الحلقة الأولى: مذكرات طالبة بورد

di

مرحبا، في 2012 كنت أكتب مثل هذه المذكرات بعنوان آخر هو مذكرات طالبة طب. اليوم لا زلت طالبة طب لكن الطب كالأقمار، منازل و نجوم تمدها بالنور. مررت _ ولا زلت_ بظروف كارثية قاتلة في السنوات الأربع الأخيرة. كنت كمن تستشهد وتكمل الحياة بالروح فقط، لم أشعر بجسدي في أيام كثيرة. أتمشى في الحياة بجسد معتل و روح تتأرجح كل يوم ما بين الحياة والموت. هذا قدر الله لي. زاد على هذا كوارث كان مصدرها البشر. عندما يختصر عليك شخص واحد كل الناس و تضع لديه كل ممتلكاتك من الثقة والحب والعطاء و الأمان ويمتصها منك رويداً رويداً حتى آخرك ثم يقص بغتة حبلاً سُريَّاً قويَ بينكما و يتركك تنزلق بسرعة الضوء من على حافة العالَم إلى الهاوية بكامل وعيه المُدرِك ماذا يوجد في الأسفل من زواحف و قوارض و عراء لكنه يصمم أنه يبحث عن الأفضل له ولن يتراجع، تعرف وقتذاك أن الكارثة أكبر من أن يتم التحدث عنها لأن في الحياة خسائر تعز على الكلام بعد أن هانت على الحب. لقد جربت طرقاً كثيرة لتناسي الأمور القاتلة و السلوى عنها بنعَم الله الأخرى لكن كانت النتيجة في كل مرة مؤقتة، محددة بساعات، في أقوى لحظات الإرادة تطول إلى أقل من أسبوع. ثم تخونني العزيمة. بدأت هذا العام بعدة مشاريع صغيرة ذات أثر محبوب على نفسي و وضعتها فوراً قيد التنفيذ برغم أن جسدي بدأ العام بتدهور لم يتوقف فيه نزف الدم منذ أحد عشرة يوماً سوى بالأمس. مع الكثير من الجفاف الذي لا أشعر بالتحسن منه بعد شرب كميات كبيرة من الماء و أكل الكثير من البرتقال و الأناناس و الخضار الغنية بالسوائل. لكن خيار الإستسلام لهذه الآلام قيل لي من حكيمات العائلة الكبار أنه يؤثمني لأنه يأس من الحياة التي وهبني إياها الله. لذلك أنا أتحرك وأفعل بعض الأمور المنتِجة بقلبي الصابر وجسمي العليل.

هذه مرحلة جديدة من الدراسة. سأبدأ بعد أيام أول دروسي في بورد طب وجراحة الأورام و أمراض الدم (Hematology/Oncology ) طلب مني بحث أقوم منذ ثلاثة أشهر بعمله و وضعت خطة زمنية للانتهاء منه في جون القادم إن شاء الله. أكثر الأمور التي أمتن لها في حياتي الدراسية منذ دراستي للطب هي الأبحاث. الطب لا يمنح مجالاً واسعاً لقراءة ما تختاره أنت من كتب علمية فالأساتذة يفرضون علينا كتباً و مراجع ننجز بها واجباتنا و نفهم بواسطتها مقرراتنا لكن عندما يطلبون بحثاً عن موضوع أو قضية طبية ساخنة ( أي مطروحة على خط النقاش في الوقت الآني) نشعر أن الأمر يستحق احتفالاً! البحث يفتح لك باباً مكتوباً على أعلاه أهلاً بك إلى عالَم المعرفة الذاتية. تختار مراجعك بنفسك وتقرأ ما تريد مقابل شرط واحد هو أن تكون خلاصاتك من هذه القراءات مكتوبة وفق ما يريد المشرف على بحثك لتنجح. في السنة الأولى في كلية الطب لم يُطلب منا سوى بحث واحد في مادة الكيمياء الحيوية الطبية كان عبارة عن أسباب و خلفيات تسمية بعض المصطلحات الطبية بأسمائها العلمية المعتمدة. بحماسة طالب الطب المستجد قرأت طواعية في شهرين فقط سبعة كتب طبية اثنان منها كانوا عبارة عن قواميس مبسطة تشرح المصطلحات. لا يُمكن أن أنسى مُخرجات تلك القراءة التي انعكست على بحثي العظيم! أولها حصولي على الدرجة الكاملة فيه و تعليق اسمي على لوحة شرف الحائط في قسمنا و حصولي على شهادة تقدير رمزية من أستاذي نظير ذلك البحث فقط وليس نظير نجاحي في المادة. ثانيها استفادتي من عملية التعلم الذاتي التي اكتسبتها من تلك القراءات فلم يغب عن بالي طوال القراءة أنني اقرأ من أجل إتمام بحثي أولاً، ربما إن تحدثنا بمثالية سنقول أنه كان يجب ان اقرأ لأجل المعرفة أولاً لكنني واقعية وفي ذلك الوقت كان يهمني أن أكتب بحثي باختيار شخصي حر للمراجع من كتب و مواقع. كنت لا أستخدم الإنترنت كثيراً لأغراض علمية في تلك الأيام. هذا الكلام كان في 2007 ، لم تكن المصادر العلمية مفتوحة بشروط قليلة كما هي ثورة العلم المجاني الحر للطلاب من متخصصين و قراء عموماً كما اليوم. كنت أجد في الدخول إلى مكتبة جامعة ليدز متعةً و هيبة يطيب لي إعطاءها حقها من عدم الخروج منها إلا وقد اكتسبت معلومة لنفسي ثم لدراستي الصعبة. في سنة ثانية طب كان لتلك الكتب السبعة الفضل بعد الله في تفوقي في ثلاث مواد من أصل سبعة كانت تضع _ أي المواد الثلاثة_ نسبة 60% من درجة النجاح الكلية على واجبات تتطلب الحل من موارد خارج مقرر المادة. هذه قصة و سر حبي للأبحاث وقد وجدت بعد ذلك من يشاركوني نفس الأسباب في حبهم و استمرارهم في كتابة الأبحاث حتى عندما يكونون متوقفين عن الدراسة.

بعض المشرفين كالمشرف على بحثي الجديد، يتعمدون إضفاء نبرة تخويف و ليست تهييب، في شرحهم لموضوع و متطلبات و أهداف البحث الذي يطلبونه من الطالب. يعتقدون أنها طريقة جيدة لجعل الطلب يأخذ الأمر بجدية و حذر شديدين. أتخذ لهم عذراً في وسط يعج بالباحثين الوهميين و الأبحاث المزيفة التي يتم شراؤها أو تتم كتابتها بواسطة شركات أو حتى تتم سرقتها من أبحاث أخرى تمت في جامعات غير مشهورة ظانين أنه لن يتم اكتشاف أمرهم. هؤلاء المشرفين لا يعلمون أن ما يفعلونه طرافة لبعض الطلاب الشغوفين بكتابة الأبحاث ولم أحاول أن أشرح لمشرفي خطأه في تخويفي من كتابة بحثي الخطير كما يسميه لأنه عن ميكانيكية عمل الدماغ لإنتاج التفكير و إعطاء الأوامر و الذي يستوجب مني وضع فرضيتين أقوم بإثباتها أو نفيها في البحث من خلال الدراسة و التجربة و الإحصاء و جمع نظريات لباحثين سابقين و الخروج بنتائج مثبتة في المعمل و الورقة معاً. قمت بشراء كتابين قرأت أحدهما و بصدد قراءة الآخر الذي من اطلاعي على مقدمته فقط تحفزت لقراءة ثلاثة كتب أخرى كنت أضعها منذ ثلاثة أعوام في قائمة الكتب التي أود قراءتها! عنوان الكتاب: . The Future of the Mind: The Scientific Quest to Understand, Enhance, and Empower the Mind Reprint Edition

حسناً، إلى هذا السطر لم أكتب بعد شيئاً عن مذكراتي كطالبة بورد. إنها الحلقة الأولى فقط. عادةً ما تكون الحلقة الأولى من أي موضوع مقدمة لما سيأتي بعد. أنا أبغض المقدمات، لكنني غارقة فيها لأنني أعيش في وسط يدَّعي كذباً أن العفوية والبساطة هي أساس جاذبية المتحدث وأنك لا تحتاج إلى مقدمات لقول شيء فمن يحبك و يهتم بك لن تشكل له مقدمتك فرقاً فهو لن يفهمك بشكل خاطئ ولن يسيء الظن بك و من يريد أن يصطاد عليك الخطأ سيفعل حتى وإن قلت العديد من المقدمات حرصاً على أن يفهم ما ستقول. قد لا يكون لهذه النقطة علاقة بهذه الحلقات فهي ليست موجهة إلى حبيب أو صديق. أولئك يعيشون معي حياتي فلا يحتاجون إلى قراءة مذكراتي. لكنني تذكرت ما قلته بمناسبة الإتيان على سيرة المقدمة التي كتبتها دون تخطيط ولا سابق نية لكي أحرض/ أحفز نفسي على الإستمرار في هذا المشروع الذي فكرت فيه وقررت و نفذته فوراً في هذه الساعة التي أكتب فيها! عالَم دراسة الطب جميل و سر جماله في أنه خالٍ من التخيل! الطب يعلمك كيف تعيش واقعية وجود الأمراض المزمنة و المستعصية و الخطرة و الطارئة و تقاتلها طوال الوقت من خلال المهنة و الدراسة دون جمود ولا نزوح إلى المادية التي لا تعترف بما هو غير موجود. الروح و المادة رفيقتين في الطب. إن بحثت في عقلية أي طبيب ناجح في العالم، ستجد أنه مؤمن و يعمل ويعيش وفق هذه الحقيقة التي يرفضها أطباء آخرون لم يستطيعوا أن يكونوا بنفس نجاح الفئة الأولى من زملائهم. كتاب مستقبل الدماغ يشرح هذه الحقيقة دون تسميتها حرفياً ب : دائرة الروح والمادة المتكاملة ( كما أسميها أنا، أي أنك لن تجد هذه التسمية في مرجع علمي معتمد) ربما يكون تحويل حياة الطبيب الذي يكمل دراسته وجه من وجوه فاعلية الروح في الطب. إذ أنه حتى الطابعة ثلاثية الأبعاد التي بدأت صناعة بعض الأعضاء البشرية بها اليوم لا يُمكن لها أن تعمل دون إدارة الإنسان الطبيب المتخصص في معرفة كل شيء عن العضو الذي ستتم طباعته. و عندما لا يوجد في العالم مريض يعبِّر بأي شكل من الأشكال عن آلامه. سيقل و يختفي تدريجياً عدد الأطباء الذين تساعدهم طريقة تعبير المريض عن آلامه في تشخيص المرض بدقة. كل هذه تفاصيل روحية لا يمكن للطب أن يستقيم في ظل الاستغناء عنها كما تخطط التكنولوجيا التي ينسى عبقريّوها أيضاً أنها لن تستطيع إنجاز شيء باحترافية دون عملية الإحساس / الشعور بالقضية التي تعمل من أجلها.

يطيب لي أن أختم الحلقة الأولى بشيئين :

  • شكراً أبدياً لمعلمي و قدوتي و طبيبي الدكتور طارق البلوي، على الدعم، على الود، على صلاح الرفقة الخالية من الأخطاء والجروح و من كل شوائب النفوس التي تشوب العلاقات الإنسانية الأخرى، شكراً بعدد أيام سبع سنوات هي عمر علاقتي بك أيها النجم الذي يضئ ولا يؤذي نوره أحداً.
  • ما الذي يميز البشر؟ هذا الفيديو يرافقني كلما وقعت بين أفكاك اليأس و الغضب والحزن وباقي دزينة المشاعر السلبية التي لها أسبابها وحوادثها القوية في حياتي. و بسببه أعرف قيمة أبسط الأشياء التي أفعلها لأكون بحالٍ أفضل. كفِعل كتابة مذكرات طالبة بورد مثلا.. مشاهدة ممتعة :

218

goldfish_swimming_aquarium_round_water_reflection_white_background_free_download-1 (1)

