Simply: study= success

3061250

cagrt

حل وقت الحصاد،

حتى أنه لا وقت للمقدمات. قد تكون بضع دقائق لكتابة بعض المحفزات لا بأس بها لكن كان هناك العام بأكمله لرفع الهمة و شحن الإرادة. الآن ليس وقت التطبيق، بل وقت ترميم ما يمكن ترميمه و وضع اللمسات الأخيرة على النجمة التي ستضيء بعد أيام، أو يصيبها مس من خسوف. تعلمت من تجاربي الدراسية أن المجاملات والتربيت على النفس والعطف عليها في وقت الإمتحان أذىً كبير. إذ أن الحزم ليس شراً بل كله خير عندما يغلب اليأس و الملل على شغف الإجتياز و قضاء وقت العطلة وعلى الصدر نجمة بدلاً من نقطة حمراء في ظهر الكف. لكل ذلك، هيـا تلقَّفوا هذه الإضاءات السريعة. دفعني لكتابتها أمرين، الأول: تكثر رسائل الأرواح الطيبة على إيميلي في هذه الأيام من كل فصل دراسي، يطلبون طريقتي في المذاكرة لأنهم يقرأون تدويناتي وبعض تغريداتي عندما أكتب بسرور عن اجتياز اختبار بنجاح. الثاني: هذه أمور كنت ولا أزال أطبقها و أخرج منها مطمئنة، بعيداً عن التنظير.

1_ اجلس في المكان الذي يريحك لا المكان الذي تقول لك مقالات تطوير الذات والطاقة البدنية أنه مناسب للمذاكرة. هل تشعر أن السرير أو سجادة ناعمة على الأرض بجوار السرير مكاناً ترغب أن تذاكر فيه لكنك تخشى أن يصيبك سريعاً بالنعاس؟ لا تقلق. ذاكر على السرير بشرط واحد ضعه لنفسك والتزم به. أن تغيِّر مكانك كل ساعة. مرة على سجادة. مرة خلف طاولة المكتب، مرة على أريكة، و مرة خارج المنزل إن كان لديك مكان معتاد و مُلهِم.

2_ ذاكر بطريقة 50/10 كي لا تظلم نفسك التواقة إلى الراحة في هذا الوقت بالذات. خمسين على عشرة تعني أن تذاكر خمسين دقيقة ثم تحصل على استراحة لعشر دقائق. تفعل فيها ما تشاء. تسترخي وتتنفس بعمق، تأكل شيئاً خفيفاً، تجري اتصالاً، تستمع إلى شيء جميل، لا تغتر بمن لا ينصح سوى بالموسيقى! هناك من يشعر براحة لا متناهية عند الإستماع إلى سورة من القرآن. إن كنت من هؤلاء لا تقلد الآخرين. استمع إلى ما يريحك فقط. أنا أفعل هذا. في بعض أيام الإختبارات أستمع إلى القرآن، في أيام أخرى لا أستطيع مقاومة مقطوعة لبوتشيلي أو موسيقى صوت المطر.

3_ استبدل القهوة بالماء كلما رغبت في الشرب. ليكن كوب قهوتك واحداً فقط. كما أن حبتين من مسكِّن صداع ليست أمراً خطيراً على الصحة، إن أوجعك رأسك طبعاً.

4_ قم بقراءة الدرس كاملاً و في يدك قلم كتابة لا تحديد. اقرأ و اكتب ما ترغب في تفسيره لنفسك كلما استوقفتك جملة. عند الإنتهاء استرِح 15 دقيقة ثم عاود قراءة الدرس بنيَّة التأشير و التلخيص هذه المرة. سيكون الوقت أقصر. بعد الإنتهاء، استرح 15 دقيقة ثم قم بقراءة ثالثة للفهم و حل التمارين. إن كانت هناك تمارين مجابة في الكتاب اقرأ بعضها مع الحل لتفهم الطريقة. ثم حاول حل باقي التمارين دون النظر إلى الإجابة، راجعها و دوِّن أخطائك بجوار الحل لتتجنبها. استرِح نصف ساعة هذه المرة. و الآن، قم باختبار نفسك في الدرس اختباراً حقيقياً تمنع نفسك فيه عن النظر إلى الكتاب منعاً باتاً و كأنك في قاعة الامتحان. ربما يلزمك وقت لتضع بعض الأسئلة لنفسك على أن تكون بطريقة الأستاذ لتسهل على نفسك عملية التخمين والتوقع. لا بأس، لتكون خطوة وضع الأسئلة بديلة لخطوة اختبار نفسك، على أن تقوم بعدها بزيادة الخطوة الأخيرة إلى خطوتين و هي مراجعة الدرس كاملاً لمدة ساعتين فقط. ثم الاستراحة ساعة كاملة، و البدء بحل الاختبار . ضع منبه وقت بجانبك. حدد وقتاً للاختبار مشابهاً لوقت اختبارك.

هذه العملية في المذاكرة رافقتني منذ الصف الثالث الثانوي إلى سنة التخرج من كلية الطب وسنة الإمتياز، ثم عاودتها عندما تقدمت إلى اختبار القبول في البورد الكندي و عدة اختبارات أخرى، و الآن أواظب عليها في دراسة و اختبارات تخصصي الدقيق، هذه الطريقة كانت سبباً من أسباب تفوقي. في سنة الإمتياز اكتشفت أنها تقنية ناجحة و فعالة حتى في الإختبارات الإكلينيكية. لأنك مثلما تقرأ مقرر الاختبار من الكتب و تختبر نفسك فيه، بإمكانك قراءة مقرر الاختبار التطبيقي من أوراقك التي كتبت فيها ملاحظاتك و شروحاتك طوال فترة التدريب و العمل. أنت من بإمكانه أن يصنع مقرراً للمذاكرة و النجاح في كل شيء.

5_ تعرف بالطبع الحث المستمر على استخدام طريقة الرسم و الخرائط الذهنية في التلخيص لفِهم أسرع. لا بأس من التأكيد على فاعلية هذا الأمر، لكن تذكر أن العقول لا تتشابه، هناك من لا يتناسب ذهنه مع هذه التقنية. يحاول استخدامها و يشعر بالضياع أكثر. لا تجبر نفسك على اتباع طريقة يمدحها الآخرون. جرِّب. التجربة دوماً خير طريق لقياس تناسب الأشياء معك. بعض الأشياء عظيمة لكنك أنت الذي لا يتناسب معها. ليس هذا خطأً. أنا جربت الخرائط الذهنية و نجحت في فهم بعض المواد لكنني فشلت في استذكار مواد أخرى بها. مثل مادة الباثولوجي (علم الأمراض) و الهيستوكيمستري. ( كيمياء الأنسجة) . التقنية التي أبدعت برفقتها هي الكتابة العشوائية بالغيب. لدي عشرات دفاتر الكشكول المخصصة للمذاكرة. مذاكرتي اليومية هي بالدفتر والقلم. اقرأ الدرس و أكتب ملاحظاتي على الجمل التي تستوقفني ثم في خطوة إعادة القراءة أعيد في الدفتر كتابة كل جملة اقوم بتحديدها بالألوان، بغرض الحفظ. المعلومة تثبَت في عقلي بواسطة الكتابة لا الرسم. هناك من يحفظ و يفهم أيضاً عندما يقرأ بصوت عالٍ.

6_ احذر من الإضاءة غير المناسبة. العالية جداً و الخافتة جداً.

7_ إن كنت ممن يذاكر قبل الإختبارات بوقت، فإن أيام عطلة الأسبوع فرصة عظيمة للمذاكرة. لا تسمح لنفسك الشهوانية أن تلهيك بالقول أن لنفسك عليك حق ويوم الإجازة للهو و النوم. كانت لديك كل أيام عطلات الأسبوع في الفصل الدراسي بفرَص واسعة للمرح و النوم و الكسل. الثلاثة أسابيع التي تسبق أسبوع الإختبارات هي أسابيع حسم و إنجاز. إن أقنعت نفسك بلذة طعم ما ستناله بعد هذه الأيام القليلة ستحترم جهدك المبذول ولن تهدر فرَص النجاح بتقديرات جيدة بدل النجاح بتقدير ” مشي حالك”.

8_ وصلتني رسالة مرة من شخص يقول أنه يفتقد إلى حافز الإجتهاد. لأنه يعرف انعدام الفرص الوظيفية المناسبة لشهادته الجامعية بعد التخرج. فلمَ ينجح بمعدل عالٍ طالما ستنام الشهادة ولن يحصل على عمل متكافئ معها؟ إن كنت ممن يفكر هكذا، فلن يضيرك التفكير بأن دوام الحال من المحال. هناك من حصلوا على وظائف ممتازة و متكافئة مع الشهادة بوقت قصير وفي تخصصات غير مطلوبة. أعرف خريجة رياضيات حصلت على وظيفة التعليم في منطقة نائية كالأخريات لكنها لم تنتظر عشر سنوات، انتظرت عاماً واحداً فقط وظهر اسمها مع المقبولات، و قبل عدة أشهر أخبرتني أنها اشترت بيتاً لأن راتبها المستقر أهَّلها للحصول على القرض.

9_ لا تخالط السلبيين و المهمِلين و المسوفين و كل من يندرج تحت فئتهم. أكثر عبارات سمعناها في سنواتنا الدراسية أنا و أنتم هي ” ماراح تجي الأسئلة سهلة. هذه الأستاذة عسرة وماراح تنجحنا وبتشوفون. هذا الأستاذ مايصحح الأسئلة أصلاً، ينجح بمزاجه مافي داعي نتعب نفسنا ونذاكر شي ماراح يتصحح. المادة صعبة ماسمعت أحد نجح فيها من أول مرة يا بنات. بالله ايش يبغى من الطلبات هذي؟ المهم يعقدنا وبس عشان لا ننجح؟ البحث مرة صعب ماراح اسويه خليه مع نفسه مابي الدرجة أصلاً ماراح أنجح عنده. ” التنبيه على وقائع يجب الحذر منها في مادة أو أستاذ من باب الفطنة و الذكاء هو أمر مختلف تماماً عن التشاؤم و السوداوية التي لا تترك نافذة لنور شمس. متفوقون و مجتهدون عديدون وقعوا في الرسوب بسبب مجالسة السلبيين الذين امتصوا كل طاقتهم الإيجابية. إن لم تجد إيجابياً متفائلاً تجالسه، جالس نفسك. فلن تكون وحيداً ولن تطالك الوحشة طالما أن الله معك. اذكره يلبّيك.

10_ إن كنت ممن يذاكر في فترة الإمتحانات أقل من 7 ساعات في اليوم فأنت مهمِل. أن تخصص 12 ساعة يومياً للمذاكرة فأنت لست مبالِغاً ولا قاسياً على نفسك. لديك 12 ساعة أخرى تحصل فيها على : نوم، طعام، استحمام، نصف ساعة مرح في أي شيء على الرغبة. لا تنسَ أن ال 12 ساعة المخصصة للمذاكرة سيتخللها عشر دقائق استراحة بين كل خمسين دقيقة مذاكرة! و نصف ساعة استراحة قبل خطوة اختبار نفسك في الدروس.

11_ استعن بمصادر خارجية من الإنترنت لفهم المادة، لكن حذارِ من تبديد الوقت على حساب مقرر المادة. لن تغني أي مصادر أخرى عن الكتاب أو الملزمة. لذلك، فإن أسبوع الإختبارات ليس هو الوقت المناسب للمذاكرة من الإنترنت. بل الأسبوع الأول من الثلاثة أسابيع التي تسبق الإختبارات، التي تحدثت عنها في فقرة 7

12_ ليكن اختيارك للمواقع المساندة في المذاكرة جيداً و مقنناً. هذه بعض المصادر التي رافقتني لوقت طويل ولا زلت أرجع إليها كلما دعت الحاجة :

_ أفضلtwo medical dictionaries, Oxford medical dictionary , and Taber’s Cyclopedia Medical Dictionary. لطلاب التخصصات الأخرى قاموس اكسفورد هو الأفضل + ميريام للجوال و الكمبيوتر . ( الجامعات الأمريكية تنصح به طلابها)

_( هذه الصفحة ) ثابتة في جوالي لصيغ الربط بين الجمل في النصوص الإنجليزية من مقالات و بحوث وكل نص يزيد عن أربعة جُمل. لن تخذلكم أبداً عند الحاجة.

_ ( قاموس و محرك بحث ) للنشرات ذات النصوص المفتوحة بالكامل في مختلف التخصصات.

_ منقذ طوارئ لمتعلمي الإنجليزية من طلاب و معلمين و هواة و مسافرين. يقدِّم بودكاست بمواضيع حيوية و دروس لتعلُّم مهارات الإنجليزية الأربعة و متاحة بالكامل للقراءة و التحميل مجاناً. أدين بالكثير لخدمات ( هذا الموقع )

_ أكثر منصات عمل العروض انتشاراً مؤخراً بسبب سرعتها و بساطتها. بالإمكان تلخيص الدروس التي تحتوي على حشوات كثيرة غير مطلوبة بواسطة كتابة النقاط المهمة في شرائح و المذاكرة منها، طريقة عملية لطلاب الطب،وكل من لا يستطيع الإستغناء عن الكمبيوتر في أي وقت. موقع slidebean

_ اطبع هذه القصاصة و علقها على أكثر مكان تنظر إليه في الغرفة :

insp

” يوم ما، ستنظر خلفك إلى كل الإنجازات التي أحرزتها، و ستكون سعيداً جداً لأنك لم تستسلم عندما كنت تشعر أن الإستسلام هو الإختيار الوحيد.”


هذه غرفة عنايتي الفائقة

sheh

ناصر، شكراً يا جندي الصومعة المجهول على صوْن الأمانة كل هذه السنوات.

هكذا أحببت أن أبدأ التهنئة لشهار. المدونة التي لم تعد جماداً يمدني بالتهوية كعبوَّة أوكسجيني التي أصبحَت قطعة أثاث أساسية في غرفة نومي. تقف مثل صمام أمان على الطاولة بجوار السرير بدلاً من علبة مجوهرات زهرية اللون كنت أحب الاحتفاظ بها بجواري لأنها عند الفتح تبعث موسيقى جميلة كجَمال الليل و بواكير الصباح. لم يكن ليبقى هذا المكان السري الذي لا يقرأني فيه سوى من لا يعرفني.. سالماً يتنفس وكأنه رئة إنسان تضمني كلما جئتها معبئة بالهلاك.. لولا ناصر. لم يجد ناصر في هذه الرئة شيئاً يخصه أو يعنيه، لكنه ظل يحافظ عليها مثل شيء يملِكه بحُب، و من يُحب لا ينسى. و ناصر لم ينسَ هذا المكان كل هذه السنوات برغم أنه ليس له. كلما أكملت المدونة عاماً أفكر في كلمات شكر مناسبة يا ناصر. أفكر في عرفان مناسب على الحرية التي أعطيتني. لم تقيدني بعدد جيجابايت ولا بأي شيء. كان الأمر غريباً في البدء، لا شيء. لم تضع لي أي شرط. كنت أخشى أن أكتب و أكتب و يضيع كل شيء فجأة عندما يتعطل المستضيف أو عندما تتخلى أنت عن المهمة، لكنك لم تفعل شيئاً سوى أن منحتني طريقاً مضيئاً بلا نهاية و قلت لي انطلقي ولا تفكري في شيء. كم يبدو الشكر ضئيلاً مثل دبيب نملة أمام قلبك الهائل و نُبلك الشاسع مثل نهر؟ يا ناصر شكراً، و البقية تُدركها..

سبع سنوات. أي سبعةٌ من عُمري، 2555 يوماً بتفاصيلها، آلام، رائحة مستشفى و أدوية و صوت جهاز إنعاش و تخطيط قلب و صور قطط و كتب و أفلام و حقائب و أدوات طبية و.. هزاع. أجل و سابقاً ريمي، أبطالي الذين اختلقتهم و حرَّكتهم و بثثتُ فيهم حياةً أعيش معها و أقص عليها ما يحدث و تسمعني و تكتب لي رسائل حب و دعم كبير.. الرسائل التي كنت أكتبها لنفسي و أذيلها بأسمائهم و أستودعها في صندوق الوارد.. مثل هدايا لوقت الحاجة، و قد كانت كل الأيام مدعاة حاجة إلى عطف ورحمة، لم يقم بتلبيتها أحد سوى قطِّي السمين. كانت يمضي شهرين، ثلاثة و أربعة في بعض السنوات لا أزور فيها المدونة ولا أتذكرها سوى بالصدفة. أيام مريرة، قاسية يُظلم فيها الحجر إن قورنَت به. لم يكن في مصلحتي أن أتذكر شيئاً يثير حاجتي إلى الكتابة. عندما كنت أعود، أشعر وكأنني دخلت غرفة من زمن الطفولة. وكأن هناك من كان يرتبها و ينظفها في غيابي. لم أدخل مرة إلى لوحة تحكم المدونة و وجدت ديداناً الكترونية (سبام). كان ذلك يحدث عندما كانت شركة الاستضافة مدفوعة. كنت أدفع و أدخل لأجد المدونة تكاد تنفجر من الديدان ومحاولات الإختراق. ومنذ أصبحت الأمور في زمام ناصر، أصبحت لا أدفع ولا أجد ذبابة تحوم في الأجواء.

منذ الأمس و أنا أتصفح مواضيعاً في المدونة بعشوائية. مواضيع قديمة و أخرى منذ البدايات. قضيت ثلاث ساعات أتجول و أضحك. كنت أظن أنني سأحزن لكنني ضحكت فعلاً فقد كانت الجولة ممتعة و محرِجة. أجل، احمر قلبي خجلاً من أكوام الركاكة و البساطة في التدوينات القديمة. خالطني شعور بالأسى و لم أعرف إن كان يجب علي أن اتأسَّى أم أفخَر بنفسي، لأن كل شيء قرأته أخبرني كم كنت ناضجة قبل نضوجي الفيزيائي. كانت أوائل أيامي في بريطانيا عندما قمت بالاستقرار في هذه المدونة. كنت آنذاك أدرُس سنةً مشترَطة للقبول في كلية الطب بجامعة ليدز و كانت الساعات مليئة بالحياة التي أحب رصدها في كتاب أو عدسة. أحياناً كنت أتوق إلى فعل أشياء تفعلها كل المراهقات في سني. لكن كانت آلام كليَتي التي عانت من فشل مزمن قد أطبقَت على خلايا الرغبة في المرح التي حلمت ببعضها دوماً. تنزهت كثيراً في ليدز. كانت أجمل لحظة في حياتي عندما رأيت لندن. مدينة الأحلام. بحثت عن موضوع قديم في المدونة عن أولى أيامي في لندن ولم أجد. كان رائعاً، من المواضيع القليلة التي رضيت عنها ونشرتها بلا تردد، لكنني تذكرت أني فعلت ذلك في منتدى الطومار و تكاسلت عن نقله إلى المدونة فذهب مع ما ذهب من مواضيع أخرى لم أحتفظ بها بعد رحيل المنتدى.

