عندما تقرأ المرأة،

منذ مدة أخذت أطالع و أقرأ عن لوحات فنية من العصر الفيكتوري و أواخر القرن التاسع عشر و بدايات القرن العشرين حيث الثورة الصناعية الأولى في العالم و التي تبعتها ثورة في الفكر و الفن ..التجديد والحداثة أخذت قطباً صاخباً، و الحفاظ على أصالة حياة المجتمعات الكلاسيكية و ثقافتهم من خلال رصدها في الفن و الأدب. ركَّزت في مطالعتي على اللوحات التي كان موضوعها الكِتاب و القراءة لدى المرأة. كانت القراءة تسلية و تعلُّم و حضارة في الوقت نفسه، الناس فقيرهم و غنيّهم أوْلوا الكتاب قداسة لم تندثر حتى اليوم في بريطانيا و أمريكا.. الأرياف و القرى و المدن. بمختلف طبقات المجتمع و أفراده. هذه خمش لوحات أحببت الاحتفاظ بها في تدوينة لأنها أيقظت في ذاكرتي ذكريات قديمة و عديدة من طفولتي موضوعها المشترك هو تبجيل القراءة في الشدة و الرخاء.

 

1

1pn

لوحة “كتب محرمة” – للفنان الإنجليزي الكسندر مارك روسي 1897

تظهر في اللوحة سبع نساء إحداهن تراقب ما يفعلن من قراءة كتب كان ممنوع عليهن قراءتها. إذ كُن النساء في العصر الفكتوري ممنوعات من حقوق عديدة ضيقت على الموهوبات منهن الكتابة في الأدب بحرية. معاناة الكاتبات ظهرَت جلياً في تجربة الأخوات برونتي الروائية. في اللوحة يرصد الكسندر روسي شغف كل امرأة من النساء الست، أو كما أراهن..الفتيات، بكتاب تقرأ فيه. فيما تظهر الفتاتين في يسار اللوحة مستمعات و مستمتعات بما تقرأه الفتاتين على اليمين بصوت مسموع. تميزت اللوحة بواقعيتها الدقيقة، حيث الزي التقليدي للنساء البريطانيات في ذلك العصر و الستارة المزينة بنقوش فنية تغطي باب الغرفة بكامله مما يعطي انطباعاً عن سمة البيوت لبعض الطبقات المخملية و ما فوق الفقيرة المهتمة بالفن و الجَمال.

 

2

2pn

لوحة “ساعة تسلية ” – للفنانة الأمريكية اليزابيث نورس. 1860-1938 ، لقبها النقاد برسَّامة أمريكا الأولى.

يمكن القول عن اللوحة أنها الحياة في أمريكا كما تشاهدها النساء بعين الفن. شقيقتين من الطبقة الفقيرة، ترتديان ثوبين جميلين مما يعكس سمة التذوق الفني في المجتمع في القرن العشرين الذي رسمت فيه اللوحة. تتسلى الطفلة الصغيرة بالدمى الخشبية، بينما تأخذ الفتاة الكبيرة قسطاً من الراحة في كتاب. و يبدو من ملامح وجهها الانسجام في ما تقرأ. لم أجد تأريخاً محدداً للَّوحة. لكنها تفيض عذوبة و حباً للقراءة.

 

3

3pn

لوحة ” أخبار من سيفاستوبول” – للفنان الإنجليزي الفيكتوري تشارلز الثاني Charles West Cope – 1875 .

