8 نقاط للتأقلم مع الدراسة الجماعية

students-study-attable

هذه ترجمة ذاتية لمقال أعجبني و اختبرت نجاح النصائح الموجهة فيه خلال دراستي الجامعية وخرجت منه باستفادة حياتية أيضاً حيث تعلَّمت أن طالب الطب ليس متعصباً لتحصيل النتائج من خلال العزلة أو يسيء الظن في جدية المذاكرة الجماعية، بل هو فقط حذر وحريص غاية الحرص على جدية وصعوبة مواده مما يحدوه إلى أحد حلَّين: إما انتقاء مجموعة دراسية صغيرة ومقننة وتشاركه الحرص الفائق على التفوق في التحصيل والفهم وليس تخزين المعلومات في الذاكرة فحسب، وإما الاستذكار مستقلاً تفادياً للتشتت ومضيعة الوقت ونسيان المعلومات التي يحتاج إلى استيعابها أو ضياعها كلياً من ذاكرته . طالب الطب يُعرف ببعض الخواص التي تجعل من هذا المقال مناسباً لاستهدافه: محب للعزلة ( هناك فرق بين هذا المفهوم وبين الإنطوائية) ، حريص على التفوق إلى درجة الهوس، كائن بصري وعملي، و ليس كائن سمعي و حفظي. يميل إلى الصمت ( الصمت الشفوي لا الكتابي) يرتاب من مسألة تكوين علاقات اجتماعية خارج القاعة الدراسية وإن كان الهدف من العلاقة معرفيَّاً، نقاط ضعفه قد تتراكم بلا حل لأن عدم تأثيرها عليه سلبياً يجعله يتكاسل في علاجها.

هذا المقال لشدة بساطته قد ينبهك لأمور هي سبب عدم ارتياحك عند الإنضمام في مذاكرة جماعية.

_

كلمة المحرر: هذا المقال هو الجزء الثاني من سلسلة للدكتور بيترسن عن ” كيفية تطوير مهاراتك الدراسية”.

هل فكرت يوماً فيما إذا كنت قد فهمت شيئاً أم لا، إلى أن تعيَّن عليك شرحه لشخص آخر؟

لنفترض أنه طلب منك تعداد مختلف الآليات المتبعة مع مرض السكري النمط الثاني. تبدأ باستحضار مستقبلات الأنسولين في عقلك وترسم فراغاً. ماهي الآليات الفعلية؟ تتذكر أن هناك شيء عن خلايا بيتا تحيط بجزُر! هناك قناة مبوبة ومادة أ.ب.ت APT…..أو….؟ كنت تعتقد أنك تعرف هذا.

على الجانب الآخر، إن كنت تشعر أنك أبداً لن تستطيع الإمساك بزمام هذه الآليات المختلفة بمفردك، وتشعر بالطمأنينة لفكرة أن يقوم أحد بتفسيرها لك وعند ذلك ستفهمها بوضوح. فهنا في هذه الحالة والمكان، يأتي دور زملائك.

المذاكرة مع الآخرين تساعدك في تخصيص المواد التي عليك فهمها والتركيز عليها والتفاعل معها. إن الأمر يكون أصعب بكثير عندما تفعل هذا بشكل مستقل.

الدراسة مع مجموعة تمنحك الفرصة لمعرفة مالاتعرف، وماذا تعرف، هذا يسمح لك باستهداف ذاكرتك لتخزين المعلومات التي لم تكن مألوفة لك عندما كنت تذاكر لوحدك. مما يجعل مذاكرتك أكثر كفاءة وتوفر عليك الوقت على المدى الطويل.

بالنسبة للبعض، بالأخص طلاب الطب و الطلاب المتدرجون الآخرون، قد تكون الدراسة في مجموعات مفهوماً غريباً لهم. بعضهم يخشى أن تكون ديناميكية الدراسة تنافسية جداً مما يشتت الهدف الرئيسي من الاستذكار الجماعي أو أن يكون أسلوب الدراسة متشابك مع تفضيلات الدراسة الفردية التي تجعلها أكثر امتيازاً للطالب.