شعرت بالأسى من ذاك النضوج. العمق في القراءة، في التفكير، في القلق، في التألُّم حتى. النضوج في التعامل مع اللحظات السعيدة و العلامات الفارقة و نقاط التحول في حياتي. كان يجب أن أعيش اللحظة بحجمها دون ضغط عليها لأنقص حجمها على حجم عقول الناضجين، لكنني لم أفعل. تأثرت بهيبة عائلتي التي يقف لها احتراماً كل من يشاهد أحداً من أفرادها. في بيتنا عندما كنت صغيرة، لم نكن نصنع التورتات المزينة بالصور و الشموع و نرفع صوت الأغاني الشبابية عندما نحتفل بنجاح فردٍ منا. وعندما كنت أنجح كانت جدتي، عمتي و خالاتي يقيمون لي حفل النجاح في بيتهم، يغنون لي بأنفسهم وفي العاشرة مساءً يرتفع صوت أغنيات القدامى، أبو نورة و فايزة أحمد و سراج عمر و أحياناً عبدالمجيد. كانوا يجلسونني مثل دمية يحيطونني بالهدايا المغلفة و البالونات و يقومون هم و يرقصون. الحفاظ على الهيبة مبدأ في بيتنا لا يُسمح بالجدال حوله. حفلاتنا اليوم أقيمها أنا لفتيات العائلة الصغار على الطراز الحديث، يفرح الجميع.. يمتنُّون لي. لكن عندما يقيمون لي حفلاً بنجاح آخر أو بخروج من إقامة مرضيَّة طويلة في المستشفى، يكون الحفل بمقاييس كبار العائلة ذوو الوقار!

هكذا تقولبت كتاباتي جادة طويلة و داكنة و كأنني أكتبها على جدار البيت، لا في مدونة حرصت أن تكون سرية مثل بواطني التي تجهلها أركان و أرواح البيت، حيث العالَم الآخر في قلبي، حدائق العُمر أخضرها ويابسها المعلقة في عقلي. و ندبات تركتها إبر بزل النخاع العظمي أسفل ظهري المستور بألمي الكثيف الصامت، لا بالملابس وحسب.

أدين بالكثير لشهار. لقد أطلقت عليها هذا الإسم لأنها دوماً مكان نقاهتي النفسية من الحياة بأسرها. عندما أشفق على رأسي من المسكنات التي أفخخه بها كل يوم عدة مرات، ألوذ إلى المدونة و أكتب فيها كل شيء أشعر أن رأسي سيهدأ إن تخفف منه. في كل موضوع أدونه تصلني رسائل عديدة من قراء أصبحوا مع الوقت نبضاً للمدونة. أفتقدهم عندما أضع تدوينةً و يتأخر وصول رسالة بعدها. و كأنهم يشعرون بحنيني إليهم و سعادتي برسائلهم، يبعثون لي بعد أن أتساءل ما إذا كانت التدوينة مخيبة للآمال هذه المرة؟ يحدث ذلك عندما تمر عشرة أيام بعد النشر دون وصول أثر. قراء المدونة الذين لا يخبرونني أسمائهم، أصبحوا أسرَتي السايبيرية. أنا لا أحب مصطلح العالم الوهمي. فتلك الأرواح ليست أشباحاً، بل قد يفتقد المرء في الأجساد الحاضرة معه على أرضه التي يمشي عليها احساساً بالأمان يمده به ظل غير مرئيٌ في بقعةٍ ما، كما يفعل هؤلاء الذين يمنحونني دمعة لامعة على طرف العين برسائلهم. أشكركم، لم أقم يوماً بإحصاء عددكم، أعرف بالعموم أنكم قليلون، ولذلك أشعر أنكم عائلةً أخرى رُزقت بها مكافأة ربما، لأنني في أسوأ أوقات وحدتي، لم أكن ألجأ للجريمة و الإثم، بل للمدونة، للكلمات، للكتابة، للقراءة، للنوم، لسورة يوسف، لزيارة المكتبة، البحر، غرفة أمي و أبي. ولا أقول أنني لم أكن أيأس، أسقط، و أكون بوعيي عندما يسحبني الإنهيار العصبي إلى الظلام فأشعر بشعور الغريق في المحيط الهادي بلا طوق ولا سفينة عابرة بالصدفة، إنما أقول أن جوارحي لم تتخلى مرةً عن الإيمان بالله.

كان من الواجب أن أقوم بتطوير المدونة و أفتتح أقساماً جديدة أواكب فيها ما يفعله مدونون آخرون. لكنني أحببت أن أحافظ على المزية التي أبقتني على وفاق وارتياح مع شهار كل هذه السنوات. و بالرغم من ذلك قمت بافتتاح قسم جديد أبدأ فيه بروجكت بودكاست ليس له مثيل حسب علمي بالعربية. وهو بودكاست ” طِبابـة ” أمارس فيه هوايتي بالتحدث عن الكتب لكنني أختص كتب الطب و الكتب العلمية البحتة هذه المرة. كما أختص طلاب الطب و الجامعيين عموماً بمواضيع مساعدة على المذاكرة و فهم المواد ولا أستثني نفسي من الفئة المستهدفة بهذا المشروع، فطلَب العِلم هو وضعي الذي أفخر دوماً أنني أحافظ عليه.. لست طبيبة فحسب، أنا طالبة عِلم أيضاً، و معرفة. هناك تفاصيل أخرى عن المشروع قلتها في الحلقة الأولى من بودكاست طِبابـة هنا :

طِبابة

عيد ميلاد سعيد يا شهار..

يا قصص عم تكتب أسامينا..

هذه خواطر سريعة، ليست تدويناً بمعنى التدوين. استحضرَتها ذاكرتي بعد قراءة تدوينة لطيفة للعزيزة فاطمة، عصفورة القراءة.. ( هنا ) . سألت فاطمة المغردين في تويتر: ماهي حوادثكم الصغيرة؟

9989

عندما قرأت السؤال قبل الموضوع ظننته عن حوادث ذات أثر سيء. لأن حوادث تختلف عن “أحداث” فالأحداث تجمع ما يحدث في السراء والضراء عكس الحوادث التي تأتي لتبعثر في أحسن الأحوال إن لم تدمر..وتذهب بلا ندم. بعدما قرأت ذكريات فاطمة عرفت أنها تسأل عن أشياء حدثت وكانت لا تبدو سعيدة في وقتها، لكنها أصبحَت شفيفة و وديعة الأثر بعد أيام وأعوام. معكِ حق يا فاطمة. ما يحدث في الطفولة برئ مهما اتسم بجروح وندبات و لطخات ملونة.. جاءت ذكرياتك في وقتها لتنظف بالي قليلاً من ضغط سوء الحاضر و قسوة المجريات. مرت بعض فواصل جميلة من طفولتي أمام عيني قبل قليل مثل فيلم إنيمي يحولني إلى طفلة العاشرة ولا يعيدني إلى نفسي أبداً طالما أسمع صوت ال soundtracks الذي قمت بتحميله في ال Mp3 . يبهجني أن أكتب بعض تلك الفواصل هنا، ليس لأشارككِ فحسب (وهذه مسرة تشبه روحك) ولكن لتعينني أيضاً في الأيام المظلِمة على نفسي كهذه الأيـام. لها وقع الندى والربيع الذي سكن مكانه في الوجدان منذ ذلك الماضي.

_

أجمل فترة في طفولتي أتذكرها عندما كنت أبيع الورد في حارتنا الصغيرة في مكة. توجد بعض الفنادق مكانها الآن، أمام الحرم. ربما يعبر قارئ من الأيـام الخوالي من هنا ويقول لنفسه نعم أعرف هذه التجربة التي تتحدث عنها أشعار، فقد كتبت عنها في مجلة قوافل عندما كان يترأسها الروائي الهادئ يوسف المحيميد. لكن سأذكر هنا أشياء لم أذكرها في المجلة. كان الأمر للتسلية في البداية لأنني كنت أعرض العم صدقة صاحب المشتل الصغير للإفلاس عندما أمر كل صباح وآخذ وردة من المحل دون استئذان، إذ أنه كان يشجعني ويبتسم. ثم رآني أخي ذات يوم وطلب مني أن أبيع الورد للعم صدقة لأن حصولي على زهوره التي يطعم أبناءه من محصولها لايجوز وسوف يغضب الله مني إن فعلت ذلك مرة أخرى. كنا نمر في البيت بوقت عصيب بعد وفاة أبي رحمة الله عليه. كان لا بد أن نتعاون جميعاً على إدارة المصروف. كنت في الصف الثالث الإبتدائي. لم يكن الأمر صعباً ولا محرجاً على العكس.. كان شبيهاً بلعبة. أهل الحارة معروفين و علاقة الجميع ببعضهم عائلية. كنت بعد “الصرفة” آتي إلى المشتل في كل ظهيرة ويجلسني العم صدقة أمام المحل ويعلمني كيف أقول ( الورد يا ورد) مر اليوم الأول ولم يشتري أحد. بكيت، شعرت بفشل لم أكن أعرف أن هذا اسمه بعد. لم أستطع قول لقد فشلت. لا أعرف هذه الكلمة. لكن في اليوم التالي قال لي عم صدقة أنتي وردة ولا حاجة لتنادي الناس. حاولي أن تتجولي بصندوق الزهور قريباً من المحل وسيشم الناس أريج الورد ويشترون. حصل ذلك بالفعل. كنت أتراقص فرحاً بمريولي الأخضر و ضفيرتاي التي فيها من رائحة حنّة جدتي رحمها الله، فقد كانت هي من تمشط شعري و تلبسني ملابسي وترتب لي حقيبتي وكتبي التي لا تستطيع قراءتها. أعطيت المال لعمي صدقة وأنا أضحك وعيني تلمع كالنجوم، ضحك فرحاً هو أيضاً ووضع المال في جيب مريولي وقال هذا هدية لكِ لأنك شاطرة و بعت الورد. كان أول راتب أحصل عليه من عرقي! لا أتذكر كم كان المحصول تماماً. ربما عشر ريالات أو أكثر قليلاً. عدت إلى البيت سعيدة وأعطيت المال لأخي ورفض هو أيضاً و في المساء جاء إليَّ بحصالة حمراء ساحرة على شكل عربة سندريللا. اشتراها من قرطاسية ريما وهي مكتبة بصيت وفخامة مكتبة جرير اليوم. قال لي ضعي أي مال يخصك بعد اليوم في هذه الحصالة ولا تخرجيه إلا في العيد، لتشتري به ما تريدين. بكيت كثيراً وحزنت لأيام بعد خمسة أعوام عندما خطفت ابنة خالي الحصالة ورفضت أن تعطيني إياها لأنها أعجبتها فأمرتني خالتي الطيبة أن أعطيها إياها قصراً للمشاكل وستشتري لي واحدة أجمل. لدي اليوم العديد من الحصالات بأشكال جذابة لكنها لم تنسني أول حصالة أمتلكتها هدية من أخي الطيب. المهم، استمريت في بيع الورود فصلاً دراسياً كاملاً. لم يأخذ عمي صدقة في حياته من محصول ما أبيعه ولا قرشاً. كان الورد الذي يضعه لي في الصندوق قليل ولا يشكل شيئاً في ميزانية المشتل. الناس يشترون الباقات والأنواع المستوردة من المشتل مباشرة. كان عمي صدقة يحبني جداً لأنه كان صديق أبي. ولأنه كان يعرف حالنا بعد وفاته ساعدني بتلك الطريقة دون أن يتفوه بحرف. بعد انتهاء الفصل و بعدما نجحت، أهداني عمي صدقة باقة ورد كبيرة، بل عملاقة.. مكونة من خمسة أنواع وألوان من الورود والأوراق الخضراء الناعمة. جوري، توليب، ورد بلدي، لافندر، ياسمين، وريحان. كانت هدية نجاحي. جاءني بها إلى البيت. أحضرها في مزهرية معشقة باللونين الأزرق والبنفسج وقال لي هذه الباقة ليست للبيع. ضعيها في غرفتك وسأحضر لك أخرى أكبر منها عندما تكبرين وتتخرجي من الجامعة. بعد أحد عشرة يوماً، مات عمي صدقة. كانت رئتيه تالفة من التدخين. مات وكنت أعرف حينها ما الموت. لأن بيتنا انهار في أول شهر من وفاة أبي، فقد كان أبي محبوباً بجنون من أهل الحارة والعائلة والجميع. أول شيء فعلته بعد أن جفت عيني من البكاء على روح عمي صدقة هو وضع الزهور التي كانت قد ذبلت، في صندوق محتفظة به حتى اليوم ومخصص لأغراضي الحميمة جداً والتي لا أطيق رؤيتها لأنها كلها مرتبطة بأحداث مؤلمة. كأغراض لأبي، وأمي، وجدتي،.. وزهور عمي صدقة. قام أبناؤه ببيع المشتل وبنو مكانه عمارة و أجَّروا شققها وأصبحوا أثرياء جداً من محصولها فقد كانت الأرض مباركة لأنها أرض عمي صدقة، الرجل الطيب الذي يشهد الناس أنه لم يتفوه بكلمة جارحة لأحد في حياته.

___

من الحوادث التي أتذكرها وقد انتهت بجروح طريفة و مؤلمة تشبه جرح كاحلك من الحذاء الضيق، حادثة المرسم. بالطبع أزخرف الكلام الآن وأنا أقول مرسم، فلم يكن أكثر من مستودع يضم أشياء كثيرة خربة ومحطمة وقديمة وصدئة،و في منتصف المسَاحة يقف حامل خشبي مثبت عليه لوح للرسم. في الأصل ليس لوح رسم. صديق أخي قام بصنفرته ليصبح ناعماً ويستطيع تعليق ورق الزبدة الأبيض عليه ليرسم. كنت في الصف الخامس. في العاشرة. دخلت المدرسة بالمناسبة في سن السادسة _ هذا التنويه ليس لكِ بل لمن يقرأون بغرض التصيد لا الإستمتاع، مؤكد سيقولون أنني أكذب لأن السابعة هو السن الرسمي للدخول إلى المدرسة_ ذلك المستودع كان في ملحق بيتنا. لوح الرسم كان لصديق أخي الذي هو دوماً أخاه الرابع كما يقول. علاقتهم صافية قوية وجميلة ومستمرة حتى اليوم. بناته وبنات أخي هم أيضاً صديقات رائعات اليوم. اسمه عبدالمحسن. كان عبدالمحسن معنف من أبيه. لا يعجب والده أي شيء يفعله حتى عندما ينجح ويحصل على المركز الثاني يطرده من البيت لأنه لم يحصل على الأول! عندما كبر اشترى له دباب مستعمل ولم يسمح له بقيادة سيارة بالرغم من أنه مؤهل لذلك وحصل على رخصة ووالده ميسور ويستطيع أن يشتري له سيارتين. عبد المحسن يحب الرسم. والده يرى أن الرسم كلام فاضي و “مسخرة”، قام بتمزيق العديد من كراسات ابنه البديعة بالفعل. عبدالمحسن فنان. موهبته ليست عادية. هذا رأيي حتى اليوم. كان مشروعه هو وأخي أن يرسم في بيتنا. ولأنه لم يكن يمتلك مالاً لشراء لوح رسم مع الحامل، صنعه هو وأخي بنفسهم. كنت أعشق الفن منذ طفولتي وأنا لا أعرف أن اسمه فن. أقف طويلاً أمام اللوحات و أنسجم مع انسيابية سريان الريشة على الورق الأبيض و أفتح عيني بدهشة عندما تنتهي خطوط عبدالمحسن على اللوحة بوجه قطة أو حديقة رأيتها عندما كبرت في لندن! كنت أعز جمهور عند عبدالمحسن. كان في آخر سنة من المرحلة الثانوية في المدرسة هو وأخي. كثيراً من رسوماتي التي طلبت مني في مادة التربية الفنية هو من كان يرسمها. كنت أطلب منه أن يرسم ببشاعة كي لا تعرف الأبلة أنني لست من رسمت! يضحك ويقول حتى لو خربشت ستعرف أبلتك يا كسلانة. وعندما نجحت أهداني لوحة أسماها القطط التي تشرب كوب الحليب. وهي عبارة عن ثلاث قطط بيضاء وشقراء تتشارك في شرب كوب حليب واحد كبير. لقد كانت أجمل هدية فنية يدوية تلقيتها في حياتي. وأيضاً نهايتها من حوزتي كانت بمأساة أبكتني طويلاً فقد احتفظنا بها في مدخل بيتنا الجديد عندما انتقلنا بعد تلك الأيام بعامين وذات يوم دخل لصوص من أهل الحي الجديد إلى البيت وسرقوا كل ماوقع في يدهم وقد كنا آنذاك في رحلة إلى الجنوب (عسير) لقضاء عطلة الصيف. كان هذا الجرح النفسي الذي ترك في قلبي ندبة لم تندمل. أما الجرح الجسدي فقد كنت كثيراً ما أدخل إلى المرسم بعدما ذهاب عبدالمحسن إلى بيتهم في الليل. أفتح علبة الألوان وأحاول عصر العبوات وأتراجع بعد تردد خوفاً من غضب عبدالمحسن. اشتريت بمصروفي بالتَّة ألوان واستخدمتها في نفس يوم الحادثة، جئت بالماء في فنجال وغمست الفرشاة فيه ثم في الألوان وبدأت أخربش على الورقة المثبتة على اللوح والتي لم تكن بيضاء. كانت تحتوي رسماً بدأه عبدالمحسن لوجه امرأة لم أتعرف عليها. اللوح عالٍ جداً عليّ. لم أجد طريقة لإشباع شغفي وعنادي سوى أن أحضرت علبة حليب نيدو فارغة وضعتها أمام اللوح ووقفت عليها وكنت أمسك أطراف اللوحة بيميني بقوة كي لا أقع وأخربش بالشمال ( أنا أكتب و أعمل وأطبخ وآكل وأفعل كل شيء بالشمال، أنا عسراء) ثم فجأة، اختل توازن العلبة وتوازني ووقعت وانهار اللوح علي بالكامل. كانت هناك مسامير وعدَّة كهرباء متناثرة على الأرض. أصيب مرفقي بخدوش من المسامير و أصيب رأسي بشق صغير لأن اللوح وقع على وجهي مباشرة. تمت خياطة غرزتين في رأسي ولحسن الحظ زال أثرها بعد سنوات. بعد انتهاء الفوضى واطمئنان عائلتي علي وبخني أخي بشدة وشتمني إن لم تخونني ذاكرتي. كان خائفاً من أن تخرَّب علاقته بصديقه بسبب فعلي. لكن عبدالمحسن كان فناناً و ذوقاً حتى في أخلاقه. عندما عرف بالحادثة زارني وأول كلمة قالها ( تفداك اللوحة و صاحب اللوحة يا شقية ) وأخذني بنفسه إلى الطبيب عندما حان موعد فك الغرز واشترى لي دفتر تلوين وطلب مني مازحاً الاكتفاء بتلوين الرسومات وأن لا أحاول تقليده لأنني سأصبح كوافير أصنع التسريحات والمكياج للنساء ولن أصبح رسامة! عندما تخرجت من الثانوية وحصلت على قبول الطب أهداني عبدالمحسن الذي كان قد تزوج وأنجب طفلتين لوحة من لوحاته القديمة، فقد كان قد توقف لسوء الحظ عن الرسم. كانت اللوحة إعادة لبورتريه المرأة التي لم أتعرف عليها يوم الحادثة وأنا طفلة. هو أيضاً لا يعرفها. ليست شخصية مشهورة. فتاة من الريف الإنجليزي استوحاها من أفلام الريف البريطاني التي كان يحبها. أرسل إلي اللوحة مع أخي. لكن أخي رفض أن يعطيني إياها لأننا طبعاً أصبحنا كباراً ولا يجوز أن يهديني أصدقاءه الذين حملوني على كتفهم كثيراً وأنا طفلة ولعبوا معي..شيئاً. لكنني لم أشعر بأسى كبير فقد قام أخي بتعليق اللوحة في صالة بيته وهكذا استطعت رؤيتها دوماً.