و نسيت أنها مدونات أشخاص أحب ما يكتبون. مررت عليها اليوم من مفضلتي أنا، لا من مفضلة مدونة أخرى. لم أتذكر من هو “حاسة رمادية” و من هي “هدوء عابر” ومن هو “تغريبات” ؟! من محتوى التدوينات الأخيرة في مدوناتهم عرفت أن هذه امرأة و ذاك رجل، لكن لم أتذكر من يكونوا. لقد أصبحت أنسى بإفراط. وألاحظ أن ذاكرتي لا تتخلى إلا عن الذكريات التي كانت تريحني، و تمتعني. أما الذكريات الشريرة. فكلما ظننت ريحاً باردة نجحت في إطفاء نارها ذكَّرني لفح النهار أنها ما زالت حية تتناسل في روحي أنا وحدي. وجدَت في روحي مكانها الآمن الذي تعرف أن لا بديل عنه. لكنها مع ذلك تأكل مني ما طاب لها أن تأكل. و أتألم أنا بلا جدوى. لن أبعث لأحد لأسأله من يكون. حتماً لن أفعل شيئاً غبياً كهذا. إنها تداعيات الوحدة كما يبدو. إذ أن بها من الخبث ما هو موجود في كل بشر، لكنه يتفاعل عندما تطيب النفس للسكون الذي يعم الغرفة و يغزو العقل كالنمل أو القمل لا فرق! نعم هذا رأيي في هذا السكون العارم. إذ هو الوجه السيء للهدوء. لو كان الطقس هادئاً لطُربت له. أما السكون فهو فيروس . يشبه ذلك الذي في الغرف العازلة للأصوات الخارجية والتي تم تسجيل حالات جنون و فزع لمن جربوا المكوث فيها لدقائق. فقط دقائق و كان هناك من فقد عقله فعلياً. يهيأ لك أنك تسمع صوت الشيطان تحت الأرض وهو يضحك على أحب الناس إلى قلبك لأنه نجح في إيقاعه في خطيئة، و صوت الأموات وهم يستنجدون ببعضهم البعض كي يشفع أحدهم للآخر ويخرجون جزء من ثانية إلى عالمنا فيصلِحون خطأً أودى بهم إلى الجحيم. السكون يفعل أكثر من هذا. ستسمع صوت غناء و عويل و تفتح أزهار و هطول مطر و ركض أناس ماتوا ينادونك من الغرفة المجاورة وكل هذا لم يحدث لكنك تسمعه وتوقن أنك لا تتهيأ..لكنك تتهيأ. فكرت أن نسياني هوية كتَّاب المدونات التي زرتها هو محض تهيؤ بفعل السكون الذي كان يعمُّني أثناء التصفح. لكن انسياب عزف كلود دابيوسي الخفيض الذي كنت استمع إليه من قبل تصفح المدونات أعاد إلي بعض توازني و التأكد من أن الوضع كان هدوءاً لا سكون. تعتريني رغبة في التخلص من شيء جوهري. أي شيء. أخشى أن يكون أنت يا عبيد. لكن لا. بالطبع لن أترنح إلى هذا الحد. لكنني في هذه المرحلة من الإرتياح لفكرة ضرورة التخلي عن الأشياء التي أظنها مهمة وتكون قيمتي العددية و الأدبية لديها صفر غير قابل لأي نوع من العمليات، ولا النظريات. لقد حدث هذا. للتو خرجت من أتُون تلخصه العبارة السابقة بالضبط. بلا زيادة ولا نقصان. شيء مهم، أنا تعاملت معه بقدر هذه الأهمية التي اعتقدتها. شيء تبدو التفاهة أجلُّ منه، هو تعامل معي بقدر هذه الصفريَّة التي اعتقدها فيّْ. البشر يا عبيد يتغيرون بسرعة شديدة، أسرع من الآلة الحاسبة في إظهار ناتج أطول مسألة حسابية خلال جزء من الثانية. يكفي أن تجرحهم مرة واحدة فقط ليتخلصوا منك كما تخلص ذلك المزدوج السفاح في الفيلم الصربي من حارسه الشخصي و أطفاله بلا تردد. بلا خوف من أن يكون ما يفعله جنون ، كان بكامل قواه العقلية والنفسية. حتى في المصحة لم يستطيع أعظم طبيب على مستوى البلاد أن يثبت إصابته باختلال. كان متأكداً من أنه على حق. تخلص من الجميع لأنه متأكد أنهم لا يستحقون البقاء في حياته التي يريدها مريحة من كل صوت و من كل شخص يفعل أشياء تغضبه. أريد أن أتذكر اسم الفلم لكنك لن تكون سعيداً به. ربما أنت من ستفكر جدياً في التخلص مني بعده. خرجت منه بكل شيء هاوٍ للسواد لكن وجدت نقطة بيضاء واحدة، أن الجميع هكذا. مريح أن تفقد ثقتك بالجميع. أنا أفعل هذا الآن. لا أثق بمخلوق، عدا قطِّي و ببغاء الجيران الذي يحييني ب ” هلا با الوردة” مقلداً ربة البيت وهي تناديني من الشباك في مساءات الإجازات الموسمية؟ لا أحد. الفكرة مريحة. تخيل أن تثق بي و تربي ثقتك لسنوات وأفعل ما يزيدها رسوخاً ثم فجأة أسحب الكرسي الذي كنت جالساً عليه قبالتي كل تلك الأعوام و أدعُك تهوي إلى المجهول؟ حيث لا أحد تستطيع أن تستأمنه على شيء تبقى لديك كما استأمنتني؟ حيث لا أحد يمكن أن تعطيه كل ممتلكاتك وأنت تعرف أنها ستزرع نجوماً تضيء فضائيكما كما أعطيتني؟ خطفتُ أشياءك و سحبتُ مقعدك بلا هوادة و شاهدتك تسقط و سحبتُ غطائي على وجهي و نمت ثم جاء الصباح فذهبتُ لشراء قهوتي الإيطالية بكامل أناقتي و غنيت ما طرأ على بالي من أغاني نوال الكويتية التي تغني لضحايا الصحاري الأغبياء. أحاول تخمين ما ينبغي أن أقوله اليوم لمن سيضعهم القدر في طريقي وأنا ذاهبة إلى السوق. البائع، المرأة التي ستسألني عن مكان الحمام في المول. الطفل الأفغاني الذي سيتوسلني لأشتري مجموعة المناشف و علبة العلك التي سيتم ضربه وحرمانه من الطعام إن عاد بها لوليِّ نعمته السافل، سائق الليموزين الذي سيتذمر عندما يعرف أن بيتي داخل الحارة التي يقع فيها النادي وليس خلف النادي كما سأقول له عندما يقف ليسألني عن وجهة المشوار.. عندما أفكر هكذا أجد عدداً باهراً من الكلمات التي من الذوق قولها لكن أتبخر أمام هؤلاء و أقول أشياء أخرى تجعلهم يستغربون أو يغضبون. لم أكن أفعل هذا. مؤخراً حدثت هذه التغيرات لأنني أرى شخصية مناقضة في كل من يقف أمامي. لا أثني على نفسي وأنا أصف شكل فقدان الثقة هذا الذي تملَّكني. ولا أحاول أن أستسلم له. تنتهي الأمور دوماً مع هؤلاء العابرين على ما يرام برغم ظني أنها تنتهي هكذا لأنهم اعتقدوني مجنونة أو متوحدة أو شيء ما. لكنني بدأت مشروع البقاء لوحدي كي أستعيد ما يمكن استعادته من السلام الذاتي إن كان هناك بواقي منه تساقطت يوماً من قلبي في إحدى زوايا التنازلات ولا يمكنني التراجع عن هذا المشروع الآن. لا أحب الأشياء المبتورة من المنتصف. ليس سيئاً الاهتمام بتربية نقطة قوة حتى النهاية. من القوة الحميدة إكمال أشياء اتفق عليها جميع العقلاء والمجانين، كجدوى البقاء لوحدك بعيداً عن ضوضاء العالم الموحش، هذا ما يحدث. أشعر بالوحشة معهم. لا أعرف من تكون، ربما أنت شيء آخر، أكثر سوءً أو حُسْناً. لا أعرف، ليس الوقت المناسب لأعرف. كتبت كل هذه الأسطر لأقول أنني اليوم بسببك امتلكت اختياراً لتربية سمَكة ذهبية. سأبحث عن محل يبيعها في أقرب وقت وأقتنيها. و عند ذلك سأقول ما يحدث، ولن يكون سوى أشياء جميلة. هكذا قررت.

1-1

009090

في البيت، المستشفى، الجامعة، الجمعية، العزائم..كان هناك أشخاص عزيزون عديدون يحييونني بمرحبا، أو هلا. عن الأشخاص الذين بيني وبينهم علاقة اجتماعية و عملية أتحدث. كنت كثيراً أرد على التحية بمثلها وأردفها بتعليق أو سؤال متعجلة لمعرفة شيء ما تذكرته حالما رأيتهم. عندما راجعت دفتر مذكرات العام الذي انصرم منذ دقائق بشرِّه الغالب على خيره غُلباً مذموما، شدتني تعليقاتي في التحيات الصباحية والمسائية بطرافتها وغرابتها و انفعالاتها و تفاهتها أحياناً، أو ربما ببساطتها كما تقول صديقتي التي ترفض صفة التفاهة على شيء مكتوب في دفتر مذكرات. تقول أنه حتى لو كان علامة استفهام، فلها قيمتها لأن المدون لم يكتبها إلا وقد عنَت له شيئاً في لحظة التوثيق. لسبب لا أهتم بالتفكير فيه، جمعت خمسون عبارة قلتها في تلك التحيات، آملة أن يُزهر بعض الياسمين.

1- مرحبا..

  • مرحبا، أنا كنت طلبت رواية سلالة حقت باتريك موديانو. جبتوها ولا لسه؟

2- مرحبا..

  • هلا روضة، بسرعة طلعي النوت اكتب لك الملاحظات قبل ما ننشغل وننسى.

3- مرحبا..

  • مرحبا، يا سلام ايش دا كلو، ماعرفتك.. حلو تعملي سندريللا. بس ترى هنا مافي أمير يخطفك. كلهم ابو سروال وفنيلة.

4- سلام..

  • مو رايحة العزيمة مهما تحاول. لا تضيع وقتك روح احلِق أوفَر لك.

5- مرحبا..

  • هلا سستر.. كتبتي الاندورسمنت والاّ اتعوّد امشّي شفتاتي شوربة ؟!

6- اهلين دكتورة..

  • مريض غرفة 214 مشتكي عشرين مرة! ومحد دق لي بيجر يبلغني. ورايا اشوف ايش هبّبتوا .

7- مرحبا..

  • عزيزتي النيرسز كاتبين لي اندورزمنت سلق بيض. حالاتي أنا كاتبتلها ريبورتات خاصة عندي واعرف امشّي حالي بيها بس د.فهد ما يمشي الوضع عنده كده. لو تكرمتي يتصلح الوضع من الشفت الجي لا تجيبولي الكلام.

8- مرحبا دكتورة،

  • هلا دكتور. بشرني ايش صار على الطالبات مع الإنستركتور؟ كانوا حيرسلولي اللي عملوا مشكلة معاها بس شوفة عينك عدد حالاتي أكثر من استيعاب الشفت.

9- ألو سلام عليكم،

  • وعليكم السلام. دقيقة اعطي البسَة لبنت الجيران واقفة عند الباب. بأرجع ادق عليك.

10- مرحبا،

  • مرحبتين. ترى أنا نايمة، مع السلامة.

11- معاك آرامكس مرحبا،

  • ايوة، رسلت لكم على تويتر مارديتو ممكن أعرف الشحنة وصلت ولاّ لا؟ ترى بعد كل هالتأخير ماراح ادفع قيمتها لو جبتوها بعدين.

12- ألو تسمعيني؟

  • لا مو سامعة ولو سامعة برضو مو سامعة.

13- ألو مين؟

  • أنا دكتورة جيت اضربك إبرة عشان ماما قالت عزوز مايسمع الكلام.

14- مرحبا،

  • هلا، بالله شيّكي ايميلك بسرعة.. رسلت لك البوربوينت مرة حلو شوفيه واعطيني رأيك عشان حقدّمه بكرة مع كامل القلق والإرتباك!

15- مساء الخير،

  • مساء النور. دقيقة ابغى اقرا لك قصيدة المباني شوفي تنفع أرسلها إهداء ولا استحي على دمي واخليني مع كتاب الفسيولوجي أصرَف؟!

16- مساء الخير،

  • مساء النور وما ابغى اعلق على شي قبل ما تعتمدي الميتنق. أو اعطيني صلاحية اسويه بس ماراح ينحط على الإعلان غير اسمك.

17- مساء الخير،

  • اهلين. جي ولاّ رايح؟!

18- مرحبا،

  • مرحبتين. انتو كلكم بخير؟

19- مرحبا دكتورة .. رسلت لك على الواتس اب.

  • اهلين عزيزتي. ما انتبهت للمسج بس عارفة موضوعك. شيكي بعد ساعتين على ايميلك بأرسل لك نوتس اقرئيها واتوكلي على الله و روحي مقابلتك وقلبك مطمن.

20- سلام عليكم..

  • وعليكم السلام أستاذة منال. كملت مع القروب تغليف 100 كرتون بشريني إنها حتترسل للناس اليوم.

21- ايوة دكتورة سلام عليكم..

  • وعليكم السلام اهلين خديجة. عزيزتي أنا مو مؤهلة أحل مشاكل الإنتيرن بس المستشفى قابلة للتأقلم وأنا عكسك ما ارتحت لما اشتغلت في مستشفى (……..) على حسب نفسيتك وطريقة تفكيرك لو قبلتي بكلامي إن المشاكل الإدارية هنا أقل بكثير من هناك.

22- مرحبا،

  • مرحبتين. ترى رديت على المكالمة عشان أسمع و بس. ماعندي كلام.

23- مرحبا،

هلا. قبل ما تبدئي. من فين جبتي الرقم؟ يا تجاوبي فضلاً أو أقفل مع احترامي.

24- هلا بالزين،

  • اهلين حبيبتي. تعالي اوريكي هديتك قبل ما يوصلوا الضيوف.. عشان لا يغارون منك!

25- صباح الخير دكتورة،

  • صباح النور. ميتنق بليز. خلال نص ساعة احتاجكم كاملين في الغرفة و نبهي ع الكل السبيكنق حيكون انقلش عشان د.آدم حيتواجد معانا.

26- صباح الخير.. كوفي؟

  • صباح النور. لا..قهوة : )

27- يسعد صباحك دكتورة،

  • وصباحك دكتورة. سلامات .. سمعت انك تعبتي شوية أمس، وكنتِ مريضة متمردة زي ما قالوا : )

28- صباح الخير..