من تجربتي، هناك طريقة مثلى للتنظيم والتفاعل مع المذاكرة الجماعية، و هذا هو ما نركز عليه هنا:

  • إنشاء مجموعة دراسية فعالة ومؤثرة.
  1. لا تجعل المجموعة كبيرة جداً. مجموعة من ثلاثة أو أربعة طلاب هو الحجم مثالي.
  2. تعيين مشرف للحفاظ على جدول المواعيد وإدارته وتذكيركم به. يمكن تدوير عملية تعيين مشرف جديد في كل لقاء.
  3. قرر المواضيع التي ستناقشها قبل اللقاء. ينبغِ على جميع أعضاء المجموعة الإلتزام بهذا الأمر وإعداد المواد قبل الإجتماع. لكن لا تحمِل الكثير من المواضيع لمناقشتها في لقاء واحد.
  4. جدولة فترة زمنية محددة للمجموعة الدراسية ( ساعة ونصف، على سبيل المثال) قبل الإجتماع. تقع مهمة الحفاظ على هذا الوقت على عاتق المشرف، هذا سيمنع الإجتماع من الإفراط والتفريط في الوقت.
  5. ينبغِ على كل طالب تحديد نقاط الإرتباك و الإلتباس وعدم الفهم في المادة لكي تتم تغطيتها في اللقاء.
  6. مناقشة واختبار بعضكم البعض في هذه المادة. هذا علاج يشبه اختبار شفوي. تعال إلى اللقاء وأنت معدٌ له جيداً وكن على استعداد لتحديد النقاط التي لم تفهمها في المادة و شرح وملاحظات الآخرين.
  7. قم بتدريس الآخرين الأشياء التي تفهمها، و تعلَّم من الآخرين الأشياء التي يشرحونها بشكل أفضل مما تفعل. عندما تقوم بتدريس شخص مادة أخرى، عليك أن تكون مستوعباً لها بشكل أكثر عمقاً. وسوف تجد أن ذلك يعزز عِلمك و يرسِّخه. حتى أنك قد تفاجئ نفسك بمقدار ما تعرفه!
  8. حاول أن تجعل الدراسة ممتعة بأي طريقة تستطيعها. بما أنك سوف تنفق الكثير من الوقت في المذاكرة، عليك أن تجعلها مثيرة للإهتمام. قم بتتويج دور ” المعلم” في كل لقاء، أبرز أهميته وامدحه.. ذلك الطالب القادر على تذويب جمود المواد الأساسية و تفسيرها جيداً للآخرين أثناء الإجتماعات. حتى أنه بإمكانكم تبادل الهدايا.

     

  9. (إضافة شخصية من المترجمة) : اختيار مكان مريح لعقد لقاءات المجموعة وتجهيزه بأثاث مناسب، مكان تستطيعون التحدث فيه بحرية دون الحذر المربك من التسبب بإزعاج للآخرين. عندما كنت ومجموعتي نلتقي في حديقة منزل عضو منا أو في حديقة عامة كنا نشعر بارتياح أكبر مما نشعر به عندما نلتقي في المكتبة. إذ أن المكتبة مكان محفز ومُلهم لكن لم نكن نستطيع فيه رفع صوتنا بشكل كافٍ عندما نتفاعل في الإجابة على سؤال أو نقوم بعملية شرح وإلا سنسبب إزعاجاً لرواد المكتبة بجوارنا.

إذن، كيف يمكنك الحصول على أقصى استفادة من المجموعة؟ كل طالب يجب عليه المضي في ثلاثة أهداف:

  1. الخروج من المجموعة بقائمة من الأشياء التي لم تكن تعرفها. ( الأشياء والمواضيع التي تحتاج إلى إنفاق المزيد من الوقت للتعلم) هذه معلومات ذهبية. بمجرد أن تعرف أين تكمن مواضع الضعف لديك، سيمكنك قضاء المزيد من الوقت في دراسة الأشياء التي تأثرَت بها. بعد لقاءات مجموعة الدراسة، يجب وضع جدول زمني كافٍ لدراسة هذه المواضيع.
  2. تحديد الموضوعات التي تعرفها أساساً. هذا التحديد سوف يساعدك في تعليمها للآخرين. من المهم أن تحدد ماتعرفه بموضوعية لكي تتمكن من قضاء باقي وقتك بتأنٍ على المواضيع التي كنت لا تعرفها. بطبيعة الحال سوف تقوم بمراجعة جميع المواد قبل الإمتحان، لذا لا تقلق من أنك لن تكون مستعداً.
  3. خصص تفاعلاتك مع المواضيع. قد يكون هذا أكثر صعوبة من فعله بشكل مستقل. لكن الأفضل هو القيام بذلك من خلال التفاعل مع الآخرين. ماذا أعني ب “تخصيص” المواضيع؟ أن تكون أكثر ميلاً لاستيعاب المعلومات التي كنت تحبَط منها عندما تذاكر بشكل مستقل وتجد صعوبة في فهمها وحفظها (اجعلها جزء من ذاكرتك) أي أن تجعلها أموراً خاصة بك. ببساطة عندما تقرأ صفحات من كتاب دراسي مراراً و تكراراً، فأنت لست محظوظاً جداً كما لو سيحدث لو كنت تقوم بدلاً من ذلك بتدوين الملاحظات الخاصة بك ( تخصيص) استعراض تلك الملاحظات ( تخصيص) واختبار نفسك في تلك المعلومات التي كتبتها ( تفاعل ذاتي). إذن تفاعل مع اختبارات ومسابقات الآخرين التي يقومون بها ( تفاعل خارجي)، علِّم و تعلَّم من الآخرين ( تفاعل و تخصيص) هكذا تكتسب و تتعود.

أضف المذاكرة الجماعية إلى ذخيرتك الدراسية التي تحقق نتائج وإن كانت من الحجم الصغير! ليس فقط على مستوى تحقيق درجات أفضل في الإختبارات. بل وعلى مستوى القدرة على استيعاب المعلومات و تثبيتها واستحضارها وتطبيقها في العالم الحقيقي.

مصدر المقال باللغة الإنجليزية : مدونة كلية طب آلبرت آينشتاين

أن تندم على الحب كمن يندم على قمرٍ في ليل بهيم

ظننتك لن تكون نادماً على الحب ندماً يدفعك إلى التخلص منه بكل قوتك و إمكاناتك. فالحبيب هو الوحيد الذي كنت تستطيع استدعاءه فجراً لتخبره عن منغصات سهرتك مع أصدقائك. وهو الوحيد الذي كان يتلقى ضرباتك بصلابة و يطلب منك المزيد بدلاً من أن تضرب من تسبب لك في الغضب وتخسر كثيراً ، وهو الوحيد الذي كان يقول للعمل “طز” كي لا تشعر بالوحدة والملل ، وهو الوحيد الذي لم يفعل كما فعل كل العالم فلم يكرهك ولم يشعر بالنفور منك ولا استنقاصك ولا التفكير بسوء في نيتك ولا جزء من الثانية عندما كنت تطلب منه مالاً بل كان يتوسل إليك أن تطلب منه المزيد كي يراك سعيداً خفيف الظّهر عالي الهامة أمام الحشود في مجلسك العامر بالولائم والبخور، وهو الوحيد الذي كانت تزيد مبالاته بمشاكلك كلما زادت لا مبالاتك بمشاكله، وهو الوحيد الذي كنت تستطيع السخرية منه و عليه بلا أدنى خوف من ردة فعله لأنك موقن أنه يحبك أكثر من محبتك لنفسك ثم نفسك ثم نفسك، وهو الوحيد الذي كان يدعو الله دون انقطاع في سفرك منذ تقلع وحتى تعود وتنام على فراشك ليحفظك من السوء والعثرات أكثر مما دعت لك والدتك التي لم تكن تعرف أحيانا أنك على متن الطائرة، وهو الوحيد الذي كان يأخذ الدواء المؤلم أكثر من ألم المرض نفسه، لأجلك، لكي يكون لائقاً بحضرة وسامتك وجاذبيتك التي جدت على كل الآخرين بها و عضَلتها عنه كفيروس تخشى أن يصيبك بالعدوى، وهو الوحيد الذي كنت تستطيع التمادي معه في كل تقلباتك و تضع رأسك في آخر الليل أو أول الصباح على كتفه دون تأسف على مافات، وهو الوحيد الذي لم يكن ينام ولا يأكل وأنت خارج البيت في اجتماعٍ هام أو اختبار حاسم في الجامعة ويقف خلف باب الطوارئ منتظراً خروجك ليشعر بعد الإطمئنان عليك أنه شبع من الطعام و النوم فيذهب ليشاهد فيلماً أو يقوم بواجب عائلي وهو بكامل الرضا و الإبتسام، وهو الوحيد الذي رأى الحب هو المنطق من حيث رأيته أنت العبَث، فلولا اندمار الحب لما فتكت الحروب بالعالم ولما انفجر عدد الشهداء الأبرياء من نساء و شيوخ وأطفال بلا انقطاع منذ اندلعت الكراهية والجهل و الأحقاد حتى أثناء كتابتي هذه إليك وإلى ما شاء الشيطان لهم أن يمتدوا، ولولا اندمار الحب لما أصبح المدّعون إدمان القراءة كالحمار يحمل أسفارا، ولولا اندمار الحب لما تركتني كما يترك رجل بدين قطة في الخارج ويغلق دونها الباب لا شيء، سوى لأن وقت التسلية معها قد انتهى وحان وقت الجد و قضاء الحياة مع الذين ليسوا الحبيب، لكنهم القريب الذي لم يفعل شيئاً ولم يحمل خاصية من خواص الحبيب ، وهو الوحيد الذي كنت تتعرى من ذاتك معه فتتحرر، الذات التي تلبسها طوقاً من حديد ساخن عندما تكون مع الأقربين. وهو الوحيد الذي مثل أمك، أحبك كما يحب المرء الجنة، وهو الوحيد الذي مثل أعداءك ، كافحت للتخلص منه.

