولوجي وغيرهم؟ كنت أربط بين الأشياء بتشبيهات خاصة من عندي لا علاقة لها بالدرس ولا بالطب! نجحَت هذه الطريقة واستطعت تذكر إجابات كثيرة في الامتحان عندما استحضرت روابطها الشخصية. أيضاً استخدمت الخرائط الذهنية المبسطة لا المعقدة التي تحتاج إلى شرح فوق شرح الدرس الأساس! كما استخدمت طريقة سكيتش نوتس برغم أنني فاشلة في الرسم. لكن عندما ترسم لنفسك أنت فقط لن يكون الأمر ذو قيمة فنيَّة بل تدوينية فحسب. و هكذا، لا تسأل أحداً كيف أذاكر. اعرف نمطك أولاً ثم ابحث في الإنترنت عن طرق المذاكرة المناسبة لهذا النمط.

9_ لا تفقدوا الحافز. ضعوا عبارات و صور تخصكم على المرايا و الباب و على شاشة الهاتف لتذكِّركم كل وقت أن هذا حلمكم الذي يستحق العناء للوصول إليه. إن كنتم تحبون الألعاب ادخلوا على مواقع ألعاب و ألغاز طبية و العبوا، حتى لو كانت للأطفال. هذه موقعين ممتعة : هنـا ، و هنـا .

10- أنتم لا تنسون وضع جوالاتكم في جيوبكم و حقائبكم مهما كانت ذاكرتكم ضعيفة أليس كذلك؟ اعتبروا أن دفتر مذكرات جيب صغير هو هاتف أيضاً. لكنه للتواصل مع عقولكم لا مع الناس. لا تنسوا إبقاء هذا الدفتر دوماً معكم. برفقة قلم صغير. دوِّنوا كل معلومة جديدة أو صعبة خلال اليوم. قد لا يكون لديكم وقتاً لفرزها والبحث عن معناها وشرحها في نفس اليوم. لا بأس. المهم أن تُدوَّن. سيكون الوقت كاملاً بين أيديكم في عطلة الأسبوع. افرزوا الكلمات، العبارات المهمة، كل شيء.. و ابحثوا عن المعنى وكل ما تحتاجونه من ارتباط بهذه المفردات. كنت أسعف نفسي بهذه الطريقة حتى أدمنتها و أصبحَت هي عكاز ذاكرتي. إنها أيضاً تحول الإطلاع والمعرفة إلى هواية ممتعة.

11_ حافظوا على صحتكم. الطب دراسة تحتاج إلى لياقة و بعض صلابة. والمحافظة على هاتين إن لم تكن صاحب تاريخ مرَضي بشيء مزمن ، سهل و ممتع. كأن تواظب على أكل فاكهتك المفضلة و تمتنع عن الزيوت المهدرجة و الأشياء الأخرى المنتشرة اليوم في انفوجرافيك لا محدودة على المجلات و المواقع وتويتر و انستقرام.

12_ هناك من يقول أنه يفعل كل شيء ويلتزم بجميع النصائح و يقتل نفسه لتنفيذها لكنه يظل لا يفهم شيئاً في الطب ولا يشعر بالإرتياح عند دخول الكلية و عند فتح الكتاب. لهؤلاء أقول شيئاً ربما لم يقُله غيري من قبل خوفاً من تهمة السلبية، وهذا قصور في تحليل و إدراك المفاهيم. الطب ليس فرض عين. ليس واجباً على المرء أن يكون طبيباً أو لا يكون. حلمت به و مشَت الرياح بما لا تشتهِ السفن؟ لا تجبر نفسك فتوقعها في مغبة الكره. صلاة الإستخارة فعلٌ حقيقيٌ و نجوى لا أنقى منها مع الله. إن صليتها وما زالت التعاسة والقلق يتملكانك، انسحب. قد كتب الله لك خيراً في مكان آخر، فابحث عنه.

_ يوم الإثنين الماضي صادف أن كان الجميع جائعون وقت جوعي. و الجميع لا يشتهون طعام الماكينة ولا كافتريا المستشفى. لم أكن أعرف، صنعت سلطة فواكه في عيادتي و إذ بإحدى الزميلات تتذوقها وتدعو الجميع فجأة و يقولون لي اصنعي لنا معروفاً و سلطة كهذه! لا أقول كان حدثاً طريفاً، بل سعيداً بصراحة. موز، خوخ، فراولة، برتقال، كمثرى، كوب حليب صغير في كل كأس، مكعبات توست محمص. مكعب سكر، و استمتع بالطعم J

_ لا أزال أقرأ في كتاب 14.000 things to be happy about . توصية من أخي امتننت له عليها وكأنها كتاب ألف ليلة وليلة! لكن من قال أن ألف ليلة وليلة هي العظمى فحسب؟ حسناً لا أقول أن هذا الكتاب عظيم. لكنه مثل سقاية للقلب الجريح والنفس المُرهقة من الأحزان و الأعباء والهموم. لغة الكتاب عامية. مررت ببعض المفردات لم أفهمها. وقلت هذا وقت اللعب! بدأت أدونها في دفتر و سأبحث عن معناها في أقرب وقت.

_ قمت بترجمة مقال من مجلة يوميات طبية هنا ، ربما يكون هذا توجهي في الترجمة لفترة. المقالات العلمية والطبية. الجميع متجه إلى ترجمة الأدب و قد أصابني اشمئزاز عندما رأيت بعضهم فقيرون إلى الأدب لكنهم يغطون على فقرهم بالترجمة. لا أحد يعلم أن هؤلاء المترجمين ممن كانوا يراهنون مع أصدقائهم فقراء الأدب مثلهم على الإيقاع بفتاة و إثبات أنها ليست شريفة وطاهرة كما تدعي! لا أحد يعلم أن بعض هؤلاء أصبحوا أصحاب دور نشر و عناوين عالمية في الترجمة بأيدي أصدقائهم وصديقاتهن الذين يشتركون جميعاً خلف الترجمة في نفس السمات، فقر الأدب. لكن قيل، كما تدين تدان. لا تأخذ حقك ممن أساء إليك، يقال راقب القدر فقط، فهو يبدع في الإنتقام للمتسامحين و ضعفاء الحيلة.

من فقر النوم إلى الإباضة! محفزات دقيقة يمكن أن تزيد من كوننا متهورين

insomnia

ترجمة شخصية فنية لمقال طبي منشور في مجلة يوميات طبية ، فريق المجلة أخذ نظرة بحثية على بعض المسببات اللاواعية لدينا مثل فقدان القدرة على النوم، و وجد أنها يمكن أن تدفعنا إلى فقدان السيطرة على أنفسنا.

عندما نراقب ميل شخص ما إلى تحفزه واندفاعه للمخاطر حتى غير المدروسة منها، باعتبارها صفة ملازمة له. نجد هذا في صنف الأشخاص المولودين بنزعة حب للتباهي بما لديهم. و لكن بالرغم من أن جيناتنا و طفولتنا في المنزل لا تتسم بمؤثرات غير متناسبة مع شكل شخصياتنا العامة، إلا أن اللاوعي لدينا قد تكون لديه أفعال داهية تؤدي بنا إلى مخاطر سيئة و تجعل تصرفاتنا مثل قطرات شيطانية متراكمة و طافحة من قبعة. لنلقِ نظرة على بعض منها،

ليل ذو نوم سيء.

لم يتم الأخذ بقصة موت فان وينكل لفهم أن عادات النوم السيئة يمكن أن تدمر حياتنا. إنما كما نوهت مجلة يوميات طبية سابقا، فقر النوم المنتظم أو وجود مشكلة مستمرة في النوم يمكن أن تؤدي للإصابة بمرض السكري من النوع 2 و أمراض القلب والسرطان، و كما اتضح أيضاً أنها تؤدي، إلى فقدان السيطرة على النفس.

في تموز 2015، تمت مراجعة بعض الأوراق العلمية المتاحة و وُجد أن الأفراد المحرومين من النوم لديهم مشاكل يومية في صعوبة ضبط النفس مثل مقاومة الدوافع لسلوكيات مؤذية والحفاظ والانتباه على السلوكيات الطبيعية من الإنحراف. بالرغم من وجود عدة أسباب لكون فقر النوم سبب في فقدان السيطرة على عقولنا إلا أن الباحثون في نظريات الإتصال فسروا ذلك على مستويين مختلفين: فسيولوجياً و نفسياً. بالنسبة للأول، فإن النوم جيداً في الليل يفعِّل و يغذي قدرتنا على استخدام الجلوكوز، وهي وظيفة معروفة لضبط و تركيز أفضل على النفس. أما ثانياً، فلدينا محاولات عقيمة لمكافحة تزايد الرغبة في النوم وحسب مواردنا المعرفية و النصوص التي يتم إرسالها في وقت متأخر من الليل بعد اختبار نوم العيِّنات وجدنا أن المزيد المعقول من النوم، وإضافته إلى الجدول الزمني اليومي للفرد، حتى لو كقيلولة سريعة، يخفض من معدل التهور في فعل سلوكيات خطرة.

قرارات منهِكة

على غرار القتال مع عدم القدرة على النوم، يُعتقَد أن تكرار الإختيارات و اتخاذ القرارات الصعبة يستنزف موارد طاقتنا وإدراكنا الداخلية التي نعتمد عليها لما سيكون خلال اليوم. العمليات المعرفية كهذه غالباً يشار إليها بإسم التنظيم الذاتي.

دراسة في 2008 من مجلة الشخصية و علم النفس الإجتماعي قامت بعمل سلسلة تجارب تختبر مهارات التنظيم الذاتي في_ صنع القرار. مثلاً، تطلب من زبائن حقيقيين أثناء انهماكهم في رحلة تسوق أن يقوموا بحل مسائل رياضيات. في ذلك الإختبار، الأشخاص الذين قاموا بعمليات شراء أكثر، وبالتالي اتخاذ قرارات أكثر ( ما السلعة التي سأشتريها؟) في وقت مبكر من اليوم، كانوا أكثر عرضة لاستغراق وقت أطول في حل المشكلة وإنهائها سريعاً على عكس أولئك الذين لم يشتروا كثيراً من السوق.