المأساوية تفضي إلى الوعي الإنساني في هذه اللوحات. في الحقيقة لم أعرف أوكرانيا في حياتي سوى كبلدٍ منكوب. لست أشعر بالشفقة على الشعب الأوكراني قدر ما أشعر باللوعة. أفكر كيف يقيِّم الشخص منهم أي لحظة فرح عابرة تحدث في حياته. هل يذعر منها؟ العقل يقول أن المرء مهما عاش مع المصائب يظل يذعر منها عند حدوثها و كأنها تقع لأول مرة. في اللوحة زوجة و أم . منخرطة في دراسة خريطة سيباستوبول المحاصرة وهي من مدن شبه جزيرة القرم. يظهر في اللوحة أنها استلمت رسالة تخبرها بقتل زوجها أو إصابته في الحرب، أو وقوعه أسيراً لدى المقاتلين الروس. طفلتها التي لا تفقه شيئاً تحزن عليها فتجفف لها دموعها و كأنها تحاول مواساتها. بينما تظهر الأم نفسها و هي تحاول التماسك و تجفيف دموعها من أجل ابنتها أو لأن الأمر وقع. يظهر في الحائط جزء من لوحة في رصد مؤثر لحياة الأوكرانيين البسطاء الذين لم تمنعهم معاناتهم من الحفاظ على الإحساس بالجَمال و الاحتياج إليه.

 

4

4pn

لوحة ” قراءة” للرسام الفرنسي هنري لاباسك من رواد الحركة الفنية مابعد الانطباعية. 1927

أعجبني في هذه اللوحة الانطباع المتقن الذي وصلني كما أراد الفنان. امرأة بكامل اناقتها تقرأ كتاباً في المنزل. وهذا كل شيء! بالإمكان أن أفهم بوضوح علاقة التقدير والاحترام التي يوليها القارئ للكتاب من خلال أناقته أثناء القراءة، طريقة جلوسه و مكان القراءة. ليس الجميع يفعل هذا لكن في العصور القديمة كان الناس حريصون بالفعل على احترام الوقت الذي يقرأون فيه.

 

5

5pn

لوحة ” بورتريه لفتاة ” ويليام تشارلز بن. 1921

 

هذه لوحة ملائكية. لست أقول أن جمال الطفلة لم يلعب دوراً في كمال اللوحة، لكن جمال الكتاب المتوافق طردياً مع بياض الثوب الحريري هو الدهشة و لهذا حفظت اسم هذا الفنان الذي لم اقرأ الكثير عن سيرته بعد.


205

1

الحياة حق من حقوق من جاؤوا إليها دون اختيارهم. لم تأخذ رأيي في أن أوجَد أو أبقى نطفة محتمية برحم أمي. الآن بعد أن رميتني في قلب الورطة. يحق لي البحث عن المكان الأفضل لنشر مواهبي في العبث و الجد معاً. أريزونا و مكسيكو كانت مع ولايات أخرى تنتمي سابقاً إلى المكسيك أي أن المهاجرين منها لم ينووا الهجرة بل الهرب من الفشل و كوارث الاغتصاب و المخدرات التي كانت تفتح لهم باباً متأخراً لاستدراك ما تبقى من فرص الحياة و البحث عن المال شرعياً و إن انطوى على شرط البقاء تحت خط الفقر. فيلم ” بدون اسم ” الذي يقص معاناة عائلة سايرا المهاجرة إلى أمريكا الشمالية هجرة غير شرعية لم تبالي بشيء سوى أن التصرف سيكون بعد الوصول و المهم الآن هو الفرار بما تبقى من عقل لم يُسحق في هندوريا..هو فيلم يمكنني استبدال خامات علاجي النفسية به. حشوة الأفكار البسيطة و الأساسية في حياة كل كائن حي قبل بالحياة بعد أن غصب عليها كافية و تزيد عن حاجة ما ينقصني عند التفكير في شيء مماثل : ” مكان أفضل للعيش” و إن كانوا يريدونه للمتعة أكثر، فأنا تقاطعت مع سايرا البسيطة في أنني أريد المكان الأفضل للأمان. هناك حيث لا تخشى الفتاة تشرداً عندما ينفذ مالها ولا تحمل هم البحث عن مورد مال يفعل أكثر قليلاً من مهمة الأكل و توفير الماء و مكالمة مهمة مرتين في الشهر. أعجبني كاسبر. تأثرت بطريقة استخدامه لضميره اللعوب. لا بأس ببعض العنف ، كلها أمور تدل أنه لم يمت بعد. كل شيء قابل للاستعادة إن لم تصله رائحة الموت. شاهدت هذا الفيلم المكسيكي بالصدفة و أنا أصارع للخروج من أزمة لا تقل خطورة عن أزمة سايرا. في الحقيقة كنت بحاجة إلى صديق مثل كاسبر! لكنني ابتليت بالواعظين و الحكماء أكثر مما يجب. عرفت فيما بعد أن الحكمة إشارة على الملل. قد لا يعني كل الحكماء المعاصرين هذا المعنى، لكنه متفشِ و منفر حتى أنه أصبح طريقة خاطئة لحل أي شيء. حتى الأمور التي تؤخذ بالروية لا بالهجرة و البحث عن حل في مكان أفضل لا في نفس القرية ولا على طاولة نفس المقهى في رأس الشارع المؤدي إلى البلدة. لن أقول تحسنت الأمور بعد مشاهدة الفيلم. على العكس.. عرفت ما الذي يجب أن يحدث و كيف لو أنني رأيت سايرا على الواقع سألحُّ عليها أن تخبرني بعض الأسرار عن حياتها الشخصية..من تقوم بدور الفتاة الضائعة و الحالمة المحبة بهذا الاحتراف و تترك ذلك التأثير في نفس أي فتاة قد تقول : مثلتني دون أن تشعرين.. لن تفعل هذا فجأة ، هناك دوماً بنية تحتية لكل شيء عظيم يحدث بالصدفة كما نظن، أي أنه لم يحدث صدفة .