سأذكر شيء، كنت أيام المرسم أدخل إليه وأنا أرتدي زيي المفضل وهو مثل هذا الذي في الصورة أعلى الموضوع. لمَ أذكر هذا الأمر؟ لأن ” الأوفرول” لا زال ردائي المفضل أثناء العمل في البيت والمشاوير التي تتطلب مشياً طويلاً حتى اليوم. انظري إلى آخر نسخة منه اشتريتها منذ تسعة أشهر ، نعم.. اثنين، الأخر الذي يظهر في طرف الصورة عندي منذ عامين. وهناك ثالث منذ عام (كروهات) لكنني تركته في خزانتي بمكة و أشعر الآن بالاشتياق إليه. أشعر براحة لامتناهية في هذا الرداء و أنتج و أنجز بسرعة أكبر معه. هو صديقي المفضل وانظري أيضاً.. كيف أنه لم يتوقف يذكرني بمرسم عبدالمحسن والأيـام الملونة.

ofr1

___

أعشق آيس كريم البسكويت. في عرفة و مزدلفة كنت أتناوله بالحليب والمانقو، و على الكورنيش في جدة كنت أتناوله بجميع النكهات المتوفرة. حدث مرة في عطلة الصف السادس الصيفية بعد التخرج، أن ذهبنا للكورنيش واشتريت الآيس كريم وجاءت طفلة أصغر مني بثلاثة أعوام ربما، خطفت الآيس كريم من يدي وأنا لم أتناول منه شيئاً بعد، كنت للتو قد تناولته من يد البائع الذي لا يُرى سوى وجهه من شباك شاحنة الآيس كريم العالية. عندما خطفت الطفلة آيس كريمي باغتُّها واسترجعته منها بقوة لكنني لم آكله بل رميته على وجهها ولطخته به. أجل، كنت غاضبة ولم أتردد في معاقبة الفتاة! ثم بدأت المعركة، حاولَت أن تجري خلفي وأنا أركض للعودة إلى عائلتي التي تجلس أمام البحر تشرب الشاي وتأكل الكعك وينتظرني معهم أطفال خالتي لأحضر لهم آيس كريم أيضاً. عندما وصلنا إلى أهلي بدأت الفتاة تبكي وتسبُّني بكلمات كبيرة على طفلة بعمرها، كان واضحاً أنها سمعتها من إخوَتها أو أبيها ورددتها. قام أخي بسرعة وسأل مالذي حدث وهو ينظر إلى وجه الفتاة الملطخ. أخبرته بالأمر وقبل أن أكمل كلامي كانت والدة الطفلة قد وصلت إلى مكاننا مهرولة بعد أن رأت ابنتها وبدأت تصرخ على أخي وتحاول التطاول عليه بالكلام. تجاهلها أخي لكنه صفعني فجأة أمام الجميع. ربما شعر بالإهانة بعد صراخ المرأة. سحبني من يدي للذهاب إلى ” فرْشتنا” حيث نجلس مع العائلة لكن المرأة لم تكتفي بأن ضربني أخي بل جاءت من خلفي وشدتني من شعري ودعكت آيس كريمي الذي كان قد ذاب نصفه، في وجهي. قالت: كده أخدت حق بنتي! و ذهبَت تهرول مع طفلتها خائفة من أن ردة فعل أخي. لم تفعل عائلتي شيئاً، غضبوا مني لا من الطفلة وأمها. قال أخي لا حول ولا قوة إلا بالله وأقسم أن لا يأتِ بي إلى الكورنيش مرة أخرى. انتهى الموضوع بالنسيان بعد ذلك الوقت بالطبع، لكن شاءت الأقدار بالصدفة أن لا أعود إلى الكورنيش مع أخي فعلاً بعد تلك الأيام أبداً. ذهبت دوماً مع شقيقاي الآخرَيْن. قبل أيام هاتفت أخي واستحضرنا ذكريات ماضينا الجميل واتفقنا على زيارة تلك الأماكن معاً في أول زيارة لي إليهم إن شاء الله. وهكذا يصبح رجْع الندى غيثاً للروح.

شكراً يا فاطمة. لكِ أن تعتبري هذا الموضوع هدية. حلقي دوماً في هكذا سماوات جميلة أيتها العصفورة وحافظي على جناحيك الأبيضين.

لماذا الكتابة كل يوم تجعل منك شخصاً أفضل؟

ثلاثة أسباب تجيب على ” لماذا الكتابة كل يوم ستجعل منك شخصاً أفضل”

tumblr_o39rhzkCFM1uy4j55o1_1280

ترجمة ذاتية لمقال قصير بقلم الكاتب جيف جوينز مقتبس من مدونته. عبَرت صدفة على هذا المقال أثناء نومي في المستشفى مريضة لأيام. وقد أعاد لي الشعور بأنني أتحسن عندما أكتب وقد كنت أظنه وهماً لأن هناك بعض الأشخاص من حولي قالوا لي أكثر من مرة: كيف تستطيعين الكتابة كل يوم وأنتِ مريضة؟ ألا يؤلمك الجهد المبذول في الكتابة؟ فكروا في الناتج الفيزيائي لفعل الكتابة ولم يفكروا في الناتج النفسي الأكثر أهمية للمريض. هذه الترجمة لمن لايستطيعون القراءة بالإنجليزية، للذين يظنون أنهم غير طبيعيين لأنهم يكتبون يومياً. فـ هيـا :

( أنا مؤمن بعادة الدوام الكامل في الكتابة. قد يمكنك الإستغناء عن ممارسة هذه العادة إن كنت عبقرياً، ولكن معظمنا لديهم موهبة فقط. وهي ببساطة شيء يمكن أن يعاوَن طوال الوقت بواسطة العادات البدنية و العقلية أو.. ستجف الموهبة وتمضي بعيداً.) فلانري أوكونور

عندما يسأل الناس عن عاداتي في الكتابة ويسمعون أنني أكتب يومياً، يقولون أحياناً: “أوه.. لن أستطيع أن أفعل هذا.” و كأنه اختيار. الحقيقة هي أنه ليس كذلك. الكتابة بالنسبة لي، هي شيء يجب أن أقوم به. خلاف ذلك، لا أشعر بنفسي.

لم يكن الحال هكذا دائماً. لم أولد وبيدي قلم رصاص ولم أخربش قصصاً في دفتر الملاحظات قبل الحبو.

مثل أي شيء. الكتابة عادة. ولكن الآن، بعد سنوات من أول مرة أجبرت فيها نفسي على الإستيقاظ في الخامسة فجراً و البدء بالكتابة، فإن الإنضباط على الهجوم على صفحة فارغة لم يعد يمنحني أدنى شعور بالتهديد والخوف. كل العادات هي هكذا، أول مرة هي الأصعب. وكل تجربة لاحقة تصبح أسهل. والجهد الذي تبذله يتناقص مع اعتياد العضلات على تسلُّم المهمة. تبدأ تشعر أنه شيء طبيعي، حتى أنه لا يكلِّف مجهوداً.

ولكن لماذا يجب عليك الإهتمام بهذا الشأن في المقام الأول؟ هل العالَم حقاً بحاجة إلى المزيد من الكلمات؟ المزيد من التدوينات؟ ربما لا. وحتى مع ذلك، لا أزال أؤمن بهذه العادة اليومية.

الكتابة كل يوم لا تجعل منك كاتباً أفضل، إنها تجعل منك شخصاً أفضل.

هنا لماذا و كيف يحدث ذلك:

  1. الكتابة اليومية تبني انضباطك

لم أكن أمارس الرياضة في المدرسة. ونتيجة لذلك تعلمت الإنضباط في وقت لاحق من الحيـاة. أعتقد أن هذا كان السبب في جعلي أناضل للتمسك بأي شيء إلى ما بعد تلك الفترة في حياتي. لم أتدرب على ذلك أبداً. و بدون تدريب، لن يكون لديك انضباط.

لكننا نسيء فهم هذه الفكرة للإنضباط. التفكير بأن الإنضباط شيء موجود من قبل القيام بالعمل غير صحيح. الإنضباط هو نتيجة ثانوية للتمرين. وليس شرطاً لحدوثه. هنا قصة من كتاب آن لاموت Bird by bird لتوضيح هذه النقطة:

” قبل ثلاثين عاماً، كان أخي الأكبر الذي في سن العاشرة آنذاك، يحاول كتابة تقرير عن الطيور من الفئة التي لديه، كان يفترض عليه إنجازه في اليوم التالي. كنا في مقصورة العائلة في الخارج في بولينز. كان جالساً عند طاولة المطبخ وعلى وشك البكاء. محاطاً بورق وأقلام رصاص وكتب غير مفتوحة عن الطيور. متجمداً من ضخامة المهمة المقبلة. جلس والدي بجانب أخي و وضع ذراعه على كتفيه وقال: طيراً فطيْر. ياصديقي، خذها فقط طيراً فطير.”

ستحصل على قوة أكبر عندما ترفع أوزاناً صغيرة الآن، و أخرى أكبر فيما بعد. الشيء نفسه ينطبق على الكتابة و أي عضلة إبداعية. الكتابة لبضع دقائق كل يوم يمكن أن تبني نظاماً خاصاً بك. تماماً مثل الركض و القراءة أو أي تمرين يمكن ممارسته يومياً. إذن، ابدأ الآن. الإنضبطاط يأتي مع التدريب.

2_ الكتابة يومياً تجعلك أكثر ذكاءً. بالأخص عندما تكتب باليَد.

الكتابة تجعلك تفكر. حتى أن بعض الدراسات أظهرت أن الكتابة بواسطة اليد تزيد من النشاط المعرفي ويمكن في الواقع أن تجعلك أكثر ذكاءً، طالما تضع لوحة المفاتيح جانباً كلما أمكنك و تكتب بيدك. د. ويليام كليم كتب اليوم في هذه المقالة النفسية :

“هناك رقعة في الدماغ تزيد مهارات التفكير من منافعها عند القراءة والكتابة. لكتابة متصلة مقروءة، نحتاج إلى مولِّد يتحكم بما هو فوق الأصابع. عليك أن تتنبَّه وتركز وتفكر بماذا وكيف تفعل ذلك. عليك أن تتدرب. تشير دراسات تصوير الدماغ إلى أن هناك مساحات نشطة متصلة بالدماغ لاتتفاعل مع عملية النقر على لوحة المفاتيح.”

اشتهر همنقواي بالكتابة بيده كل يوم قبل نقل مسوداته إلى الآلة الكاتبة. كانت لديه مخطوطات لطيفة للغاية. جي كي رولنغ فعلت هذا مع هاري بوتر وكذلك قامت بتدوين الأفكار والقصص على قصاصات صغيرة جمعتها أو كانت موجودة حولها. هناك شيء في هذه العملية من الكتابة وخصوصاً الكتابة باليد تجعل الدماغ يعمل بشكل أفضل. هنا ماتقوله الكاتبة كلوديا أولتشر عن هذا الشأن:

“هناك سبب لماذا الكثير من الأشخاص الناجحين يكتبون كل يوم. سواء كان ذلك في مذكرات يحتفظون بها أو مدونات يكتبونها. الكتابة هي شيء يخضعك إلى توضيح أفكارك وعرضها بشكل ملموس أكثر. إنها تأخذ الكثير من الجهد ولكن مع مرور الوقت ستصبح أسهل. وستبدأ بملاحظة أن الأفكار تصبح متموجة أكثر، وأيضاً سوف تتناقص شكوكك وقلقك حول أفكارك الخاصة بك.”

عندما لاتعرف ماذا تكتب ستتوجه إلى الإستقراء. وهكذا من خلال الجلوس كل يوم للكتابة، سوف تمرن دماغك بطرق لا تتحصل عليها دوماً بدون هذا التمرين.

3_ الكتابة كل يوم تمنحك شعوراً بالإنجـاز

جميعنا نريد أن نشعر بأننا لا نضيع وقتاً. الكتابة لبضع دقائق كل يوم _في مجلة أو مدونة_ تتيح ذلك. سيكون لديك شيء تعرضه من أجل أن تصنع يومك، وهذا يجعلك سعيداً. على الأقل هذا ما فعلته الكتابة مع ستيفن كينغ الذي كتب ما يلي في مذكراته الشعبية “عن الكتابة” ما يلي:

king-book

” أنا أكتب لأن الكتابة توفيني. ربما تسدد قرض الرهن العقاري لبيتي و قرض الأطفال عند ذهابهم إلى الكليَّة. ولكن تلك الأسباب جانبية، فقد كنت أكتب لكي أثمل. فعلت هذا للحصول على سرور نقي. إذا كان بإمكانك أن تفعل هذا لكي تفرح، سيمكنك أن تفعله إلى الأبد. “

هذه فقط بعض الأسباب لكي تنبغي عليك الكتابة كل يوم. هي أسباب تجعلني أحافظ على تمرين الكتابة اليومي. بالتأكيد، هي أيضاً مهنتي و وسيلة دخل لعائلتي. ولكنني كنت أكتب يومياً قبل هذه الظروف بوقت طويل. لا أفعل ذلك للحصول على مال. لكنني أحصل على المال لأنني أفعل هذا كل يوم.

هذه قوة العادة. تأخذك إلى أماكن لم تكن تحلم أبداً بالذهاب إليها.

إذن إلى أين ستأخذك أنت الكتابة كل يوم؟ كيف؟ وماذا الآن؟ من أين تبدأ؟ ابدأ من خلال الأخذ بمشورة آن لاموت من كتاب طير فطير:

” ولكن كيف؟ يسأل طلابي: كيف تفعلين ذلك حقاً؟ أقول لهم، اجلسوا. حاولوا الجلوس في نفس الوقت تقريباً كل يوم. هكذا تدربو اللاوعي لديكم على الركلات الخلاقة. لذلك يمكنك الجلوس في التاسعة صباحاً مثلاً، أو العاشرة ليلاً. ضع ورقة في آلتك الكاتبة. أو قم بتشغيل الكمبيوتر و افتح الملف المراد. ستحدق فيه لساعة أو نحو ذلك. ستبدأ بالإهتزاز.. فقط في البداية. وبعد ذلك مثل طفل مصاب بالتوحد، ستنظر إلى السقف وتتثاءب لقرابة الساعة و تعود لتحدق في الورقة، ثم ستبدأ أصابعك تستعد للنقر على لوحة المفاتيح. ستنحرف إلى صورة تتكون في عقلك، مشهد، لغة، شخصية، أياً كان. ثم سيبدأ عقلك بالهدوء والإستماع إلى صوت ذلك المشهد أو الشخصية لقول أشياء أخرى فوقها تصفها وتعبر عنها في عقلك.”

للبدء في الكتابة اليومية، يمكنك الإنضمام مجاناً إلى تحدي الكتابة 31 يوماً الذي أنشأته. ستحصل على كتابة توجيهية ترسل إلى بريدك الإلكتروني كل يوم للشهر القادم. ابدأ الآن:

My 500 Words: A Writing Challenge

كل عام والكِتاب بخير، و صبا لا يشيب

wbd-fest2

اضغط على الصورة لرؤية عروض اليوم العالمي للكتاب في بريطانيا.

tumblr_o2ylxyxpqj1u5lmwdo1_1280

aT7zu3k2

اليوم الثالث من مارس، هو يوم الكتاب العالمي. عرفت وحفظت هذا التاريخ عن ظهر غيب في مارس 2008 حيث كان أول يوم كتاب عالمي لي في بريطانيا. لم أكن أجوب أنحاء لندن، المكان الأجمل للاحتفال بيوم الكتاب، و للإحتفال بقارئ الكتاب. كنت أذاكر لاختبار هام يؤهلني النجاح فيه للقبول في السنة التحضيرية في كلية الطب. وعند الذهاب إلى المعهد صباح اليوم التالي وجدت لوحات و إعلانات عن مسابقات و عروض وهدايا و أمسيات و تهنئات للرفيق الأعظم في حياة الإنسان..الكتاب، بمناسبة يومه العالمي. كنت أتحسر لأن أمة اقرأ لا تعبأ بالورق، ولا بالكلمة ولا بالمعنى، و حتماً هذه الأمة اليوم، لا تعبأ حتى بالقرآن الذي نزلت فيه آية ” اقرأ” و “ن، والقلم وما يسطرون”. لكن الأمم التي تمنح للمحتفى به حقه تشعرك فرحتها واهتمامها أن كل شيء جميل سيفوتك إن لم تعش اللحظة، فكان الدرس الأول في يوم الكتاب العالمي، هو أن أحتفل أنا به، و ليفعل كل أحد آخر ما يريد. على الأقل يبقى عزيزاً أن لا يخسر المرء إحساس بهجة الاهتمام بشيء عظيم بنفسه.

يتناقل القراء و الصحفيين باستهلاك ابتذلوه أحياناً مقولة بورخيس المشهورة عن تخيله الفردوس على شكل مكتبة. كنت أرى من يضعون صور كتب رديئة الكلام والموضوع ويربطون عليها شريطة حمراء فوقها كرت مكتوبة عليه عبارة بورخيس! كنت أشمئز و أغار على الكتاب كسيِّد مبجل لا يليق أن يلعب به الدخلاء على الثقافة والأدب والكتابة وحتى القراءة. لكنني اليوم تغيرت. أدركت شيئاً فشيئاً أن من لا يخطئ لا يتعلم. حتى أولئك الذين لم يعرفوا أنهم مخطئون. استمروا حتى هذا اليوم في الترويج لبضاعتهم التي لا تُباع ولا تُهدى ولا تشترى. لكن لم يكن كل هذا مانعاً لحقهم في الكتابة. فالورق والحبر متوفر للجميع. ومن يحاول أن يكتب و يقرأ هو أفضل ممن يقول أن القراءة والكتابة فعل الفارغين والذين لا يوجد لديهم ما ينجزونه في معمَل الكون الرحب. أولئك الذين تلتفت يمنةً ويسرة لتتعرف على معملهم فتجده مصيدة يرفهون بها عن فراغاتهم الكبيرة كثقوب سوداء، باصطياد راحة الآخرين و تشويهها.

يؤرخ ألبرتو مانغويل في كتابه تاريخ القراءة مرحلة فرانجيسكو وأوغسطينس الذي يحث على كتابة ملاحظات عن الشيء الذي يجذبنا أثناء القراءة فيقول: ” عندما تقف أثناء القراءة على أفكار قيمة تشعر أنها أثارت أو هدأت روحك، لاتعتمد فقط على ذكائك، بل ثبت هذه الأفكار عميقاً في ذاكرتك. وحاول إدراكها بواسطة التأمل الطويل. عليك العمل مثل الأطباء الأذكياء المجربين، بغض النظر عن مكان وزمان إصابتك بمرض لايمكن تأخير علاجه، يجب أن يكون العلاج رهن يديك، ثم عليك أن تزود هذه المقاطع، كما قلت سابقاً، بعلامات معينة للتمكن بسهولة من استرجاعها إلى ذاكرتك، وإلا فإنها قد تفر من عقلك.