النتائج أشارت إلى أن التنظيم الذاتي، و المبادرات الحيوية، و الاختيارات المجهِدة المعتمدة على نفس الموارد النفسية، استنزفت هذه الموارد مما أضعف القدرة لاحقاً على ضبط النفس و اتخاذ مبادرة جيدة تجاه الأمور. و المثير للإهتمام، أن الناس الذين يستنزفون أنفسهم باتخاذ قرارات منهِكة ومتعِبة تكون قراراتهم تلك متسمة بالتسرع والكسل معاً. و من جانب هام، التنظيم الذاتي هو أمر مماثل في اضطرابه لدى هؤلاء لكنه ليس مطابقاً لمفهوم التحميل الإدراكي، وهي نظرية مفادها أن الناس لديهم كمية معينة من الطاقة و الإنتباه يمكن أن تُعطى في الوقت الواحد لتنفيذ أمر واحد فقط وفي أي لحظة. ويشبه ذلك التنظيم الذاتي، و أيضاًطغيان عدد كبير من المعلومات على الدماغ في وقت واحد يضعف قدرتنا على مقاومة الإغراءات. ( قرارات، اختيارات) كمثال على ذلك يمكن النظر إلى محل تسوق ملئ بالسلع. مثل إيكيـا. هذا أيضاً يفسر جزئياً لماذا الناس ذوي الدخل الإقتصادي الأقل يتخذون قرارات أكثر تكلفة وهو الأمر المدفوع بالتسرع مما يجعل الأمر عادة.

الإبـاضة

بالحديث عن التسوق، في دراسة أجريت في فبراير 2015 على خمسمئة امرأة جميعهن تتراوح أعمارهن ما بين ال 18 وال 40 ولسن حوامل ولا يتناولن حبوب منع الحمل، وُجد أن الإباضة تدفعهن رويداً إلى الإنغماس في التسوق على وجه الخصوص.

تماماً مثل صيـاد يلقي شبكة واسعـة. تبويض المرأة يلقي شبكة واسعة في مسبَح تعارُف و يوسع عدد خاطبي الود المحتملين الذين سيتم الإنتخاب مما بينهم. كرستينا ديورانت، أستاذة مساعدة في جامعة تكساس، شرحَت في ذلك الوقت: ” هذه الرغبة للتنويع في الرجال المنجذب إليهم عند التبويض تحدث أيضاً وتحفز مشغلات عقلية متنوعة و تتماس معها في حمل رغبة أكبر في التنويع بين المنتجات. وبالإضافة إلى هذا الإكتشاف الرئيسي، وجدوا أنها تخفض نسب الخصوبة في ظل ظروف معينة.

“التنويع أيضاً في أنواع الحلوى و أسماء الماركات و مستحضرات التجميل من الأشياء التي تحفَّز عند الإباضة”. أضافت ديورانت : “ومع ذلك، عندما تكون لدينا امرأة نفترض أنها في علاقة مع رجل مرغوب فيه، أو عندما تكون لدينا امرأة متزوجة وضعت في يدها خاتم الزفاف، نجد أنهن لا يعودوا كثيراً يرغبن في التنقل والتنويع حتى بالقرب من وقت الإباضة.”

في دراسة أخرى أجريت عام 2010 في مجلة يوميات طبية ، للباحث ليزيت بوريللي، تم إيجاد أن النساء في فترة التبويض يقبلْن أكثر وبلا وعي على شراء الملابس الجنسية حتى لو لم تكن من أجل الشريك. أحياناً تكون لأغراض تنافسية مع نساء أخريات.

الجوع

أي شخص جرب الإحساس الرهيب للجوع، يعرف جيداً أن المعدة الفارغة يمكن أن تفتك بأبسط مافي طبيعتنا ملائكية. الديناميكية هنا تشبه النوم بشكل ما. عندما ينخفض مستوى السكر نصبح بحاجة إلى الغذاء. بدون ذلك يحدث أسوأ فقدان سيطرة على الإنفعالات. والعكس صحيح. و لكن الشعور الحاد بالجوع يتشارك جزئياً مع تلك المنطقة عند الغضب. وذلك بفضل ناقل عصبي يسمى بيتيديات عصبية neuropeptide Y ، و مستقبلاتها : Y receptor.

Y يساعد على تعزيز الشهية وانخفاض النشاط البدني عند انخفاض مستوى الجلوكوز. وفي الوقت نفسه، أظهرت بعض البحوث على الحيوان أن تحرير بعض النواقل العصبية يزيد من العدوانية. وهو الأمر الذي فسره بعض كسبب لأسلافنا الذين كانوا يعملون بجد على حماية مواردهم الغذائية المتاحة لهم. كما أن هناك دراسة كانت تتم في فترات متفاوتة على إنسان واحد على الأقل أظهرت أن ازدياد مستويات مادة كيميائية _ يوريا مثلاً_ في السائل الشوكي وجدت في أشخاص يعانون من اضطرابات واضحة في الغضب. وهذا الغضب يزيد من فقدان الصبر و فقدان القدرة على تحمل المزيد من المخاطر.

بطبيعة الحال، الجسد أكثر تعقيداً من مدفوعاتنا لأجل فهمه. يبدو أن الأشخاص الذين لديهم مستويات منخفضة من Y وراثياً، لديهم تجارب سلبية سيئة مع مواجهة الإحساس بالألم أكثر من أولئك الذين يحملون Y بنسب طبيعية. هذا بالطبع عائق ويجعلهم أكثر عرضة للإكتئاب، و الذي بالتالي يؤدي إلى ضبط أسوأ على النفس (هذه العلاقة تتناسب طردياً في وجود إحدى المشكلتين)

لا شيء من هذه الأسباب يمكن إلقاء اللوم عليه كلياً في تدهور أحوالنا والتسبب لنا بالإندفاع السلبيّْ. لكن للبقاء على الجانب الآمن، أنصح بالحصول على قسط كافٍ من النوم، و تناول طعام جيد، و أخذ الأمور بروية و بساطة قدر الإمكـان.

Peace for the name of my flower: Umberto eco

28iht-eco28-pic-videoSixteenByNine1050

50364439

لقد رحل حبيبي و معلِّمي و صديقي الكبير العظيم بل أعظم من كان عائشاً في وقت حياتي أدبياً، وفكريا.. امبرتو إيكو. لقد غادر من هذا العالم المختل عقلياً الذي يركض إلى الأسفل بشهوة دموية، غادر كملاك يرفض البقاء في مكان لا أمل في عمل صالح يُرجى منه. رحل و تركني بلا معلِّم آخر سوى البرتو مانغويل. أتفاخر و أتباهى دوماً بهذين العظيمين و كونديرا معهم عندما يطيب لي ذكر أي قوائم مفضلات أدبية معرفية، و فلسفية. أحترم غروري بهم و أشفق حرفياً على من حُرِم من قراءة أحد أعمالهم. ليست هذه قراءة أدبية عن فيلسوفي المعاصر الذي كان ” الأنا والآخر” معاً لمن يقرر بعد القراءة له الإكتفاء به، لولا أن للقراءة عموماً غواية لا تبقِ في سقف الكفاية حطباً ولا تذَر، لا كتفيت بما تشرَّبته من اسم الوردة و باودلينو والنزهات الست في غابة السرد و لبقيت أفكك و أحلل و أربط معه السيميائية و أعتبرها لعبة النصوصيين الأذكياء. كنت أسخر من الأبستمولوجيا و الأنثروبولوجيا و أراها حذلقة فيلسوفيين لا فلاسفة، لأنني تأثرت بروسو و كانط و دايفيد هيوم و حتى نيتشه حد أنني لم أعتقد بوجود من يأتي بعدهم مكتشفين تجريبيين جدد بل ظننتهم ناسخين و مقلدين و معيدي تدوير لنظريات عِظام الأسلاف، إلى أن أنعمَت علي الحياة بأجمل معرفة، إيكو في اسم الوردة و باودلينو معاً..في نفس الفترة. لم يكن هناك وقتاً فاصلاً بين قراءتي للروايتين. عندما أنهيت قراءة اسم الوردة بدأت في اليوم نفسه بقراءة باودلينو، لأنني وقعت من أول صفحة في الإدمان على عقلية هذا الرجل الذي يشبه جد هايدي هو ومانغويل أيضاً، وهذا لم يحدث من قبل مع أي كاتب قرأت له في حياتي سوى دوستويفسكي، و لوركا في الشعر والمشاعر. تعلمت من إيكو كيف أفهم معركة واترلو بين نابليون و الدول الست قوية البأس التي دحرت الفرنسيين و أسقطَت نابليون واكتشفت أن ما كنت أعرفه عن المعركة من قبل هو معلومات متصفحي قوقل العابرين لا معلومات باحثين عن معرفة حقيقية، برغم أنني كنت أبحث بجُوع إلى التعرف على التاريخ. كان الفوز بين الأمم قديماً يحدث دوماً بحدوث حروب. هذا منذ نشأة البشرية كما نعرف. ظننّاها سنَّة الكون و عنصراً من عناصر التوازن بين القوى، لكن إيكو يعلِّمنا أن كل الحروب التقليدية التي حدثت في العالم لم تكن لتحدث لولا اختلال التوازن. ثم أنني كنت أنتقد نفسي و أوبخها عندما تشترك مع عقلي في عصفٍ ذهني عن شيئ معين فأستنزف طاقتي في كتابة طويلة أشك أثناءها أنني سأتعب أو أنتهي، سميت نفسي بالثرثارة المهذارة لأنني كنت أقرأ على نفسي بصوت متفاعل مع الفواصل و انتقالات الكتابة من فكرة لأخرى و ملاحظة لأخرى و وادٍ لقمة جبل ثم أخذ إيكو بحنانه و عظمة رأسه بيدي و قال: “إن العادات اللسانية هي دائماً أعراض أساسية لأحاسيس لم يتم التعبير عنها”. فسكنْت و أرفقت بي. لقد ربَّتني عائلتي على حب الوطن و علمتني جيداً كيف أنقد الأخطاء دون الإنزلاق إلى هاوية الخسة و نكران الجميل لكن إيكو أكمل الأمر حين علمني كيف أحترم نفسي كمواطنة محبة لأرضها في دولة تعترف حكومتها بالشعب كعنصر لاستمرارية نفوذها و كيف إما ألومها وأنبهها أني أفهم ما تفعله أو أتخذ لها العذر دون أن أظن في نفسي الغباء و المداهنة و الخنوع، كل هذا حين قال عن الفاشية التي تتأسس على نوع من الشعبوية و ليس بالضرورة أن تكون الدموية ولا التنكيل الفيزيائي من مواصفاتها و ممارساتها : ” يُنظر إلى الشعب باعتباره مزية، كيان موحد يعبر عن إرادة مشتركة، وبما أنه لا يمكن لأي كم من الكائنات الإنسانية أن يمتلك إرادة مشتركة، فإن الزعيم سيكون هو الصوت المعبر عن الجميع. إن المواطنين وقد فقدوا سلطة الإنابة، لا يفعلون أي شيء. إنهم فقط مدعوون لممارسة لعبة الشعب، بمنطق الجزء مكان الكل. وعلى هذا الأساس لا يشكل الشعب سوى وظيفة مسرحية. ومن أجل الحصول على مثال نموذجي للشعبوية النوعية، لسنا بحاجة إلى بيازا فانيزي أو ملعب نورانبورغ. إن مستقبلنا يتراءى من خلال شعبوية نوعية تلفزية أو انترنت.”