2

العمر قصير، و الكتب الجميلة أكثر مما يحتمل العمر القصير. لا أعرف كيف سيمكنني قراءة كل الكتب التي اقتنيها و يطول بي الوقت لإيجاد فرصة عادلة أقرؤها فيها على مهل. لا يمكنني قراءة رسائل و خطابات أوسكار وايلد في السجن و أنا على متن طائرة أو في محطة قطار أو حتى قبل النوم في ليلة يتبعها يوم إجازة. الأمور لا تحدث هكذا في حياتي. كل هذه فراغات تُملأ عادةً بقصص لتشيخوف و بورخيس و مؤخراً نصوص جديدة لم اقرأها من قبل لجبران و توفيق الحكيم. أصبحت أقنن شراء الكتب ليس لأن مكتبتي ضاقت برفوفها بل لأن مالي قل! أتذكر الذين حسدوني عند تخرجي و توقعوا أن أصبح مليونيرة في غضون عامين بعد التوظيف! لا أستطيع إرسال كشف حساب ماليٍّ لهم لأخبرهم كم خابت توقعاتهم. إنهم غرباء تقريباً..لو كانوا من العائلة لاصطحبتهم معي إلى البنك ! لكنني كالمعتاد أستفيد من ضوائقي ولا أسمح لها بكتم أنفاسي أكثر مما يجب..أستسلم قليلاً لشحن قوتي لكنني لا أميتني طالما لم يرسل الله إليَّ زائر النهاية بعد. تعلمت من الضائقة أن التركيز على الأهم لا يظلم المهم بل يمنحه وقتاً أطول لإثبات أهميته ! أصبحت فجأة بلا سبب أهتم بتاريخ روما و فرنسا مكتوباً بأقلام معاصرين لا راحلين. شغفي مهم بالنسبة لي، لكنني لم اشترِ كتاباً تاريخياً عنهما بعد. من إحدى مكتبات لندن استعرت كتاباً عن روما قمت بتصويره و إعادته للمكتبة. قرأته الشهر الفائت. هو الكتاب الذي تعلو صورته هذه الفقرة. لمنتج البرامج الوثائقية و الناقد الأسترالي اللاذع روبرت هيوز. الناقد الذي كان معاصراً و منتقداً للفن التلفزيوني المعاصر حتى أغسطس الماضي من 2012، حيث توفي بعد مرض طويل في إحدى مستشفيات نيويورك و بجانبه زوجته و العديد من أقربائه. تحدث في كتابه عن ثقافة روما في القرن السابع و الثامن عشر و أكَّد أنها الهيكل لما تبعها من ثقافات محدثة و أخرى حافظَت على التجديد دون الإخلال بالتراث. ليس هذا الكتاب سياحياً ولا يشجع على السياحة ، كما أنه لا يحتوي دليلاً إلى أفضل الفنادق و الملاهي و الأسواق و المطاعم و المسارح. العبارة الأخيرة جزء من تعليق قارئ على الكتاب في موقع قودريدز..هو الذي جعلني أقرر قراءته وهو أول كتاب اطلع عليه لهيوز. لديه مؤلفات عظيمة كلها تصب في مصلحة الباحثين و الدارسين لا القراء العاديين. لم أستطع الانتهاء من قراءة روما أبداً. لكنني عرفت الكثير عن قوة الحكم البابوي في إرساء حضارة روما في منتصف القرن الثامن عشر والتي لم تنقرض حتى اليوم. يمكن القول أن الكاتب مهتم بركائز البلدان الدينية و السياسية. فعل الشيء نفسه في كتابه عن برشلونة و تاريخ الفن في أمريكا و أستراليا. لم اقرأ تلك الكتب بعد لكن قرأت مقالات دونَت مراجعات جادة عنها. هيوز يعتقد أن الدين و السياسة هي مولدات الثقافة ولا يمكن للمجتمع أن يبتكر ثقافته و فنه الخاص بمعزل عنها إذ أن الحكومة دوماً هي صاحبة اليد الطولى مهما زاد عدد الجماعة ( الشعب) .بدا لي هذا الاعتقاد طريفاً من حيث انتقدَه هو على جمهورية ايطاليا الحديثة.. فحضارة جديدة كهذه التي صنعَتها إيطاليا في تاريخها و حاضرها تشفع لما يُعتقد أنها تدخلت فيه و ضيقَت من حرية شعبها في تكوينه إن قارنّاها و لو على سبيل المزاج بتاريخ و حضارة دولة عربية. لا أقول أن الكتاب امتعني فهو ليس للإمتاع. لكنه جاد أكثر مما ينبغِ لقارئة ينهكها فضولها المفاجئ نحو أمور لم تتوقع أن تفكر في التعرف عليها من قبل!