  • صباح النور أستاذ. بليز الله يسعدك أستاذ طلع تقييمي؟ ما حأعرف أكمل الدوام اليوم بدون ما اطمن على الدرجة.

29- سلام عليكم أبلة،

  • هلا بالبطلة. فين صاحباتك؟ كلميهم بسرعة واعزميهم في غرفتك. جبت لكم هدايا وأشياء تحبوها عشان كلكم شاطرين واتعافيتوا الحمد لله.

30- مساء الحب يا الناجحة،

  • مساء الورد يا المتفوقة. يعني دحين خلاص كم يوم وناخذ البورد؟ ويعطونا شهادة مربوطة بفيونكة وكده؟ ولاّ خلاص هرمنا على حركات البكالوريوس؟!

31- مرحبا، طمنيني على صحتك .

  • ادعي لي. ما ابغى غير يوقف النزيف. بتحمَّل ألم الورم بس احتاج أصلِّي. احتاج اسجد لربِّي. ادعي لي اترحم من الدم و الباقي مقدور عليه.

32- هاااااااااااي يا حلوة..!

  • اوه، ألف شكر يا الأحلى والأجمل..مدام جايبتلي كل هالكتب الجميلة أكيد أصير حلوة. الكتب مكياج نفسيتي فكل المناسبات.

33- اهلين يا الطيب الغالي..

  • عزيزة يا خالتي والله و شوفتك غنوة .

35- مرحبا دكتورة. تعالي بليز لل rehabilitation. دكتور صلاح ماجا و الطلاب مو عارفين كيف يبدأوا.

  • أنا كمان ما أعرف الانستركشن بالترتيب هنا. بس بسأل دكتورة فاطمة كانت متدربة هنا. يصير أجهز لهم ورقة كتالوج كاملة لكل شي لازم يسووه واتابع معاهم الين يخلصوا. قولي لهم يستريحوا ساعة بس و وصي الكافتريا تجهز لهم فطور حسب طلبهم ولا يدفعوا شي.. أنا عازمتهم.

36- سلام .. كيفك اختي،

  • هلا بالغايب الحاضر. ريحتك نعناع. رحت المدينة وما نسيت طبعاً تسلِّم لي على الرسول. صح؟

37- هاي لولي، خلصتي مذاكرة؟

  • خلصت وراجعت وخلصت و راجعت الين نسيت ايش المادة أصلا.

38- مرحبا عزيزتي أشعار، ممكن تنصحيني بثلاث مدونات صالحة للقراءة في كل وقت؟

أهلا. أنا مو مؤهلة لإعطاء نصائح. بس هذه المدونات خاصة و محبوبة وأصحابها يشبهوني وأشبههم في أمور رئيسية كوَّنَت شخصياتنا لذلك اقرأها باستمرار حتى لو مافيها تحديثات, وما قد حسيت بالملل:

http://prom2000.blogspot.com/

https://24nj.wordpress.com/

https://ahmedalhokail.wordpress.com/

39- صباح الخير، ممكن أتكلم كثير؟

  • صباح النور. ما دام الموضوع في رسالة. أنا منصتة جيدة. لكن لطفاً لا تطالبني برَد سريع.

40- سلام عليكم، دكتورة ممكن تقرين هذه التحليل وتدليني على علاج مفعوله مايطول؟

  • وعليكم السلام. فيه عندك حساسية في الدم. لازم تراجع أخصائي عشان يشخص سببها وعلى أساسها يحدد العلاج الصح. التشخيص عن بعد عمره ما كان دقيق. أعتذر أنا ما أعطي استشارات ولا أعالج عن بعد.

41- مرحبا،

  • هلا.. ادخلي واجلسي ساكتة المباراة بدأت ومو من مصلحتك تستفزيني ترى.

42- مرحبا..كيفك الحين بشري عسى اتحسنتي؟

  • الكيماوي ما يجيب العافية يا فاطمة. الكيماوي يحرق. يحرِق العافية و بس.

43- مساء الخيييييييييييير.. مفاجأة صح؟

  • نصر و ذهب و فوقهم باقة ورد و العشا سليق؟! كيف ما اتفاجأ واتفاءل و كل شي. يا مساء الجَمال.

44- مرحبا أشعار، أنا مصرة أشوف اليوم فيلم على ذوقك. لا ترديني.

45- صباح الخير، وكل عام وانتي بخير..

  • وانت بخير. وهذا هو اللي يهم.

46- صباح الخير،

  • بليز بعدين بألحق الاوبريشن.

47- سلام دكتورة. رايقة ما شاءالله مع انه اون كول.

  • اهلين. وانتي يا لطيف مرة مبوزة. مدري ليه الشغل يتعسكم! أون كول يعني تسمعي دعوات طيبة أكثر من اللي تسمعيها في الشفت. مو رايقة قد ما أنا متشوقة أريح المرضى واسمع دعوات طيبة احتاجها.

48- صباح الخير،

  • يسعد صباحك يا اخويه. وحشتني والله وعمرك طويل. أمس اتعلمت المعدوس عشانك. يقولوا بكرة حتمطِّر. تعال انت والبنات اتغدو عندي واسوي لكم أحلى معدوس.

49- أهلا تعالي احنا هنا يا النفسية. (!)

  • لو الدكتور نفسية فهذا عشان متحملكم وساكت عشان واجبه يسمع ويتحمل ويسكت يعني مفروض تسووله تمثال مو تتمسخروا عليه وتقولوا نمزح!

50- مرحبا دكتورة. اتفضلي هذا تقويم معاه معلومات وحكَم بعدد أيام السنة.

  • الله.. هذا تقويم من زمن الطيبين. ألف شكر يا عم سلمان.

*يا ليل بعض اللي مضى منك يكفي

Processed with VSCOcam with hb2 preset

لا أعرف كيف سأكتب هذه التدوينة. توقفت عن التفكير في الكتابة منذ أسابيع. كل الذي انتويته عندما جربت فتح الصفحة الآن هو أن لا أتحدث عن سوء ألمَّ بي. لا شيء. ازدادت دكنة هذا العام عن الذي قبله، زرع في قلبي قنبلة صامتة وفجرها فجأة وهو بكامل أناقته فهوَيت مثل أبراج التجارة، ثم انتهت أهمية العالم عندي. انتهت بلا رجعة، ابتلعها ثقبي الأسود ولا أعرف أين مكانها الآن.. أهمية العالم أقصد. العالَم الذي هو الناس، العالَم الذي هو المبادئ و المفردات فاسدة الصلاحية كمفردة نقاء و وفاء وباقي السلالة. لن أكتب عن السوء. حتى لو تمَّم السواد نفسه و تضاءل حجم النقطة البيضاء في منتصف الفراغ يجب أن يكون تجاهله عند تسجيل الأشياء التي نريد العودة لاستذكارها بعد سنوات نوع من التعايش معه. التجاهل تعايُش. لا يبدو هذا يسيراً سوى بالكلام. لكن متى كانت الحياة مطواعة في يدي؟ عندما قال سمير أنه لا يريد أن يصبح وزيراً بعد كل سنوات خبرته الناجحة في العمل و مناصبه المرموقة وثقة كل مسؤول قابله فيه و سعيه أخيراً لتتويج كفاح السنين بشهادة جامعية، قال أن الجزاء الذي يريده هو فقط قيمة تذكرتَي سفر في السنة، قال أن هذا كفاية، لأن الحياة متعة. أعجبتني قناعته. لا يفكر هكذا سوى الذين عرفوا أن ما يقول عنه المغفلون مثلي “أهمية حياة” كذب ابتكرته أمانينا البكر في التجارب. (الأهمية): كذب متطاوَل مثل كذب وصفات فاتن خورشيد المعتمدة على بول الإبل وقتل الأرواح وهي جريمة لا يجرؤ عليها سوى من نجح في قتل مراكز الحس المزروعة في جسمه أولاً. الأهمية هي كذب ليس في جعبته كلمة حياء، مثل كذب جهاز ألفا ستيم الذي جنى طارق الحبيب عشرات الألوف من بيعه وهماً على المرضى المتعلقين بالأمل كشيء يمنحهم..أهمية حياة. كنتُ معلقة في عربة ضيقة مثل عربة قطار الموت التي جربتها في ملاهي الشلال بجدة قبل عشر سنوات وعند توقفها بي دقيقة في الأعلى..كما ينص قانون اللعبة، لبث الرعب في القلب قبل أن تهوي بسرعة دائرية إلى الأسفل، اكتشفت أن الحياة بلا قيمة. فعلٌ واحد يدمرها عن أقصاها. هذا ما حدث بعد تلك التجربة بسنوات، حيث بفعلٍ واحد أسداني إياه أحد أوهام الحياة، هويتُ بأفقية لا ميلان فيها إلى حيث تنتهي تماماً أهمية الحياة. خوفنا من الموت هو ما أكسبها الأهمية. قررت أن الموت هو رحلة ستحدث يوماً عندما أنتهي من جمع قيمة التذكرة. فلا مبرر للخوف. لا مبرر لإعطاء شيء أي أهمية. ولا انتظار. عندما تكون كل الأمور خاطئة بدءاً من الإحساس الذي يؤطر أصل بشريتنا، فلن يكون امتداد الطريق سوى ..عكس سير مفضٍ إلى الجزء الفارغ من الروح، لا من الكوب المكسور، ولا من قصعة اللبن المسكوب. لن أكتب عن الألم، المرض، الغدر، الظلم ثم الظلم و أيضاً الظلم. لا أريد العودة إلى هذه السطور بعد سنوات واسترجاع هذه الأوبئة. أعرف أن هذه طرفة. لن أكون هنا بعد سنوات. لكن من يعرف ما الذي قد يحل بقريني؟ قد يعيش طويلاً و يزور كل أماكني و ممتلكاتي و يرفع أدواتي إلى أنفه ليشم رائحتي فيصمد على ما سيلاقيه من سوء. كل شيء معتم وبلا مخرج، أخذت أدور وأدور طوال هذه الزوايا المفضية دوما إلى الشارع حيث لا أحد ينتظرني أو يتبعني. هكذا قال صديقي المكسيكي أوكتافيو باث وهو الذي اعتاد أن يكتب الأشياء التي لا أعرف كيف أقولها. إلا أنني أحب الشارع، لا ألتفت كثيراً في الشارع لأرى إن كان هناك من ينظر لي أو يحاول مناداتي. تجاوزت مرحلة الرغبة في وجود ظل يتبعني، تجاوزت النظر إلى ظلي الذي يسبق خطوتي..موجود أم رحل مثل من رحلوا؟ ليس مهماً. من حق كل شيء الحصول على عطلة. بل الحصول على نهاية خدمة عندما يشعر أن اعتزال المشي هو الحل الوحيد لشيء لم يُحَل بواسطة رجل حبيب، أو امرأة طيبة. ها هو الصبح يطلع. يلقِ عليَّ التحية. في الصبح يطيب لي أن ألعن الشر، لأنني أحن إلى الخير.