إن ما كان يجول في خاطر أوغسطينس، حسب تصورات بيتراركه، هو نوع جديد من القراءة: عدم استخدام الكتاب كدعامة للأفكار، وعدم الثقة به دون قيد أو شرط كما يثق المرء بكلمات رجل حكيم. عليك أن تستخلص منه أفكاراً وجملاً وصوراً و مقارنتها مع ثمار قراءات أخرى.وربط جميع هذه الأمور مع تصوراتك الذاتية، وبالتالي تحقيق نص من إعدادك.”

لماذا أدرج هذا الاقتباس فجأة؟ إنه ليس فجأة. بدأ الأمر منذ وقت لم أقم بتأريخه. لكن قبل عام وربما أكثر، لاحظت أنني أدون في دفتر ملاحظاتي أفكاراً لم آلفها عن نفسي. مثل انزعاجي من حملة تشهير بشخص من الناس نشر كتاباً يحمل خواطره المبعثرة في تويتر. و مثل غضبي من شتم كاتب آخر نشر كتاباً نصوصه طافحة بالإيحاءات الجنسية. لفت نظري عندما راجعت المذكرات أنني كتبت أسباب الضيق في الهامش، مثلاً: يتظاهرون بالعفة الأدبية وهم المنكبُّون على روايات هنري ميللر ويوسا كانكباب الفحول و الشبقات الجائعات على مطعم جنس فاخر. إذن هذا هو المراد؟ أن يكون المطعم خمس نجوم و ذو خدمة تقدم الشموع و الورد الأحمر في مزهريات زجاجية طويلة و معشقة بالكريستال؟! أنا في صف الإستخدام الفنِّي للتابوهات، و ضد استهلاكه كما تفعل بهيمة تحفر في التراب لتحثوه في وجيه المتطفلين. لكنني أيضاً ضد الإدعاء و التقمص اللا فنّي. عندما ترفض كتابةً لأنها إباحية هو أمر مختلف عن رفضك لها لأنها ابتذلت هذه الأدوات بغرض الربح. لم يذكر أحد المدَّعين أنه ضد الإسترزاق بالكتابة، وأحد وجوهها هو تناولها من زاوية الجنس. كانت وسوم التشهير بالكتَّاب التجاريين تدَّعي فقط أنها ضد الفسق في الأدب، وعندما تتصفح حكاياتهم عن قراءاتهم المفضلة تجد تصفيقاً لا يتوقف لميللر و آناييس نن و تدويراً لاقتباسات إباحية كثيرة لم يقولوها في أحد أعمالهم على الإطلاق! أي أنهم ركبوا الموجة وهم حتى لم يقرأوا أعمال هذين الأديبين العالميين. هذا فقط على سبيل المثال. آنذاك توقفت عن إدانة أي شخص يجرب الكتابة و نشر الكتب. لتكن مهنة و مصدر رزق كما فعل أسلاف سبقوهم. لا بأس إن كان الأمر في آخره سيلقِ بكل الأدعياء من كتَّاب و قراء إلى قاع السد كالطوفان، ويبقى الجيدون ما بقي الزمن و دار.

استخدمت مؤلفات مانغويل نفسه كدعامة لأفكاري. برغم إيماني به كرجل حكيم لكنني اتبعت ما أورده عن عقلية أوغسطينس و ربطت ما استخلصته من قراءاتي كأفكار بصُور كثيرة تتحرك أمامي في الواقع و تأكل من تساؤلاتي شيئاً يثير جوعاً كافراً إن لم يُشبع بالأجوبة. لم أصل إلى مرحلة الشبع بعد. لكنني في مرحلة أمنح فيها حق الإحتفال بالكتاب مثلاً في يومه العالمي للكتاب والقراء المجربين و التجاريين قبل أولئك الهواة و العشاق و الذين أسمِّهم عائلةُ الكتَاب. لن يعي المرء شيئاً عن جهله إن لم يوضع في بيئة صحيحة الفهارس. مهرجان الكتب درس ممتع خالٍ من التلقين. وسط الكتُب عموماً هو نهرٌ متذبذب الأمواج، إنه ليس كالحياة التي عرَّفها الشاعر جان كوكتو بأنها سقوطٌ عمودي. أتحسس رأسي عندما اقرأ هذا التعريف! وُجدَت المكتبات و بسطات الكتب و أندية القراءة لإحداث توازن بين عمودية الحياة و أفقية العيش المتسم دوماً بالصخب، والعنف و الفوضى. الحركة الموجية دوماً نزعة إتزان.

ليس لدي قصص أقولها في هذه التدوينة. تحدثت من قبل عن طفولتي مع الكتَاب و السلسلة الخضراء وروايات رجل المستحيل و مجلة ماجد و المنهل و اليمامة، ثم عن مراهقتي مع روايات آغاثا كريستي و يوسف المحيميد و مجلة ناشيونال جيوغرافيك و فواصل. ثم أخيراً كيف وقعت في جوى روايات دوستويفسكي عندما اشتريت المجموعة كاملة بترجمة الراحل سامي الدروبي من إحدى معارض الكتب في 2006 و كيفَ شعرت أني كبرت فجأة عندما قرأت كل ذلك الكم من الحُزن و المأساة و تضاريس الإنسان المعذب، حدث ذلك حسبما أتذكر جيداً بعد رواية الجريمة والعقاب و رواية الشياطين. كنت لم أخرج من مرحلة القراءة لكريستي بعد. أشعر ببعض الندم اليوم عندما أتذكر كيف فجأة بعدما قرأت بضعة قصص لتشيخوف بعد الانتهاء من قراءة ثلاثة أعمال لدوستويفسكي، حملت جميع روايات آغاثا ووضعتها في صندوق كرتون لم يكفِها فحشرتها فيه كيفما اتفق و سحبتها إلى الشارع وناديت على عامل النظافة ليلقِ بها في حاوية غير حاوية الحي. كي لا أضعف و أستعيدها. شعرت بالسخف والتفاهة في لحظة من نوع قراءاتي في الماضي. وهو النوع الذي قمت بإعادة تحميله في هذه الأيام و أعيد كلما داهمني الشجن قراءة رواية لكريستي أو تصفح بعض السطور من إحدى روايات السلسلة العلمية ملف المستقبل، و حتماً أشعر بفخر كنت أفتقد إليه في تلك السنين. لست فتاة ذات ماضٍ مع هوايات نسائية صرفة كالتسوق و إضاعة الأموال في شراء الملابس وأدوات التجميل. رغم أنني أبداً، لم أرها تافهة في أي مرة اشتهيت فيها الإطلاع على آخر خط للموضة في شيء ما و اتبعته. لكن هذه الهوايات لم تكن هواي. التسوق، الطبخ ( الذي أجيده)، الإدمان على إقامة الحفلات و الذهاب إليها. إنني رهينة المكتبات و الحدائق دوماً. و أؤمن أن من يحب شيئاً يستطيع استخراج أوجه المتعة و السعادة فيه.

إنني أكتب هذه التدوينة فقط لأقول أنني أدين للقراءة بشيئين:

OojaQkgZ

iJ9sjFsn

الأول،

أدين للقراءة بتعريفي على أجمل مكتبة، ومتجر كتب رأته عيني. لم أزر كل مكتبات العالم العظيمة بعد. لكن مكتبة Waterstones في لندن لا يفوقها جمالاً سوى مكتبة لندن الوطنية وإن كنت شعرت بالألفة والهوى ل Waterstones أكثر لأنها لشراء الكتب لا للقراءة فحسب كما المكتبات الوطنية والمركزية. من هذه المكتبة اشتريت أجمل كتب قرأتها في حياتي. أرغب باستثناء كتب دوستويفسكي لكن شيخ الروائيين الروس منحني إنسانيةً و نبلاً أكثر مما منحني جمالاً. وجدت الجَمال المبتغى في روايات موراكامي و كورماك مكارثي و كونديرا و مذكرات الولد ويمبي. نعم، بلا استصغار. عندما تقرأ هذه المذكرات المخصصة لفئة النشء تُدرك أنك تقرأ دروساً للقراءة البصرية و المختزلة. كيف تقول رسائل عديدة في عدد قليل من الجُمل؟ كيف ترصد ملاحظاتك عن الأشياء و الأحداث بطريقة جذابة غير تقريرية؟ كل هذا يخبرنا به الولد ويمبي الذي تخصص له المكتبات ركناً لأنه يستحق التكريم و نجد هذا الركن حتى في مكتبة جرير. في مكتبة Waterstones تعلمت و تقدمت في القراءة الأدبية باللغة الإنجليزية و تحسنَت قراءتي السريعة بالإنجليزية أيضاً. كنت قبلها مجبرة التركيز على القراءة الإنجليزية العلمية لمتطلبات الدراسة. وضعني فقر توفر مكتبات عربية في ليدز ولندن في اختبار ظننته صعباً لكنه كان من أحب الإختبارات إليّْ. خرجت من معيشتي في بريطانيا بعد سنوات وعدت إلى وطني بواحد وستين كتاباً حصيلتي من مكتبة Waterstones على مدار الأعوام، أثمن الأعوام في حياتي. تلك الكتب كانت الشحنة الوحيدة التي تكبدت تكاليفها الكبيرة برحابة صدر ولم أشعر بالشقاء عندما حرمت نفسي من عدة ضروريات على مدى أشهر لأنني استهلكت ميزانيتي في نقلها إلى منزلي في مكة.

أدين لأحبتي عظماء الأدب و الفكر والعلوم. هم أحبتي حرفياً. أحبهم ولا أتخيل كيف كان سيكون شكل حياتي و تضاريس روحي لو لم اقرأ لهم. كونديرا، دوستويفسكي، تولستوي، تشيخوف، بوشكين، ديكنز، لوركا، إميل سيوران، جورج أورويل، فيرجينيا وولف، جوستاين غاردر، آلان وايتمان، هاروكي موراكامي، يوسا، باتريك موديانو، ادوارد غاليانو، ميشيل فوكو، حسن مطلك، واسيني الأعرج، إبراهيم الكوني، كورماك مكارثي، ديفيد والاس، البرتو مورافيـا، بورخيس، كنوت هامسون، هيرمان هسه، وودي آلن، أمين معلوف، جبران، ميخائيل نعيمة، مالك حداد، قاسم حداد، فاروق جويدة، أحمد مطر، محمد الثبيتي، كانط، نيتشه، هيدجر، حنة أرندت، مونتسيكو، آينشتاين، معدِّين ومؤلفين سلسلة كابلان وأطالس التشريح وعلم الأمراض من أطباء وعلماء. و أخيراً، امبرتو إيكو.. لم يتحول حزني على وفاتك إلى رماد بعد. لتنعم روحك يا إسم الوردة.

هذه عينة من آخر مقتنياتي من Waterstones ما قبل ثلاثة أعوام. باستثناء القاموس الإنجليزي الذي اشتريته في السنة الأولى من كلية الطب وقد كان خير معين في شرح كثير من المفردات التي لم تتعلق بالطب في الحقيقة، و إنما بالعلوم عموماً. و أنصح به لأنه يعتمد على تفسير الكلمات بالرسم و المعنى.

OGNZvRNl

الشيء الثاني الذي أدين للقراءة به،

الكثير من تغيراتي التي أشعر بالرضا عنها اليوم. أدين للكتاب بكشف الكثير من الزيف القرائي في عقول و أنفُس لم أتوقعها. كلما قرأت أكثر، كلما عرفت أن القراءة بلا تطبيق للأفكار التي أعجبتنا فيها هي محض تمزيق للمعنى. تفريغ للروح من صوتها و هويتها و تمثيل بها في أي اتجاه.

أدين للكتُب التي اشتريتها و أهديتها لأناس أحببتهم و يبدو أنهم قذفوا بها إلى الجحيم اليوم بعد كفايتهم من أسباب احتفاظهم بي في حياتهم. أدين لتلك الكتب لأنني عندما أتذكرها، أستعيد كيف كنت أتمناها لنفسي لكن عدم امتلاكي لمالٍ كافٍ لشراء نسختين جعلني أفضِّل إهداءها لهم لأن شعورهم بالسعادة سيسعدني. أدين للكتب المهداة لي من أشخاص أحببتهم و أحتفظ بإهداءاتهم و أبقى وفية لها ما حييت، لا تغيرني الأيام ولا سوء الظنون، لأنني لا أسيء، أو هكذا أحاول، فإن راودتني نفسي. أعتذر منها و منهم و أعود إلى حديقة نفسي مطمئنة بسلام. أدين للقراءة التي علمتني أنها قد تكون اكسسواراً عند أقوياء على الكلمة ضعفاء على النوازع. يتجملون بعناوين الروايات العظيمة و السير الذاتية ذات الهيبة والوقار وعند أول تجربة لخلاصة القراءات الرهيبة تلك، يرى المرء شيئاً كان صرحاً فهوى. أدين للقراءة أنها سلاح. لكنه خطر عندما يعبث به السفهاء. أتسلح بالقراءة اليوم كلما رأيت انقلاباً لمسلمات الأمور، فالسيء ينعت الطيب بالسوء و يقول له لقد أضجرتنا وأنت ترينا أنك طيب وأننا سيئون! و الكاذب يتهم الصادق بالسطحية و ينزع عن الذي ينشر كلمة جميلة ونقية حقه في دعوة الناس إلى قراءتها لأنه يعرف أن المشغولين بأخبار الموت و نشر صور الجثث والدماء و الأشلاء لن تصل إلى قلوبهم نغمة الكلمة التي تنفخ معناها في فمِ وردَة، سائلة أن يمنح المرء صدرهُ فرصة أن يتلبس وهلة ولوهلة، عقداً من الياسمين. كلما شهدتُ على ركض قراء كثيرون اتخذوا من القراءة خوذة حماية أثناء ممارستهم للمصارعة بدلاً من أن يتخذوها مصلاً يجدد الدم في عروقهم، أرنو إلى كتبي و أقبِّلها. لم أكن أفعل هذا قبل أعوام. لم أكن أقبِّل كتبي الحبيبة. اليوم أفعل و أحياناً أبكي خائفة مستوحشة. أفقد أُلفَتي مع هذا العالم، أو كي لا أظلمه ساهية، أقول أنني أفقد ألفتي مع هؤلاء الناس الذين لهم أتباع و جماهير مغيبين كُثر في هذا العالم. يؤسفني أن العالَم ليس له فَم يصرخ. ولا يدُ تشير إلى وجوب التوقف و النزول عن عاتق الأرض. لكن، يفرحني أنني في أسوأ الأوقات لا أفقد صوتي الموجود في أفواه أبطال الحكايا في الكتب، ولا يدي التي تقلِّب الصفحات بلهفة لتشرَب، و تسلى، و تستكين.

شكراً لله على الكتاب. و على الكلمة الميزان.

مذكرات 6

med1

كان لقاء زميلات دراسة، أنا دقيقة في اختيار الكلمات عندما يختص الأمر بعلاقاتي. زميلات. لسن صديقات. لذلك ميلان جسدي على الأرض فجأة كان محرجاً. كنت سأسقط لولا أياديهن التي أسندتني. لكن كان قد قضي الأمر لأن قطرات من الدم تساقطت من أنفي على قميصي السماوي الرقيق المزخرف بالزهور، و قطرات أخرى تساقطت على الأرض البيضاء. كنت قد لبيت الدعوة وأنا أشعر ببعض الألم عاودني، أعرف أعراض الانتكاسة لكن لم تداهمني يومها، أخذت كبسولة ريلباكس وقلت سيكفي. زميلاتي يتخذنني صديقة وأختاً. لحسن حظي أن جميعهن طبيبات. قمت بتعليق المحلول و وضع أنبوب الأوكسجين في أنفي، الأنبوب الذي كنت جلبته معي لأنني أحتاجه دوماً بلا إنذار و لأنني بدأت أرتجف من الحرارة أعطتني إحداهن ابرة فولترين. عندما بدأت أستعيد تركيزي لمحت نورا تبكي بهدوء وهي تبحلق في عيني. حرصت ألاَّ يعرف أحد عن أمر الورم لكن انكشف كل شيء و شعرت بالخزي لأنني أحزنت زميلتي الطيبة التي أسعفتني قبل قليل في بيتها الذي يفترض أننا التقينا فيه لننسى عناء أسبوع دراسة قاسٍ من التنقل ما بين الجامعة والمستشفى. كنت سأواسيها لكنها أشارت لي ألاَّ أتكلم، عندما خرج الجميع إلى الصالة وتركنني أستعد ليصطحبونني إلى بيتي، قالت نورا : اذهبي ونامي مطمئنة، لن يعرف مشرفك ولا أحد من الزملاء شيء، لكن أريدك أن تعرفي أنني أشكرك على السماح لي ولمجموعة فترة الصباح على التعرف عليكِ. أنتِ غير طبيعية! كنت سأمازحها بالسؤال عمَّ إذا كانت هذه رمية أم ثناء. لكن رأسي كان يلف كطائرة جريحة تدور حول نفسها و خيط دخان يتصاعد من ذيلها بيأس، فاكتفيت ببسمة باهتة لم تنتبه لها على الأرجح. أنا مريضة منذ عشرة أيام. لكنني بالكاد وصلت و بدأت الدراسة. لن أستسلم لغرفة التنويم والعناية المشددة وأجهزة قراءة المخ والقلب و محاليل ضبط الضغط و الحرارة والأنين الآن. إنني أتألم لكن لن أصرخ ولن أبكي الآن. يجب أن أنجز جميع مهام مارس على الأقل. وبعد ذلك، ليكن ما يكون.

أتقدم في بحثي عن ميكانيكية عمل الدماغ و إنتاجه للأفكار بالطريقة التي نفكر بها. الطريقة المرتبة التي تضع الأفكار عن السياسة في مكانها بعد قراءة الأخبار و تضع الأفكار العلمية في مكانها بعد محاضرة في المعمل و أيضاً تضع الأفكار الشخصية في مكانها عندما تفشل جميع محاولات نسيان شخص ما ويحل محلها ألمٌ نفسي لا يقاوَم. أبحث و أختبر بعض العينات و أقرأ دراسات من سبقوني من باحثين و أكتب ملاحظاتي و أتقدم. أشعر بالرضا عندما أرى عين مشرفي تلمع كلما قرأ سطرين في البحث. بالأمس عدت بعد يوم عمل طويل إلى البيت بطريقة غير مفهومة. كنت مريضة جداً. حرارتي في الأربعين. أخذت علاجاً من المستشفى بعد انتهاء المناوبة و عدت لكن لا أعرف كيف وصلت. كان عليَّ واجب تجهيز ورقة proposal لمشرفي عن مستجدات البحث بعد آخر لقاء. وكان بيننا موعد لقاء في الغد للمناقشة. حملت همَّ الإعتذار له و كيف سأقنعه أني مريضة ولن أقدر على الخروج والكلام. بعد صلاة المغرب رفعت يدي بالدعاء لله أن يساعدني. دخلت إلى تويتر أتصفح فالحمى كانت تمنعني من النوم. اتصل بي بروفيسور. ديفيد واعتذر عن موعدنا لأن سفراً طارئاً استدعاه. كنت أتمنى لو أستطيع رؤية الله لأعانقه على رحمته. الحمد لله.