اشتريت مؤخراً أربع كتب حلمت بقراءتها منذ مدة ..

نصوص أوسكار وايلد في السجن.

رواية مقبرة براغ لأمبرتو ايكو.

رواية 1Q84 موراكامي

و حياة هادية للروائي الياباني كينزابورو اوي.

و منذ صففتها أمامي و أنا أشعر باختناق! كأن أوكسجيناً مرئياً يمتصه أنبوبٌ كونيٌ خفي من صدري، أوكسجيناً مرئياً بصوت الساعة، بلون خط الزمن التنازلي. اللون الأزرق تحديداً.. لون البرودة، النهاية، الفناء و الخلاص في ترجمة شخصية أخرى!

الحياة أغرقتني بتفاصيل لا وُسع في حيلتي للحاق بها دون خذلان ولا نقصان. لا بد أن أتهيأ للفشل في حادثة ليتهيأ عزمي لا إرادياً للنجاح في حادثة أخرى! إنني أخشى أن تكون الحادثة التي أفشل فيها لعدم قدرتي على الإلمام بشأنها المتكئ كله على يدي، هي الحادثة التي صبرت كل هذه السنوات لأنجح فيها. سأبكي لو كانت القراءة هي الحادثة التي علي التخلي عنها.. لكنني لن أعض كل أصابع الندم، ربما اصبعين يؤديان الغرض و يؤلمانني بما فيه الكفاية! الأهم هو أن لا يفلت الحب و السلام من ذخيرتي الذهنية. لا شيء ينفعني و أنا قارئة إن لم أنفعه و أنا محبة و مسالِمة. أقبض على هاتين بقلبي لعِلمي كم أصبحَت صعبة المنال. أحياناً هي حتى صعبة المُنى. عندما يفتك بي الغضب و أقر على نفسي حقها في الثأر، يكون الحب و السلام أمنيات مرتعبة من أن تذكرني بها. أو كما شرح دوستويفسكي المسألة في رواية الشياطين.