أتعرف من هو الحبيب الذي ظننتك لن تكون نادماً على الحب الذي قضيته بضع أعوام معه؟ إنه الذي أخطأ في حق جلالتك مرة واحدة بلا شعور وجلد نفسه بعدها كل يوم بكل أسواط العالم التي يحتفظ بها الضمير في الخزانة السرية وهو نفسه الذي دهسته أنت بكامل شعورك ، و وضعته بأناقة مايكل كورليوني بعد أصبح زعيماً، على رصيف الحياة لا يعرف إلى أين يتجه ولا يذكُر الطريق إلى نفسه، وهو الطريق الأهم من الطريق إلى البيت.

بدون عنوان

tumblr_nt99but1db1qcf52xo1_540

و أفسح الطريق في قلبي لهذا الفراغ الحاسم. أعرف أنني هذه الأيام أتحرر، لكنني أرى موتاً لا تراه. لا يهمك..لا يعنيك بغصن ريحان ولا بأريج زهرة. لم يكن يعنيك من كل هذه الرحلة الدهرية سوى أنها تشعرك بالخطيئة. أكنت تريد أن تكون رصاصة الرحمة التي أطلقتها بحرفيَّة على منتصف القلب قاضيةً حقاً أم أردتها فزاعة تقف على أكتافها الغربان متغذية على الدم المسكوب تحت القميص؟ لست أشعر أن وعيي ملتبس، بل أعرف هذا. أعيش التباس الصدق بالكذب و الحقيقة بالخيال والحب بالتسفيه مثلما يتآكل المقهور في مستشفى المجانين تحت حمض التباس ظلم ذوي القربى بعدل البعيدين. الحقيقة الوحيدة غير الملتبسة هي أنك لست ذي قربى، ولهذا تتجلى الغمامة رويداً رويداً عن وجعي لتكشف لي أن أحداً في هذا السفر لم يجرم في حق نفسه كما فعلت بنفسي و ظننت أن في الانمساخ إلى الروح التي أحببتها خير. لم أفعل باطلاً معك.لقد كان كل شيء هو أني أحبك جداً. وها أنت.. تضحك جداً، بين اقربائك الغالين عليك في ملحق بيتكم، أو إحدى الاستراحات. تنام نصف اليوم و تقضي نصفه الآخر تلبي أنانيتكم في الاحتكار الشامل للوقت، لأنك كريم زدتهم احتكاراً للقلب. فلم تكن مرة في الجوار، إلا بعد أن يزعجك صوت القطة و تعلقها بطرف ثوبك كي تمسح على رأسها قليلاً وتعود إلى الداخل تمرح كما يمرح أحمد وباقي الرفاق، رفاقك. أيها البعيد.. لا كبُعد النجوم، فها أنت تثبت ملء قوتك أنك لست نجماً، بل كبُعد الإنسان عن إنسانه. وهل بعد خلع الحُب الذي ظن الإنسان أنه تميز به عن البهائم بُعداً مهدوراً بلا سراج ولا محطة بنزين؟