قبل إيكو كنت أسمع بالسيميائية ك term فلسفي له علاقة بالأدب ولا أعرف شيئاً أكثر من ذلك ولم يحدث أن شعرت بفضول لمعرفة أكثر من ذلك عنها، إذ كنت مشغولة بالمصطلحات الطبية في الكلية و واجبات تطلب تحليلها و حفظ معانيها و وظائفها و حالات استخدامها و أنواعها و جميع سلالالتها أيضاً. بعد اسم الوردة كانت تقفز كلمة السيميائية أمامي بكثرة عندما أضع اسم إيكو في قوقل لأتابع أي جديد له، أو عنه، ثم أكرمتنا المنظمة العربية للترجمة بترجمة كتاب السيميائية وفلسفة اللغة و كان اسم إيكو وحده كافياً لأقرأ في مجال لم يهمني في حياتي على الإطلاق. لم أندم أنني لم أقرأ عنها من قبل، بل فرحت. شعرت بغرور خبأته بيني و بين إيكو وقد أصبح حينها رفيق درب عظيم، لا أحد يغار من عظمته ويسحبني من رأس غوايتي نحو عينيه اللامعتين مباشرةً سوى كونديرا. ليست معلومة هامشية ولا تافهة أن تعرف كطبيب أو طالب طب أن مصطلح ” علامة” أو “segno كلمة تقنية ظهرَت فلسفياً في القرن الخامس مع برمنيدس و أبقراط و أن أول تمييز لها عن كلمة ” سمة” جاء في كتاب الخطابة لأرسطو. نحن كأطباء نعي أهمية التعرف على تاريخ آبائنا في الطب و الحكمة. و بعد أن أخبرني إيكو بهذا قرأت لأول مرة كتاب الخطابة لأرسطو.. لأعرف فقط كيف استوعب رأس إيكو البحث في تلك المراجع الثقيلة على النفس حين تقرأ لتتمتع لا لتذاكر أو تزيد حصيلة الأرشيف. أقنعني إيكو حين شرح: “لقد وجد أبقراط مفهوم العرض لدى الأطباء الذين سبقوه……….وكان الأطباء الكنديون يعرفون قيمة الأعراض فهم على مايبدو كان يقننوها في شكل معادلة. كان أبقراط يؤكد أن العرض ملتبس إذا لم يقيّم بحسب محيطه، مع اعتبار الهواء والمياه و الأماكن و الحالة العامة للجسم و الحمية التي بإمكانها أن تغير تلك الحالة.” هل لاحظتم أنني كثيراً ما أستخدم كلمة شيء في كلامي وكتاباتي؟ ليس بصفتها أكثر اختصار مرضٍ للمزاج عندما يشح التعبير بل لأنها شيئاً ذي مدلول مباشر فعلاً على ما كان سيقال. إيكو يخبرنا ” يتفق الجميع على تعريف العلامة بصفة عامة على أنها شيء يقوم مقام شيء آخر، أما الشيء، فهو عبارة ملموسة ( أي كيان مادي ينتجه الإنسان أو يعترف به على أنه قادر على القيام بوظيفة المعبر عن شيء آخر.) لن يشعر بأهمية كل هذه الأشياء من العلم بالشيء سوى من يشعر بالمرض عندما يجهَل.

مع اسم الوردة كنت أعرف أنني سأتعرف على الزهور من وجهة نظر فيلسوف وعليها سأكتشف أبعاداً هندسية للورد و معانٍ خبيئة تبعث في النفس حكمة عطريّة. هكذا حسبت عندما حملت الكتاب بحجمه الكبير بين يدي ولم أكن قد قرأت عنه شيئاً ولا حتى نبذة. ناداني اسم الرواية فحسب. ثم عندما بدأت بقراءتها من التمهيد بكيت، ولم ألاحظ أنني أبكي إلا عندما أثار ملح الدموع حساسية جِلدي. ” في البدء كانت الكلمة و الكلمة كانت عند الله و كانت الكلمة هي الله.” أدهشني تناوله لوصف بناية تعبُّد سماها بالصرح و ميَّزه عن الدير بالقول ” تظهر الصخور من الأسفل، وكأنها تتعالى نحو السماء لتصبح على ارتفاع ما برجاً و قلعة، لا فرق بينهما في اللون وفي المادة (من صنع عمالقة لهم ألفة كبيرة بالأرض وبالسماء)” . قبل القراءة لإيكو كنت ممن يتهكمون على فكرة المسيحيين عن الأرواح الشريرة لأنهم شوهوها عن حقيقة كينونتها كأرواح من الجن و الأبالسة لا أرواح شريرة غامضة المنشأ أو الهوية سوى ما عرف عنها بأنها تظهر بعد موت أحدهم مستحضرة روحه أو في الأماكن المهجورة أو المبنية على القبور. لكن البلاغة في تفسير الرهبان لقتل نسّاكهم في الدير بأنه فِعل أرواح شريرة أقنعني أن لكل وجه تافه نراه وجه آخر يستحق الإحترام حتى لو كنا نرفضه. متى قرأنا كعرب رواية طويلة تجمع بين الفلسفة و الفكر و الأدب و البوليسية معاً؟! أي رواية في العالم أتقنت أو حتى تناولت هذه الأشكال العقلية سوى رواية أحلام آينشتاين فيما أذكر ؟ آلن وايتمان جمع بين الفيزياء و الفلسفة والأدب معاً و علمنا كيف نفهم الزمكان بطريقة مغايرة لنظرية آينشتاين وقلت حينها لن أجد شرحاً للنظرية يناسب عقول غير الفيزيائيين أكثر من هذه الرواية الغرائبية الرهيبة.

إنَّ رحيل إيكو، هو فقد شخصي لي. قد يركض الكثير من المتطفلين على القراءة و الأدب الآن لنعيهُ كي لا يكونوا شاذين عن أحداث الخط الساخن لكن أحداً منهم لن يجرؤ على تعزية نفسه شخصياً بوفاته لأنه لم يكن ولا يمكن لمن قرأ له عملاً واحداً أن يقول كان إيكو أديباً فيلسوفاً عظيماً قدم للأدب الشيء الكثير ، ويصمت ويذهب ليكمل تسليته بوضع روابط لكتب أشخاص آخرين ويصدح بحديثه عن الأدب وآخر رواية قرأها! هكذا ببساطة؟ لا ، لا يمكن. أنت متوهم أنك قرأت لإيكو. ربما تصفحته أو قرأت بعمق بعض الاقتباسات المنتشرة في قودريدز عنه. القراءة شيء مختلف كلياً عن التصفح. أ تكون هكذا قد عبَّرت عن صدقك في قراءة هذا الرجل؟ محال. محال قطعاً. إنني حادة و عصبية لأقصى ما يكون عندما يخص الأمر زيف المثقفين وادعاءاتهم للحزن أو خيبة الأمل بعد وفاة عظيم كإيكو. أبجل أحبابي الذي اختصر إيكو عددهم من المعاصرين و قلَّصهم كثيراً، فلم يكن هناك داعٍ لسرد أسماء كثيرة في قائمة مفضلاتي و الذين أستمر بجوارهم اقرأ و أتابع و أرصد تحركاتهم التي يسمحون لي بمعرفتها عنهم كغيري من جماهيرهم. عندما كانت تطول قائمتي، كانت تكثُر بأسماء الراحلين لا المعاصرين. إيكو و مانغويل وبول أوستر و كونديرا هم صفحة سمائي و نجومها أيضاً.

عندما يموت إيكو و يبقى شرار الخلق كسفاح الأطفال في سوريا و بوتين و السيسي و نتنياهو و حزب “اللات” والمنخلعين عقلياً كداعش على قيد الحياة يمشون معي و معنا على نفس الأرض، أنهار. تميد بي الدنيا و يتخلى عني وعيي و فهمي لما يحدث، أين العدالة؟ أتساءل. ثم أستغفر لأنني أعرف أن الله لا يظلم أحداً. لكن صماماً مغذياً لجوعي الدائم للعلم توقف اليوم ولا أعرف كيف سأقوم بسد ما تركه من خلل و فراغ و فجوة و كسر. أحب إيكو. أحبك يا امبرتو. أحبتك جداً و أدعو لك الله أن يكون مرقدك الجنة. فقد كنت طيباً لطيفاً خيَّراً عطراً ك وردة، و عظيماً سامياً ك كتاب.

الخجل المؤدي إلى إنقاذ البشرية – ذكرى ميلاد رينيه ليناك

doodle3-xlarge_trans++YPHK6QMUoUf_CW9bZ7qkxakN3SvB9JrHzSqJSfQKMyg

رينيه ليناك: كيف أدى خوف امرأة من وضع أذنه على صدرها إلى اختراع السماعة الطبية؟

بحثت في صفحات جميع الأطباء و طلاب الطب الذين أتابعهم في تويتر عن أي ذكر لهذا الرجل العظيم صاحب الفضل في أننا نفحص مرضانا بطريقة يسيرة لكن ربما أبالغ لو قلت أن مرور يوم ميلاده دون أن يذكره أحد فاجأني. لم أفاجأ. أتفهَّم أن الجميع مشغول بمسئولياته. كما أنني مشغولة برحلة سفري و إنهاء رتوش الجزء الأول من بحثي و أشياء أخرى. لكن سماعتي الطبية من أحب مقتياتي الشخصية على قلبي. كان لها الفضل في أن أكتشف تسارعاً في ضربات قلب جدتي رحمها الله وكنت حينها في المرحلة الثانوية وكانت السماعة خاصة بأخي الكبير الطبيب أيضاً. في السنة الأولى من كلية الطب طلبوا منَّا شراء ترمومتر لقياس الحرارة. عوضاً عنه اشتريت سماعة وكانت أول أداة طبية أمتلكها لأنه كان لدي جهاز قياس حرارة الكتروني من قبل. ذهبت إلى الكلية فرحة برفقة سماعتي و الترمومتر الإلكتروني. رفضوه و طلبوا ترمومتر عادي وقالوا أنني لن أحتاج إلى السماعة في هذا العام، لكنني لم أتخلى عنها ولم تبرح حقيبتي منذ ذلك اليوم، كان هذا في 2008 ، عام تحقيق الأمنيات.

هذه الترجمة الفنية شكر من الروح لروح ليناك على اختراعه الخالد.

ترجمة شخصية لمقال في صحيفة التلغراف من إعداد ريانون وليامز عن الطبيب الفرنسي رينيه ليناك بمناسبة ذكرى مولده يوم أمس السابع عشر من فبراير..