 

3

لو أنني سأصف حالي الآن مثلاً، حالي و أنا أفكر في أشياء بعيدة كلياً عن التي أكتبها و كأنني شخصين غريبين عن بعضهما، سأقول شيئاً ثالثاً مختلفاً لا يعبر عن الحالتين ! كالقول أنني أشعر بتحولي إلى قمر صناعي يلتقط صوراً لإعصار قلب أحبه فارقني عنوة لأنه لم يستطع تحمل الصعوبة التي تكتنف ذهني و ذكرياتي عندما أكون معه، إعصار هذا القلب هو تردد ما بين الرحيل بسلام أو الرحيل بأذى! كلا الخيارين مر و كلاهما يعلم أنني لن أرده عنه. إنني فقط أستطيع التقاط صور لكل مراحل الإعصار من الأعلى فيبدو و كأنه مجرة حلزونية هائلة قريبة من خط ساحليٍّ لا تشرق عليه الشمس.

 

4

هذا كنز.. من لا يعشق صديقي العجوز وودي آلن عليه أن يذهب لتحميل أغاني أفلام مخرجه المفضل و يتركني أرقص و أعيد أمجاد أيام الراديو و مونت كارلو معه.

Take me !

ماذا يقول هزاع في عيد الحب؟

السلام عليكم..

أنا هزاع .. مساء الخير. ما عرفتك الله يخليك ؟!

– أهلاً مساء النور و يخليك ربي.. أنا عيد الحب !

اوه.. تشرفنا يا أستاذ.

– لا عفواً.. أنا مش أستاذ. أنا حالة تُدرس و أحياناً أكون سوطاً يَضرِس و كثيراً ما أكون طفلاً و إن دعوني بهجرَس !

أجيء يوماً كل سنة ، محملاً بالهدايا و القيود، في يدي اليمنى وردٌ أحمر، و في يدي اليسرى محارم من ورق. أنا ابتسامة و دمعة و قبلة و صفعة كف! أنا أسود و أبيض لا أتنكر ولا أتندر ولا أكف عن كتابة القصائد.

اوه.. تشرفنا. ممكن سؤال يا عيد الحب ؟

– تفضل ..

شكراً حبيبي. أيضرُّك لو قلت يا حبيبي ؟

– أبداً.. أنت تداعب لقبي لا أكثر. ما هو سؤالك ؟

لماذا كل هذه المتضادات و أنت الحب؟ أليس من الواقع أن يجتمع فيك النبل و الصفاء و رعشة عشاق؟

– ممممم.. ممممم..

عفواً يا سيد حب.. أنا أحب. هل تعرفني ؟

– لا.. حقيقة لأول مرة ألتقي بك.

إذاً دعني أعرفك على هويتي..

أنا كلمات كثيرة لحبيبتي. أنا أحبك و اموت فيك و اعشقك ، أنا بيبي و ” ليتل لولو” و الكبيدا.

أنا ابتساماتها و حروفها و مستند النص.

أنا الحقن و الذكريات و كتابها البكر. أنا حلمها و واقعها و صديقها المتأهب. أنا سندها و عزوتها و كبريائها. أنا هي و هي أنا وإن ملَّت من أنا كنتُ لها كلانا !

أنا المطر المنهمر بلا هوادة . أنا أغاني الفَراش و ألغاز الذئاب و مياسم الزهر. أنا متاهة فيكتورية ذات جدران زهرية. أنا ضحكة الطفل الصادقة. أنا الولد الذي تعلَّم من حبيبته كل شيء جميل. أنا الذي كنتُ خالياً منقطع الخيال و مكسور الهمة إلا منها.

لو تدقق في ملامحي ستعرفني.. هل تذكرني؟

أنا ذلك الولد الذي أنفق سبع سنوات في الحب. كانت بدايته عفوية و تسارعت لإدمان. و مضينا الآن في طريقٍ وعر يتسابق كل منا لبسط جسده لحبيبه !

تخيل أنني لا أريد أن يتضرر كاحلها الإيسر المتضرر من وقوفها الطويل في غرف العمليات !

أنا أحب بعد أن علمتني الساعات في حضورها رعشات هدب خجول. و أن الأيام معها تمضي بسرعة بساط علاء الدين ! أحبها لأنها إنسانة تتمتع بمواصفات الإنسان الحقيقي. هل تعرف أحداً الآن أخلاقه مثل أخلاق الإنسان الحقيقي؟!