منذ أحببتك وأنا أحارب. حاربت كل شيء غالٍ و رخيص، تعاركت حتى مع طواحين الهواء لأحميك مما يثير جيوبك الأنفية كي لا يداهمك الصداع. تحولتُ إلى النسخة النسائية من دون كيخوته و في خضم الحرب توجهت إلى نفسي وتعاركت زمناً طويلاً وقاسياً معها، ثم حدث أن هزمت نفسي. أنا هزمتني، وأنت على صفوف المتفرجين تصفق و تجاملني عند الذهاب إلى البيت بفكرة إنقاذ لم تنفَّذ قط. هزيمة ثانية، لكنها ماحقة.

لطالما كانت قسوتي كقسوة قطط، بيضاء كلون أشيائي التي سمعَت أحاديث حبنا و استهزاءاتك اللامنتهية بي. أشيائي البيضاء التي شهدَت على ما كنتُه معك وما حدث لي دوماً بسببك. ما كان يحدث لي دوماً بعد خصاماتك،وما كان يحدث لي دوماً بعد مجاملاتك فاخرة الكلمات باردة الرغبة. قسوتك كانت دوماً كقسوة البشريّـين. أكلوا لحوم بعضهم في قديم الزمان، يأكلون لحوم بعضهم اليوم بأدوات تواكب العصر، تواكب فوران نشوة الركل و صفق الأبواب، البشر كانوا دوماً بأفعالهم في مرتبة سمو أدنى من مرتبة الحيوان. لذلك ترفعت طوال حياتي عن الكوْن بشرية، احسب معي كم من البشر نجحوا في بلوغ قمة هرم الآدمية ( الإنسان) ؟ لست أقول أنك لستَ إنساناً. أنت خير الناس مع كل الناس. لكنك كنت بشراً معي، إنسانَتُك الصغيرة التي لم تقل عن صورة الشمعة استهلاكاً، بل ذابت في حسنك كما تذوب الشموع.