قرأت في هذا العام قليلاً، و تأثرت كثيراً. مشروعي القرائي كان قراءة يوليسس بالإنجليزية. وقد نجحت. أتممت قراءتها في عشرة أشهر. كافأت نفسي بشراء مجموعة صور كثيرة جداً لتزيين دفاتر المذكرات و أجندات التنظيم. يوليسس أعادت إلى ذاكرتي سؤالاً أدبياً عن سبب قراءة القارئ العربي المسلم للأدب اليهودي. أهو من باب الإطلاع وأخذ الحيطة من العدو أم لأن الأدب ليس به مكان لللاعتبارات الدينية والعرقية أم من باب الإعجاب الخفي باليهودية؟ بعد قراءة يوليسس الذي عزز جويس من خلالها يهوديته المقدسة أعرف عن نفسي فقط أن هذه الرواية التي صنفت في مختلف محافل الآداب من أفضل مئة رواية عالمية خالدة واجبٌ قراءتها للتعرف على كيف يُكتب الأدب. كنت أبتسم بسخرية في بعض المقاطع التي أشعرتني أن جويس غبي بعض الشيء في تصديق ادعاءات اليهودية المحرَّفة، لن تجد لها أصلاً في كتاب يهودي مقدس، لا التوراة ولا التلمود ولا الأسفار. لكن احترمت في هذا العمل ما دفعني إليه من قراءة أعمال عظيمة قام جويس بالإحالة إليها و استخدامها كتوثيقات في أغلب فصول الرواية. كنت قد قرأت أوديسة هوميروس قبل سنوات. بالعربية، لم أستطع مؤخراً قراءتها بالإنجليزية. عدت إلى نسختي العربية وقرأتها لأستطيع إتمام قراءة يوليسس. اطلعت أيضاً على التوراة إلا أن حماستي لديني غلبَتني فلم أتمم قراءتها بالأخص مع يقيني أن ما سأجده محرف فيه أكثر من الذي لم يمسه التحريف و التأليف. أما دبلن نفسها والتي أعجَز وأنجَز جويس في وصفها و التغزل بتضاريسها وقمرها ومقاهيها، فأعرفها منذ درَست الطب في مدينة ليدز. زيارتي مرة وحيدة وقصيرة لإيرلندا من أجل دبلن كانت من أجمل ما حققته من أحلام بعد زيارة لندن وبرايتون. الصعوبة التي وجدتها في قراءة يوليسس كانت لغوية أكثر من كونها معلوماتية. فهذه الرواية لا يمكن أن تقرأها لتستمتع أو لتقول أنك قضيت وقتاً مسلياً. استيقظ الجزء الشرير في نفسي عندما كنت أصل إلى مقاطع صعبة الفهم تحيلني إلى كتب و مقالات لأفهمها، الجزء الشرير قال لي ليتني أختبر ثقافة قراء أسميها ثقافة البيض المسلوق و أطرح عليهم أسئلة من وحي الرواية لأكشف كذبهم. كنت أتراجع لأن قراءة كتب متخمة بالتاريخ والتراث و الجغرافيا و الفن كرواية يوليسس تسمو بالروح عن واقع الثقافة الموبوء. الصعوبة اللغوية في الرواية كانت استخدام جويس لصيَغ و أمثال وتعبيرات فلوكلورية إنجليزية وفرنسية لا أعرفها. فكنت آخذ مقاطع عشوائية من الرواية و أضعها في قوقل بحثاً عن معناها فأجد منها عبارات مُدرجة في قواميس الأمثال الإنجليزية الشائعة في زمن جويس. بعضها مات اليوم إلا لدى أهل الأدب و المكتبات في بريطانيا. أفكر أن لا أخطط لمشروع قرائي في العام المقبل. بدَت لي رواية يوليسس ملحمة لكل السنوات. ربما أحتاج إلى الفكاك من تأثيرها على جوعي الأدبي فقد أشبعَته حتى فاضت و أواجه الآن مشكلة تحديد عمل يوازي أهميتها و إعجازها الأدبي لا التاريخي، لكي اقرأه. لا يمكن للمرء أن يحب اليهودية بعد قراءة يوليسس. على العكس ستشعر أن الإسلام رحيم لأنه ليس مستغلق على المنطق كاليهودية. عند قراءة التوراة ستفهم هذا الاستغلاق المثير للسخرية و الإستياء في بعض التعاليم و الأحكام. لكن في يوم 16 يونيو من هذا العام، توقفت للبحث عن فعاليات المسارح و دور الثقافة والأندية الأدبية في إيرلندا و لندن ببريطانيا لأعرف ما المواضيع التي سيناقشها الأدبيون بمناسبة يوم بلومز العائد إلى ليوبولد بلومز، الذي يرمز بشكل مباشر بلا مواربة في الرواية إلى شخصية يوليسس نفسه. أي أن بائع الإعلانات اليهودي الملول من روتين الحياة والباحث عن شيء خارج عن المألوف هو نفسه يوليسس. يحيي الإيرلندييون وبعض الإنجليزيون في السادس عشر من يونيو ذكرى أحداث رواية يوليسس التي جرت في نفس التوقيت. وجدت دبلن مظلومة وعظيمة. لديها تقدير لجويس يصيبك بالرهبة. بالطبع لولا اتفاقهم معه في الدفاع عن اليهودية لنقصت حماسة مسرحياتهم وقراءاتهم المبهورة بالرواية. أتفق مع أحد النقاد الإيرلنديين الذي جزم أن جويس وفيرجينيا وولف هم بوابة الأدب الحداثي ولا يمكنك أن تقرأ أدباً حداثياً لغيرهما و الجزم بأنه مستقل عن طريقة جويس وولف في تقنيات الكتابة. ارتبط تيار الوعي بالحداثة أما عندي فقد ارتبط أيضاً بالأدب التعليمي، لا الترفيهي أو المسلي كأدب همنقواي و مورافيا مثلاً. أجل، رواية السأم بكل فظاعتها يمكن أن تكون للترفيه عن النفس، لكن ليست أي نفس، بل النفس الحالمة التي ترفض الواقع بصفته شيئاً موجود وتتورط في الوهم بصفته شيء تستحق الحصول عليه. هذا الفيلم مدته ساعتين، يلخص الرواية للمتعجلين،

توثيق لأهم كتب قرأتها في 2015

أكثرها أهمية: يوليسس

كتاب مؤثر: موسيقى سوداء و قصص أخرى – وليم فوكنر

كتاب علمني أشياءً غير متوقعة: فيزياء المستحيل- ميشيو كاكو

كتاب جيد لن أعيد قراءته: رواية الطابور- فلاديمير سوروكين

رواية طيّبة: الأرض الطيبة – بيرل بوك

كتاب كوميدي جميل: ثلاثة رجال في قارب وثلاثة رجال على البوميل – جيروم جيروم

كتاب أجهدني ولم أندم على قراءته: The Luminaries

كتاب قلت ” أحبك” بعد قراءته: ليتوما في جبال الإنديز- يوسـا

كتاب رسائل عظيمة: رسائل حنة ارندت ومارتين هيدغر – إصدار دار جداول

كتاب سيرة ذاتية لا تُنسى: مع الشيخ الأكبر ابن عربي. حوار متخيل: عصام محفوظ

خطط 2016

  • أتجاهل. ليس من الضروري أن تكون الخطة عبارة عن شرح طويل لشيء ما. لذلك، خطتي التي أرشدتني إليها كوارث هذه السنة الشخصية، هي أن أتجاهل. أو بالإنجليزية السهلة الممتنعة Stop caring. لقد توقفت عن منح الأهمية لأي شيء لا يستطيع أن يكون معي، عاجز عن الشعور بي. أو كما قيل..لم أعد مع أي شيء أو ضده. لم يكن إثبات دناءة الآخرين يرضيني يوماً، لن أستخدم هذه الطريقة لإرضاء نفسي بعد كل تدمير أحدثوه بكامل قساوتهم، بكامل سعادتهم. وصلت إلى لحظة أعادتني إلى نفسي التي كنت أعيشها بارتياح قبل عشر سنوات. لقد كنت وحيدة تماماً. بكل ما تعنيه الكلمة من تعريفات قالها الأدباء والفنانون كل على طريقته، كنت أشعر ملياً بحُب الله لي. حماني عندما أبعد عني المؤذين وحوَّطني بجدتي الرؤوم، أطهر النساء اللاتي كن على قيد الحياة حين كانت معي. اليوم عدت وحيدة تماماً. بدون جدتي. بدون أمي وأبي، لكنني بالله. وهذا أعظم جِوار. كل شيء بعد الوصول إلى هذه اللحظة يجب أن يُختصر بالتجاهل. هذه أول خطة في العام الجديد و أكثرها أهمية. هذا قتالي الجديد وأسعى لجعله الدائم. حتى يثبُت كالوتد في إرادتي.
  • أساور كثيرة، كثيرة.. من الخيوط والقواقع و حبات اللؤلؤ و الأحجار الملونة. ستكون هذه صنعتي. إحياء لما كنت أفعله بحُب لا يُبارى في عطلة الصف الثالث المتوسط.
  • سفر إلى بلاد دافئة.
  • دورات في مواضيع منوعة. تعاونت مع معهد بيرلز و سأتعاون مع قسم الأنشطة في الجامعة والمستشفى. الدورات تصنع لك حياة جديدة. فائدتها مضاعفة، إذ أن نتائجها في النهاية مكانها ملف السيرة العلمية لا دفتر المذكرات أو صندوق الذكريات في المنزل.
  • نوم دافئ و طويل.
  • التداوي بالطب البديل، بعد أن قضت جرعات العلاج الكيميائي على مناعتي وكرياتي الدفاعية.
  • حمل دفتر مذكرات بحجم أكبر من دفتر النوتة الصغير الذي أحمله دوماً في حقيبتي. الوحدة تجعلني ثرثارة، لن يكون لكلامي نهاية، على الورق. سأبدأ بتجربة تحويل الثرثرة إلى سكيتش نوتز في دفتر التدوين. وعندما أتوق إلى أن أكتب كما يعترك الكلام في صدري، سأكتبه و أقلب الصفحة تلو الصفحة بلا وجل، فقط سأحرص أن يكون حجم الدفتر متوسطاً، فدفاتر التدوين الصغيرة أضحَت لكتابة مقاضي السوق و أرقام المعارف الجدد، هذه التي لن يكون لها مكان في حقيبتي في العام الجديد.

رسالة وداع إلى 2015:

ما تبادلنا العطا. علَّمتني إن الوااااجـِد ممكن يكون ولا شي، ولا شوي. وانا ودي اعلمك قبل ما تطوي عتادك بشي: اسقيتني كذبة إني حبيبك وباقي احبابك، ثم أنكرتني وكان عيبك نكران أحبابك، وصار حسنك إنك بتسِري وانا مو من باقة احبابك. بالنتيجة يا الخطا: ” ماهو حبيبي مورد القلب حتفه، ولاهو حبيبي..يفرح بوقت ضعفي”.

أن تندم على الحب كمن يندم على قمرٍ في ليل بهيم

ظننتك لن تكون نادماً على الحب ندماً يدفعك إلى التخلص منه بكل قوتك و إمكاناتك. فالحبيب هو الوحيد الذي كنت تستطيع استدعاءه فجراً لتخبره عن منغصات سهرتك مع أصدقائك. وهو الوحيد الذي كان يتلقى ضرباتك بصلابة و يطلب منك المزيد بدلاً من أن تضرب من تسبب لك في الغضب وتخسر كثيراً ، وهو الوحيد الذي كان يقول للعمل “طز” كي لا تشعر بالوحدة والملل ، وهو الوحيد الذي لم يفعل كما فعل كل العالم فلم يكرهك ولم يشعر بالنفور منك ولا استنقاصك ولا التفكير بسوء في نيتك ولا جزء من الثانية عندما كنت تطلب منه مالاً بل كان يتوسل إليك أن تطلب منه المزيد كي يراك سعيداً خفيف الظّهر عالي الهامة أمام الحشود في مجلسك العامر بالولائم والبخور، وهو الوحيد الذي كانت تزيد مبالاته بمشاكلك كلما زادت لا مبالاتك بمشاكله، وهو الوحيد الذي كنت تستطيع السخرية منه و عليه بلا أدنى خوف من ردة فعله لأنك موقن أنه يحبك أكثر من محبتك لنفسك ثم نفسك ثم نفسك، وهو الوحيد الذي كان يدعو الله دون انقطاع في سفرك منذ تقلع وحتى تعود وتنام على فراشك ليحفظك من السوء والعثرات أكثر مما دعت لك والدتك التي لم تكن تعرف أحيانا أنك على متن الطائرة، وهو الوحيد الذي كان يأخذ الدواء المؤلم أكثر من ألم المرض نفسه، لأجلك، لكي يكون لائقاً بحضرة وسامتك وجاذبيتك التي جدت على كل الآخرين بها و عضَلتها عنه كفيروس تخشى أن يصيبك بالعدوى، وهو الوحيد الذي كنت تستطيع التمادي معه في كل تقلباتك و تضع رأسك في آخر الليل أو أول الصباح على كتفه دون تأسف على مافات، وهو الوحيد الذي لم يكن ينام ولا يأكل وأنت خارج البيت في اجتماعٍ هام أو اختبار حاسم في الجامعة ويقف خلف باب الطوارئ منتظراً خروجك ليشعر بعد الإطمئنان عليك أنه شبع من الطعام و النوم فيذهب ليشاهد فيلماً أو يقوم بواجب عائلي وهو بكامل الرضا و الإبتسام، وهو الوحيد الذي رأى الحب هو المنطق من حيث رأيته أنت العبَث، فلولا اندمار الحب لما فتكت الحروب بالعالم ولما انفجر عدد الشهداء الأبرياء من نساء و شيوخ وأطفال بلا انقطاع منذ اندلعت الكراهية والجهل و الأحقاد حتى أثناء كتابتي هذه إليك وإلى ما شاء الشيطان لهم أن يمتدوا، ولولا اندمار الحب لما أصبح المدّعون إدمان القراءة كالحمار يحمل أسفارا، ولولا اندمار الحب لما تركتني كما يترك رجل بدين قطة في الخارج ويغلق دونها الباب لا شيء، سوى لأن وقت التسلية معها قد انتهى وحان وقت الجد و قضاء الحياة مع الذين ليسوا الحبيب، لكنهم القريب الذي لم يفعل شيئاً ولم يحمل خاصية من خواص الحبيب ، وهو الوحيد الذي كنت تتعرى من ذاتك معه فتتحرر، الذات التي تلبسها طوقاً من حديد ساخن عندما تكون مع الأقربين. وهو الوحيد الذي مثل أمك، أحبك كما يحب المرء الجنة، وهو الوحيد الذي مثل أعداءك ، كافحت للتخلص منه.

أتعرف من هو الحبيب الذي ظننتك لن تكون نادماً على الحب الذي قضيته بضع أعوام معه؟ إنه الذي أخطأ في حق جلالتك مرة واحدة بلا شعور وجلد نفسه بعدها كل يوم بكل أسواط العالم التي يحتفظ بها الضمير في الخزانة السرية وهو نفسه الذي دهسته أنت بكامل شعورك ، و وضعته بأناقة مايكل كورليوني بعد أصبح زعيماً، على رصيف الحياة لا يعرف إلى أين يتجه ولا يذكُر الطريق إلى نفسه، وهو الطريق الأهم من الطريق إلى البيت.