سماعة الطبيب هي القطعة الأكثر تميزاً من بين كل القطع الطبية. و معروفة حتى عند أصغر طفل باعتبارها ممثلة للطبيب. لقد اخترعها الطبيب رينيه تيوفيل هنسنت ليناك الذي ولد في 17 فبراير، و قامت جوجل بتكريمه في يوم ميلاده.

من كان رينيه ليناك؟

ولد ليناك في فرنسا 1781. درس الطب على يد عمه الطبيب في مدينة نانت إلى أن تم نداؤه كطالب طب عسكري في الثورة الفرنسية. تم تبجيله كطالب طب رائع بعد استئناف دراسته في باريس عام 1801. وبدأ العمل في مستشفى نيكر إلى أن تم إعادة تأسيس المملكة الفرنسية في 1815.

متى اخترع ليناك سماعة الطبيب؟

في عام 1816, أدى الخجل ب ليناك إلى اختراع سماعة الطبيب. كان يفحص امرأة شابة تشكو من مشاكل في القلب. في ذلك الوقت، كان الأطباء يستمعون إلى ضربات القلب بوضع أذُنهم قبالة صدر المريض. ليناك المحافظ اعتقد أن هذا الأمر غير لائق في مثل هذه الظروف بالأخص أن المرأة كانت تعاني من زيادة الوزن.

قام بدحرجة قطعة من الورق في أنبوب و ضغطه على صدرها، استطاع أن يسمع ضربات قلبها. يعتقد البعض أنه استوحى الفكرة من الناي، الذي كان يحب العزف به.

stethoscope_1819-xlarge_trans++12nnzdEWFwpO6lqsjooo1N7bMIBIv-ZL9BzRh4HFnhc

” حدث أنني استدعيت حقيقة بسيطة و معروفة في الصوتيات. الشيء المميز والعظيم أن صوت نقر ( وضع أذنه على جذع شجرة وسمع نقر طائر) انتقل من قطعة خشبية إلى أذني” هذا مما ورد في مقدمة ورقته البحثية ” وسيط الإستماع” في 1819. ” على الفور بناء على هذه الفرضية، لففتُ أوراقاً من كراس على شكل أسطوانة و وجهت إحدى نهايتيها إلى القلب، و الأخرى إلى أذني، لم تكن مفاجأة صغيرة ولا سروراً عادياً أن أجد أن أذني استقبلَت عمل القلب بوضوح و تميز أكثر مما كان في أي وقت مضى عندما كنت أستخدم التطبيق الفوري بوضع أذني على صدر المريض.

مستوحاة من تجربته بالورق، تم بناء العديد من نماذج الإسطوانات الخشبية المجوفة و ربط ميكروفون على إحدى نهايتيها و سماعة أذن على الطرف الآخر، و أطلق عليها سماعة الطبيب.

تم اشتقاق المصطلح من الكلمة اليونانية ” stethos” وتعني الصدر، و ” scopos” يعنى بها الفحص.

تطور سماعة الطبيب

تم اعتماد الأداة على نطاق واسع في جميع أنحاء فرنسا و أوروبا، قبل أن تنتشر في الولايات المتحدة. توفي ليناك من مرض السل وكان عمره متراوحاً في الخامسة و الأربعين في 1826. لكنه كان على بينة من أهمية اكتشافه، و وصفه ب ” أعظم إرث لحياتي”.

تاريخ السماعة الطبية

في عام 1851 اخترع الطبيب الإيرلندي آرثر ليرد سماعة الطبيب ذات الأذنين. مصنوعة من بلاستيك دائم يسمى gutta-percha. أول براءة اختراع حصلَت عليها الأداة للتداول التجاري كانت لسماعة مصنوعة من الخشب و المطاط الهندي. وبراءة اختراع للدكتور ناثان مارش في العام نفسه لم يستطع استخدامها لسوء الحظ بشكل موفق. في السنة التالية قام الدكتور جورج كامان من نيويورك بتكييف وإعادة تصميم الأداة بنجاح لاستخدامها بشكل أوسع تجارياً. السماعات مصنوعة من العاج ومتصلة بأنبوب معدني يحمل السماعتين معاً بمفصل، عرفَت بإسم سماعة كامان. تم إنتاجها بتصاميم مختلفة منذ ذلك الحين.

كامان لم يسعَ أبداً للحصول على براءة اختراع لأنه اعتقد أن السماعة ينبغي أن تكون متاحة بحرية لجميع الأطباء.

كيف تستخدم سماعة الطبيب؟

  • اضبط سماعة الأذن.
  • تأكد من أن أذُن السماعة موجهة إلى الأمام عندما تقوم بوضعها في أذنك. يجب أن تشعر بالراحة أثناء وضعها باتساق مع شكل الأذنين. إن لم تكن مناسبة، فإن معظم ماركات سماعات الطبيب تقدم أحجام مختلفة منها.
  • تأكد من أنها ليست ضيقة جداً: يجب أن لا تكون السماعة ضيقة على الأذن. إن حدث ذلك، اسحبها بطلف بعيداً عن تجويف الأذن.
  • قم باختيار قطعة الصدر: قطع الصدر تأتي بأشكال وأحجام مختلفة و مصممة لتناسب جميع أنواع المرضى. مثلاً هناك قطعة صدر مناسبة للكبار و أخرى للأطفال.
  • استخدم السماعة في مكان هادئ: عليك أن تكون قادراً على السماع بوضوح دون تشتيت ولا ضجيج. ضع مريضك في المكان الصحيح. للإستماع لضربات قلب المريض من الأفضل أن يكون مستلقياً على ظهره. للإستماع إلى الرئة، كن حريصاً على أن يكون المريض جالساً.
  • استخدامها على جلد مكشوف: يمكن أن تسمع بوضوح تام عندما تلامس السماعة جلد المريض.

    هل أضحَت سماعة الطبيب مهملة؟

    في 1970 تم إنتاج سماعة طبيب إلكترونية تضخم صوت الصدر و تنتج رسومات بيانية. حالياً، يتفق الأطباء أن مالا يقل عن 10 دقائق مطلوبة لفحص المريض بشكل تام بواسطة السماعة. و تتطلب أشعة لتحديد معظم مشاكل الصدر. روبرت ولكنز من قسم علوم القلب في جامعة لوما ليندا في كاليفورنيا، وصف هذا الإجراء ب ” غير فعال للغاية”. يمكن لأجهزة الموجات ما فوق الصوتية الآن التشخيص في مختلف الظروف.هناك مخاوف مثارة أيضاً حول صحة و تعقيم الأدوات. هناك دراسة مفصلة في مجلة لانسيت: قام باحثين بجمع 100 سماعة طبية من مختلف الإدارات المستشفى الجامعي بجامعة لندن و وجدوا البق على كل منها! وتحمل 21 من المكورات العنقودية. و نوع من البكتريا المسببة للتسمم الغذائي. ومع ذلك، مسح السماعات و حجابها الحاجز _ السليكون_ بالمطهر يلغي الخطر. في الآونة الأخيرة انتشرت السماعات الرقمية بشكل متزايد. في العام الماضي، كانت هناك سماعة طبية جديدة تنقل الأصوات من القلب والرئتين إلى تطبيق ذكي و مباشرة إلى قاعدة بيانات رقمية.

مذكرات طالبة بورد_ الحلقة الرابعة

2219a4be123e2d314546098dc0615cb3

و عادت الدراسة.