_ الوقت الآن الخامسة صباحاً، أتفقد بريدي الإلكتروني. وصلت رسالة من طالبة طب في السنة الثانية تسألني عن نصائح عامة. أحببت هذا الاختصار والبساطة. أضع ردي هنا أيضاً لأنني كثيراً ما سئِلتُ هذا السؤال:

1_ افرحوا بشغفكم. لا تستمعوا للصوت القائل أن الدراسة صعبة و قاسية ومعقدة. دخلتم الطب لأنكم تحبوه. جميع المواد ستحتوي تعريفات و رسومات جديدة عليكم لم تكن مدرجة في مواد الأحياء و العلوم بالمدرسة. اعتبروها مثل لعبة المفردات vocabulary و اقرأوها بمرح و نشاط. متى ما اعتبرت الدراسة لعبة كلمة السر، ستبدد الملل والخوف.

2_ تجنبوا التسويف. بعض الناس يشتكون من أنهم يقومون (بتختيم) جميع عبارات التحفيز والتشجيع والإيجابية لكن لا جدوى، يظلون متلبسين بالكسل والإحباط والنعاس أيضاً. كل هذا عندما يكون لديهم مهام للغد أو بالأكثر بعد الغد. السبب هو أنك تعتمد على غيرك في تنشيطك و تثق به أكثر من ثقتك بنفسك. أنت وحدك من تستطيع مساعدتك. ألزم نفسك بوقت تحدده أنت حسب تقييمك للمهام واجلس أمام كتبك بإضاءة غرفة مناسبة و بدون صوت فيلم و موسيقى و حوارات. افتح الكتاب، اقرأ المهمة المطلوبة. افتح الصفحات التي تحتوي على حلها، اقرأها وفي يدك قلم تحديد فسفوري وحدد كل شيء مهم وأغلق الكتاب ومعه أغلق عيناك لخمس دقائق وضع ال timer كي لا تتجاوزها. عندما تفتح عينك عد لقراءة ما قمت بتحديده فقط و أنجز مهمتك وانظر حينها لشعور السلام و الإطمئنان و الارتياح أيضاً الذي سيُبث في قلبك.

3_ إذا كنت تفعل شيئاً من أجلك خلال الأسبوع، حافظ عليه. مثال: (قراءة رواية، مشاهدة فيلم، تناول كورن فليكس بالشوكولا، تغريد لمدة ساعة على تويتر، إلخ..)

4_ كتاب الفسيولوجي ل ليندا كوستانزو منقذ طوارئ لا يخذل أبداً. ضعه دوماً بجوارك. كان صديقي الوفي عدة مرات في السنوات الأولى من الدراسة.

5_ راجعوا دروس السنة الماضية كلما استطعتم.

6- حاولوا قضاء بعض الوقت في المستشفى والعيادات. ليس بالضرورة أن يُطلب منكم. افعلوها بأنفسكم وستعرفون أنها أفضل مراجعة واستذكار للمحاضرات الإكلينيكية التي تبدأ في السنة الثانية ( كل كلية وحسب خطتها الدراسية) .

7_ تجنبوا الإرهاق. امنحوا أنفسكم وقتاً. الجدية والصرامة لا ينبغِ أن تكون مرادفات للتهلكة.

8- اكتشفت في وقت قريب أن السؤال الشائع والمستديم (كيف أذاكر مواد الطب) أغلب إجاباته من مختلف الأطباء و الطلاب المتقدمين لم تجدي السائلين نفعاً ملموساً. السبب؟ لأن كل شخصية و عقلية لها طريقة استذكار خاصة تتناسب معها. أنا مثلاً من الأشخاص ضعيفي الذاكرة، لا أستطيع الحفظ. كيف كنت أحفظ أسماء الهياكل و الأعضاء وأعراض الأمراض في الأناتومي و الباثولوجي وغيرهم؟ كنت أربط بين الأشياء بتشبيهات خاصة من عندي لا علاقة لها بالدرس ولا بالطب! نجحَت هذه الطريقة واستطعت تذكر إجابات كثيرة في الامتحان عندما استحضرت روابطها الشخصية. أيضاً استخدمت الخرائط الذهنية المبسطة لا المعقدة التي تحتاج إلى شرح فوق شرح الدرس الأساس! كما استخدمت طريقة سكيتش نوتس برغم أنني فاشلة في الرسم. لكن عندما ترسم لنفسك أنت فقط لن يكون الأمر ذو قيمة فنيَّة بل تدوينية فحسب. و هكذا، لا تسأل أحداً كيف أذاكر. اعرف نمطك أولاً ثم ابحث في الإنترنت عن طرق المذاكرة المناسبة لهذا النمط.

9_ لا تفقدوا الحافز. ضعوا عبارات و صور تخصكم على المرايا و الباب و على شاشة الهاتف لتذكِّركم كل وقت أن هذا حلمكم الذي يستحق العناء للوصول إليه. إن كنتم تحبون الألعاب ادخلوا على مواقع ألعاب و ألغاز طبية و العبوا، حتى لو كانت للأطفال. هذه موقعين ممتعة : هنـا ، و هنـا .

10- أنتم لا تنسون وضع جوالاتكم في جيوبكم و حقائبكم مهما كانت ذاكرتكم ضعيفة أليس كذلك؟ اعتبروا أن دفتر مذكرات جيب صغير هو هاتف أيضاً. لكنه للتواصل مع عقولكم لا مع الناس. لا تنسوا إبقاء هذا الدفتر دوماً معكم. برفقة قلم صغير. دوِّنوا كل معلومة جديدة أو صعبة خلال اليوم. قد لا يكون لديكم وقتاً لفرزها والبحث عن معناها وشرحها في نفس اليوم. لا بأس. المهم أن تُدوَّن. سيكون الوقت كاملاً بين أيديكم في عطلة الأسبوع. افرزوا الكلمات، العبارات المهمة، كل شيء.. و ابحثوا عن المعنى وكل ما تحتاجونه من ارتباط بهذه المفردات. كنت أسعف نفسي بهذه الطريقة حتى أدمنتها و أصبحَت هي عكاز ذاكرتي. إنها أيضاً تحول الإطلاع والمعرفة إلى هواية ممتعة.

11_ حافظوا على صحتكم. الطب دراسة تحتاج إلى لياقة و بعض صلابة. والمحافظة على هاتين إن لم تكن صاحب تاريخ مرَضي بشيء مزمن ، سهل و ممتع. كأن تواظب على أكل فاكهتك المفضلة و تمتنع عن الزيوت المهدرجة و الأشياء الأخرى المنتشرة اليوم في انفوجرافيك لا محدودة على المجلات و المواقع وتويتر و انستقرام.

12_ هناك من يقول أنه يفعل كل شيء ويلتزم بجميع النصائح و يقتل نفسه لتنفيذها لكنه يظل لا يفهم شيئاً في الطب ولا يشعر بالإرتياح عند دخول الكلية و عند فتح الكتاب. لهؤلاء أقول شيئاً ربما لم يقُله غيري من قبل خوفاً من تهمة السلبية، وهذا قصور في تحليل و إدراك المفاهيم. الطب ليس فرض عين. ليس واجباً على المرء أن يكون طبيباً أو لا يكون. حلمت به و مشَت الرياح بما لا تشتهِ السفن؟ لا تجبر نفسك فتوقعها في مغبة الكره. صلاة الإستخارة فعلٌ حقيقيٌ و نجوى لا أنقى منها مع الله. إن صليتها وما زالت التعاسة والقلق يتملكانك، انسحب. قد كتب الله لك خيراً في مكان آخر، فابحث عنه.

_ يوم الإثنين الماضي صادف أن كان الجميع جائعون وقت جوعي. و الجميع لا يشتهون طعام الماكينة ولا كافتريا المستشفى. لم أكن أعرف، صنعت سلطة فواكه في عيادتي و إذ بإحدى الزميلات تتذوقها وتدعو الجميع فجأة و يقولون لي اصنعي لنا معروفاً و سلطة كهذه! لا أقول كان حدثاً طريفاً، بل سعيداً بصراحة. موز، خوخ، فراولة، برتقال، كمثرى، كوب حليب صغير في كل كأس، مكعبات توست محمص. مكعب سكر، و استمتع بالطعم J

_ لا أزال أقرأ في كتاب 14.000 things to be happy about . توصية من أخي امتننت له عليها وكأنها كتاب ألف ليلة وليلة! لكن من قال أن ألف ليلة وليلة هي العظمى فحسب؟ حسناً لا أقول أن هذا الكتاب عظيم. لكنه مثل سقاية للقلب الجريح والنفس المُرهقة من الأحزان و الأعباء والهموم. لغة الكتاب عامية. مررت ببعض المفردات لم أفهمها. وقلت هذا وقت اللعب! بدأت أدونها في دفتر و سأبحث عن معناها في أقرب وقت.

_ قمت بترجمة مقال من مجلة يوميات طبية هنا ، ربما يكون هذا توجهي في الترجمة لفترة. المقالات العلمية والطبية. الجميع متجه إلى ترجمة الأدب و قد أصابني اشمئزاز عندما رأيت بعضهم فقيرون إلى الأدب لكنهم يغطون على فقرهم بالترجمة. لا أحد يعلم أن هؤلاء المترجمين ممن كانوا يراهنون مع أصدقائهم فقراء الأدب مثلهم على الإيقاع بفتاة و إثبات أنها ليست شريفة وطاهرة كما تدعي! لا أحد يعلم أن بعض هؤلاء أصبحوا أصحاب دور نشر و عناوين عالمية في الترجمة بأيدي أصدقائهم وصديقاتهن الذين يشتركون جميعاً خلف الترجمة في نفس السمات، فقر الأدب. لكن قيل، كما تدين تدان. لا تأخذ حقك ممن أساء إليك، يقال راقب القدر فقط، فهو يبدع في الإنتقام للمتسامحين و ضعفاء الحيلة.

Peace for the name of my flower: Umberto eco

28iht-eco28-pic-videoSixteenByNine1050

50364439

لقد رحل حبيبي و معلِّمي و صديقي الكبير العظيم بل أعظم من كان عائشاً في وقت حياتي أدبياً، وفكريا.. امبرتو إيكو. لقد غادر من هذا العالم المختل عقلياً الذي يركض إلى الأسفل بشهوة دموية، غادر كملاك يرفض البقاء في مكان لا أمل في عمل صالح يُرجى منه. رحل و تركني بلا معلِّم آخر سوى البرتو مانغويل. أتفاخر و أتباهى دوماً بهذين العظيمين و كونديرا معهم عندما يطيب لي ذكر أي قوائم مفضلات أدبية معرفية، و فلسفية. أحترم غروري بهم و أشفق حرفياً على من حُرِم من قراءة أحد أعمالهم. ليست هذه قراءة أدبية عن فيلسوفي المعاصر الذي كان ” الأنا والآخر” معاً لمن يقرر بعد القراءة له الإكتفاء به، لولا أن للقراءة عموماً غواية لا تبقِ في سقف الكفاية حطباً ولا تذَر، لا كتفيت بما تشرَّبته من اسم الوردة و باودلينو والنزهات الست في غابة السرد و لبقيت أفكك و أحلل و أربط معه السيميائية و أعتبرها لعبة النصوصيين الأذكياء. كنت أسخر من الأبستمولوجيا و الأنثروبولوجيا و أراها حذلقة فيلسوفيين لا فلاسفة، لأنني تأثرت بروسو و كانط و دايفيد هيوم و حتى نيتشه حد أنني لم أعتقد بوجود من يأتي بعدهم مكتشفين تجريبيين جدد بل ظننتهم ناسخين و مقلدين و معيدي تدوير لنظريات عِظام الأسلاف، إلى أن أنعمَت علي الحياة بأجمل معرفة، إيكو في اسم الوردة و باودلينو معاً..في نفس الفترة. لم يكن هناك وقتاً فاصلاً بين قراءتي للروايتين. عندما أنهيت قراءة اسم الوردة بدأت في اليوم نفسه بقراءة باودلينو، لأنني وقعت من أول صفحة في الإدمان على عقلية هذا الرجل الذي يشبه جد هايدي هو ومانغويل أيضاً، وهذا لم يحدث من قبل مع أي كاتب قرأت له في حياتي سوى دوستويفسكي، و لوركا في الشعر والمشاعر. تعلمت من إيكو كيف أفهم معركة واترلو بين نابليون و الدول الست قوية البأس التي دحرت الفرنسيين و أسقطَت نابليون واكتشفت أن ما كنت أعرفه عن المعركة من قبل هو معلومات متصفحي قوقل العابرين لا معلومات باحثين عن معرفة حقيقية، برغم أنني كنت أبحث بجُوع إلى التعرف على التاريخ. كان الفوز بين الأمم قديماً يحدث دوماً بحدوث حروب. هذا منذ نشأة البشرية كما نعرف. ظننّاها سنَّة الكون و عنصراً من عناصر التوازن بين القوى، لكن إيكو يعلِّمنا أن كل الحروب التقليدية التي حدثت في العالم لم تكن لتحدث لولا اختلال التوازن. ثم أنني كنت أنتقد نفسي و أوبخها عندما تشترك مع عقلي في عصفٍ ذهني عن شيئ معين فأستنزف طاقتي في كتابة طويلة أشك أثناءها أنني سأتعب أو أنتهي، سميت نفسي بالثرثارة المهذارة لأنني كنت أقرأ على نفسي بصوت متفاعل مع الفواصل و انتقالات الكتابة من فكرة لأخرى و ملاحظة لأخرى و وادٍ لقمة جبل ثم أخذ إيكو بحنانه و عظمة رأسه بيدي و قال: “إن العادات اللسانية هي دائماً أعراض أساسية لأحاسيس لم يتم التعبير عنها”. فسكنْت و أرفقت بي. لقد ربَّتني عائلتي على حب الوطن و علمتني جيداً كيف أنقد الأخطاء دون الإنزلاق إلى هاوية الخسة و نكران الجميل لكن إيكو أكمل الأمر حين علمني كيف أحترم نفسي كمواطنة محبة لأرضها في دولة تعترف حكومتها بالشعب كعنصر لاستمرارية نفوذها و كيف إما ألومها وأنبهها أني أفهم ما تفعله أو أتخذ لها العذر دون أن أظن في نفسي الغباء و المداهنة و الخنوع، كل هذا حين قال عن الفاشية التي تتأسس على نوع من الشعبوية و ليس بالضرورة أن تكون الدموية ولا التنكيل الفيزيائي من مواصفاتها و ممارساتها : ” يُنظر إلى الشعب باعتباره مزية، كيان موحد يعبر عن إرادة مشتركة، وبما أنه لا يمكن لأي كم من الكائنات الإنسانية أن يمتلك إرادة مشتركة، فإن الزعيم سيكون هو الصوت المعبر عن الجميع. إن المواطنين وقد فقدوا سلطة الإنابة، لا يفعلون أي شيء. إنهم فقط مدعوون لممارسة لعبة الشعب، بمنطق الجزء مكان الكل. وعلى هذا الأساس لا يشكل الشعب سوى وظيفة مسرحية. ومن أجل الحصول على مثال نموذجي للشعبوية النوعية، لسنا بحاجة إلى بيازا فانيزي أو ملعب نورانبورغ. إن مستقبلنا يتراءى من خلال شعبوية نوعية تلفزية أو انترنت.”

قبل إيكو كنت أسمع بالسيميائية ك term فلسفي له علاقة بالأدب ولا أعرف شيئاً أكثر من ذلك ولم يحدث أن شعرت بفضول لمعرفة أكثر من ذلك عنها، إذ كنت مشغولة بالمصطلحات الطبية في الكلية و واجبات تطلب تحليلها و حفظ معانيها و وظائفها و حالات استخدامها و أنواعها و جميع سلالالتها أيضاً. بعد اسم الوردة كانت تقفز كلمة السيميائية أمامي بكثرة عندما أضع اسم إيكو في قوقل لأتابع أي جديد له، أو عنه، ثم أكرمتنا المنظمة العربية للترجمة بترجمة كتاب السيميائية وفلسفة اللغة و كان اسم إيكو وحده كافياً لأقرأ في مجال لم يهمني في حياتي على الإطلاق. لم أندم أنني لم أقرأ عنها من قبل، بل فرحت. شعرت بغرور خبأته بيني و بين إيكو وقد أصبح حينها رفيق درب عظيم، لا أحد يغار من عظمته ويسحبني من رأس غوايتي نحو عينيه اللامعتين مباشرةً سوى كونديرا. ليست معلومة هامشية ولا تافهة أن تعرف كطبيب أو طالب طب أن مصطلح ” علامة” أو “segno كلمة تقنية ظهرَت فلسفياً في القرن الخامس مع برمنيدس و أبقراط و أن أول تمييز لها عن كلمة ” سمة” جاء في كتاب الخطابة لأرسطو. نحن كأطباء نعي أهمية التعرف على تاريخ آبائنا في الطب و الحكمة. و بعد أن أخبرني إيكو بهذا قرأت لأول مرة كتاب الخطابة لأرسطو.. لأعرف فقط كيف استوعب رأس إيكو البحث في تلك المراجع الثقيلة على النفس حين تقرأ لتتمتع لا لتذاكر أو تزيد حصيلة الأرشيف. أقنعني إيكو حين شرح: “لقد وجد أبقراط مفهوم العرض لدى الأطباء الذين سبقوه……….وكان الأطباء الكنديون يعرفون قيمة الأعراض فهم على مايبدو كان يقننوها في شكل معادلة. كان أبقراط يؤكد أن العرض ملتبس إذا لم يقيّم بحسب محيطه، مع اعتبار الهواء والمياه و الأماكن و الحالة العامة للجسم و الحمية التي بإمكانها أن تغير تلك الحالة.” هل لاحظتم أنني كثيراً ما أستخدم كلمة شيء في كلامي وكتاباتي؟ ليس بصفتها أكثر اختصار مرضٍ للمزاج عندما يشح التعبير بل لأنها شيئاً ذي مدلول مباشر فعلاً على ما كان سيقال. إيكو يخبرنا ” يتفق الجميع على تعريف العلامة بصفة عامة على أنها شيء يقوم مقام شيء آخر، أما الشيء، فهو عبارة ملموسة ( أي كيان مادي ينتجه الإنسان أو يعترف به على أنه قادر على القيام بوظيفة المعبر عن شيء آخر.) لن يشعر بأهمية كل هذه الأشياء من العلم بالشيء سوى من يشعر بالمرض عندما يجهَل.