بدون عنوان

tumblr_nt99but1db1qcf52xo1_540

و أفسح الطريق في قلبي لهذا الفراغ الحاسم. أعرف أنني هذه الأيام أتحرر، لكنني أرى موتاً لا تراه. لا يهمك..لا يعنيك بغصن ريحان ولا بأريج زهرة. لم يكن يعنيك من كل هذه الرحلة الدهرية سوى أنها تشعرك بالخطيئة. أكنت تريد أن تكون رصاصة الرحمة التي أطلقتها بحرفيَّة على منتصف القلب قاضيةً حقاً أم أردتها فزاعة تقف على أكتافها الغربان متغذية على الدم المسكوب تحت القميص؟ لست أشعر أن وعيي ملتبس، بل أعرف هذا. أعيش التباس الصدق بالكذب و الحقيقة بالخيال والحب بالتسفيه مثلما يتآكل المقهور في مستشفى المجانين تحت حمض التباس ظلم ذوي القربى بعدل البعيدين. الحقيقة الوحيدة غير الملتبسة هي أنك لست ذي قربى، ولهذا تتجلى الغمامة رويداً رويداً عن وجعي لتكشف لي أن أحداً في هذا السفر لم يجرم في حق نفسه كما فعلت بنفسي و ظننت أن في الانمساخ إلى الروح التي أحببتها خير. لم أفعل باطلاً معك.لقد كان كل شيء هو أني أحبك جداً. وها أنت.. تضحك جداً، بين اقربائك الغالين عليك في ملحق بيتكم، أو إحدى الاستراحات. تنام نصف اليوم و تقضي نصفه الآخر تلبي أنانيتكم في الاحتكار الشامل للوقت، لأنك كريم زدتهم احتكاراً للقلب. فلم تكن مرة في الجوار، إلا بعد أن يزعجك صوت القطة و تعلقها بطرف ثوبك كي تمسح على رأسها قليلاً وتعود إلى الداخل تمرح كما يمرح أحمد وباقي الرفاق، رفاقك. أيها البعيد.. لا كبُعد النجوم، فها أنت تثبت ملء قوتك أنك لست نجماً، بل كبُعد الإنسان عن إنسانه. وهل بعد خلع الحُب الذي ظن الإنسان أنه تميز به عن البهائم بُعداً مهدوراً بلا سراج ولا محطة بنزين؟

منذ أحببتك وأنا أحارب. حاربت كل شيء غالٍ و رخيص، تعاركت حتى مع طواحين الهواء لأحميك مما يثير جيوبك الأنفية كي لا يداهمك الصداع. تحولتُ إلى النسخة النسائية من دون كيخوته و في خضم الحرب توجهت إلى نفسي وتعاركت زمناً طويلاً وقاسياً معها، ثم حدث أن هزمت نفسي. أنا هزمتني، وأنت على صفوف المتفرجين تصفق و تجاملني عند الذهاب إلى البيت بفكرة إنقاذ لم تنفَّذ قط. هزيمة ثانية، لكنها ماحقة.

لطالما كانت قسوتي كقسوة قطط، بيضاء كلون أشيائي التي سمعَت أحاديث حبنا و استهزاءاتك اللامنتهية بي. أشيائي البيضاء التي شهدَت على ما كنتُه معك وما حدث لي دوماً بسببك. ما كان يحدث لي دوماً بعد خصاماتك،وما كان يحدث لي دوماً بعد مجاملاتك فاخرة الكلمات باردة الرغبة. قسوتك كانت دوماً كقسوة البشريّـين. أكلوا لحوم بعضهم في قديم الزمان، يأكلون لحوم بعضهم اليوم بأدوات تواكب العصر، تواكب فوران نشوة الركل و صفق الأبواب، البشر كانوا دوماً بأفعالهم في مرتبة سمو أدنى من مرتبة الحيوان. لذلك ترفعت طوال حياتي عن الكوْن بشرية، احسب معي كم من البشر نجحوا في بلوغ قمة هرم الآدمية ( الإنسان) ؟ لست أقول أنك لستَ إنساناً. أنت خير الناس مع كل الناس. لكنك كنت بشراً معي، إنسانَتُك الصغيرة التي لم تقل عن صورة الشمعة استهلاكاً، بل ذابت في حسنك كما تذوب الشموع.

أفخر أنني لست ممن يكفرن العشير، ولا ممن يهبطون إلى درك النيران، أولئك هم الجاحدون وناكرو الطيبة و القصائد الحُلوة. أحتفظ بكل ذيك الذخيرة في دمي، حيث لا أحد يستطيع سرقتها ولا التلصص عليها كغيور. لكنني من الواقعيين، الذين يربطون القول بالفعل فتخرج لهم الحقيقة. مثل من يصلي وحالما يفرغ من التسليم يخرج ليخالف أنظمة المرور و يصرخ على بائع البقالة الذي لم يحضر أغراضه بسرعة و يشتم عامل غسيل السيارة لأنه نسي بقعة على الزجاج الأمامي. عندما تتراكم الصغائر تصبح وحشاً دميماً لا يمكن النظر إليه بالعين ولا التفكير فيه بالبصيرة. ما كان يحدث بيننا هو أنك تقول ما لم تسمعه أذن بشر، لكنك تفعل كل ما يخطر على قلب بشر حذروه أصحابه من الوقوع في مغبة من يتخذونه نزوة، وإن طال وقت المكوث معها. أخبرني ماذا تفعل الآن في إجازتك التي كنت تقول أنك ستصلح فيها وضعينا؟ يبدو أنك الآن في الطائرة تحلق إلى منتجع الترفيه والطمي، أو أنك وصلت بالفعل وبينما أكتب هذا الهراء متسخة بجروحي من نعوتاتك تتمدد أنت الآن على شاطئ تشرب فيه ما كنت توهمني بمحاولة الإقلاع عنه ثم تعود إلى غرفتك في الفندق الفاخر لتنام ثملاً مجرداً من كل شيء جميل لم تستطع الحفاظ عليه مجرد مني، شئتَ أني من هذه الأشياء الجميلة أم أبيت. كنت قد وصلت في التشظي بينك وبينك إلى أنني أتحمل كل شيء من باب الواجب بعدما تغلغلت في دمي واستحال علي وسوف يستحيل إلى الأبد أن يحل جين رجل آخر محلك، من باب الصبر تحملت، لم أعد أتحمل من باب الحُب و العشق والإدمان. منذ نفضت كل هذه المشاعر اللاإرادية عن عينك كرماد سجائرك البائتة وأنا أخجل من نفسي إن تلفظت بالعشق والجنون أمامك، مؤخراً تحاشيتها حتى بيني وبين قلبي. أيُّ قلب؟ الذي استقر في لدنك و ترفض الآن ملياً إرجاعه في صدري؟ أم الذي حمل همومك و لفَّها بحبُّه ودفنها بطريقتنا السرية تحت الرمل مدثراً إياها برعايته كي لا تخرج مجدداً و تؤذيك؟ أتفهَّم رفضك لقلبٍ في أمانتك، كلا.. ليس هكذا، أقصد أتفهم رفضك لأمانة استودعتها عندك. هل اتسعت ثقافتك يوماً لتعرف أن الأمانات الروحية التي لا ترى أغلى ثمناً و أهم قدراً من الأمانات النقدية و سبائك الذهب و قطع السلاح؟ ولأنها أغلى ثمناً.. لم تستطع تدثيرها بمحبتك ولا امتنانك. لذا.. ها نحن، نقف في العراء، أحدثك حديثاً أعرف أنك لن تسمعه سوى بالصدفة و تقف قبالتي مدبراً إلى مرحك و حياتك المكتنزة بتفاصيل مملة و أخرى مثيرة، لم أكن واحدة منها على كل حال. اتساءل كلما صدمتني بتجبرك ، كيف تربيت بين حنانيك كل هذه السنوات دون أن أهرب من تمللك الذي لم يتوقف عند حد مني؟ كيف قبلتُ أن أكون نزيلة في حياة رجل لا يريدني؟ هل لأنه كان قوياً بما يكفي لمجاملتي كل هذه السنوات؟ ما الذي يحدث؟ كنت أعيش على هاوية اسمها..اسمك. وقعت كثيراً، انتشلتُ نفسي بنفسي، لم يحدث أن كبُرت مجاملاتك مرة لتمد يدك و تنتشلني منك، أو تنتشل نفسك من العبث بحبي الذي أقدسه ملء كُلي، لأنه فاق الحقيقة و استوى على عرش الفلَك ككوكب درِّي. أيقنت أنك من الناس الذين لا تهمهم الأوطان. لا تعنيهم هذه الشعارات التي لا تشكِّل فرقاً في منجزاتهم التي يرغبون في اكتسابها لا في الحصول عليها. لذلك عندما كنت وطنك لمَّا اغتربت بك الأحوال لم تتأثر. لم يفرِق الأمر معك. سوى برسالة شكر بعثتها لي بعد انتهاء المهمة مرة تلو مرة. وهذا كل شيء! كان كرْم الحقيقة ينجلي أمامي كلما بكيتُ ولم تسألني لمَ تبكين؟ لكنك تخشى سخريتي من تهكماتك فتسألني منزعجاً عندما أضحك..لمَ تضحكين! لست أقوم الآن بتشويهك. إنني لا أشوه ولا أنسف أي شيء في محياك الوسيم و طيبتك التي شهدت لك بها مراراً وهي طيبة لم أر ما يوازيها بين المعتاشين بيننا ممن نعرف و ممن نجهل. لست أضعك على طاحونة الخطأ و أطحنك. لم أضربك بالظنون ولم أفعل شيئاً سوى استرجاع ذكرياتي المعاقة معك. شيء لا يحتمل لكني احتملت. لم أكن لقيطة وجدتها على باب المسجد لتقول أنك تشعر بالخيانة عندما تنظر إلى وجوه الأولين. ولم أكن امرأة تحمل مكنسة الساحرة الشمطاء لتؤذي كل من حولك كي تظفر بك. لم أؤذك أيها البعيد كإنسان. فلم آذيتني ملء استطاعتك؟ هذه الإستطاعة التي انتظرتها لنكون في مدار واحد، وحيد..لا ينفك ولا يقبل المشاركة. مدار يغير وجه العالم ويسقط أسماء العشاق ليتفرد باسمه المتلألئ و يقلع الأشجار من جذورها ليتجذر في الأرض كالعروق ولا يترك قيد أنملة لجذر آخر يثبَت في الأرض الطيبة غير جذره الملفوف.

هل من مناص من الحب؟ عني..لم يحدث. لذلك أعيش أحبك. ولذلك.. أنت حر منذ الآن من وجودي بجوار قدمك كقطة متسولة، لا يا عزيزي، افرش سجادة نزهاتك على المكان بلا تهذب يستهدفني. محل صغير في منتصف الخط السريع بات أكثر كرامةً و أماناً من محلاتك التي تسع الكون بمجراته، لكنها لم تسع قُطري النحيل مرة.

رسائل إلى محور الكون في يوم الطوابع العالمي

tumblr_nvyq7pAJUN1ts4bj0o1_400

أنا من المدمنين على متابعة الأيام العالمية غير الشعبية، التي لا يتفاعل معها ويهتم بها وينتظرها العموم، سوى من له شأن أو هوى متعلق بغرابتها لسبب أو لآخر، كاليوم العالمي لطوابع البريد، مثلاً. إنني أكتب الرسائل لأمي وأبي منذ الصغر، وأذيل رسائلي في كل مرة بالدعاء لهما بالرحمة وأن تصل تحيتي ومحبتي وشوقي وقبلاتي إليهما في الجنة. علاقتي بالرسائل مثل علاقة العاشق بمحبوبته. أعتني بها وعندما أكتبها بيدي على ورقة أوليها عناية أكبر من عنايتي بها عندما أقوم بكتابتها على الكمبيوتر. أزينها وألونها وأعطرها بالزهور المجففة وأضعها في ظرف أبيض دوماً، تعبيراً عن محبتي البيضاء للمرسلة إليهم. عندما أصبحت أنا وصديقاتي في الجامعة وافترقت بنا طرق الكفاح أصبحت أمنحهم هدايا الفتيات للفتيات كالملابس والعطور و أدوات القرطاسية التي تصبرهم على عناء الدراسة، لكن عندما أرفق لهم رسالة مع الهدية يقُلن أنَّها أكثر جمالاً و معنى من الثوب الهدية الذي أكون قد اشتريته من مانجو و زارا و نيويوركر، أو من عطور فيكتوريا سكريت و ديور التي نجتمع أنا وهن على حبها. الرسائل هي ترجمة لما قلته في إحدى نصوصي القديمة جداً، والتي نسيتها تماماً عدا هذا السطر: ” عند خروج المرء من عربة العزلة، تصبح الكلمة هي أصل كل شيء يحدث مع الآخرين. هي أصل كل خير و شر وما بينهما من فزع ودهشة”

اليوم, التاسع من أكتوبر يوافق اليوم العالمي لطوابع البريد . احتفالي بهذا اليوم هو رسائلي إلى محور الكون في حياتي. الأهم، الأغلى، الصفوة التي كل أحد عداهُم أياً كان موقعه في القلب فهو في منزل آخر غير منزلهم. منزل جميل وأنيق ورائع، لكنه ليس شبيهاً في شيء بمنزلهم، لا بقياس الغريزة فحسب، هي واحداً من المقاييس، فأنا لم أعش مع أمي وأبي حيث رحلا إلى الله قبل أن أحفظ ملامح وجهيهما الطاهرين، بل و بقياس الفرق الشاسع في تفاصيل حياتي وذكرياتي الجميلة والفارقة مع الأحبة. بقياس الفرق الرحب بين حبهم القوي الوطيد لي، وحب كل أحد آخر قال لي في أي مكان (عمل، جامعة، حفلة، تويتر، منتدى، إيميل) أنه يحبني.و كم أمتن وأشكر وأحترم وأقدم تحية على الطريقة اليابانية لكل من أحبني بلا سابق معرفة أو تفسير يُقنع العقل. أحب الناس الطيبين أينما تقاطعنا في دروب الحياة، لكن لكل شيء محور. ومحور كوني هم أنتم يا :