الجميع غائبون في هذا اليوم. ذهبت و عيني تتقد نشاطاً لبدء مناقشة الأجزاء التي انتهيت منها في بحثي مع مشرفي لكن قيل لي أنه غائب. ذهبت لإجراءات ختم بعض أوراقي الرسمية من شؤون الطلاب فوجدت شخصاً وحيداً في السكرتارية استطاع أن يختم لي ورقتين و قال أن البقية بحاجة إلى توقيع مشرف القسم أولاً وهو غائب أيضاً. و نائبه لم يأتِ بعد ولم يعطِ خبراً إن كان سيجئ أم يغيب مع من غابوا. ذهبت وقد انطفأ في عيني شيء. و توقف قلبي عن الدق بقوة محمودة كما كان قبل ساعة. أثناء عودتي استوقفني شخص لا أعرفه يبدو أنه موظف هنا، قال: eye-catching activity. نظرت إليه متعجبة و أتساءل لمَ قد يظن أن حضوري إلى دوامي نشاط؟! عرفت أن هنالك خطب أجهله لأن هذا يومي الأول بعد الإجازة، ربما يوافق يوم فعالية في المدينة وهنا تستريح الجامعات من العمل في أيام الفعاليات. خرجت و قابلت بجوار البوابة أحد عمال النظافة وسألته فقال أن هناك مؤتمر إقليمي في مونتريال دعيَ إليه العديد من علماء جامعتنا و ذهبوا إليه. هل قلتُ أن الجميع غائبون؟ ظلمتُ عامل النظافة و الموظف الذي كان تلطفه في غير محله في الممر الضيق داخل رواق الإدارة. يحدث أن تعتبر الجميع غائبون وهم فقط الذين لك شأن معهم. غيرهم يكافحون للحفاظ على توازن المكان في غياب البقية ولا أحد ينتبه إليهم لأنهم أطراف مساعِدة و العالَم يكترث بالرؤوس فحسب. عدت إلى البيت وأنا أحمل معناً متفائلاً لما حدث، قلت لعله خير. إشارة إلى استحقاقي راحة في هذا اليوم كامل الرسمية، و الأكاديمية أيضاً. وجدت عربة تبيع الذرة في الطريق وبرغم أنني لا أتناولها كثيراً لكنني شعرت بجوع مفاجئ هذا الصباح و اشتريت كوباً و أكلته بنهَم. في البيت قمت بتشغيل الكمبيوتر و أول خبر ظهر لي هو ذكرى ميلاد العالم الفرنسي صاحب الفضل على الطب و الأطباء باختراع السماعة الطبية. قرأت تعريفاً جميلاً به في صحيفة التلغراف و قمت بترجمته لكن آلمتني عيني و عاودني وجع الرأس فتركته قليلاً و كتبت هذه التدوينة على أمل إنهاء الترجمة في الغد و سأقوم بنشرها هنا بالطبع. في طفولتي كانت لعبتي المفضلة هي أدوات الطبيب. لم يعلمني أحد أن وظيفة السماعة هي سماع ضربات القلب. أتذكر أنني تلقائياً وضعت السماعة على قلب جدتي و قلت لها قلبك تعبان يجب أن تأخذي علاج وإلا ستموتين بسرعة! كانت جدتي تضحك. أثق أن ضحكتها الآن أجمل في الجنة. قالت أن قلبها ” تعبان” بالفعل لكنه الآن طيب لأنني وضعت يدي عليه. وتطمئنني أنها لن تموت وتتركني بل ستبقى حتى تزفني إلى منصة التخرج من الجامعة و تراني طبيبة. رحلَت جدتي وأنا في الثانية عشر من العُمر الشائخ منذ الولادة. تمنيت لو أنها لا تزال معي لأقص عليها حكاية الدكتور رينيه ليناك و كيف اخترع السماعة. هذه قصة مملة للجميع من حولي. حتى المثقفين والقراء و الأطباء أيضاً في تويتر لم ينوهوا عنها مجرد تنويه. الناس يركضون و ينكفئون على وجوههم كالعميان فقط عندما تكون القصة لسفاح لايتوقف عن الذبح أو لفضائح تيار معارض لتيارهم في الفكر و الأخلاق. أحب ما تنشره قناة نون العلمية و قناة السعودي العلمي من مقالات و ترجمات علمية روادها هم نخبة المنشغلين بعلومهم الحاضرين في تويتر للسقاية فحسب. أيضاً حساب فهد المتخصص في علوم الفضاء و الفيزياء و الهندسة النووية وأتابعه باهتمام لأن مجال الفلك و الغرائبيات كما يحلو لي وصفها وهي الفيزياء و علوم الطيران من هواياتي التي لا يعرفها تقريباً أحد من العائشين معي. خبر الكشف عن موجات الجاذبية فاجأني كما فاجأ جميع الفيزيائيين و الفلكيين من هواة و متخصصين, ذهبت فوراً للقراءة عن سيرة الموجات ما قبل الإكتشاف الجديد فوجدت مقالات مذهلة كادت تبكيني لأنك كل ما تتقدم في قراءة شيء من هذه العظائم تخجل من جهلك المدقع في لحظات كنت تظن أنك تعلم فيها الكثير مم يجهله آخرون. آينشتاين شرح الجاذبية بما يعرفه العالم أجمع بالنظرية العامة للنسبية أو نظرية البعد الرابع كما هو متعارف عليه و نظرية الزمكان كما تشتهر علمياً. space-time continuum. لكن افتراضه لوجود التموج في الفضاء و الزمن لم يلق التأمل وبالتالي الإيمان المناسب آنذاك. في أحد المقالات قاموا بتشبيه الأمر بوجود فراش على صفحة ماء. التشوه الحاصل هو نفسه فعل الموجات على الزمن. إذ أن التشوه الذي يحدثه التموج هو المتسبب في ازدياد الجاذبية، وفي شرح على قناة في يوتوب يقول المتحدث أنه إذا ما رقصنا أنا و أنت حول بعضنا سنتسبب بتشويه بنية الزمان والفضاء أيضاً لكنها ستكون تشوهات صغيرة لا يمكن كشفها عملياً، وهذا سبب تأخر العلماء بالكشف عن موجات الجاذبية كل هذه الدهور برغم أن آينشتاين عندما قدم فرضيته لم يكن بحاجة إلى أدوات التكنولوجيا التي تم بواسطتها تحليل بيانات الإلتواءات التي تتكون منها الموجات ( قمم وقيعان) . الجاذبية ضعيفة مقارنة بقوى الكون الأخرى، وتحتاج إلى شيء عملاق يتحرك بسرعة شديدة ليحدث موجات يمكن الكشف عنها. لماذا تم رفض نظرية آينشتاين حينذاك برغم أنها نتيجة طبيعية لنظرية النسبية؟! في مقال لستيورات كلارك في مجلة الغارديان قام الكاتب محمد العتيق بترجمته ونشره في صفحة السعودي العلمي يجيب على التساؤل ب ” النسبية العامة لانشتاين لم تتناغم مع نظرية اخرى في الفيزياء تسمى “ميكانيكا الكم”, فالنسبية العامة تتحدث عن الجاذبية و الكون ككلّ أما ميكانيكا الكم فتتحدث حول مقياس الجسيمات بالغ الصغر وقوى الطبيعة الاخرى كالقوى النووية الضعيفة والقوية والكهرومغناطيسية.

على الرغم من الجهود المبذولة خلال قرن من الزمان لم يستطع الفيزيائيون من توضيح كيفية عمل النظريتان معاً.”

لدي مكتبة افتراضية علمية على جهازي أتركها دوماً لأوقات عصبيتي الشديدة جرَّاء معلومة يأكلني عقلي للتزود عنها بإشباع. سررت عندما راجعت مكتبتي و وجدت كتاب الكون الأنيق ” الأوتار الفائقة، والأبعاد الدفينة، والبحث عن النظرية النهائية” ل برايان غرين. وقررت أن يكون قراءتي القادمة علني أجد جواباً لتساؤلات ظلمَت آينشتاين وأعرف أنني إن استطعت استخلاص أي رأي علمي وفق القراءة لن يسمعني أحد فعالم الفلكيين والفيزيائيين شديد الحذر و النمطية. و هكذا فقد وجدت ما أقضي فيه يومي الذي كان مقرراً أن يكون للدراسة فأصبح إجازة دون احتساب. إن عرفن صديقاتي كيف سأمضي هذا اليوم سيقمن بشد شعورهن ويقلن بنفاذ صبر أنني جدياً لست طبيعية. أنا لا أستسخف فكرة قضاء وقت راحة في التسوق أو الذهاب إلى نزهة بحرية ( أتمنى الأخيرة يوماً برفقة طيبة) لكن أحاول دوماً إفهامهن أن شغفي بالعلم يؤلمني عندما يجوع ولا أطعمه. أعتقد أن المشغولين بصغائر الأمور مرتاحين البال أكثر مني بأضعاف يمكن قياسها بسهولة عكس موجات الجاذبية متناهية الضآلة! لكنني لا أعنِ بصغائر الأمور إهانة. الصغائر ليست مساوئ بالضرورة. لكنها قد لا تسعف المرء عندما يحتاج إلى صنعة كيْف قوية المفعول طويلة الأثر في أيام يصفر فيها العقل حيرة من شيء مجهول.

وهكذا فإن طالب البورد وفي تخصصي بالذات _ طب وجراحة الأورام حالياً_ ليس كائناً تُستحب عِشرته والتحاور معه إلا لمن يبحثون عن لقمة لإطلاق سخرياتهم و هوسهم بتحليل الشخصيات و نقض مالا يستطيعون فهمه منها، لكن طالب البورد أيضاً يفرح بالإجازات غير المتوقعة ولا يصيبه الغم كما يقال عنه اعتماداً على تذمره الكثير من تأخر مراجعة بحثه مع المشرف أو تباطؤ تفاعله معه لأنه تحت رحمة تفرغه و ملاحظاته. بالنسبة لي أصاب بهذا الغم والهم عندما يمنحني المشرف إجازة لأنني أنا المشغولة بشيء آخر لا هوَ ! فحتى مع الاعتكاف على الأوراق لمنع تسرب ال methodology إلى منهج آخر غير المقرر في مقدمة البحث إلا أن للنفس آفاق و وديان قد تذهب بها إلى أمور تحتاج إلى بعض الوقت لتناسيها وميزة مشرفي الطيب أنه يفهم برغم ماديته الصرفة، أن ضغطة الزر لحدوث شيء ما بسرعة الضوء ليست من خصائص عقل و وجدان البشر.

هذا رابط تحميل كتاب الكون الأنيق . يحلو لي اختتام الحلقة به لأنه هدية جيدة ليوم عطلة يتم قضاؤها إما في الطائرة أو البيت.

12 شيئاً يحتاجه الشخص فائق الحساسية

yes

ترجمة شخصية أدبية من مقال ل جين غراندمين في مجلة عزيزي الإنطوائي .

إذا كنت شخصاً فائق الحساسية مثلي، فأنت تعرف أن أشياءً قليلة يمكن أن تكون كثيرة جداً. البيئات المزدحمة، الصور العنيفة في الأفلام، أو عطلة نهاية الأسبوع مع القليل من الوقت المهدور يمكن أن يؤكدوا لك ذلك، لأنك حتى في تناغمك مع بيئتك و الآخرين، يمكن أن يحدث ما يجعل الحياة مرهقة جداً لك، مما يؤدي بك إلى أن تنسحب و ترتد، والأشخاص غير الحساسين لا يفهمون.
لكن ليس هنالك شيء خاطئ بك و لست وحدك هكذا. في الواقع، الحساسية الفائقة أمر شائع إلى حد كبير. توجد في 15 إلى 20% من السكان.وفقاً للدكتور إلين آرون مؤلف كتاب ” الشخص فائق الحساسية”، الإنطوائيون والمنفتحون يمكن أن يكونوا حساسين على حدٍ سواء. و كذلك الآخرين من جميع أنواع الشخصيات، برغم أنها أكثر شيوعاً بين نمط INFP و INFG. ما هو نمط شخصيتك؟ قم بعمل اختبار من هنا .

للأسف، لأن الكثير من الناس لا يفهمون ماهي الحساسية الفائقة، ستجد أنه يمكن أن يقال لك أنك “معقد” أو ” تبالغ فقط”. ربما شعرت دوماً أنك مختلف عن الآخرين، لكن لم يكن لديك اسم لما أنت عليه.
الحساسية العالية ممكن أن تجعل الحياة صعبة لكن لن تجعلها مستحيلة. عندما أكون مستغرقاً في روتين الأعمال الشخصية أنسى حساسيتي. لكن رحلتي الأخيرة ذكرتني كيف أن إحساسي يمكن أن يحترق بالكامل. كنت أسرع في الإنتقال من نشاط إلى آخر، حانات مزدحمة ومطاعم صاخبة، و مقابلة أناس جدد كثيرون. وأعلى مقابل كان هو أنني لم أحصل على نومٍ كاف ولا تمرين يجعلني أشعر أنني بخير، أقصد كتمارين تنشيط آداء القلب و اليوغا. بعد خمسة أيام من ” العطلة”، كنت مقليَّاً بالكامل.

كيف يمكننا كأشخاص حساسين للغاية التعامل مع سمَتنا؟ هنا اثنا عشرة شيئاً نحتاجهم:

1- وقت لإزالة الضغط

صخب، بيئة مزدحمة، مثل سوق ضاج في يوم عطلة، حفل موسيقي و حفل كبير، كل هذه يمكن أن تعيث فساداً في الجهاز العصبي للشخص الإنفعالي و شديد الحساسية. و بالمثل، الجداول المعبأة و حالات الضغط العالي مثل مقابلة عمل أو أول يوم في مدرسة جديدة. يمكن لهذه الأمور أن تكون محفزات فوق المعدل الطبيعي. إذا كنت تعرف أن هذه الأشياء ستضعك في حالة تحرقك تماماً، خطط لبعض الوقت تقوم فيه بإزالة هذه الضغوط. من الأفضل أن تفعل ذلك وأنت لوحدك.

2- علاقات لها معنى.