مع اسم الوردة كنت أعرف أنني سأتعرف على الزهور من وجهة نظر فيلسوف وعليها سأكتشف أبعاداً هندسية للورد و معانٍ خبيئة تبعث في النفس حكمة عطريّة. هكذا حسبت عندما حملت الكتاب بحجمه الكبير بين يدي ولم أكن قد قرأت عنه شيئاً ولا حتى نبذة. ناداني اسم الرواية فحسب. ثم عندما بدأت بقراءتها من التمهيد بكيت، ولم ألاحظ أنني أبكي إلا عندما أثار ملح الدموع حساسية جِلدي. ” في البدء كانت الكلمة و الكلمة كانت عند الله و كانت الكلمة هي الله.” أدهشني تناوله لوصف بناية تعبُّد سماها بالصرح و ميَّزه عن الدير بالقول ” تظهر الصخور من الأسفل، وكأنها تتعالى نحو السماء لتصبح على ارتفاع ما برجاً و قلعة، لا فرق بينهما في اللون وفي المادة (من صنع عمالقة لهم ألفة كبيرة بالأرض وبالسماء)” . قبل القراءة لإيكو كنت ممن يتهكمون على فكرة المسيحيين عن الأرواح الشريرة لأنهم شوهوها عن حقيقة كينونتها كأرواح من الجن و الأبالسة لا أرواح شريرة غامضة المنشأ أو الهوية سوى ما عرف عنها بأنها تظهر بعد موت أحدهم مستحضرة روحه أو في الأماكن المهجورة أو المبنية على القبور. لكن البلاغة في تفسير الرهبان لقتل نسّاكهم في الدير بأنه فِعل أرواح شريرة أقنعني أن لكل وجه تافه نراه وجه آخر يستحق الإحترام حتى لو كنا نرفضه. متى قرأنا كعرب رواية طويلة تجمع بين الفلسفة و الفكر و الأدب و البوليسية معاً؟! أي رواية في العالم أتقنت أو حتى تناولت هذه الأشكال العقلية سوى رواية أحلام آينشتاين فيما أذكر ؟ آلن وايتمان جمع بين الفيزياء و الفلسفة والأدب معاً و علمنا كيف نفهم الزمكان بطريقة مغايرة لنظرية آينشتاين وقلت حينها لن أجد شرحاً للنظرية يناسب عقول غير الفيزيائيين أكثر من هذه الرواية الغرائبية الرهيبة.

إنَّ رحيل إيكو، هو فقد شخصي لي. قد يركض الكثير من المتطفلين على القراءة و الأدب الآن لنعيهُ كي لا يكونوا شاذين عن أحداث الخط الساخن لكن أحداً منهم لن يجرؤ على تعزية نفسه شخصياً بوفاته لأنه لم يكن ولا يمكن لمن قرأ له عملاً واحداً أن يقول كان إيكو أديباً فيلسوفاً عظيماً قدم للأدب الشيء الكثير ، ويصمت ويذهب ليكمل تسليته بوضع روابط لكتب أشخاص آخرين ويصدح بحديثه عن الأدب وآخر رواية قرأها! هكذا ببساطة؟ لا ، لا يمكن. أنت متوهم أنك قرأت لإيكو. ربما تصفحته أو قرأت بعمق بعض الاقتباسات المنتشرة في قودريدز عنه. القراءة شيء مختلف كلياً عن التصفح. أ تكون هكذا قد عبَّرت عن صدقك في قراءة هذا الرجل؟ محال. محال قطعاً. إنني حادة و عصبية لأقصى ما يكون عندما يخص الأمر زيف المثقفين وادعاءاتهم للحزن أو خيبة الأمل بعد وفاة عظيم كإيكو. أبجل أحبابي الذي اختصر إيكو عددهم من المعاصرين و قلَّصهم كثيراً، فلم يكن هناك داعٍ لسرد أسماء كثيرة في قائمة مفضلاتي و الذين أستمر بجوارهم اقرأ و أتابع و أرصد تحركاتهم التي يسمحون لي بمعرفتها عنهم كغيري من جماهيرهم. عندما كانت تطول قائمتي، كانت تكثُر بأسماء الراحلين لا المعاصرين. إيكو و مانغويل وبول أوستر و كونديرا هم صفحة سمائي و نجومها أيضاً.

عندما يموت إيكو و يبقى شرار الخلق كسفاح الأطفال في سوريا و بوتين و السيسي و نتنياهو و حزب “اللات” والمنخلعين عقلياً كداعش على قيد الحياة يمشون معي و معنا على نفس الأرض، أنهار. تميد بي الدنيا و يتخلى عني وعيي و فهمي لما يحدث، أين العدالة؟ أتساءل. ثم أستغفر لأنني أعرف أن الله لا يظلم أحداً. لكن صماماً مغذياً لجوعي الدائم للعلم توقف اليوم ولا أعرف كيف سأقوم بسد ما تركه من خلل و فراغ و فجوة و كسر. أحب إيكو. أحبك يا امبرتو. أحبتك جداً و أدعو لك الله أن يكون مرقدك الجنة. فقد كنت طيباً لطيفاً خيَّراً عطراً ك وردة، و عظيماً سامياً ك كتاب.

مذكرات طالبة بورد_ الحلقة الرابعة

2219a4be123e2d314546098dc0615cb3

و عادت الدراسة.

الجميع غائبون في هذا اليوم. ذهبت و عيني تتقد نشاطاً لبدء مناقشة الأجزاء التي انتهيت منها في بحثي مع مشرفي لكن قيل لي أنه غائب. ذهبت لإجراءات ختم بعض أوراقي الرسمية من شؤون الطلاب فوجدت شخصاً وحيداً في السكرتارية استطاع أن يختم لي ورقتين و قال أن البقية بحاجة إلى توقيع مشرف القسم أولاً وهو غائب أيضاً. و نائبه لم يأتِ بعد ولم يعطِ خبراً إن كان سيجئ أم يغيب مع من غابوا. ذهبت وقد انطفأ في عيني شيء. و توقف قلبي عن الدق بقوة محمودة كما كان قبل ساعة. أثناء عودتي استوقفني شخص لا أعرفه يبدو أنه موظف هنا، قال: eye-catching activity. نظرت إليه متعجبة و أتساءل لمَ قد يظن أن حضوري إلى دوامي نشاط؟! عرفت أن هنالك خطب أجهله لأن هذا يومي الأول بعد الإجازة، ربما يوافق يوم فعالية في المدينة وهنا تستريح الجامعات من العمل في أيام الفعاليات. خرجت و قابلت بجوار البوابة أحد عمال النظافة وسألته فقال أن هناك مؤتمر إقليمي في مونتريال دعيَ إليه العديد من علماء جامعتنا و ذهبوا إليه. هل قلتُ أن الجميع غائبون؟ ظلمتُ عامل النظافة و الموظف الذي كان تلطفه في غير محله في الممر الضيق داخل رواق الإدارة. يحدث أن تعتبر الجميع غائبون وهم فقط الذين لك شأن معهم. غيرهم يكافحون للحفاظ على توازن المكان في غياب البقية ولا أحد ينتبه إليهم لأنهم أطراف مساعِدة و العالَم يكترث بالرؤوس فحسب. عدت إلى البيت وأنا أحمل معناً متفائلاً لما حدث، قلت لعله خير. إشارة إلى استحقاقي راحة في هذا اليوم كامل الرسمية، و الأكاديمية أيضاً. وجدت عربة تبيع الذرة في الطريق وبرغم أنني لا أتناولها كثيراً لكنني شعرت بجوع مفاجئ هذا الصباح و اشتريت كوباً و أكلته بنهَم. في البيت قمت بتشغيل الكمبيوتر و أول خبر ظهر لي هو ذكرى ميلاد العالم الفرنسي صاحب الفضل على الطب و الأطباء باختراع السماعة الطبية. قرأت تعريفاً جميلاً به في صحيفة التلغراف و قمت بترجمته لكن آلمتني عيني و عاودني وجع الرأس فتركته قليلاً و كتبت هذه التدوينة على أمل إنهاء الترجمة في الغد و سأقوم بنشرها هنا بالطبع. في طفولتي كانت لعبتي المفضلة هي أدوات الطبيب. لم يعلمني أحد أن وظيفة السماعة هي سماع ضربات القلب. أتذكر أنني تلقائياً وضعت السماعة على قلب جدتي و قلت لها قلبك تعبان يجب أن تأخذي علاج وإلا ستموتين بسرعة! كانت جدتي تضحك. أثق أن ضحكتها الآن أجمل في الجنة. قالت أن قلبها ” تعبان” بالفعل لكنه الآن طيب لأنني وضعت يدي عليه. وتطمئنني أنها لن تموت وتتركني بل ستبقى حتى تزفني إلى منصة التخرج من الجامعة و تراني طبيبة. رحلَت جدتي وأنا في الثانية عشر من العُمر الشائخ منذ الولادة. تمنيت لو أنها لا تزال معي لأقص عليها حكاية الدكتور رينيه ليناك و كيف اخترع السماعة. هذه قصة مملة للجميع من حولي. حتى المثقفين والقراء و الأطباء أيضاً في تويتر لم ينوهوا عنها مجرد تنويه. الناس يركضون و ينكفئون على وجوههم كالعميان فقط عندما تكون القصة لسفاح لايتوقف عن الذبح أو لفضائح تيار معارض لتيارهم في الفكر و الأخلاق. أحب ما تنشره قناة نون العلمية و قناة السعودي العلمي من مقالات و ترجمات علمية روادها هم نخبة المنشغلين بعلومهم الحاضرين في تويتر للسقاية فحسب. أيضاً حساب فهد المتخصص في علوم الفضاء و الفيزياء و الهندسة النووية وأتابعه باهتمام لأن مجال الفلك و الغرائبيات كما يحلو لي وصفها وهي الفيزياء و علوم الطيران من هواياتي التي لا يعرفها تقريباً أحد من العائشين معي. خبر الكشف عن موجات الجاذبية فاجأني كما فاجأ جميع الفيزيائيين و الفلكيين من هواة و متخصصين, ذهبت فوراً للقراءة عن سيرة الموجات ما قبل الإكتشاف الجديد فوجدت مقالات مذهلة كادت تبكيني لأنك كل ما تتقدم في قراءة شيء من هذه العظائم تخجل من جهلك المدقع في لحظات كنت تظن أنك تعلم فيها الكثير مم يجهله آخرون. آينشتاين شرح الجاذبية بما يعرفه العالم أجمع بالنظرية العامة للنسبية أو نظرية البعد الرابع كما هو متعارف عليه و نظرية الزمكان كما تشتهر علمياً. space-time continuum. لكن افتراضه لوجود التموج في الفضاء و الزمن لم يلق التأمل وبالتالي الإيمان المناسب آنذاك. في أحد المقالات قاموا بتشبيه الأمر بوجود فراش على صفحة ماء. التشوه الحاصل هو نفسه فعل الموجات على الزمن. إذ أن التشوه الذي يحدثه التموج هو المتسبب في ازدياد الجاذبية، وفي شرح على قناة في يوتوب يقول المتحدث أنه إذا ما رقصنا أنا و أنت حول بعضنا سنتسبب بتشويه بنية الزمان والفضاء أيضاً لكنها ستكون تشوهات صغيرة لا يمكن كشفها عملياً، وهذا سبب تأخر العلماء بالكشف عن موجات الجاذبية كل هذه الدهور برغم أن آينشتاين عندما قدم فرضيته لم يكن بحاجة إلى أدوات التكنولوجيا التي تم بواسطتها تحليل بيانات الإلتواءات التي تتكون منها الموجات ( قمم وقيعان) . الجاذبية ضعيفة مقارنة بقوى الكون الأخرى، وتحتاج إلى شيء عملاق يتحرك بسرعة شديدة ليحدث موجات يمكن الكشف عنها. لماذا تم رفض نظرية آينشتاين حينذاك برغم أنها نتيجة طبيعية لنظرية النسبية؟! في مقال لستيورات كلارك في مجلة الغارديان قام الكاتب محمد العتيق بترجمته ونشره في صفحة السعودي العلمي يجيب على التساؤل ب ” النسبية العامة لانشتاين لم تتناغم مع نظرية اخرى في الفيزياء تسمى “ميكانيكا الكم”, فالنسبية العامة تتحدث عن الجاذبية و الكون ككلّ أما ميكانيكا الكم فتتحدث حول مقياس الجسيمات بالغ الصغر وقوى الطبيعة الاخرى كالقوى النووية الضعيفة والقوية والكهرومغناطيسية.

على الرغم من الجهود المبذولة خلال قرن من الزمان لم يستطع الفيزيائيون من توضيح كيفية عمل النظريتان معاً.”

لدي مكتبة افتراضية علمية على جهازي أتركها دوماً لأوقات عصبيتي الشديدة جرَّاء معلومة يأكلني عقلي للتزود عنها بإشباع. سررت عندما راجعت مكتبتي و وجدت كتاب الكون الأنيق ” الأوتار الفائقة، والأبعاد الدفينة، والبحث عن النظرية النهائية” ل برايان غرين. وقررت أن يكون قراءتي القادمة علني أجد جواباً لتساؤلات ظلمَت آينشتاين وأعرف أنني إن استطعت استخلاص أي رأي علمي وفق القراءة لن يسمعني أحد فعالم الفلكيين والفيزيائيين شديد الحذر و النمطية. و هكذا فقد وجدت ما أقضي فيه يومي الذي كان مقرراً أن يكون للدراسة فأصبح إجازة دون احتساب. إن عرفن صديقاتي كيف سأمضي هذا اليوم سيقمن بشد شعورهن ويقلن بنفاذ صبر أنني جدياً لست طبيعية. أنا لا أستسخف فكرة قضاء وقت راحة في التسوق أو الذهاب إلى نزهة بحرية ( أتمنى الأخيرة يوماً برفقة طيبة) لكن أحاول دوماً إفهامهن أن شغفي بالعلم يؤلمني عندما يجوع ولا أطعمه. أعتقد أن المشغولين بصغائر الأمور مرتاحين البال أكثر مني بأضعاف يمكن قياسها بسهولة عكس موجات الجاذبية متناهية الضآلة! لكنني لا أعنِ بصغائر الأمور إهانة. الصغائر ليست مساوئ بالضرورة. لكنها قد لا تسعف المرء عندما يحتاج إلى صنعة كيْف قوية المفعول طويلة الأثر في أيام يصفر فيها العقل حيرة من شيء مجهول.

وهكذا فإن طالب البورد وفي تخصصي بالذات _ طب وجراحة الأورام حالياً_ ليس كائناً تُستحب عِشرته والتحاور معه إلا لمن يبحثون عن لقمة لإطلاق سخرياتهم و هوسهم بتحليل الشخصيات و نقض مالا يستطيعون فهمه منها، لكن طالب البورد أيضاً يفرح بالإجازات غير المتوقعة ولا يصيبه الغم كما يقال عنه اعتماداً على تذمره الكثير من تأخر مراجعة بحثه مع المشرف أو تباطؤ تفاعله معه لأنه تحت رحمة تفرغه و ملاحظاته. بالنسبة لي أصاب بهذا الغم والهم عندما يمنحني المشرف إجازة لأنني أنا المشغولة بشيء آخر لا هوَ ! فحتى مع الاعتكاف على الأوراق لمنع تسرب ال methodology إلى منهج آخر غير المقرر في مقدمة البحث إلا أن للنفس آفاق و وديان قد تذهب بها إلى أمور تحتاج إلى بعض الوقت لتناسيها وميزة مشرفي الطيب أنه يفهم برغم ماديته الصرفة، أن ضغطة الزر لحدوث شيء ما بسرعة الضوء ليست من خصائص عقل و وجدان البشر.

هذا رابط تحميل كتاب الكون الأنيق . يحلو لي اختتام الحلقة به لأنه هدية جيدة ليوم عطلة يتم قضاؤها إما في الطائرة أو البيت.

219

zeZ-ebGT

بعد نشر هذه التدوينة أكون قد بدأت بتغليف حقائبي و طبعت البوردينق استعداداً للرحلة غداً. لا أحمل حماساً لهذه الخطوة الكبيرة لكنني لا أحمل خوفاً أيضاً. يتملَّكني الأسف فقط. أسفي عليك. أحمل شكراً دافئاً يتوق إليه الباردين من هذا الشتاء العارم في كل مكان على الأرض في هذه الأيام. شكراً للطيبين بحق، للمتفضلين علي بإخلاصهم و حنانهم و عطائهم حتى لو كان بسؤال عن الحال. ليس بين هذا الشكر شيء للسيئين ولا للخاذلين. لن أسافر وأنا أحمل حقداً، ولا غضباً، ولا ندم. ألم كبير؟ نعم، و ما زال ينخر في رأسي و يأكل ويقتل كما تشاء، لكنه لم ينجح في جعلي أكره. أعيش على فيديواتك و صورك ورسائلك القديمة و الساعات السرية النائمة باحتياج فوَّار في عروقي ودمي و ذاكرتي. أحمل لك شكراً على هذا الإرث العظيم، لأنه حبل اتصالي بالحياة منذ تلك الليلة. لا أشعر بالأسى على نفسي في هذا الأمر، الشيء الذي يريحني يجب أن أشعر تجاهه بالتقدير لا الأسى. أنا راضية هكذا، بالمخدرات التي أعطيتني. بالأكاذيب التي صدقتها، برغم أنك كنت دوماً لا تقولها إلا وأنت فاقد الإدراك. كنت ألاحظ، لكنني أحبك، و قبلتك و صدَّقتك ولم ألتفت إلى ما اعتقدته رتوش يجب أن لا تقدّ وريدنا المشترَك في رسغيْنا. لقد حاولت التجاوز طيلة هذه الأشهر. أنجزت العديد من المهام كآلة. حاولت إقناع نفسي أن النسيان كأي شيء إن صوبنا إلى وجهه رشاش الإرادة و قلنا له كن.. سيكون. لكن هذه خاصية الله سبحانه وتعالى. مهما حاولنا تأنيسها لن تكون مطواعة في يد الإنسان. أصدِّق أنها تكون مطواعة في يدك، ليس لأنك قوي وعظيم. بل لأنني عندما كنت بين يديك لم أكن غالية أصلاً. قاومت تداعيات حرمتني النوم لأوقات غير محسوبة في ساعتي. كتبت أشياء كثيرة لا سيرة لك فيها. انعزلت. أجل. دخلت أخيراً إلى قوقعتي الجميلة التي كنت أسكنها قبل الالتقاء بك. ظننت أن الفرج حل عندما مضت أول يومين سالمة و آمنة من غزو صورك وصراخك و قسوة يدك التي زارتني خمس مرات في المنامات. قرأت روايات جميلة و شاهدت أفلاماً أجمل في تلك اليومين. كنت أعرف أنها مؤقتة السلام فكنت أسابق الزمن لتغذية روحي ببعض الفن و المتعة. في اليوم الثالث زارني شبح الموت. انتظرت طويلاً أن يكون الموت نفسه. في كل مرة يأتي قرينه فحسب. يطيح الشبح على صدري و يجثم على أنفاسي فيكتمها ولا أستطيع مد يدي لمسح العرق الذي نزل على عيني ودخل إلى أنفي، حتى أنني احتجت إلى العطس ولم أستطع. كان إنجازي الوحيد في ذلك اليوم و عشرة أيام بعده هو رفض الصدمة الكهربائية التي بدا طبيبي مصمماً عليها بغضب و يأس من عدم تقدمي في الشفاء لكنني قلت لا يعني لا. و كانت لائي كلمة فصل بيني وبين هذا الطبيب الذي أمرني بلُطف أن أبحث عن طبيب غيره منذ اليوم. هل تذكُر هذا الطبيب؟ أخبرتك أنه طبيبي منذ تسع سنوات. لك أن تتخيل مرارة التأسف على خسارته. على إفقاده الأمل في قدراته الطبية، في مريضته الطبيبة التي كان يجب أن تكون أكثر المتعاونات معه كما يعتقد. أسافر غداً و أنا أحمل أشياءك كلها معي. ليس إمعاناً ولا حباً في الشقاء، إنما لأنني قررت التصالح مع حقيقة شللي عن التجاوز. كلما أجبرت نفسي أن تتجاوزك أنازع ولا تصعد روحي إلى الله. كلما احتقرت نفسي لأنني أتألم منك لا من الحروب والمجاعات و الشهداء الأبرياء من نساء و أطفال المتساقطين في كل مكان كلما عاودني نزاع الروح ولا تصعد، ولا تغادر أنت. مع كل هذا الحزن على ما يحدث من هدر في الإنسانية إلا أنك لا تغادر. تقف كالتمثال أمام وجهي، مثبَّت كمسمار في رأسي، مخترِقٌ كخنجر في قلبي. لا تغادر كلما دفعت نفسي عنك لأني فشلت في دفعك عني كما دفعتني بطرف إصبعك عن طرف ظلك الطويل. لم أعد أكافح لأزيحك. الفيديو الذي سجلته وأنت في جازان وقلت لي فيه قصيدة مبعثرة يصدح كصوت بندقية تصوب هدفها في طبلة الأذن بإتقان في هذه اللحظة. أكتب هذه التدوينة على موجات صوتك. صديقتي منذ شهرين وهي تطلب أن تكلمني وتسمع صوتي ولا أستجيب. أقول لها حسناً، قريباً، ولا أفعل. شهيتي مسدودة عن استخدام موجات صوتي مع مخلوق. كنت أتحدث مع قطي و يحدثني، أفهم مواءاته جيداً. أصبح يحدثني ويتوسل لي أن أرد عليه. أصبح هو مدير الحوار الذي لا طرف ثاني فيه. برغم مواظبتي على إطعامه و تنظيف بيته إلا أنه أصيب بالحزن و يرفض منذ مدة تناول بعض الوجبات. يأكل ببطء ما يبقيه على قيد الحياة فحسب. شعره بدأ يتساقط. بالأمس ناديته، فقط قمت بالنداء عليه، لو كان لديك قلب ستبكي إن سمعت كيف ماءَ بجنون. ماء بفرح و عتب و حيرة و سؤال. انهرت من البكاء عندما رأيت ردة فعله فجلس في حضني و قام بلعق يدي وعندما سحبتها تعلق بقميصي وهو مستمر في المواء كأنه يتوسل أن لا أبعده. ليس كأنه، كان يتوسل بالفعل. شعرت أني مذنبة بحق هذه الروح. حدثته و حممته و عندما وضعت له الطعام تناوله كله و نظر لي يطلب المزيد! لم أعرف ماذا أكتب في مذكراتي يوم أمس. بعض المواقف تعجزني عن الكلام حتى على الورق. لولا حرصي على بقاء الملائكة في البيت لأخذت قطي ينام معي. لكنني استيقظت هذا الصباح و وجدته لا يزال مستغرقاً في النوم و بيته مغلق كما تركته البارحة. إن توقف تساقط شعره سأكافئ نفسي.