أبي،

لقد كبرت. لم أؤذي أحداً في حياتي. ولم أنتقم من أحد أذَاني. تركت الظالمين لله، أختصم منهم يوم نبعث ويبعثون. أصبحتُ أستطيع أن أكون عينيك التي تشاهد بهما الطريق عندما يضعف نظرك و تزيد وسامتك بارتداء النظارة، لأنك حتماً كنت ستفضِّل أن يكون إخوَتي الرجال ذراعيك الإثنتين وعقلك. كما أستطيع الآن أن أكون عصاك التي تتوكأ عليها عندما يغضبك أحد المعتوهين فتنسى حكمتك لوهلة، منذ كنت في السادسة من العمر وأنا أستطيع حمل أكياس السوق عنك، أما اليوم فأستطيع حمل جالونات المياه وأنبوبة الغاز يا أبي. ستعطف عليَّ لأن جسدي نحيل و ظهري سيتقوس قريباً تحت وطأة آلام الكلى التي عاشت معي في رحلة طويلة ويبدو أنها وجدت فيَّ مستقراً و ملاذ، لكن أؤكد لك أن قوة حبي لك تتفوق على نحول عضلاتي، ليتك هنا يا أبي لتجرِّب و تخبر إخوتي أن لا يخافوا عليك، فمعكَ البطلة التي تلهو وحيدة، لكنها لا تعيش و تسعد إلا معك حتى وأنت بعيد بجسدك، عند الله. أخبرتك في رسالتي السابقة أنني عدت إلى مقعد الدراسة، و الآن أخبرك أنني عدت أيضاً إلى مقعد العيادة و البدلة الخضراء، و الأخرى النيليّة، في غرفة العمليات. أسير كما كنت تحلم يا أبي. طبيبة يحبها كادر العمل الذي يزاملها قبل المرضى. يحترمني الجميع ويقدِّرون لي كل تطوع أبادر به دون طلب أو ترغيب، عندما يزداد احترام أحدهم برغم أنني أقوم بواجباتي ولا أفعل شيئاً خارقاً للعادة، أشعر أنه يفعل ذلك لأنه يراك واقفاً بجواري مبتسماً بفخر. أحبك يا أبي، أشتاقك، وأقول لك أني بخير وإخوتي رائعون وعظماء ويبرقون مثل سبائك الذهب في صيتهم بين الناس. يعتمد عليهم كل من يعرفهم. حفيداتك كبرن واثنتين منهن أصبحن في الجامعة. ستصبح واحدة منهن سيدة أعمال ذات يوم، تحب الإدارة والإقتصاد وتقوم حالياً بعمل ميزانية بيتهم، أخي وزوجته سعداء. يقولون أن تدبير ابنتهم رائع ويجب أن لا يكون مكان هذه الموهبة محصور على البيت. ادعُ لها يا أبي. لديك حفيدة مميزة وجميلة. أما الأخرى فكانت مكتئبة لأن حلمها في الطب تبدد، لكنها ستصبح ممرضة عظيمة نعلق لها لوحة شرف في شجرة العائلة. لديك حفيدات شقيّات أيضاً، يعشقن الدراجات و أطواق السباحة! غفران تصبح وتمسي على أعمال التريكو. كلهن متفوقات في المدرسة ويحصلن على العديد من الهدايا المدرسية طوال العام. يحببن الحياة وتحبهن الحياة. أحب فكرة أنهن جميعاً سيصبحن من أحسن النساء يوماً. سأكتب لك قريباً لأخبرك آخر أسراري الجميلة. أنا محترمة و أتسامى دوماً عن توافه الحياة و جهل الناس بي يا أبي. علمتني جدتي كل شيء كنت تنوي تعليمي إياه. مقتنعة و محِبة لكل مبادئك أنت وأمي. أحبك.. كن بخير وارسل لي في المنام دوماً.. رضاك عني.

أمي،

هذا اليوم العالمي للطوابع يا أمي. لا زلت أحتفظ بألبوم طوابع البريد خاصتك. إلا أنني في مكان بعيد هذه الأيام، ليتني بجوار صندوق أغراضك لأتنفس ألبومك اليوم. دائماً أكتب لكِ رسائل طويلة. هذه المرة رسالتي الطويلة كتبتها لأبي و سيطلعك عليها حتماً يا أنيسته السرمدية. أما أنتِ فسأقول لكِ أنني كلما كبرت ازددت شبهاً منك. خالاتي و خالي الحبيب يعيدون علي هذا الأمر بدهشة متصاعدة كل مرة. لقد كبرت يا أمي وتجاوزتُ سنكِ عندما اصطحبكِ الله إليه. أشعر بخجل عارم من هذا. لا أحب هذا العُمر. لا أحب فكرة العيش أكثر بعيدة عنك وعن أبي. لكنني أصبر لأجلكما، ولا أؤذي نفسي. كوني مطمئنة إلى إيماني يا أمي. طبخت منذ أيام ما تسميه الصديقات بلهجتنا اللا قاعدية، رز العزائم! كبسة لحم. هذه المرة الثانية. طبختها للعائلة، وكانت النتيجة أجمل من توقعاتك. حدث شيء جميل آخر يوم أمس. موقف مع مريضة سأخبرك به سراً في رسالة أخرى قريباً، زرت المريضة في المساء في جولتي الاعتيادية على المنومين بعد العمليات الجراحية، فقالت لي: الله يرحم أمٍ ربتك. من أجل هذه الدعوة صليت ركعتين بععد صلاة العشاء دعوت فيها بشفاء عاجل للمريضة، ولكِ يا حبيبتي التي ترافقني بركاتها أينما كنت. إنني اخطئ كثيراً يا أمي. غاضبة من أحوال الأبرياء في العالم. الدم لا يتوقف، الحروب دمرت كل أمل للمساكين والآمنين و المسالمين في بيوتهم ومساجدهم. بل وحتى في حفلات أفراحهم. يحتقن الغضب في رأسي ويقضي على حلمي وصبري ويضيق بأخلاقي. أكره الخونة والخسيسين يا أمي. يفقدونني الشعور بالأمان ويتحول العالم في عيني إلى أدغال للحيوانات المتوحشة والزواحف المميتة والديدان. كل هذا لأنهم يشتركون في الجحود. هؤلاء الذين يأخذون ما تمنحيهم باليد اليمنى ويعضون اليسرى ثم عندم تمرض أو تشل يبادرون بلا وجل لبتر اليد الأولى التي منحتهم. خونة الوطن من مواطنين ومقيمين وجيران أكلوا من نخلِنا أضعاف ما أكلوا فقراءنا لم أعد أحتملهم. أشعر بالذنب لأنني أكتب لك عنهم. لايستحقون من الذكر شيئا. إنما طرأتُهم لأرجوكِ التوسل إلى الله كي يبعدهم عن بصري كما أبعدهم عن بصيرتي وله الحمد والشكر. أحلم دوماً أن أكون بعذوبتك. لكن الأحوال اليوم ليست كما كانت في وقتكِ الذي نسميه اليوم زمن الطيبين. لمَ لم تأخذينني معكِ يا أمي؟ ألستِ تحبينني؟ كيف احتملتِ العيش كل هذه الأعوام دوني؟ ألأنك في الجنة التي فيها مالا يخطر على قلب بشر؟ لك الحق. لكنني تمنيت لو كنت معكِ في ذاك النعيم. هل تعرفين يا أمي أن الهيبوكسيا الذي أصبح يلازمني في الشهور الأخيرة هو بسبب الحزن الشديد الذي لم أعد قادرة على تبديده لأن مفتاح القضاء عليه هو أنتِ وأبي؟ لا تبكي الآن يا أمي أرجوكِ. إنه أمر فائق عن الإرادة. جميع العلماء يؤمنون أن العمل وشغل الوقت علاج ناجح للاكتئاب. وأنا لا أجد وقتاً فارغاً إلا بالتعمد أو الصدفة. حزني ليس نتاج فراغ. لكنني أكتشف بعد كل موجات عاتية من عمل متواصل وأشغال لا تنتهي أنني لست آلة إنتاج. دمي ليس نُشارة حديد. أريدك. أخطئ وأترنح وأسقط أحياناً في تصرفاتي لأنكِ حكمتي و طُهري الغائب. أستحضركِ يا أمي لأتوازن. و بعد كل اتزان أقدم اعتذاري بشجاعة لمن تضرر باختلالي. يحبني ويشد على يدي المخلصين، ويستغل خطأي ويضربني الجاهلين و الأنانيين. وأتذكر أن رحيلهم أخف لسمائي المكتظة بالنجوم، ليس في عددها، بل كثافة روحها التي أحب. القراءة رفيقة جوارحي ما حييت. أحبك أكثر فأكثر كلما تذكرت أنكِ كنت تدمنين القراءة لتعويض مافاتك من معرفة والحق أنه لم يفوتكِ في الجامعة شيء سوى وثيقة الشهادة فحسب، بينما أبي مدمن على قراءة الجرائد ليعرف الأخبار لا غير! حفيداتكِ يا أمي بينهن واحدة تشبهك كلما كبرت، المحيطون بنا يقولون طبعاً أنها تشبهني لأنني الجسد الحاضر أمامهم. لكنني أذكرها دوماً أنني أشبهك وبالتالي فأنتِ شبيهة بالأصل والفرع معاً إلا أنها أجمل من الفرع و أبهى. أبكي كلما أتخيل كم أنتِ أجمل منها بجنون يا أمي. كوني معي بجلال صلاتك الأبيض المزخرف برسوم زهرة الخزامى. أستيقظ من النوم سعيدة سعادة تدهشني كلما زرتني في المنام. ارضي عني يا أمي. فأنا أجاهد لأكون أنتِ والله.

إخوتي،

تحبون خير الكلام ما قل ودل. إليكم إذن، أنتم وسام هويتي الأغلى منذ خلقت وحتى أموت. أدين لكم بما وصلت إليه اليوم من نجاح في العلم والاعتماد على نفسي في كل شيء. كنتم حكماء وعرفتم مصلحتي كما يجب وكأنكم أمي وأبي. أشكر لكم قسوتكم علي في الكثير من الأمور المفصلية، فلولاها ما كنت بالصلابة التي تمتدحونها فيَّ. أشاهد بأم عيني وحواسي كم تحبونني وتخافون على صحتي وتزهون باسمي في مجالسكم وأحاديثكم. وهو ما أفعله تماماً في كل مكان يجب أن تذكر فيه أسمائكم ليكون سامياً بسموكم يا أصحاب السمو. أحبكم..ليست شهاداتي العلمية وشهادات تفوقي وتكريمي و مكافآتي المالية هي ما أملك، بل أنتم..أنتم رصيد كرامتي وبعدكم نقطة ثم في السطر التالي كل شيء آخر كافأني به الله على أي شيء.

بنات إخوَتي،

ماذا لعلي أكتب أيتها الطفلات الجميلات؟ دعوني أتسلَّف منكم هذه المرة شيئاً، (أحبكم قد الكواكب والمجرات) وضعتها بين قوسين لأحافظ على حقوقها لكُن! لو عشت سنوات أخرى وفقدت ذاكرتي، لن أفقد أن هذا الحب هو حبكم لي. هاقد وثّقته كما يليق بجمالكم..يا قلائد قلبي الأغلى من الألماس. كونوا طيبين واعملوا ولا تفرحوا بأوقات فراغ طويلة. ناموا والعبوا وافرحوا بالأشياء الجميلة في الحياة فقد خلقَ جمالها لأعيُنكن، لكن ازرعوا، ازرعوا كثيراً لا بما يكفي لحديقة، بل بما يكفي لمدينة ريفية هواؤها عليل وحدائقها من كل صوب تسر الناظرين. أهم وأعظم من ينظر إليكم دوماً هو الله. أنتم سعادتي يا أغنيات منزلنا الطروب. في أقرب زيارة لبعضنا سنلعب لعبة جمع الطوابع وسأريكم ألبوم جدتكم وستقولون كم كانت فنانة و ذات ذوق فاخر.

صديقاتي،

أحلام، رانيا، فاتن،وفاء، سارة، شجون، ميرفت، لجين..