أفخر أنني لست ممن يكفرن العشير، ولا ممن يهبطون إلى درك النيران، أولئك هم الجاحدون وناكرو الطيبة و القصائد الحُلوة. أحتفظ بكل ذيك الذخيرة في دمي، حيث لا أحد يستطيع سرقتها ولا التلصص عليها كغيور. لكنني من الواقعيين، الذين يربطون القول بالفعل فتخرج لهم الحقيقة. مثل من يصلي وحالما يفرغ من التسليم يخرج ليخالف أنظمة المرور و يصرخ على بائع البقالة الذي لم يحضر أغراضه بسرعة و يشتم عامل غسيل السيارة لأنه نسي بقعة على الزجاج الأمامي. عندما تتراكم الصغائر تصبح وحشاً دميماً لا يمكن النظر إليه بالعين ولا التفكير فيه بالبصيرة. ما كان يحدث بيننا هو أنك تقول ما لم تسمعه أذن بشر، لكنك تفعل كل ما يخطر على قلب بشر حذروه أصحابه من الوقوع في مغبة من يتخذونه نزوة، وإن طال وقت المكوث معها. أخبرني ماذا تفعل الآن في إجازتك التي كنت تقول أنك ستصلح فيها وضعينا؟ يبدو أنك الآن في الطائرة تحلق إلى منتجع الترفيه والطمي، أو أنك وصلت بالفعل وبينما أكتب هذا الهراء متسخة بجروحي من نعوتاتك تتمدد أنت الآن على شاطئ تشرب فيه ما كنت توهمني بمحاولة الإقلاع عنه ثم تعود إلى غرفتك في الفندق الفاخر لتنام ثملاً مجرداً من كل شيء جميل لم تستطع الحفاظ عليه مجرد مني، شئتَ أني من هذه الأشياء الجميلة أم أبيت. كنت قد وصلت في التشظي بينك وبينك إلى أنني أتحمل كل شيء من باب الواجب بعدما تغلغلت في دمي واستحال علي وسوف يستحيل إلى الأبد أن يحل جين رجل آخر محلك، من باب الصبر تحملت، لم أعد أتحمل من باب الحُب و العشق والإدمان. منذ نفضت كل هذه المشاعر اللاإرادية عن عينك كرماد سجائرك البائتة وأنا أخجل من نفسي إن تلفظت بالعشق والجنون أمامك، مؤخراً تحاشيتها حتى بيني وبين قلبي. أيُّ قلب؟ الذي استقر في لدنك و ترفض الآن ملياً إرجاعه في صدري؟ أم الذي حمل همومك و لفَّها بحبُّه ودفنها بطريقتنا السرية تحت الرمل مدثراً إياها برعايته كي لا تخرج مجدداً و تؤذيك؟ أتفهَّم رفضك لقلبٍ في أمانتك، كلا.. ليس هكذا، أقصد أتفهم رفضك لأمانة استودعتها عندك. هل اتسعت ثقافتك يوماً لتعرف أن الأمانات الروحية التي لا ترى أغلى ثمناً و أهم قدراً من الأمانات النقدية و سبائك الذهب و قطع السلاح؟ ولأنها أغلى ثمناً.. لم تستطع تدثيرها بمحبتك ولا امتنانك. لذا.. ها نحن، نقف في العراء، أحدثك حديثاً أعرف أنك لن تسمعه سوى بالصدفة و تقف قبالتي مدبراً إلى مرحك و حياتك المكتنزة بتفاصيل مملة و أخرى مثيرة، لم أكن واحدة منها على كل حال. اتساءل كلما صدمتني بتجبرك ، كيف تربيت بين حنانيك كل هذه السنوات دون أن أهرب من تمللك الذي لم يتوقف عند حد مني؟ كيف قبلتُ أن أكون نزيلة في حياة رجل لا يريدني؟ هل لأنه كان قوياً بما يكفي لمجاملتي كل هذه السنوات؟ ما الذي يحدث؟ كنت أعيش على هاوية اسمها..اسمك. وقعت كثيراً، انتشلتُ نفسي بنفسي، لم يحدث أن كبُرت مجاملاتك مرة لتمد يدك و تنتشلني منك، أو تنتشل نفسك من العبث بحبي الذي أقدسه ملء كُلي، لأنه فاق الحقيقة و استوى على عرش الفلَك ككوكب درِّي. أيقنت أنك من الناس الذين لا تهمهم الأوطان. لا تعنيهم هذه الشعارات التي لا تشكِّل فرقاً في منجزاتهم التي يرغبون في اكتسابها لا في الحصول عليها. لذلك عندما كنت وطنك لمَّا اغتربت بك الأحوال لم تتأثر. لم يفرِق الأمر معك. سوى برسالة شكر بعثتها لي بعد انتهاء المهمة مرة تلو مرة. وهذا كل شيء! كان كرْم الحقيقة ينجلي أمامي كلما بكيتُ ولم تسألني لمَ تبكين؟ لكنك تخشى سخريتي من تهكماتك فتسألني منزعجاً عندما أضحك..لمَ تضحكين! لست أقوم الآن بتشويهك. إنني لا أشوه ولا أنسف أي شيء في محياك الوسيم و طيبتك التي شهدت لك بها مراراً وهي طيبة لم أر ما يوازيها بين المعتاشين بيننا ممن نعرف و ممن نجهل. لست أضعك على طاحونة الخطأ و أطحنك. لم أضربك بالظنون ولم أفعل شيئاً سوى استرجاع ذكرياتي المعاقة معك. شيء لا يحتمل لكني احتملت. لم أكن لقيطة وجدتها على باب المسجد لتقول أنك تشعر بالخيانة عندما تنظر إلى وجوه الأولين. ولم أكن امرأة تحمل مكنسة الساحرة الشمطاء لتؤذي كل من حولك كي تظفر بك. لم أؤذك أيها البعيد كإنسان. فلم آذيتني ملء استطاعتك؟ هذه الإستطاعة التي انتظرتها لنكون في مدار واحد، وحيد..لا ينفك ولا يقبل المشاركة. مدار يغير وجه العالم ويسقط أسماء العشاق ليتفرد باسمه المتلألئ و يقلع الأشجار من جذورها ليتجذر في الأرض كالعروق ولا يترك قيد أنملة لجذر آخر يثبَت في الأرض الطيبة غير جذره الملفوف.