بعد أيام تبدأ أولى دروس برنامج بورد الأورام. بدا لي ما مضى بنجاح في الدراسة مثل رذاذ مطر يختبر صبري ليهطل. يرتجف قلبي عندما أراجع جدول الخطة الدراسية و أجدها خمس سنوات لم تتغير. لم تنقص. ثم أعود إلى رشدي وأقول هذا حل رديف للمخدرات إلا أنه يفترق عنها في نقطة جوهرية هي أنه غير ضار. تجهزت للصقيع جيداً. القبعة، القفازات، الجوارب، الشال، المعطف. وضعت تنبيهاً في هاتفي بتاريخ وصولي إلى المطار لأقول بصوت مسموع غير عالٍ عند الخروج من البوابة: أهلاً بالعالم. فينبعث في أوصالي شرَر حار كتيار كهرباء يمسس ولا يدفئ. هذا هو الطعم الحقيقي للهروب، مهما كان مطعَّماً بالأهداف النبيلة، إلا أنه مسموم بالنوايا.. لا يرحم ولا يذر.

ماذا عن الشكر الذي كنت أحمله في بداية التدوينة؟ أجل، إنه شكر للرفاق الأنقياء الذين لم يعرفوا أبداً أنهم رفاقي. لم أخبرهم وأنا أستمتع و أفخر بما يحققونه من نجاحات وما يمنحونني إياه من سعادة لا يفسدها شيء في كل مرة سوى أنك دوماً حاضر في مقدمة البال. رفاقي الذين هم ليسوا ملائكة، ولا شياطين، كما أنني لم أكن في حياتك ملاكاً، وهذا الذي لم تغفره، ولم أكن شيطاناً، وهذا الذي لم تنظر إليه. أشعر أن الطائرة التي ستحملني ستطيِّر معي كلمات الشكر و الأسماء المذهلة التي أحب أن أشكرها. أريد أن أقول هذه الكلمات الآن: شكراً على توصيات الكتب العظيمة. على المقالات التي لا تحمل في سطورها كلمة حرب ولا دم ولا إرهاب ولا خيانة، على الرسائل التي لم أرد على أكثرها لأنني متعبة و جريحة، لا أقوى على التفاعل برغم تأثري بهذا الحب و الإحترام. شكراً لأنكم قرأتم صدقي الذي عرَّاني أكثر من مرة وتعرفون أن لا أحد يحب أن يرى الآخرين عراءه فلم تحرجوني بسؤال ولا تعليق. كنتم تدركون مالم يدركه المتسببون في كل هذا اليباب، أدركتم أنني أتخفف من أحمالي وأنني بشَر إبداعه كما قال أحد زملاء العمل مرة، في بساطته، لأن القانون الكوني لم يستوجب على الطبيب التحول إلى نبي، ولم يطالبه بزَرع جناحين خلف ظهره ولم يفرض عليه النوم بالمعطف ناصع البياض. لقد تحملت مسؤولية خطأ وحيد اقترفته كاملة. قدمت كل شيء في سبيل الحفاظ على ما يجب الحفاظ عليه، لكن جبروت المطرَقة كان لا يريد شيئاً سوى الهدم لأنه لم يرغب في البناء يوماً. كانت الفرصة ذهبية عندما زللت. جملاً طاح ونظر طالباً المساعدة فكان من لم تتطلع عين الأمل إلا إليه هو اليد التي تهزه إلى الأسفل.. أنا التي لم أعرف في حياتي سوى انتشال من يطلب يدي و إبقاءه بجواري كعضيد.

لا يوجد سبب للشكر في هذا الوقت. ليست المرة الأولى التي أغادر إلى مكان حلمت به كثيراً في ظروف أخرى رسمت لها أجمل اللوحات و سعيت و كافحت كمُشارك في سباق الضاحية لتحبير اللوحة على صدر الواقع لكن،

تبدو الفاصلة خير مكمّل لما بعد لكن.

إنني اليوم محمَّلة بمتاع طيب. بعضه و أجمله يعود فيه الفضل إلى الطيور المستأمَنة التي راعتني وأغدقت علي قمحاً من بين مناقيرها. يوم أمس عدت إلى البيت، مغادرة المستشفى بعد عدة أيام من الرقاد هناك. نكسة ككل مرة. أول دخولي إلى غرفتي تحممت و صليت العشاء و جلست بعدها اقرأ سورة فاطر. مررت على آية ” وما يستوي الأعمى والبصير” و عدت أتذكرك وأبكي لأنك كنت أعمى لا تبصر ما فعلته بي، وكنت أنا عمياء لا أبصر ما كنت تحاول أن تخفيه. ثم مررت على أية ” إن الله يسمِع من يشاء” فأعدتها لأن رجفاناً سرى في أوصالي منعني من استشعارها، أو أنني وصلت إلى قمة استشعارها ولم أدرك ذلك لوهلة. أعدتها و استبشرت. لقد أراد الله أن يُسمِعَني، فلم أكن قد فكرت في قراءة سورة فاطر. لكن اليوتوب الذي فتحته على سورة التوبة قبل الدخول للاستحمام ارتفع منه تلقائياً صوت القارئ المهيب سعد الغامدي وهو يقرأ سورة فاطر. لقد أسمَعني الله أي أنه بعث لي إشارة أنني أبصِر، ومن يبصر يشقى، ومن يشقى يجب عليه أن يصبر كي يفوز.

الكتابين اللذين سيرافقانني في الطائرة هما حواس مرهفة, ترجمة هالة صلاح الدين ورواية Wonder _ ورق_ و عددين من مجلة نيتشر، ورواية الطوف الحجري لساراماغو – PDF- و دفتر المذكرات. صورتهم في الأعلى. أرجو أن أستطيع قراءتهم جميعاً فقد قايست أحجامهم على مدة الرحلة التي ستستغرق أكثر من يوم مروراً بترانزيت في مكان أحبه أيضاً لكنني لن أستطيع التنزه لوقت كافٍ فيه. أما جهاز ال Mp3 فقد عبئته بعدد من أغنيات غير حزينة ولا تطرأ فيها كلمة فراق. جميعها إنجليزية لريكي مارتن و إنيا و آخرين عدا أغنيتين لطلال و أغنيتين لوائل جسار و أغنيتين لحليم. أما للمشاهدة، فسيرافقني فيلم سالومي لأحد نجومي الأبديين ( باتشينو) ، أجلت مشاهدته كثيراً لأنني أبجل أدب أوسكار وايلد ولا أريد إفساد الأمر بفيلم يعبث بآدابه، ولكن عندما يطل باتشينو برأسه المجنون تكون التنازلات فرض عين. أيضاً أحمل معي بعض حلقات مسلسل True Detective للعبقري الفريد ماثيو وهو أيضاً أحد نجومي الذين أشير إليهم دون خفض إصبعي.

كنت دائماً أخاف من أن أكون ظالمة لأحد الذين أؤمن أنهم ظلموني أو أن أكون قد أخطأت التقدير. حتى الآن لم يحدث ذلك. أنا مبتلاة بحدس يستطيع تمييز السوء و شم رائحته من على أبعاد طويلة. لكن حدث أن ظلمت نفسي لدرجة أنني لا أعرف ماذا سيحدث إن تجسدت هذه النفس على هيئة أجهلها يوم القيامة و وقفَت أمامي تقاصصني. العدل من نفسي يفوق طاقتي. خرج الأمر من سيطرة الإرادة. لكنني على الأقل لا أتناول سموماً ولا ألمس موساً بغرض وضعه على شراييني. أنا منهَكة و خربة من الداخل لكنني لست كافرة ولا قانطة. برغم أن الخيط قد ابتعد كثيراً مع الريح عن متناول يدي إلا أنني لم أتوقف عن المشي في درب يقال من حكماء العائلة أنه هو المرسى. أنظر إلى نفسي بحزم عندما أقف أمام المرآة وأقول هذه الخطوة الأولى. الحزم لا اللين. كادت تسقطني مرة إحدى صديقاتي عندما قالت أنني أتحول إلى شرطيَّة عندما أزم شفتاي بلا ميلان لفوق ولا أسفل، فتتحول إلى مسطرة. بالطبع لن أحب أن أكون على شكل شرطيَّة. يبدو شكل عقد الفل الذي صنعت به ابنة أخي طوقاً دائرياً لشَعرها مناسب لغايات رطبة تتحقق بعد حزم قصير. جاء محمد حامد بهذه الكلمتين ( لي، مع أنني لم أكتبها بنفسي) فبدَّد كل شيء :

” لشدة ما كنت أقف في صف الآخرين ضدي، كنت أظنهم يبالغون في تحسين صورتي وأنا أبالغ في تشويهها ”

مذكرات طالبة بورد : الحلقة الثانية

tumblr_o19igvCZhM1tct70co1_1280

هذه الحلقة طويلة. تستطيع تجاوز الجزء الأول منها المرقم برقم 1 والانتقال فوراً إلى رقم 2

  1. قبل أن أكمل كتابة الحلقات أود التنويه إلى أنني لا أكتب في الإنترنت بإسمي (الأول) الحقيقي. لقبي أو اسم العائلة هو الحقيقي فقط. هذه توليفة مكونة من اسم فنِّي و لقب حقيقي اتخذتها منذ 2005 عند المشاركة في أول منتدى أقول دوماً أنني أسمو عن ذكر اسمه لأنه كان المحك الذي أكد لي ضرورة عدم التواجد في مكان عام في مجتمع محلي _ مع الأسف_ بإسمٍ حقيقي. بإمكانك التواجد بهوية حقيقية بالكامل وستجد مضرة كثيرة من الفاشلين والفارغين روحياً، مرضى النفوس الذين يتآكلون حقداً وبغضاً للناس ومهما حاولت لن تفهم السبب. أمراض النفوس ليست ذات سبب مقنع دائماً. بالأخص عندما تكون الحياة الشخصية للسيئين مجهولة عنا. بالنسبة لي أعزو غضب الله على هؤلاء سبباً، فهم لم يغيروا ما بأنفسهم ليغيِّر الله ما بهم. النجاح في الدراسة والعمل ليس مقياساً لرضا الله عليك. قد يكون الله راضياً عن أمك وأبيك الذين دعوا لك بالتوفيق فأجابهم واختبرَك. لكن عندما تكتب بهوية حقيقية مضاف إليها اسمك الحقيقي أيضاً.. ستتكاثر عليك زواحف والقوارض من حيث لا تعلم سبباً ولا هدفاً شرعياً لذلك الفعل. هناك فطريات وديدان كثيرة تعيش حولنا. لا تتفاجأ عندما تكتشف أنهم حاصلين على شهادات جامعية و لديهم كتب حائزة على جائزة محلية دولية عربية، هذه المسابقات أصلاً لا يمكن الوثوق بحيادها وموضوعيتها. سبب هذا التنويه هو أنني اصطدمت عدة مرات بفتيات ورجال مهووسين بالتجسس علي ومراقبتي منذ سنوات وباعترافهم، يتتبعون أثر أي معلومة يجدونها عني أو مني بغرض الإيذاء ونفث السم كما تنفث الحيَّة سمها. صدق أو لا تصدق أنهم قاموا بمراسلة جامعتي والسؤال عني وراسلوا عدة مستشفيات كبرى في جدة ومكة للسؤال عن تواجدي كطبيبة بل وقاموا بتقمص دور مريض يحتاج لعلاج في تخصصي وراسلني على البريد والرسائل الخاصة في تويتر يلحُّ على استعطافي وضرورة الحصول على اسمي واسم وعنوان المستشفى التي أعمل فيها لأكشف عليه وعندما أعطيته فقط اسم المستشفى و طلبت منه هو أن يعطيني اسمه لأضعه عند سكرتارية قسمي ويقوموا بإبلاغي عند حضوره لأساعده، رفض و بدأ يشتمني وقام بنشر تغريدات يسبني ويقذفني فيها بأقذع الألفاظ لأنه لم ينجح في مهمته الجاسوسية. بعد ذلك بأيام عرفت من إدارة المستشفى أن هناك رجلاً وامرأة اتصلا وسألا عن طبيبة تحمل نفس لقبي وكانوا يستجوبون موظف الإستعلامات ويصرون عليه البحث عن طبيبة بهذا الإسم وقاموا بإعطائه مواصفات عني مثل تخصصي و حسابي في تويتر! كان الموظف ذكياً وذو بديهة وفراسة. بعد الانتهاء من مكالمتهم عرف من تغريداتي أن الحساب في تويتر لي وأنني أكتب باسمٍ مستعار فجاء وسألني إن كان لي أعداء! ثم أخبرني أن هناك من يحاول الوصول إليَّ بغضب وأنه كان على وشك أن يقول للمتصليْن أن هناك طبيبة أخرى اسمها فلانة ربما تقصدونها لكن أسلوبهما جعلاه يشك في نواياهما فلم يدلِ بأية معلومة. قال أن المرأة قبل أن تغلق السماعة شتمته وهددته بالشكوى لمدير المستشفى بأنه موظف يتقاعس عن أداء وظيفته!! بعد ذلك بأشهر. عرفت بالصدفة وبعد أن تطاولت المرأة علي في تويتر بعدة حسابات وأسماء أنها حاصلة على دكتوراه في اللغة العربية!