( وجه عيد الحب متصلب لا ينبس بردة فعل! )

لأجل ذلك لا أرى فيك حاجة. ولا أرى أنك مخول أن تأتي كل سنة محمل بالأصفاد و الورود ! و أيضاً لا أرى أنك في المكان الصحيح. و في الحقيقة لا الأرض أرضك ولا الزمان زمانك.

و قبل أن تذهب يا صديقي.. لدي سؤال أخير.. ممكن ؟

– تفضل ( وجه عبوس)

هل ستأتي إلينا السنة المقبلة ؟

– نعم بالتأكيد! (وجه مسيطر)

ممم إذن علي أن أخبرك بأنني في مثل هذا اليوم من السنة القادمة إن شاء الله ستكون حبيبتي في حضني و أنا أغني لها (  ياللي ما حبيت عمري إلا منك ) فلا تزعجنا بتذكيرنا بأننا نحب !

– نص: هزاع

Long..Long..Long

 

لولا البيتلز لم أكن لأعترف أن الروك فناً. حتى في أسوأ أمزجتي أنا عدوة الصخب لكنني لا أمانع الإيقاع السريع. لذلك تصحبني ماريا كاري عندما أرغب بوضع اسمي و نفسي على ال hold .تعرفت على البيتلز و تاريخهم في 2006 عندما بدأت بالانسجام مع الإنجليز في ليدز و اصطحبنني زميلاتي إلى متاجر اسطوانات الموسيقى و الأفلام لتعريفي على تراث جيل الشباب الذي امتد معهم حتى شاخوا..و لم يعنون بذلك أقوى أو أكثر شعبية من البيتلز. كنت استمع إلى اسطواناتهم مجاملة لزميلاتي و بعدما قرأت كثيراً عن سيرة جون لينون و جورج هاريسون أعدت الاستماع إلى بعض الاسطوانات مثل The White Album و هو ألبومي المفضل للبيتلز بسبب فطيرة التفاح : Mother Netrure’s Son, Don’t Pass me by, Good Night. كنت أعاود سماع أغنياتهم و أركّز معهم محاولة الحصول على جواب سؤال عملاق : بمَ كانوا يفكرون و هم يغنون هذه الكلمات الصارخة؟ أستطيع أن أمنح لوناً لكل أغنية لهم..لذلك أطلقت على أغانيهم صفة ” فاقعة, ملطخة” أيضاً. بالطبع ليس كل إنتاج البيلتز قابل للاستماع. في أرشيفهم أغانٍ كثيرة لا يستمع إليها سوى الثمل و من كان تحت تأثير المخدرات. سبب محبتي الرئيسي بعد ذلك للبيتلز كان كلمات أغانيهم. كما لو كنت تتحدث معهم صدفة و أنت تعرف أنهم غرباء لكنك تشعر أنهم أصدقاؤك منذ زمن طويل؛ فصول أربعة في كلمات الأغاني تشفع لغير هواة الروك مثلي كي يحشروا اسم الفرقة في دفتر مذكرات لا يبور على الطاولة بجانب الوسادة و إن انتهت صفحاته. تناسيت سيلين ديون “صوتي الملائكي المفضّل” لمدة و صرت أجمع ألبومات البيتلز و استمع إليها كما لو كنت سأحضّر فيها رسالة دكتوراه. عشر أغنيات وضعتها نغمة لهاتفي كانت تبقى الواحدة منها شهر أو يزيد حتى أبدلها بأخرى من قديم جون لينون..هو بالطبع عضوي المفضل من الفرقة..مع ضرورة عدم إغفال عبقرية رينقو الذي لعب دوراً محورياً في نجاحها إيقاعاً. الأمس أو Yesterday هي أجمل ما استمعت إليه للبيتلز. هذا ذوقي الخاص بالطبع. لا أنكر مكانة I Feel Fine في قلبي. كانت زميلتي في كلية الطب حتى وقت قريب قبل تخرّجي عندما أتعب تقول لي بتفاؤل حميم say i’m fine then you’ll be fine ! فأضحك و أدندن لها : she’s happy as can be.. you know she said so..i’m in love with her and i feel fine .. و دوماً تكمل هي غناء الأغنية حتى تدمع عينها عند ” هي صغيرتي she’s my little girl ” لأنها تتذكر طفلتها البعيدة عنها لبعض أسباب. أنظر لثقافة البيتلز كبرنامج توعية عاطفية و وطنية.