نحن نشعر بالملل و عدم الراحة مع العلاقات التي تفتقر إلى المعنى و التفاعل الداخلي. وفقاً لآرون، هذا لا يعني أننا نميل إلى التنقل بين العلاقات. بل أننا نعمل جاهدين لتكون علاقاتنا ملهمة و مفعمة بألفة وانسجام في الحوارات. هذا يعني أيضاً أننا انتقائيين في اختيار الناس الذين نسمح لهم بالدخول إلى حياتنا لكي نبدأ من جديد. و من المثير للإهتمام، أن كثيراً من الأشخاص الحساسين عظيمون في اهتمامهم بأن يكونوا في علاقات ليست ذات قيمة لهم فقط بل وأن تصل قيمتها للآخرين في العلاقة أيضاً. إنهم يولون اهتماماً كبيراً لما يريده الآخرون. آرون يدعو هذا ” حساسية زميلة” _هذه الترجمة الفائقة لمصطلح mate sensitivity لكنني أدبياً أترجمها حساسية صديقة، وهي أفضل من ترجمة ” حساسية زوجية” أو متزاوجة. إذ ليس بالضرورة أن يكون الطرف الآخر في العلاقة ذا اهتمام متناظر لما يبديه الطرف الأول._ حساسية صديقة أي القدرة على إرضاء الشريك بشكل سريع و العمل بحرص على ذلك. يذهب هذا السلوك للعائلة والأصدقاء و زملاء العمل أيضاً.

في الأساس، هذا السلوك يجعلنا سعداء لأنه جعل الآخرين سعداء.

3- الناس الذين يقدمون لنا الدعم.

الناس الحساسون قد يبكون ويصبحون عاطفيون للغاية. ” الحساسون لايمكنهم المساعدة ولكنهم يعبرون عما يشعرون به” يضيف آرون في هافينغتون بوست ” إنهم يعبرون عن غضبهم، يعبرون عن سعادتهم، تقدير هذا أمر مهم للغاية.”

4- إدارة الصراعات بعناية و لُطف

لا يهم من تكون. التصارع مع شخص محبوب أمر مأساوي. الناس الحساسون يقلقون بشكل مضاعف عندما ينشأ صراع، تبدأ المعارك الداخلية بأخذ مكانها. نحن نشعر بالتمزق بين احتياجنا للتحدث عما نعتقد أنه الحق و بين الصمت لعدم إثارة رد فعل غاضب من الشخص الآخر. نخضع غالباً للتخلي عن احتياجنا لأننا نفضٍّل الإنسجام والألفة على القتال. من ناحية أخرى، يمكن للحساسين إيجاد حل آخر لهذه النزاعات، لأننا نميل إلى أن نكون مع وجهة نظر الآخر. لدينا مستويات عالية من التعاطف و يمكن أن نضع أنفسنا بسهولة في حذاء شخص آخر.

5- وقت لإنجاز الأمور

الأناس الحساسين يشبهون تباطؤ وتيرة الحياة. نحن نحب دراسة جميع الخيارات لدينا قبل اتخاذ أي قرار وهذا ينعكس بشكل واضح على خياراتنا. نكره الجداول المزدحمة و التسارع من حدث إلى آخر. أحد أصعب أجزاء يومي خلال الأسبوع هو التحرك في الصباح و ترك شقتي في الوقت المحدد. في صباح السبت، عندما لا يكون هناك عمل، أذهب إلى أماكن لها خصوصية عندي. هذا أمر هادئ و مناسب للإنجاز، يجعلني أتصالح مع فكرة الخروج بدون ارتداء ملابس مناسبة و الذهاب إلى أي مكان في أي وقت بلا تخطيط.

6- الكثير من النوم

قلة النوم ( أقل من سبع ساعات في الليل، بالنسبة لمعظم الناس) يجعل الشخص العادي متعكر المزاج وقليل الإنتاجية. أما قلة النوم لشخص حساس يمكن أن تجعل الحياة لا تطـاق تقريباً! الحصول على نوم كافٍ يبلسم حواسي و يساعدني على معالجة أفكاري و مشاعري. كمية النوم التي أحصل عليها يمكن حرفياً أن تصنع أو تدمر يومي. بدون نوم سليم، كل الضغوطات القليلة ستبدو أسوأ عشرات المرات.

7- وجبات صحية على فترات متباعدة بصورة منتظمة خلال اليوم

عندما كنت لا أتناول طعامي بانتظام، كنت أجوع. حسب آرون عندما يحدث هذا يؤدي إلى تعكر مزاج الشخص الحساس و يفقده تركيزه. لدرء التصرفات والنزعات المفاجئة الغريبة التي تصدر منا عند الإنفعال، يجب تنظيم مستوى السكر في الدم من خلال تنظيم الوجبات خلال اليوم.

8- خيـارات خالية من الكافيين

الأشخاص الحساسين ( مفاجأة…مفاجأة) يتحسسون من الكافيين. أنا أشرب كوب واحد من القهوة في الصباح للذهاب إلى العمل بانتعاش، لكنني أمضي بقية اليوم بدون أي شيء من مادة الكافيين، حتى كوب النعناع قذفته و تحول وقته إلى الليل. الكثير من الكافيين يصيبني بعصبية شديدة و يؤدي بي إلى إنهاء الأمور بصورة غير مريحة. إذا كنت حساساً و تضع في عين الإعتبار التقليل من شرب القهوة و المشروبات الغازية و الشاي، احترس من مصادر تحتوي على الكافيين بطريقة مستترة. مثل الشوكولاته. لعلمك، كلما زادت قتامة لون الشوكولاته، كلما احتوت على كافيين أكثر. مثلاً، قطعة من هيرشي تحتوي على 31 ملغ من الكافيين، أي ما يقارب علبة كوكاكولا.

9- فضاء يجاورنا..

إذا كنت تعيش مع آخرين، تأكد بأن يكون لديك مكان هادئ يمكنك التراجع إليه عند الحاجة إلى الإبتعاد عن الضوضاء و الناس، و أن تشغل موسيقاك المفضلة لحجب أي ضجيج خارجي.

10- إضاءة منخفضـة

إذا كان ممكناً، أطفئ الأضواء العلوية في منزلك و مكتبك واستبدلها بالمصباح.

11- وقت للتكيف مع التغيير

التحولات ليست سهلة على أي أحد. ( مرحباً.. من حرك قطعة الجبن الخاصة بي؟) لكن بالنسبة للأناس الحساسين، يمكن أن تكون التحولات قاسية بالفعل. حتى التغيرات الإيجابية مثل الإنتقال إلى منزل جديد أو بدء علاقة جديد، يمكن أن تكون أكثر من فائقة التحفيز وتتطلب وقتاً للتكيف معها. مثلاً، انتقلت إلى شقة جديدة رائعة في مدينة ممتعة، لكنني وقعت حرفياً في حالة غير جيدة لأشهر إلى أن استطعت العودة إلى حالتي الطبيعية.

12- جمال و طبيعة

مثل أغلب الناس الحساسين، أنا أتأثر جداً بالبيئة المحيطة بي. بالأخص الطريقة التي ينظرون إلي بها. تشوش، فوضوية، أو فقط بيئة مزدحمة من السهل أن تزعجني. أشعر بالراحة عند قضاء الوقت في الطبيعة و مع جيراني المفضلين. أو شقتي ذات التصميم البسيط، خاصة عندما تكون مرتبة و نظيفة!

عندما يتعلق الأمر بذلك، فإن المفتاح هو أن تقوم باحتضان حساسيتك الخاصة لا الوقوف ضدها. الأشخاص الحساسين صنعوا قادة غير معقولين، و شركاء وأصدقاء. لدينا مستويات عالية من التعاطف ونحن في العادة مبدعون و مدركون. ربما العالم يستخدم هذا التحسس بإبداع أكثر مما نفعل.

ماذا تقول عنك كلماتك التي تستخدمها؟

pinocoh-look-my-nose-pinocchio-figurine-enchanting-disney-collection

قمتُ بترجمة هذا المقال للكاتب إريك باركر ترجمة أدبية من مجلة تايم .

ماذا تقول عنك كلماتك التي تستخدمها؟

_ إلى أي حد يمكن لمفرداتك الخاصة أن تحدد نجاحك؟

كثيراً.

يمكن تحديد شخصيتك فقط من خلال النظر إلى طريقة كتابتك لرسالة نصية. بإمكانك تكوين حُكماً دقيقاً عن كتَّابك المفضلين فقط من خلال قراءة أعمالهم. ربما يمكنك أن تقول الكثير عن شخصيتي من خلال الكلمات التي أستخدمها في مواضيع مدونتي.

اختيار كلمة يمكن أن ينبئ ما إذا كنت تعاني من اكتئاب، رغبة في الانتحار، أو ما إذا كنت كاذباً. القسَم ( الحلف) يجعلك أكثر إقناعاً. فعلاً :

” البذاءة لا تؤثر على مصداقية المتكلم. بل إن الكلمات المبتذلة في بداية أو نهاية الكلام يُلاحظ بشكل كبير أنها تزيد خاصية إقناع الحديث و كثافة النظر إلى المتحدث.”

_ اختيار الكلمات يتغير عندما تكذب.

تحليل لمئتين و اثنان و أربعون نصاً كشف أنَّ “الكذابين ينتجون كلمات أكثر في الكلام، كلمات أكثر من التعبيرات الحسية كاللمس و النظر مثلاً. عندما يكذبون يستخدمون ضمائر ملكية أقل و ضمائر مخاطبة أكثر على عكس ما يحدث عندما يقولون الحقيقة. وبالإضافة إلى ذلك، الكاذبون الذين لديهم دوافع للكذب يتجنبون استخدام مصطلحات سببية عندما يكذبون، على عكس الذين يكذبون بلا دوافع فهم يميلون أكثر إلى استخدام أسلوب صدامي في الكلام.”

الأشياء التي تسهل على أدمغتنا عملية معالجتها تبدو حقيقية لنا أكثر من المفاهيم صعبة المعالجة. هذا أحد أسباب ميلنا إلى الرغبة في المزيد من المألوف من الكلام أكثر من غير المألوف، كما أنها السبب في أننا قد نقع بسهولة ضحية خداع سطحي لأننا فضلنا أسلوباً سهل الجذب بدلاً من تفسير مفاهيم دقيقة و صادقة أكثر لكنها تمثل تحديـاً للرغبة. و هو أيضاً السبب في أن الكلمات الصغيرة ذات فعالية أكثر من الكلمات الكبيرة. ولماذا تجعلك الكلمات الكبيرة التي تحاول من خلالها أن يبدو صوتك كصوت متحدث ذكي بينما في الواقع يراك بها الآخرون غبياً.

الكلمات تؤثر على عملية صنع القرار لدينا. عندما توصف جريمة بأنها “وحشية” فإن الناس يفضلون الشرطة و السجون في حين أنها فيروس يتطلب دعم الجمهور المنتمي إلى الإصلاح الإجتماعي.