قبل أسابيع، كتب الأستاذ نجيب الزامل ثناءً عليَّ في تويتر، فقامت امرأة بحساب مستعار تحاول فيه _حشفاً وسوء كيلة_ أن تظهر بمظهر المهتمة بالثقافة وقضايا المجتمع ، بالتهجم علي فوراً واتهامي بأنني شخصية ليس لها وجود وتطاولت على نجيب الزامل ووضعَت تغريدات تشهير بي تقول في إحداها: ” تكتب كل هذه السنوات بإسم أشعار والآن يطلع الإسم مستعار؟! ” أحتفظ بصور منها حتى الآن. لم أعرف على أي حرمانية تواجد بإسم فنِّي ارتكزَت في استنكارها. قامت في التغريدات الأخرى باتهامي بأمور لم تحدث، أمور تدل أنها جاسوسة سيئة كان يفوتها الكثير عني أثناء نومها أو سفرها للتمتع وأثناء انشغالها بأكل لحم والتلصص (على) نساء أخريات تضربهم وتشبع مرض نفسها غير المفهوم _ لست أعرف ماهي مشاكلها الشخصية التي جعلت منها مسخاً بهذا الشكل، لذلك لاأفهم سبب سوءاتها هي وغيرها _ اعترفَت أنها تراقبني منذ سنوات، وفضحَت نفسها بالقول أنها من ذلك المنتدى الذي كانت أولى مشاركاتي المنتدياتية المنتظمة فيه. كنت قد اكتفيت من تجاهل هذه الشلة التي تقوم بأعمال غير شرعية في قانون شريعة بلادنا و أنظمتها، لم يكن يوماً إيذاء الآخرين لفظاً وفعلاً من الشرع ولا من النظام في أي دولة. لم يكن يوماً تهديد الإدارة للناس في الرسائل الخاصة بالمنتديات عملاً مثقفاً ليبرالياً حقوقياً تنويراً إلى آخر ذلك من الصفات المشوهة التي يطلقونها على نمط حياتهم في الإنترنت. لم يكن أبداً الإستهزاء والنميمة في أروقة أقسام الإدارة في المنتديات بالآخرين العزّل من الأعضاء وعقد الخطط لإزالتهم بطريقة لا تثير غضب عموم الجاهلين بهم شيئاً عملاً شريف. لكن من يتحدث هنا عن الشرف؟! لابد من الضحك الأسود عنما نطرأ هذه الكلمة في هكذا واقع. أصدقاء وصديقات تلك المرأة كان ذلك ماضيهم، تجاهي، تجاه العديد الذين لم يكن لهم ذنب في ساحة لعبهم سوى أنهم ليسوا من الحزب المختار. لا مكان يقر ما تفعله وما يفعلوه، حتى الدول العلمانية التي تفصل الدين عن الحياة، والدول الديموقراطية والأخرى الليبرالية كأمهم أمريكا. قمت برفع شكوى على تلك المرأة لوزارة الداخلية أرفقت صورة كاملة منها في تويتر وخاطبت حساب الوزارة و تمت بيننا مراسلة على الخاص وجهوني فيها للطريقة الأمثل لتقديم الشكوى يدوياً و استقبلوا جميع صوري التي صورتها لتغريدات عديدة لتلك المرأة فيها اعتداء لفظي و طعن في قضاء الدولة وأمور كثيرة مخالفة لنظام المشاركة المعلوماتية في الإنترنت. وعقوبة ما فعلته تجاهي لوحده هو السجن وغرامة لا تقل عن خمسمئة ألف ريال. قامت تلك المرأة بعد رؤيتها لنص الشكوى بتغيير اسم حسابها الذي كان @liberty_m_ وتغيير صورتها الرمزية محاولة أن تظهر بهوية أخرى لا تعرف أن شعبة مكافحة الجرائم المعلوماتية لديهم صور كاملة منها وأنهم يستطيعون التعرف على أية تعديلات قامت بها على حسابها بدون تصوير أو إبلاغ عن تلك التعديلات. قامت بحذف جميع تهجماتها علي و حذفَت أيضاً طعنها للقضاء في قضية أشرف فياض. ثم سكتَت لأيام تراقب ما قد يحدث و بخطأ ساذج جداً لا تقع فيه أدنى نفس لديها من صفاء السريرة و البصيرة قدراً، فضحَت هويتها واكتشفت أنها أديبة مشهورة أيضاً كالمرأة الأولى التي قبلها. أديبة لديها قصص و رواية مملة حاصلة على جائزة من دولة خليجية _ الروايات الممتعة بالنسبة لي هي أدب دوستويفسكي و فيرجينيا وولف و ديفيد والاس من الراحلين و كونديرا و بول أوستر و إيكو و كورماك مكارثي و أحمد الحقيل و رجاء عالم من المعاصرين _ و تكتب في جريدة عكاظ في زاوية مخصصة لكتّاب المقالات. اسم المستخدم الخاص بها حالياً هو اسمها الحقيقي بالعكس. أي يُقرأ من اليمين لليسار، لم أكن منتبهة لأنني لست مريضة بمراقبة الناس، لكن ارتباك الفتاة ومحوها السريع لتغريداتها وتعديلاتها على حسابها بعد قراءتها لنص الشكوى أثاروا السخرية فقد أثبَتت على نفسها أهم شيء اتهمتني به وهو الزيف. تقوم بنشر روابط لمقالاتها في الجريدة وتحاول تسويقها بطريقة مثيرة للشفقة. لم أكلف نفسي بقراءة مقالاتها لكنني مررت على واحد أثناء انتباهي لكذبها في الخصومة معي وهو مقال يستهزئ من النساء المرشحات للانتخابات البلدية استهزاء أول ما تقرأه تصفه ب ( نميمة حريم في مسايير الضحوية) . لدى هذه المرأة طبع متجذر هو أنها تعيش بقناعة أنها الصح وغيرها بالضرورة يجب أن يكونوا على خطأ. غيرها من الذين يفعلون أي شيء كانت تتمنى أن تفعله ولم تستطع، مثل الترشح للانتخابات البلدية. و غير ذلك مما لا يهم حصره في الموضوع. كما أنها مصابة بعمى لا يرجى برؤه عن عيوبها القاتلة والأخرى التي نجحَت في إخفائها كحرباء ولذلك هي تستغل زلات الآخرين مستمرءة في إعماء نفسها قبل أي أحد آخر عن آثامها الكارثية. يعرف كل الناس نتائج جنون العظمة. عبَرت على قائمة متابعيها، عرفت من نوعية صديقاتها ومتابعيها قيمة المثل الذي أجهل مصدره: قل لي من صديقك أقل لك من تكون. ضحكت ملء روحي بارتياح ومحبة لله عندما كشف لي المستغيب. أراد بي خيراً لأنني لو مشيت في الشكوى المقدمة ضد ( م) لكنت أنا المتضررة برغم أنني المجني عليها فعائلتي العريقة المحترمة والمعروفة في أعرق أحياء الحجاز ليست ذات أصول سعودية بدوية كعائلة هذه الفتاة التي تستطيع إخراجها بريئة براءة إخوة يوسف زوراً من دمه في اليوم الأول من الاستدعاء. كنت سأجلب المتاعب لأهلي الذين تعبوا كثيراً في حياتهم ليصلوا إلى مرحلة سلام وهدوء بعيداً عن المشاكل و أوحال الناس المزيفين مثلها هي وشلّتها العريضة في المنتدى المشهور، تعبوا للوصول إلى مرحلة يعتبرون فيها كل مؤذٍ حاقد كائن عديم الوجود، مخلوق مجهري لا يهتم عموم الناس بمعاينته تحت الميكروسكوب. لقد نجحوا فيما فشلت فيه لأنني أتعجب دوماً أن في الحياة أجساد في رأسها عقل تعيش بصفة البهائم.

أفخر فخراً حميداً أنني من عائلة فاضلة مناضلة تعيش مرحلة يغبطنا عليها كثير من المعارف والأصدقاء. العائلة التي تتوقع من ابنتها استخدام التكنولوجيا للإنجاز والإنتاج لا لاصطحاب ولي أمرها إلى الشرطة للقصاص من امرأة رأيهم فيها عندما قصصت على أحد أخواني أمرها أنها سفيهة و عديمة تربية لأن الذي تربى في بيت دين وحشمة و صلاح ينأى بنفسه عن الأخطاء الكبيرة التي لا تغتفر. يتحدث أخي عن الجرائم لا عن الأخطاء البشرية التي يقع فيها الجميع حتى من تربى في باحة البيت الحرام. لم أتوقف عن المضي في الشكوى التي وصلني رقم معاملة لها إلا بعد توجيه أخي بأن أعتبر هذه الديدان زكاة طيبتي و عيشي المسالم مع الآخرين. بل وزكاة حفاظي على مايجب أن يكون مجهولاً عن ضعاف النفوس في مجتمعنا، كالإسم. يشهد عشرات الذين يتابعونني أنني لم أكن يوماً أداة إيذاء لمخلوق، وأنني إن لم أنفع لا أضر. لولا احترامي لخصوصية قرائي لنشرت العديد من الرسائل التي تصلني مثقلة بالثناء والحب الجارف والثقة المفرطة و التأكيد بأنني منطقة آمنة لهمومهم وأسرارهم و متاعبهم. يقص لي أخي عن شخص يعرفه أصيب بشلل ناتج عن جلطة بعدما تم استدعاؤه مع ابنته بسبب جريمة معلوماتية تشبه جريمة الأديبة المخضرمة ( ميم) وأنه لم يصدق في البداية أن ابنته الجامعية قوية الشخصية التي لها أنشطة وندوات ومطالبات حقوقية شرعية قد يكون عالمها الباطن متسخ إلى ذلك الحد. متأثراً أخي، يقول أن هذا الرجل تنازل عن جزء لا يعوض من كرامته وهو يتوسل لوالد المجني عليهم كي يتنازلوا عن شكواهم ويستروا عليه وعلى ابنته. وأنه تم التنازل بالفعل بعد إذلال لكن ماذا جنت الفتاة؟ تسببَت لوالدها في جلطة خرج منها بشلل ليس مؤكداً الشفاء منه. في أول يوم من العام الجديد عفوت _لأجلي لا لأجلهم_ في الدنيا لا في الآخرة عن كل من حاول إيذائي وقضى من عمره سنوات وهو يحاول ويغذي قلبه بالحقد والبغض في غفلةٍ مني عنه وكلما فشل في التأثير على الآخرين وضمهم إلى صفه ضدي كلما ازداد بغضه ، سائلة الله أن يشغلهم بأنفسهم وأن يهبني نعمة السلامة من الظالمين والمعتدين.


2- شعرت بضرورة أن أقول ما بنفسي في الجزء الأول. لأنني أريد أن أكتب مذكراتي بطمأنينة دون اهتمام أو قلق من أذى قد يقطع طريقي، تحرير النفس من أثقالها يمنح طاقة لإماطة الأذى عن الطريق ذاتياً، لن أكون بحاجة انتظار من يساعدني، أو يزيل حجراً من أمامي كي لا أتعثر و تسيل من عثرتي نقطة دم. منذ أربعة أعوام وأنا أواظب على تخصيص دفتر لتدوين عيوبي و أخطائي، أجدد الدفتر كل عام. ربما يكون الله يحبني، أردد هذه العبارة بكثرة لأنني أحب إحساسي بهذا الإحتمال. إحساسي الذي يحدث بعد إشارات وعلامات جليَّة المعنى أمامي. الدفتر على محدودية صفحاته و حجمه المتوسط لم يمتلئ عن آخره في عام. لكن و بتعاكس مؤسف، لم تكن خمس صفحات في أي عام كافية لكتابة الأخطاء. قرأت و استمعت وتحاورت كثيراً مع أناس يؤمنون أن الطبيب يخطئ كثيراً لأنه أكثر البشر حذراً و الحذر لا يحدث إن لم يكن المرء بالأصل ذي حساسية فائقة. لم أصل إلى قناعة واضحة حيال هذا الأمر بعد. عندما أحاسب نفسي أجد مثلاً أنني وقعت في بعض الأخطاء لأنني شديدة الحُب، مفرِطة العطاء. لم أكتسب هاته الصفتين بعدما أصبحت طبيبة، بل هكذا أنا منذ ابتليتُ بالحياة. بدأت بالتعرف على زميلتين تدرُسان البورد في تخصص مختلف عن تخصصي. قسمينا اللذين نعمل فيهما متجاورين. نتقابل أكثر من ثلاث مرات إن صدف واشتركنا في وقت المناوبة. قالت إحدى الزميلتين مرة بعد أن وبخها مشرفها على شيء لا أعرفه، أن الطبيب عندما يكون متدرباً في آخر سنة من الكلية يكون أكثر احترافاً من حالهِ عندما يصبح طالب بورد. لم أفهم أي احترافية تقصد. المهنيَّة ( المادية) ؟ أم الحسية؟ أتفق معها في الثانية إن كانت هي المعنية، فالمتدرب يكون يقظ الحواس و حريصاً على تطويرها أيضاً ليس لربح ثقة المشرف و الحصول على أعلى تقييم بل وحرصاً على المريض الذي يتعلق بقشة ولا يهتم في العادة برُتبة الطبيب الواقف على رأسه ليُملي عليه النصائح ما إذا كان متدرباً أم بروفيسور. يوجد وعي واهتمام بهذه المسألة مؤخراً، ألاحظ هذا في المستوصفات الصغيرة قبل المستشفيات الكبيرة. يسأل المريض أولاً عن اسم و رتبة الطبيب قبل أن يقرر هل سيدفع قيمة الكشفية عنده أم لا. لم اسأل الزميلة إيضاحاً لقولها مراعاة لغضبها من توبيخ المشرف لكنني أيضاً لم آخذ ما قالته على محمل كلام عابر سبيل. الإحتراف المهني يزيد عندما أعمل أثناء دراستي للبورد. لاحظت هذا بعد تجربتي الآنية التي ما زلت في بدايتها و ألمَس فرقاً في معلوماتي عن طرق تشخيص الأورام على سبيل المثال و تغيُر بعض قناعاتي عن تحاليل ال C.B.Cلبعض الحالات التي يمكن تشخيصها من تحليل زمرة الدم. هذا التطور ليس بديهياً نتيجة ازدياد الإطلاع والتعلم فحسب، بل هو تطور في الملاحظة السريرية نفسها. الملاحظة الذاتية التي يسوُقها الحدس و الانسجام مع ألم المريض لا المعتمدة على منهج التشخيص وآخر أخبار الأبحاث. الزميلة الأخرى طلبت مني المشاركة في نشرة تعريفية للطلاب المقيمين الراغبين في الحصول على البورد الكندي. لدي ملف أحتفظ فيه بفيديوات ومقالات عديدة تشرح طريقة القبول في إحدى جامعات كندا للحصول على البورد الكندي وقد استفدت منها واتبعتها عند تقدمي لإختبار MCCEE. أرسلت جميع محتويات ذلك الملف للزميلة فظنتني كسولة أريد مجاملتها ولا أريد العمل في النشاط. أعتقد أن مجرد تزويدك بمصادر تنفعك في عملك هو تعاون لا ينقص من قيمته أن المصدَر ليس من تأليفي. لست كسولة لكن هناك من شرحوا كل شيء أفضل مني و أرى مضيعة للوقت في إعادة ما شرحوه بل قد أقوم بكتابة شرح أقتبس فيه من مقالاتهم وكأنني أعيد صياغتها، فلمَ أفعل هذا؟ قلت لها أنني أفضِّل استهلاك الوقت في ترغيب الطلاب في مشاهدة هذه الشروحات بدلاً من إعادة كتابتها بطريقة أخرى. أو استهلاك الوقت في عقد ندوة مباشرة نعرض فيها تجربتنا في الإختبار والقبول في الجامعة و نعرض مقتطفات من المصادر التي أرفقتها ونحث الطلاب على مراجعتها لأفضل استفادة. ظنت هذه الزميلة أنني أتعالم عليها وقد أحزنني هذا الظن. جاءت الإجازة بعد ذلك اللقاء فلم أتحدث إليها مرة أخرى مطلقاً ولا أنوي التحدث عند عودتي إلى الدراسة. يسعدني طلب الآخرين المساعدة مني، يرهقني إصرارهم على تحقيق طلباتهم بطريقتهم فقط، رفضهم لطريقتي ما دامت المحصلة واحدة وهي حل المشكلة. لا أشعر بالرضا والارتياح حين أكون أنت، أو هي. أحياناً أنفذ لشخص ما يريد كما يريد لأن طريقته تعجبني أو تتوافق مع تفكيري في فعل الأمور. قد يظن شخص يعرفني جيداً أنني في طريقي إلى القول أني اكتشفت بأن العزلة هي نمط الحياة الأمثل للطبيب وذلك لأنني بدأت عزلة شرسة منذ بداية العام، لكن إن ظننتَ بي هذا فقد أخطأت. أحترم زميلاتي ولن أنحِّي نفسي عن التعامل معهم متى ما اقتضت المصلحة بحُكم العلاقة العملية وعزلتي مستمرة الاتسـام بخصالها دون أن ينقضها الإختلاط بالناس في الجامعة والمستشفى

قرأت رواية لبول أوستر عشقتها جداً بعنوان ليلة التنبؤ. طالب البورد ليس كائناً فضائياً من كوكب آخر، لكن لسبب أجهله أقول أن البطل في ليلة التنبؤ تحوَّل في وجداني إلى صديق تخصص ضليع و خبير! هواجس و تفاعلات صديقي هذا مع حالته بعد خروجه من المستشفى إثر انقضاء فترة علاج لم تكن مجدية _ نفس ما يحدث معي _ متناظرة بشكل مجنون مع تفاعلاتي تجاه الأشياء. في الشارع، كما فعل، وفي البيت و مع الورق و الكتابة و كل شيء. أنا متأكدة أن ليلة التنبؤ ستكون أجمل، أهم ما سأكون قد قرأته هذا العام. سأؤكد على هذا أو أنفِه في نهاية العام إن كان ركض الزمن بي سيمتد أحد عشرة شهراً. سأرفق هذا المقطع الذي كتبني بتطابق غريب، وهو ليس الوحيد الذي فعل بي هذا في الرواية:

la1la2

و هذا :

la3

لست بائسة لأنني أدرُس تخصصاً صعباً أصابني عدة مرات باليأس، بالأخص عندما كان يصيبني انهيار ضغط الدم واغماء قصير أثناء كتابة assignment يجب تسليمه في نفس اليوم. كما أنني لست مستمتعة لأنني أفعل شيئاً شخصياً أحبه. قد تكون مفردة أنا راضية أكثر دقة. أشعر بالرضا كلما أنجزت ولو سطراً ناجحاً في بحثي عن ميكانيكية عمل الدماغ الذي تحدثت عنه في الحلقة الأولى. في حياتي الرضا لا يعكس الإرتياح بالضرورة. إن كنت سأسأل نفسي بالعموم هل أنا شخص مستريح أم لا؟ قطعاً.. أنا معذَّبة. قل ما شئت عن تقمص دور الدراما أو التفليم. لم يعد الدفاع عن نفسي أمام استسخاف أحد ( عزيز) بأحزاني ذا معناً لي. لم يفقد إيضاح أنايَ لمن ينكرها أهميته فقط، بل فقد معناه أيضاً، أي أنه أصبح شيء في عداد الموجودات الملقاة في سلة المهملات. الصعود في العلم مريح بالطبع، برغم مصداقية ابن المتنبي حين قال: ذو العقل يشقى في النعيم بعقلهِ، لكن المرء ليسَ ما يتعلمه في الجامعات فقط. همومي الشخصية تؤثر دوماً على قدرتي في العطاء دراسياً. لم يكن الحال هكذا في أيام كلية الطب. نضجت وزاد التعب فضعُفَت القدرة و تبدد الكثير من الطاقة وما زال يتبدد كلما استطال البلاء.

من الأمور التي أرضتني عن نفسي في تجربتي الحية مع البورد هي تخطيطي له منذ السنة الرابعة في الكلية وانتقلت فوراً إلى مرحلة التنفيذ وجمع المتطلبات عندما أصبحت في ال internship. أنصح الجميع الذين لديهم طموح إكمال الدراسة بالتخطيط مبكراً لهذه التخصصات الصعبة. سيكون عذاباً أن تهرول للتسجيل في اختبار القبول وتجميع متطلبات قبول الجامعة و السفر في وقت قصير بعد التخرج. النتيجة غالباً ستكون إما التخبط أو الفشل لأن الصحة ستكون قد تأثرت و ساءت. لن تستطيع إجبار نفسك على التحول إلى سوبرمان وأنت مريض. حدث معي هذا عدة مرات لكن ليس نتيجة أنني تأخرت في الأخذ بالأسباب بل لأنني مريضة من الأساس. معادلات الشهادات وختمها من السفارة الكندية و الوزارة وختم ما يلزم من الجامعة وأحياناً من الكلية التي درست فيها إن كنت حاصلاً على البكالوريوس من الخارج كل هذه هي كتلة ضغط لا يتحرر سوى بالتبكير في الإنجاز. حصولي على قبول جامعة البرتا لدراسة البورد كان أسهل من حصولي على قبول كلية الطب في ليدز لدراسة البكالوريوس قبل أعوام لسببين: تخطيط وتنفيذ مبكر + ثورة تسهيلات التكنولوجيا الأكاديمية. أعيش أثر هذه التسهيلات في كل يوم دراسي الآن. عندما أمرض و أنام في الفراش لأيام أفاجأ بإيميلات من مشرفي يكلفني فيها بحل مهام على غرف مربوطة بنظام المستشفى وموقع الجامعة لكي لا أخسر كل شيء بسبب التأخر عدة مرات عن اللقاءات و المحاضرات والعمل. في نهاية الكورس الأول جاءت النتيجة مبهرة.. نجحت بدرجة أعلى من درجة بعض الزملاء الذين واظبوا على حضور كل اللقاءات ولم يتغيبوا عن العمل. السر كان في التهاون عن حل المهام التي وضعَت عليها درجات متدرجة قليلة فاتهم أنها تشكل نقلة نوعية للمعدل عند جمعها. كانت عشرة مهام مقسمة على أربعة أشهر. بعد هذه النتيجة من الظلم لنفسي أن أقول كنت راضية، أبداً.. لقد كنت سعيدة. و السعادة روح الرضا.

سأتحدث في الحلقة الثالثة إن شاء الله عن أول لقاء بمشرفي الكندي ذو الأصول الفرنسية الذي يحب الإسلام برغم تردده في الدخول إليه. كيف قمت بالتعريف عن نفسي أمامه؟ ما الأسئلة التي وجهها لي وما الطلبات التي طلب أن أنفذها أثناء اللقاء وماذا كان تقييمه لي.

هذه محاضرة للدكتور سعود الدبيان، يستفيد منها الطالب والمتخصص والطبيب معاً..له شكراً و تقديراً على موضوعيته فيها.