أحبكم. هذا خير الكلام ليكون أوَّلُه. والباقي كعادة الصديقات المكتنزات بالأسرار الخطيرة، لا يقال في رسالة قد تقع بيد الأمهات! سمعت صوت ضحكك يا شجون. أعرف أنك فهمتِ كل شيء. لهذا أنتن صديقاتي. قرأت البارحة قولاً لشخص يسمي نفسه “سطحي” أجل، هذا اسمه في تويتر، كتب قولاً عظيماً وأبدياً، لو كان من كتبه جبران و نيتشه لنقشه العالم بماء الذهب على بوابات الشؤون الإجتماعية و الأندية الأدبية! علماً أنني أحب جبران ومتأثرة بكثير من أحاديثه. أما نيتشه فهو كما يقول محبوه (شنب) أي رجُل بحق! لكن هناك مجهولون عظماء أكثر من مشاهير العظماء. حقيقيون بلا رتوش. أهديكم قول هذا الرجل العظيم لأنه لخص رحلة عمرنا مع بعضنا منذ كنا في الخامسة نحلم بارتداء المريول الأخضر وحمل الحقيبة المدرسية و دفتر التلوين وعلبة الألوان المائية حتى اليوم..ونحن طبيبات ومعلمات و مهندسات ديكور..يا وفاء. (البند الأول والأخير في قانون الأصحاب ينص على أن: اضمن لك ان ولا مره بتكون لوحدك اذا ما عرفت اوقف معك بنطيح سوا) قبل عشر ساعات كتب أيضاً: (اخسر الكل إلا الشخص اللي يهون همك بدل ما يستهين فيه ، تلقاه في كل لحظة يبسط لك الامور ويخلي الحياة اجمل بعيونك.) أما العبارة التي حصدت أكثر عدد إعادة نشر من تغريداتي وهي للأردني المجهول العظيم أيضاً، بندر خضر، فهي ( عليك أن تجد علاقة مثمرة قبل أن تموت، ولو واحدة المهم أنه حين تتشاجر بإمكانك في النهاية وضع رأسك الملئ بالهراء على كتفه دون أن تعتذر حتى.) هؤلاء هم نحن يا عزيزاتي. النعمة التي أنعمها الله علينا. أما أنا، فأعرف ماذا تقلن عني، وكيف عندما أغيب أو أصمت أو أمرض، تشعرون كما تقولون دوماً بالضياع كمدمن المخدرات حين تتأخر عليه جرعته من الكوكايين. نحن نستحق أن نكون طوق ياسمين معقود بشريطة امتنان لله، لذلك كلما شكرنا الله على بعضنا زادنا فوحاً و وثوق. فشكراً دائماً لله.

حبيبي،

و نقطة لا بعدها شيء سوى الموت. هنا سقف كفايتي، دنياي و انغلاق دائرتي، دمي وشرايني، عقلي وعافيتي، صمَّام الهواء وسعادة الروح وضحكة الأيام ونور الكون..قمر الضياء وشمس الحياة، رجُلي الوحيد، نصفي الكُلي، الأول، الأخير، خاتم الوسطى و ألماس البنصر، نور العين وماؤها، معنى الشهامة و بياض الخيول، صوت الشعر وكحل الجفون، حلمي الأجمل و مُناي الأقصى، نضالي الذي لا يستكين، طوقي الياسمين، قيد معصمي المرصع باسمهِ الكريم، أحبـك يا كل شيء، أحبك وأبعث لك آخر رسائل اليوم لا لأني أحب الذين قبلك أكثر، بل لأنني كنت أتصاعد منهم إليك أيها القمة. لأن بعدك بابٌ موصد ثم لا بشر يمكنه الدخول. ولا جان يمكنه الصعود إلى سمائنا لاستراق السمع. يا آخر طيبة الكون و سخاء الأديم ونقاء المطر، أحبك وليتوقف خلفك العالم، أريد النزول.

saudi_frame1_centre2

Keep Calm & Type On..

grafontas-apo-me-kai-gia-tin-psychi_11

 

1

هي صديقتي، و بفخر أقول أنَّ صديقاتي جميعهن موهوبات. كل واحدة لديها مزية أتمناها في نفسي، لكن صديقات العمر يخبرنني أنني أمتاز بأشيائي التي لا يملكنها، والتي أغبطهن لأنهن لا يملكنها، إذ أنها مواهب مزعجة تثقل على النفس ولا يمكن للمرء القول أنها مواهب إلا إن كان يحب المرء الآخر الذي يمتاز بها، أو المبتلى بها. يجمع بيننا أن الظل هو صديقنا المكمل لأي عدد نكون عليه في لقاءاتنا. الظل كائن شفاف في دكنة سيماه، و الروح الشفافة يُرى جمالها عندما تعمل في الظل. هذه صديقة تحب الشعر، الكلمة العذبة، الرنين النابع من قلب يئن فيتكلم قصيدة، تتأثر صديقتي بهذه القصائد فتقرأها بصوت مسموع، تستطيع لمس الهيبة في ذوقها وتذوقها للقصائد المنتقاة بعناية روح. قامت بتسجيل إلقائِها لعدد من أجمل ما عرفه المتذوق العربي من شِعر. ولأنها تشعر وتفهم ما تقرأه، جاء إلقاؤها كهديـل الطيور. قصيدتين من أرشيفها الصوتي الصغير عرفتها أول مرة منها. حسبت أني قرأت كل شيء أشجانا به الفيتوري العظيم. لكنني فوجئت ب ” وقال مسعود الحكيم..” ، طوبى لحسك العذب يا صديقة، طوبى ف غلَبة الجمال دوماً لرفقة الظل. أشعر أن شهار التي تعاني من هزال الروح تتحول الآن إلى نورس يقف على فنار..زاهياً بإلقائك الخلاب. شكراً على تشريفي بفرصة إهداء هذه القصيدة لزوار المدونة..

2

كنت ألعب لعبة لم يسبقني إليها أحد من رواد التفكير، لا بل التفكير والبحث. أكتب تعريفات لا أقوم بحساب عددها، تعريفات كثيرة عشوائية بلا هدف، بلا توقف، بلا اتزان. ثم أفكر في عنوان لكل تعريف. ما الأقرب إلى أن يكون هو هذا الشيء المعرَّف في هذه الجملة؟ أو تلك؟ حدث أن حاز العقل على إحدى تعريفاتي التي كانت تتسم بصفة مجهولة الهوية قبل أن يتطفل العقل الذي كان يشعر بالجنون وهو يهيم بلا خريطة.. وينزِل عندها. شعرتُ أن العقل عامل ذلك التعريف معاملة ملك اليمين. أو الغنيمة التي تذهب لمن يحصل عليها. لم أعد راغباً في الخوف، لذلك تخليت عن الكراهية، إذ أنها صميم الخوف. ولم أعد غير راغب في الحب، الملكية الصرفة للمستأجر الأحمق تحتي، لذلك أرتدي من اليوم قبعة ميلان كونديرا.

هذا هو التعريف الحائز على نكبة العقل. عندما راجعت مفكرتي الخاصة بلعبة التعريفات وجدت كلمة “عقل” مكتوبة فوق التعريف وبجوارها نقطتين و سهم يشير إلى السطر الذي يليه مباشرةً وهو هذا التعريف الجميل! أظن أنه لو كان رجلاً لقتلني، و لقال أنني امرأة فاشلة في الحفاظ على الأسرار بعيداً عن أيدي العابثين، كالعقل ورفقاءه في السوء.

3

ثلاثة روايات خلال شهر أقدمها كحلويات لا توصيات. فقدت لياقة كتابة قراءة مطولة عن كتاب جيد. الشذرات كما كان يفعل سيوران تناسب لياقة فتاة مثلي، فتاة الهراء الذي يرتدي نظارة سوداء و بدلة كاجوال فيظن الناظرين أن لديه شيئاً يحل مشكلتهم المعقدة التي غالباً ما تنتهي في هذا العالم بلا حل.

2376088

رواية الطابور للروسي المتوحش.. فلاديمير سوروكين ، بالإمكان الضغط على اسم الكاتب للتعرف على أهم ملامحه الأدبية. وهي ماتوفر عنه بالعربية. قد أترجم يوماً سيرته المفصلة المذكورة في ويكيبيديا بالإنجليزية وفي موقعه الشخصي ( هنا )

الطابور رواية حوارية. لم يقدمها الكاتب في قالب قصصي بل حواري يمتاز بانتمائِه إلى هيكلة الحوارات العامية التي تحدث بين أي اثنين أو مجموعة في مكان غير رسمي، أو غير حكوميّْ. فهي على ذلك تفتقر إلى الإعداد والحبكة والوصف. وهو مالن يستحبه القارئ المتذوق لروايات دوستويفسكي وقصص تشيخوف. سوروكين ينتمي إلى مدرسة التجربة الطليعية. وهي تجربة بدأت في المسرح الطليعي الذي كان يخرج الفلسفة من قوالبها السردية إلى الجمهور في صيغة حوارية تظل تتسم بالنخبوية لكنها مهتمة بالتنوير الإجتماعي. أو جعل القارئ، والمشاهد يحمل هذا الهم معهم. تدور الرواية حول رجل يقف في طابور يبدو في البداية أنه بلا نهاية. يدرك المحتشدين في الطابور أن يوم العمل سينتهي وليس أمامهم سوى الذهاب والعودة في اليوم التالي لاستلام ما جاؤوا إليه. تقوم موظفة بتوزيع أرقام على هؤلاء المراجعين لتسهيل عملية التوزيع فيما بعد. يبدأ نفس الإجراء في اليوم التالي ويقوم بعض المراجعين ببيع أرقامهم لمن يقفون قبلهم في الطابور وآخرون يحاولون التحدث مع من قبلهم لإيجاد طريقة تسريع للطابور. بطلين محوريين في الرواية هما فاديم ولينا يتقابلان في الطابور وينتظران مساءً في الحديقة كي يكونوا من أوائل الواقفين في الطابور منذ الصباح. بعد ذلك يبدأ النداء على الأرقام والأسماء ونرتاع عندما نعرف أنهم يذهبون لاستلام أجسام مجهولة الهوية. لينا فتاة طيبة تدرس وتعمل في معهد منسوجات ولا تعرف أين مكانها في المجتمع. تسعى إلى تكوين أهمية لنفسها من خلال العلاقات. أما فاديم فهو رجل وسيم من طبقة المثقفين تخرج من قسم التاريخ في جامعة موسكو الحكومية. انتماءه للمفكرين والمثقفين يجعل من دوره في المسألة السوفيتية واجباً يحاول العثور على طريقة لأدائه كما يجب. تدور العديد من الحوارات السياسية والتوعوية عن أهمية أن يكون الشعب مدركاً لما تحاول الحكومة تطبيع الناس عليه. أخيراً وبعد يومين من الانتظار ينكشف أن نهاية الطابور كانت في مصنع. لكن فجأة يتم اصطحاب فاديم إلى حجرة عائدة إلى سيدة تدعى ليدميلا. أعجبَت بفاديم وقررت محاولة اقامة علاقة معه وعرضت عليه انقاذه من الانتظار في الطابور المرهق فوافق وغادر معها. بعد حوار ذكي ملئ بالمساومة على اختراق النظام الذي يحترمه المجتمع وهو نظام الاصطفاف في طابور عندما يكون هناك ما يجب الحصول عليه من الجميع، يمارسان الحب وينامان، وفي الصباح تكشف ليديا عن أنها إحدى العاملات في ذلك المصنع الذي يصطف الجميع في طابور لا منتهٍ للحصول على بضائع منه. أي أن انتظار فاديم كان عبثاً. لكنه لم يتعرف عليها مبكراً. وكان يظن أنها ستساعده بإغواء الصوت الذي ينادي على الأرقام أو بخدعةٍ ما. ولم يتوقع أنها تعمل في المصنع مما يسهل عليها دوماً اختراق الأنظمة.

أعجبتني الرواية كمهتمة بتاريخ حياة الروسيين في فترة الإتحاد السوفيتي أو الإمبراطورية السوفيتية إبان حكم لينين وليس ما قبل حكمه.. كانت الحروب قد أثرت على حياة الروس بعد زعامة ستالين لكن المجتمع كان قد حافظ على العديد من القيم والعادات مثل الحفاظ على النظام والذي يمثله سوروكين في هذه الرواية بالطابور. فطالما هناك شيئاً يستحق الحصول عليه من الجميع، إذن يجب الاصطفاف في طابور والحصول عليه بالهدوء والدور. عندما لا يوجد طابور يعني ذلك أنه لايوجد ما يستحق الانتظار. لا يوجد ما يريد افراد المجتمع الحصول عليه. فاديم يمثل الفئة المتقيدة بالنظام طالما لم يغوى بإغراءات تريحه وهو في قمة التعب. لقد اصطف في الطابور لأيام وساعات طويلة كي يحصل على شيء لم يتم ذكره في الرواية. وتم الترميز له بأشياء متغيرة، أي أنك قد تصل إلى دورك وتستلم شيئاً مغايراً عما كنت تحلم به، أو عما قيل لك.

سوروكين يمثل في هذه الرواية الغرائبية بعاميتها واقع الحياة الإشتراكية. لم يكن مسموحاً كتابة مثل هذه الروايات آنذاك. لكنني أرى أن الطابور والحوارات المليئة بالنكات والإشاعات والثرثرة العادية تمثل انتظار المجتمع الروسي لما سيحققه لهم الإتحاد السوفيتي من وعود. رواية غمرتني بالتشويق حتى أنني لم أجد ما يدهش في النهاية إلى أن وضعت نفسي محل فاديم وعرفت ما الذي فاجأه.

هنا حوار في صحيفة الخبر مع فلاديمير سوروكين

the-good-earth

الأرض الطيبة.