_ و لكن هل يمكن حقاً للكلمات أن تنبئ عن السلوك؟

الملاكمين الذين تحدثوا بإيجابية تعتبر صحية قبل المبارة حققوا الفوز، بينما آخرون تحدثوا عن عناصر اجتماعية ضدهم خسروا.

استخدام الكلمات الإيجابية و المرتبطة بال ” بصيرة” ترتبط أكثر بالإنجاز و التميز.

طريقة القيل و القال التي يستخدمها الموظفون في التحدث عن مكان عملهم يمكن أن ينبئ عن فشل ذلك المكان أو نجاحه.

من مقالة الحياة السرية للضمائر، ماذا تقول الكلمات التي نستخدمها عنا؟ :

” نكون قلقين جداً عندما يبدأ الموظفون التنظيميون في شركة بالتحدث عنها بصيغة ” تلك الشركة” أو ما هو أسوأ، ب ” تلك”، ويشيرون إلى زملائهم في العمل ب ” هُم”. يمكن لهذا الأسلوب أن يكون كابوساً على العمال في الشركة لأنه يخبرهم أنهم لا شيء بالنسبة لها. لا عجب أن بعض المستشارين يبعثون بتقارير إلى شركاتهم عن أن العمال غير سعداء و يرتفع لديهم معدل التدوير.”

عندما يبعث رئيس تنفيذي رسالة للمساهمين في شركة تنشأ للتو على الأرض تكون الرسالة محشوة ب ” الأنا” في العادة.

” لورا ريتنهاوس، من أكبر المحللين الماليين غير الإعتياديين، حصرت عدد مرات استخدام ” أنا” في رسائل الرؤساء إلى شركائهم وموظفيهم. معتبرة أن هذا دليل يمكن الأخذ به للتنبؤ بآداء الشركة. التقصي أوجد: أن الأنانية متفشية بشكل سيء.”

كلمة ” أنا” يمكن أن تكون تعبيرا قوياً جداً. الناس الأقوياء لا يستخدمونها كثيراً. الأشخاص الأقل قوة يستخدمونها أكثر. الكاذبون نادراً ما يستخدمونها، كطريقة نفسية لإبعاد الشبهة عن أنفسهم. و على نفس المنوال، ” نحن” يمكن أن تكون قوية جداً. قولها فقط يمكن أن يخلق من الناس شعوراً بالإيجابية و الألفة تجاهك. الأزواج الذين يستخدمون كلمة “نحن” في توصيف علاقاتهم هم أكثر ارتياحاً. استخدام كلمة “أنت” هو علامة سيئة. باستخدام كلمة “نحن” يمكن حتى التنبؤ إذا ما كان بإمكانك البقاء على قيد الحياة بنوبة قلبية.

من موضوع الحياة السرية للضمائر:

” استخدام زوجان لكلمة “نحن” عند التحدث إلى طرف ثالث يمنح فكرة عن وجود علاقة مُرضيَة بينهما. في المختبر، عند الحديث عن الخلافات الزوجية، استخدام كلمة “نحن” تشير إلى علاقة جيدة بينما استخدام كلمة “أنت” تشير إلى وجود بعض المشاكل. تستخدم بعض الكلمات مثل: “أنت، أنتم، نفسك، بنفسك” في المحادثات المسمومة حيث يتشارك المتحادثين في إلقاء التهم بمختلف أنواع القصور. كلمة “نحن” يمكن حتى أن تنقذ حياتك. في أحد المشاريع، تم إجراء مقابلات مع مرضى مصابين بقصور القلب وكانت المقابلات برفقة أزواجهم. طرحوا عليهم بعض الأسئلة، بما فيها: “لو عدنا إلى الخلف حيث كان تعاملكما أنتما الإثنين مع حالة القصور القلبي، هل كنتما ستتصرفان بشيء أفضل مما فعلتماه الآن؟” الأزواج الذين استخدموا كلمة نحن كثيراً في إجاباتهم لوحظ عليهم تحسن في صحتهم بعد ستة أشهر.

_ محاكاة شخص آخر في اختيار كلماته يحسن التفاوض بينهما.

في الواقع، التشابه في اختيار الكلمات يمكن أن ينبئ عمَّن سيقع في الحب أولاً. اختبار الكلمات وسرعة اختيارها كان أكثر فعالية في تخمين من يرغب في الآخر وكان هذا أكثر من التخمين بواسطة من منهما يتفاعل مع الآخر أكثر.

_ على الرغم من ذلك فإن الكلمات ليست كل شيء.

قد تكون لغة الجسد مؤثرة أكثر بثمانية أضعاف من كلماتك الخاصة التي تستخدمها. في كتاب “أكثر الناس إنسانية: ماذا يعلمنا الذكاء الإصطناعي عن البقاء حياً” :

” اللغة هي شيء غريب. نسمع خبراء الإتصالات يقولون لنا مراراً و تكراراً عن أشياء مثل: “قاعدة 7-38-55″ أول افتراض في عام 1971 من قبَل أستاذ علم النفس في جامعة كاليفورنيا آلبرت محرابيان: 55% مما تنقله أثناء حديثك يأتي من لغة الجسد الخاصة بك، 38% من نبرة صوتك، و 7% من كلمات تختارها.”

و في حال كنت غريب الأطوار، مثلاً تكون هناك كلمات عالقة في لسانك، مستخدمي الإشارة من الصم لديهم كلمات تعلَق بين أصابعهم. “طرف الإصبع” هي ظاهرة توازي ظاهرة “طرف اللسان” في اللغة المنطوقة. خلال التحدث بالإشارة، المتحدثون يعرفون الكلمات العالقة بين أصابعهم لكنهم لا يستطيعون استرجاعها.

219

zeZ-ebGT

بعد نشر هذه التدوينة أكون قد بدأت بتغليف حقائبي و طبعت البوردينق استعداداً للرحلة غداً. لا أحمل حماساً لهذه الخطوة الكبيرة لكنني لا أحمل خوفاً أيضاً. يتملَّكني الأسف فقط. أسفي عليك. أحمل شكراً دافئاً يتوق إليه الباردين من هذا الشتاء العارم في كل مكان على الأرض في هذه الأيام. شكراً للطيبين بحق، للمتفضلين علي بإخلاصهم و حنانهم و عطائهم حتى لو كان بسؤال عن الحال. ليس بين هذا الشكر شيء للسيئين ولا للخاذلين. لن أسافر وأنا أحمل حقداً، ولا غضباً، ولا ندم. ألم كبير؟ نعم، و ما زال ينخر في رأسي و يأكل ويقتل كما تشاء، لكنه لم ينجح في جعلي أكره. أعيش على فيديواتك و صورك ورسائلك القديمة و الساعات السرية النائمة باحتياج فوَّار في عروقي ودمي و ذاكرتي. أحمل لك شكراً على هذا الإرث العظيم، لأنه حبل اتصالي بالحياة منذ تلك الليلة. لا أشعر بالأسى على نفسي في هذا الأمر، الشيء الذي يريحني يجب أن أشعر تجاهه بالتقدير لا الأسى. أنا راضية هكذا، بالمخدرات التي أعطيتني. بالأكاذيب التي صدقتها، برغم أنك كنت دوماً لا تقولها إلا وأنت فاقد الإدراك. كنت ألاحظ، لكنني أحبك، و قبلتك و صدَّقتك ولم ألتفت إلى ما اعتقدته رتوش يجب أن لا تقدّ وريدنا المشترَك في رسغيْنا. لقد حاولت التجاوز طيلة هذه الأشهر. أنجزت العديد من المهام كآلة. حاولت إقناع نفسي أن النسيان كأي شيء إن صوبنا إلى وجهه رشاش الإرادة و قلنا له كن.. سيكون. لكن هذه خاصية الله سبحانه وتعالى. مهما حاولنا تأنيسها لن تكون مطواعة في يد الإنسان. أصدِّق أنها تكون مطواعة في يدك، ليس لأنك قوي وعظيم. بل لأنني عندما كنت بين يديك لم أكن غالية أصلاً. قاومت تداعيات حرمتني النوم لأوقات غير محسوبة في ساعتي. كتبت أشياء كثيرة لا سيرة لك فيها. انعزلت. أجل. دخلت أخيراً إلى قوقعتي الجميلة التي كنت أسكنها قبل الالتقاء بك. ظننت أن الفرج حل عندما مضت أول يومين سالمة و آمنة من غزو صورك وصراخك و قسوة يدك التي زارتني خمس مرات في المنامات. قرأت روايات جميلة و شاهدت أفلاماً أجمل في تلك اليومين. كنت أعرف أنها مؤقتة السلام فكنت أسابق الزمن لتغذية روحي ببعض الفن و المتعة. في اليوم الثالث زارني شبح الموت. انتظرت طويلاً أن يكون الموت نفسه. في كل مرة يأتي قرينه فحسب. يطيح الشبح على صدري و يجثم على أنفاسي فيكتمها ولا أستطيع مد يدي لمسح العرق الذي نزل على عيني ودخل إلى أنفي، حتى أنني احتجت إلى العطس ولم أستطع. كان إنجازي الوحيد في ذلك اليوم و عشرة أيام بعده هو رفض الصدمة الكهربائية التي بدا طبيبي مصمماً عليها بغضب و يأس من عدم تقدمي في الشفاء لكنني قلت لا يعني لا. و كانت لائي كلمة فصل بيني وبين هذا الطبيب الذي أمرني بلُطف أن أبحث عن طبيب غيره منذ اليوم. هل تذكُر هذا الطبيب؟ أخبرتك أنه طبيبي منذ تسع سنوات. لك أن تتخيل مرارة التأسف على خسارته. على إفقاده الأمل في قدراته الطبية، في مريضته الطبيبة التي كان يجب أن تكون أكثر المتعاونات معه كما يعتقد. أسافر غداً و أنا أحمل أشياءك كلها معي. ليس إمعاناً ولا حباً في الشقاء، إنما لأنني قررت التصالح مع حقيقة شللي عن التجاوز. كلما أجبرت نفسي أن تتجاوزك أنازع ولا تصعد روحي إلى الله. كلما احتقرت نفسي لأنني أتألم منك لا من الحروب والمجاعات و الشهداء الأبرياء من نساء و أطفال المتساقطين في كل مكان كلما عاودني نزاع الروح ولا تصعد، ولا تغادر أنت. مع كل هذا الحزن على ما يحدث من هدر في الإنسانية إلا أنك لا تغادر. تقف كالتمثال أمام وجهي، مثبَّت كمسمار في رأسي، مخترِقٌ كخنجر في قلبي. لا تغادر كلما دفعت نفسي عنك لأني فشلت في دفعك عني كما دفعتني بطرف إصبعك عن طرف ظلك الطويل. لم أعد أكافح لأزيحك. الفيديو الذي سجلته وأنت في جازان وقلت لي فيه قصيدة مبعثرة يصدح كصوت بندقية تصوب هدفها في طبلة الأذن بإتقان في هذه اللحظة. أكتب هذه التدوينة على موجات صوتك. صديقتي منذ شهرين وهي تطلب أن تكلمني وتسمع صوتي ولا أستجيب. أقول لها حسناً، قريباً، ولا أفعل. شهيتي مسدودة عن استخدام موجات صوتي مع مخلوق. كنت أتحدث مع قطي و يحدثني، أفهم مواءاته جيداً. أصبح يحدثني ويتوسل لي أن أرد عليه. أصبح هو مدير الحوار الذي لا طرف ثاني فيه. برغم مواظبتي على إطعامه و تنظيف بيته إلا أنه أصيب بالحزن و يرفض منذ مدة تناول بعض الوجبات. يأكل ببطء ما يبقيه على قيد الحياة فحسب. شعره بدأ يتساقط. بالأمس ناديته، فقط قمت بالنداء عليه، لو كان لديك قلب ستبكي إن سمعت كيف ماءَ بجنون. ماء بفرح و عتب و حيرة و سؤال. انهرت من البكاء عندما رأيت ردة فعله فجلس في حضني و قام بلعق يدي وعندما سحبتها تعلق بقميصي وهو مستمر في المواء كأنه يتوسل أن لا أبعده. ليس كأنه، كان يتوسل بالفعل. شعرت أني مذنبة بحق هذه الروح. حدثته و حممته و عندما وضعت له الطعام تناوله كله و نظر لي يطلب المزيد! لم أعرف ماذا أكتب في مذكراتي يوم أمس. بعض المواقف تعجزني عن الكلام حتى على الورق. لولا حرصي على بقاء الملائكة في البيت لأخذت قطي ينام معي. لكنني استيقظت هذا الصباح و وجدته لا يزال مستغرقاً في النوم و بيته مغلق كما تركته البارحة. إن توقف تساقط شعره سأكافئ نفسي.