لم أشاهد لهم استعراضاً وقحاً على المسرح. و كان دوماً جون لينون أداءً بمثابة وتر أول في جيتار الفرقة. قيل من مبغضي الروك أن أغانيهم تبعث في الأذن مثل نمنمة مراهقين يتعاركون بملاعق الطبخ و قطع غيار السيارات.. لكن لهم عشاق تعرفت عليهم أثناء دراسة الطب يعبرون عن إنجازات الفرقة في تاريخ الموسيقى كعصاً سحرية قفزَت بالعالَم إلى واقع جميل بلا تجميل. أغاني البيتلز لم تجمّل واقعاً انجليزياً ولا امريكياً قبيح. إنها هوية جمال مستقلة.. كأن تقول مثلاً أسمع أصواتاً مزعجة في المساء و عند منتصف الليل أسمع أغنية لبيتلز. في يوم ميلادي ب2010 أهدتني زميلتي البوم Let it be و قد كنت استمعت إليه من الانترنت. لكنها قدمته لي هدية في اسطوانة وقعت عليها و طلبَت أن أكتب تعبيراً على البوستر بما أني استمعت إلى أغاني الألبوم من قبل. فكتبت ” يمكن للعالم أن يكون عند فتاة معجبة بالكلام الجيد وهوَ مُغنّى.. بيتلز”. يوم أمس دخلت إلى فيسبوك زميلتي فوجدتها تكتب في خانة الاقتباس بالعربي رغم أنها انجليزية : تقول أشعار : يمكن للعالم أن يكون عند فتاة معجبة بالكلام الجيد و هو مغنّى.. بيتلز “. فوضعت على حائطها امتنان و أغنية Lovely Rita . كنت أرتب اليوم مفضلة الموسيقى في ذاكرتي الخارجية و عندما ظهرت أمامي ألبومات البيتلز شعرت كما لو أنني كنت مدمنة قديمة تتوق الآن لمذكراتها أيام الإدمان..فتحت ألبوم منوعات بيتلز جمعت فيه اغنياتهم المفضلة من كل البوم استمعت اليه وبالمناسبة لم أستمع إلى كل البوماتهم. ضغطت على تشغيل الكل و طبعت صورة الفرقة لوضعها على قميص أهديه لزميلتي و أحتفظ بواحد آخر لنفسي ارتديه عند عودتي للندن..سيكون زييّ الرسمي في لقاءاتي مع كاتي, زميلتي التي لا أعرفها جيداً رغم تلك السنين لكنني أحب أنها سفيرة مجهولة للبيتلز مثلت ثقافتهم كما لو أن الفرقة رحبانيّة لا بيتلز ! و سأقوم في إجازتي القصيرة غداً بتنزيل ما لم أستمع إليه من البوماتهم بعد. ثم ماذا عن أغنية الأمس ؟ أحببت ربطها بفيلم Social Network الذي استخدم أصلاً أغنية Baby..you’re a rech man و أفلام عديدة لديفيد فينشر تبعث أجواءً تحرض على استبدال ال soundtracks بأغنيات بيتلز متجانسة معها في الكلمات. في الحقيقة لم تعني لي ألحان الروك شيئاً يذكر فهي تقريباً ترنّم عشوائي لتليين الكلام و بعث الزينة في الرسائل بشكل يفهمه الشارع و يرقص عليه ! خاصةً أن نشوء الروك كان إبان عصر مدجج بالحرب و نغمات الرصاص و قصائد الثأر و الموت. أذُني الآن مسروقة. البيتلز لصة محترَمة! تعيد إلى المسروقات أيامها الجميلة بعد أن دار عليها الغم.

 

http://youtu.be/5oXPgZjm6Uk