إن كنت بحاجة إلى قراءة رواية أخلاقية من الزمن المثالي، فهذه الرواية النموذج لجوهر الأخلاق. الأرض هي أمّنا الطيبة، منذ البدء كانت الأرض هي الأم الرحوم التي تمنح الخير لمن يطأ عليه سيراً في مسارب الخير. لا يُمكن أن تكون الأرض بطبيعتها الكريمة التي أهدت للإنسان كل شيء كي يكون على ماهو عليه اليوم من عبقرية وحضارة سوى الوجه الأعظم للسويّـة. بيرل باك الروائية الأميركية التي قضت نصف عمرها في الصين كتبت للإنسان ملحمة عالمية حازن على نوبل للآداب وقد لا يكون هناك قارئ أدب عالمي يجهلها سواي وعن عمد. إذ لم أحب قراءة جميع الكلاسيكيات في مبكرة فلا يتبقى لي ذخيرة أدب رصين لأيام الغثاء كما أيامنا. قصة العائلة الريفية التي تصور حياة المرأة في مجتمع الصين القديمة التي تباع وتشترى في بيوت وأسواق الجواري و الفلاح صاحب الأرض الذي حلُم بالزواج من امرأة جميلة لكن والده أنبه لأنها قد تنشغل بجمالها عن الأعمال المنزلية وتربية الأبناء، فحصَل من البيت الكبير الذي تديره سيدة غنية لديها العديد من الجواري على جارية افتقرت حتى لأكثر علامات الجمال أهمية في مجتمع الصين القديمة، وهو القدمين الصغيرة الملفوفة نتيجة ربطها بشكل مؤلم منذ الصغر. قدما أولان كانتا كبيرتين. أو بالأحرى طبيعيتين، لم يتم ربطهما. استاء الزوج الفلاح الطيب لكنه لم يسيء معاملة زوجته التي كانت تقوم بأعمالها كجارية انتقلت ملكيتها من السيدة هوانغ إلى زوجها على أمثل وجه. حتى أن صحة والده المريض تحسنت بعد قدومها إلى المنزل والاعتناء بطعامه ونظافته. أحببت في الرواية عدم نزوحها إلى الخيال غير القابل للمعقولية في قصة يجب على ما احتوته من مسرح طبيعي للأحداث أن تتسم بشيء من الواقعية. فكان عظيماً تبدل أحوال عائلة وانغ الفلاح الفقير من الفقر إلى الغنى بعد ازدهار المحصول وتمكنه من شراء قطعة أرض من عائلة السيدة هوانغ التي ساءت أحوالها بسبب التبذير، كما كان جميلاً ازدهار بيت الفلاح بالأطفال كأي عائلة تقليدية في ذلك العصر. بعد تبدل الأحوال مرة أخرى وجفاف المحصول واضطرار عائلة وانغ إلى الهجرة للجنوب وامتهان الأب في أعمال حقيرة و لجوء ابنه إلى سرقة اللحم ليأكل وتشجيع أمه له وسرقتها لمجوهرات وجدتها في بيت أحد الأغنياء ثم مساعدتها لزوجها ليكون من الأثرياء، ثم عودة العائلة مرة أخرى إلى القرية بعد نشوب حرب في الجنوب، و توبة الأب من شهواته التي سقط فيها بسبب ثرائه وشعوره بالفراغ وعودته إلى أسرته أباً محباً..كل هذه الصور كانت تأصيلاً لأصالة العادات التي تبني ولا تهدم. ثم في النهاية يكون الفضل في كل خير عاد بعد أن غيبته النزوات.. هو فضل الأرض. دوماً الأرض تأتي بخير، والشر يأتي من بطن الإنسان.

fa171f

رواية مكر الكلمات لياسمينة خضرا

كتبت على غلاف هذه الرواية كلمة ” أحبك” ، أحب أن يكون في عالماً روحاً تكتب الأدب بهذا الإحترام. بهذه الإنسانية والجَمال الذي لا تبثه الطبيعة بل مبثوث من قلب الإنسان. الرواية متوفرة على الإنترنت برابط قراءة الكتروني لذلك سأكتفي بهذا الاقتباس منها وهو يمثل طريقتي في التفكير نحو أصول ما يحدث في العالم،

” منذ أن كان العالم عالَما، تواصل كلمة الخير كسر أسنانها عند كلام الغورو، الخير لم يغلب الشر قط. هو الشر يخلص دوماً إلى الغلبة، مثقلاً بإفراطاته. ألهذا ينبغي الإرتياب في شكل ممنهج بشيء ما خلف كل معجزة؟ الورود لن تنبت من جديد أبداً. والعدول هو أكثر ما يسامح عليه بين حالات الإخلال بالواجب. و حين نحمل الأسلحة، فإننا لا نلقيها. مسألة شرف؟ ببساطة.. مسألة حياة أو موت.”

4

suits-television-poster

قبل قليل انتهيت من مشاهدة الحلقة الأخيرة من الموسم الأول من مسلسل Suits. أو دعاوي قضائية. والذي يبث في هذه الأيام حلقاته الأخيرة من الموسم الخامس. أحب مزاجي عندما يكتشف الأشياء المثيرة! هذه الكوميديا التي تضحكني بسعادة. لا بغباء! ولا بتفاهة. لم ينزل مسلسل قريز اناتومي عن المكانة الأولى في قائمة مسلسلاتي الحبيبة بالطبع. مسلسل بريكنق باد ( اختلال مضر) احتل المكانة الثانية منذ سنوات. برغم تعلقي بالمسلسلات الإنجليزية إلا أنني أقدم المكانة الثالثة لمسلسل دعاوي قضائية على الرحب والإثارة. ندمت أنني شاهدته الآن وقد تخرجت من الجامعة، لكنتُ طبقت بعض أساليب عبقرية مايك روس في تذكر المعلومات وحل الإختبار! لم أشعر بالتعاطف مع المتقدمين الذين كانوا يحلمون بوظيفة محامي المدير التي حصل عليها روس رغم عدم حمله لمؤهلات قانونية. كان الفوز مبنياً على الذكاء ولا يمكن للمرء أن يكون جذاباً في عمله هذه الأيام بلا ذكاء J هناك من شاهد حلقتين عشوائيتين من المسلسل و حكم عليه بأنه مقتبس من المحقق كونان! يؤسفني القول أن هذا المسلسل لا يناسب المتسرعين. فليس للتسرع صلة بسرعة البديهة التي هي من سمات الأذكياء. قضايا بحاجة إلى محامٍ يقوم روس بدوره و يترافع بطرافة مثيرة للعجب والشوق إلى حل الأمور معه، ليست هناك علاقة ولا روابط أولية أو ثانوية بالمحقق كونان! كل حلقة تحمل درس جديد يجب العمل به في علاقات العمل التي يتحول بعضها إلى علاقة شخصية. الحلقة الأخيرة توجه رسالة يعرفها كل زوجين، وعاشقين، وصديقين..أن الحب لا يمكن أن يتحول إلى صداقة، وأي حب تحول إلى صداقة ناجحة لم يكن حباً من الأساس. كان إعجاباً جارفاً أو أي شيء آخر. ينهشني الفضول لمعرفة مصير لويس في الموسم الحالي مباشرة! لا أريد القفز لكن لويس هو الحلوى التي تم تبديل سكّرها بالكثير من الملح في هذا المسلسل. أتوق إلى بدء مشاهدة الموسم الثاني فور زوال بعض الظروف.

 

5

كل يوم أدخل فيه من باب المستشفى طبيبة أو طالبة علم، يزداد فيه حبي للعمل. سألتني زميلة في الكلية مرة: و لماذا يجب على الواحد أن يكون أكثر من رقم في عداد السكان؟ ما أهمية أن تكون لنا أهمية؟ سنفنى في النهاية وتأكل أجسادنا الديدان فما جدوى كل هذا الشقاء لإنتاج يذهب إلى غيرنا ويأخذ ما يأخذ من أبداننا قوتاً و شرَاب؟

تحفزت سيالات الجدل في رأسي وكنت سأعطيها خطبة عصماء عن الإيمان بالله وأن من لا يؤمن بالله لن يؤمن بجدوى أن يكون من المستخلفين في الأرض الذين يقومون بإعمارها ليحصل على نصيبه من سعادة سخَّرها له الله جزاء ما سعى. و كلٌ يحصل على سعادة قدر سعيه، ومن لا يحصل على سعادة بعد شقاء فقد حصل على محبة ربٍّ قصوى، وهي المحبة التي يدخر فيها الله لمن يحبهم من مخلوقاته سعادة أبديـة في الجنة. كنت سأخبرها أن الآخرة خير وأبقى. و أن اكتساب ما بحوزة الآخرة ليس بالتخلي عن الطريق إليها في الدنيا. قلت كل هذه الأشياء لنفسي في دقيقتين اخبرتها فيها أن لدي ورقة سأكمل بياناتها ثم أتكلم معها. وبعد الدقيقتين رفعت رأسي الذي كان في اجتماع مع خطبتي بيني وبين مفاهيمي التي قد تظنها الزميلة هراء فتاة تقليدية من مجتمع يضطهد المرأة ويسلب حقوقها، ولا يمنحها فرصة تحقيق ذاتها ولا يعاونها لتكون أكثر من رقم في فصيلة النساء المضطهدات، ولا يسمح لها بالعمل ( رغم أن هذه الزميلة ( كاتبة بيانات) تحدثني من مكان العمل!) ولا يعترف بها كنصف للرجل مكلفة مثله بإعمار الأرض. حدث هذا الأمر وقالت الزميلة ما قالته دون خطبتي المؤثرة! لم أفعل شيئاً سوى أن ابتسمت وقلت لها : الأهمية هي أن تفعلي أي شيء جيد لأجلك. إلا إن كنتِ ستفرحين عند الإصابة بالملل من الفراغ والتفكير في لاشيء، وهو اضطهاد أقسى من اضطهاد المجتمع. اضطهادك لإرادتك.

لذلك يا مستر كيتون أنا أعمل. و أستغل أنني أعمل في مجال تذوب هويتي فيه حُباً. فأكتب كثيراً في بحثي الذي سأقدمه قريباً للحصول على بورد الباطنة الذي سيكون باب النُور إلى زمالة طب وجراحة الأورام و أتحمل تعب عيني وجفاف مائها و احمرارها إثر السهر الطويل أمام الورق و صفحات المراجع على الإنترنت. و أجري الكثير من العمليات للحالات الحرجة التي يفصل حياتها عن الموت دوماً وكل مرة بلا استثناء خيط رفيع يكاد لايُرى.. و يشاء الله لكل هذه الأرواح أن تعيش، وأن يتحسن مؤشر حالتها من حرجة إلى حالة في فترة نقاهة. و أكون في كل مرة اليد التي قامت برتق الخيط الرفيع وجعلهِ حبلاً متيناً مُوثَق إلى ظهر الحيـاة كما يجب. أحب كل هذه الأمور التي أفعلها بنجاح في الظل. ولو كانت في الضوء لاحترَقت، لأن الظل سترة حماية جنود الأمن من أعداء الأمان.

إلا أنني يا مستر كيتون أدفع ثمن كل هذا الإزدياد، بازدياد في ابتعاد التحدث مع الآخرين. لم يعد يؤنسني الكلام مع الناس. أفقد خاصية الإستمتاع بالتعاطي مع الأمور الشيقة وحتى المثيرة للاستياء، ليس لأن نمو سوء تلك الأمور مطرد ولا يمكنني اللحاق بسرعته وإصابته بنقد ولعنة! بل لأن نمو سوء المتحدثين في تلك الأمور مطرد بسرعة لا يمكنني اللحاق بها إلا وقد أحرقتني وشوهت كلامي قبل أن أقوله و رمَت رماد مقاصدي في حاوية نفايات الشارع المجاور للشارع الذي يقطنون فيه. يتسارع نزقي من الآخرين في اتجاه معاكس الإتجاه. أتحول بصدر رحب إلى تمثال أمام بعض الناس و أشاهدهم وهم يلقون بي من حاضرهم لأنني لا أتحدث معهم ولا أبادر بشيء، فقدت الإحساس بأهميتهم. لم أعد أريد غير حقيبة أدواتي الطبية و يونيفورم عملي الأزرق ( أحياناً الأخضر) وكتبي وأفلامي و أقلامي و أهلي الذين لا يطيب لهم النوم قبل التأكد من وجودي أتنفس في الجوار. لم أهرب يوماً من الحب يا سيد كيتون، لكنه لم يكن مرة مع الآخرين الذين فضلت عليهم اليوم جماداتي وقطتي و ألعابي التي على شكل بطاريق. ظننتُ دوماً أنني أكبُر، ثم انتبهت أنني أتنامى، فصرتُ لا أكفٌّ عن ري نبتة الليمون الوحيدة في فناء منزلي كل يوم.

لا تسمح لنفسك أن يعجبك هذا التكنيك يا سيد كيتون فتتبع ما نصحتني به، قد يكون كل ما أفعله غباء من حيث ظننته حسن تصرف.

6

تحول العالَم اليوم إلى قطار الموت. لا تأخذ سيلفي مع هذه اللعبة إن كنت لا تفكر في الإنتحار. هناك كشك لبيع الآيسكريم بجوار قطار الموت. خذ واحداً بنكهة القهوة و تفرج على ما يحدث. فلن يلومك لائم على انحيازك لصف صفوة العقلاء.

The Art of Giving is an Act of Caring

CHV3DzkUwAAiVlL

 

من يوليسس إلى مذكرات ويمبي، 

أعرف أنني قارئة لم تفسد قراءة الكلاسيكيات خفّة روحها عندما أستطيع الانتقال من مزاج كثّفته الفلسفة والميثولوجيا إلى مزاج خففته لطافة يوميات طفل يتعلم مما يعيشه لا يعيش ليلهو فحسب. برشاقة، أفعل هذا برشاقة و أبتسم.