بعد أيام تبدأ أولى دروس برنامج بورد الأورام. بدا لي ما مضى بنجاح في الدراسة مثل رذاذ مطر يختبر صبري ليهطل. يرتجف قلبي عندما أراجع جدول الخطة الدراسية و أجدها خمس سنوات لم تتغير. لم تنقص. ثم أعود إلى رشدي وأقول هذا حل رديف للمخدرات إلا أنه يفترق عنها في نقطة جوهرية هي أنه غير ضار. تجهزت للصقيع جيداً. القبعة، القفازات، الجوارب، الشال، المعطف. وضعت تنبيهاً في هاتفي بتاريخ وصولي إلى المطار لأقول بصوت مسموع غير عالٍ عند الخروج من البوابة: أهلاً بالعالم. فينبعث في أوصالي شرَر حار كتيار كهرباء يمسس ولا يدفئ. هذا هو الطعم الحقيقي للهروب، مهما كان مطعَّماً بالأهداف النبيلة، إلا أنه مسموم بالنوايا.. لا يرحم ولا يذر.

ماذا عن الشكر الذي كنت أحمله في بداية التدوينة؟ أجل، إنه شكر للرفاق الأنقياء الذين لم يعرفوا أبداً أنهم رفاقي. لم أخبرهم وأنا أستمتع و أفخر بما يحققونه من نجاحات وما يمنحونني إياه من سعادة لا يفسدها شيء في كل مرة سوى أنك دوماً حاضر في مقدمة البال. رفاقي الذين هم ليسوا ملائكة، ولا شياطين، كما أنني لم أكن في حياتك ملاكاً، وهذا الذي لم تغفره، ولم أكن شيطاناً، وهذا الذي لم تنظر إليه. أشعر أن الطائرة التي ستحملني ستطيِّر معي كلمات الشكر و الأسماء المذهلة التي أحب أن أشكرها. أريد أن أقول هذه الكلمات الآن: شكراً على توصيات الكتب العظيمة. على المقالات التي لا تحمل في سطورها كلمة حرب ولا دم ولا إرهاب ولا خيانة، على الرسائل التي لم أرد على أكثرها لأنني متعبة و جريحة، لا أقوى على التفاعل برغم تأثري بهذا الحب و الإحترام. شكراً لأنكم قرأتم صدقي الذي عرَّاني أكثر من مرة وتعرفون أن لا أحد يحب أن يرى الآخرين عراءه فلم تحرجوني بسؤال ولا تعليق. كنتم تدركون مالم يدركه المتسببون في كل هذا اليباب، أدركتم أنني أتخفف من أحمالي وأنني بشَر إبداعه كما قال أحد زملاء العمل مرة، في بساطته، لأن القانون الكوني لم يستوجب على الطبيب التحول إلى نبي، ولم يطالبه بزَرع جناحين خلف ظهره ولم يفرض عليه النوم بالمعطف ناصع البياض. لقد تحملت مسؤولية خطأ وحيد اقترفته كاملة. قدمت كل شيء في سبيل الحفاظ على ما يجب الحفاظ عليه، لكن جبروت المطرَقة كان لا يريد شيئاً سوى الهدم لأنه لم يرغب في البناء يوماً. كانت الفرصة ذهبية عندما زللت. جملاً طاح ونظر طالباً المساعدة فكان من لم تتطلع عين الأمل إلا إليه هو اليد التي تهزه إلى الأسفل.. أنا التي لم أعرف في حياتي سوى انتشال من يطلب يدي و إبقاءه بجواري كعضيد.

لا يوجد سبب للشكر في هذا الوقت. ليست المرة الأولى التي أغادر إلى مكان حلمت به كثيراً في ظروف أخرى رسمت لها أجمل اللوحات و سعيت و كافحت كمُشارك في سباق الضاحية لتحبير اللوحة على صدر الواقع لكن،

تبدو الفاصلة خير مكمّل لما بعد لكن.

إنني اليوم محمَّلة بمتاع طيب. بعضه و أجمله يعود فيه الفضل إلى الطيور المستأمَنة التي راعتني وأغدقت علي قمحاً من بين مناقيرها. يوم أمس عدت إلى البيت، مغادرة المستشفى بعد عدة أيام من الرقاد هناك. نكسة ككل مرة. أول دخولي إلى غرفتي تحممت و صليت العشاء و جلست بعدها اقرأ سورة فاطر. مررت على آية ” وما يستوي الأعمى والبصير” و عدت أتذكرك وأبكي لأنك كنت أعمى لا تبصر ما فعلته بي، وكنت أنا عمياء لا أبصر ما كنت تحاول أن تخفيه. ثم مررت على أية ” إن الله يسمِع من يشاء” فأعدتها لأن رجفاناً سرى في أوصالي منعني من استشعارها، أو أنني وصلت إلى قمة استشعارها ولم أدرك ذلك لوهلة. أعدتها و استبشرت. لقد أراد الله أن يُسمِعَني، فلم أكن قد فكرت في قراءة سورة فاطر. لكن اليوتوب الذي فتحته على سورة التوبة قبل الدخول للاستحمام ارتفع منه تلقائياً صوت القارئ المهيب سعد الغامدي وهو يقرأ سورة فاطر. لقد أسمَعني الله أي أنه بعث لي إشارة أنني أبصِر، ومن يبصر يشقى، ومن يشقى يجب عليه أن يصبر كي يفوز.

الكتابين اللذين سيرافقانني في الطائرة هما حواس مرهفة, ترجمة هالة صلاح الدين ورواية Wonder _ ورق_ و عددين من مجلة نيتشر، ورواية الطوف الحجري لساراماغو – PDF- و دفتر المذكرات. صورتهم في الأعلى. أرجو أن أستطيع قراءتهم جميعاً فقد قايست أحجامهم على مدة الرحلة التي ستستغرق أكثر من يوم مروراً بترانزيت في مكان أحبه أيضاً لكنني لن أستطيع التنزه لوقت كافٍ فيه. أما جهاز ال Mp3 فقد عبئته بعدد من أغنيات غير حزينة ولا تطرأ فيها كلمة فراق. جميعها إنجليزية لريكي مارتن و إنيا و آخرين عدا أغنيتين لطلال و أغنيتين لوائل جسار و أغنيتين لحليم. أما للمشاهدة، فسيرافقني فيلم سالومي لأحد نجومي الأبديين ( باتشينو) ، أجلت مشاهدته كثيراً لأنني أبجل أدب أوسكار وايلد ولا أريد إفساد الأمر بفيلم يعبث بآدابه، ولكن عندما يطل باتشينو برأسه المجنون تكون التنازلات فرض عين. أيضاً أحمل معي بعض حلقات مسلسل True Detective للعبقري الفريد ماثيو وهو أيضاً أحد نجومي الذين أشير إليهم دون خفض إصبعي.

كنت دائماً أخاف من أن أكون ظالمة لأحد الذين أؤمن أنهم ظلموني أو أن أكون قد أخطأت التقدير. حتى الآن لم يحدث ذلك. أنا مبتلاة بحدس يستطيع تمييز السوء و شم رائحته من على أبعاد طويلة. لكن حدث أن ظلمت نفسي لدرجة أنني لا أعرف ماذا سيحدث إن تجسدت هذه النفس على هيئة أجهلها يوم القيامة و وقفَت أمامي تقاصصني. العدل من نفسي يفوق طاقتي. خرج الأمر من سيطرة الإرادة. لكنني على الأقل لا أتناول سموماً ولا ألمس موساً بغرض وضعه على شراييني. أنا منهَكة و خربة من الداخل لكنني لست كافرة ولا قانطة. برغم أن الخيط قد ابتعد كثيراً مع الريح عن متناول يدي إلا أنني لم أتوقف عن المشي في درب يقال من حكماء العائلة أنه هو المرسى. أنظر إلى نفسي بحزم عندما أقف أمام المرآة وأقول هذه الخطوة الأولى. الحزم لا اللين. كادت تسقطني مرة إحدى صديقاتي عندما قالت أنني أتحول إلى شرطيَّة عندما أزم شفتاي بلا ميلان لفوق ولا أسفل، فتتحول إلى مسطرة. بالطبع لن أحب أن أكون على شكل شرطيَّة. يبدو شكل عقد الفل الذي صنعت به ابنة أخي طوقاً دائرياً لشَعرها مناسب لغايات رطبة تتحقق بعد حزم قصير. جاء محمد حامد بهذه الكلمتين ( لي، مع أنني لم أكتبها بنفسي) فبدَّد كل شيء :

” لشدة ما كنت أقف في صف الآخرين ضدي، كنت أظنهم يبالغون في تحسين صورتي وأنا أبالغ في تشويهها ”