هل من مناص من الحب؟ عني..لم يحدث. لذلك أعيش أحبك. ولذلك.. أنت حر منذ الآن من وجودي بجوار قدمك كقطة متسولة، لا يا عزيزي، افرش سجادة نزهاتك على المكان بلا تهذب يستهدفني. محل صغير في منتصف الخط السريع بات أكثر كرامةً و أماناً من محلاتك التي تسع الكون بمجراته، لكنها لم تسع قُطري النحيل مرة.

رسائل إلى محور الكون في يوم الطوابع العالمي

tumblr_nvyq7pAJUN1ts4bj0o1_400

أنا من المدمنين على متابعة الأيام العالمية غير الشعبية، التي لا يتفاعل معها ويهتم بها وينتظرها العموم، سوى من له شأن أو هوى متعلق بغرابتها لسبب أو لآخر، كاليوم العالمي لطوابع البريد، مثلاً. إنني أكتب الرسائل لأمي وأبي منذ الصغر، وأذيل رسائلي في كل مرة بالدعاء لهما بالرحمة وأن تصل تحيتي ومحبتي وشوقي وقبلاتي إليهما في الجنة. علاقتي بالرسائل مثل علاقة العاشق بمحبوبته. أعتني بها وعندما أكتبها بيدي على ورقة أوليها عناية أكبر من عنايتي بها عندما أقوم بكتابتها على الكمبيوتر. أزينها وألونها وأعطرها بالزهور المجففة وأضعها في ظرف أبيض دوماً، تعبيراً عن محبتي البيضاء للمرسلة إليهم. عندما أصبحت أنا وصديقاتي في الجامعة وافترقت بنا طرق الكفاح أصبحت أمنحهم هدايا الفتيات للفتيات كالملابس والعطور و أدوات القرطاسية التي تصبرهم على عناء الدراسة، لكن عندما أرفق لهم رسالة مع الهدية يقُلن أنَّها أكثر جمالاً و معنى من الثوب الهدية الذي أكون قد اشتريته من مانجو و زارا و نيويوركر، أو من عطور فيكتوريا سكريت و ديور التي نجتمع أنا وهن على حبها. الرسائل هي ترجمة لما قلته في إحدى نصوصي القديمة جداً، والتي نسيتها تماماً عدا هذا السطر: ” عند خروج المرء من عربة العزلة، تصبح الكلمة هي أصل كل شيء يحدث مع الآخرين. هي أصل كل خير و شر وما بينهما من فزع ودهشة”

اليوم, التاسع من أكتوبر يوافق اليوم العالمي لطوابع البريد . احتفالي بهذا اليوم هو رسائلي إلى محور الكون في حياتي. الأهم، الأغلى، الصفوة التي كل أحد عداهُم أياً كان موقعه في القلب فهو في منزل آخر غير منزلهم. منزل جميل وأنيق ورائع، لكنه ليس شبيهاً في شيء بمنزلهم، لا بقياس الغريزة فحسب، هي واحداً من المقاييس، فأنا لم أعش مع أمي وأبي حيث رحلا إلى الله قبل أن أحفظ ملامح وجهيهما الطاهرين، بل و بقياس الفرق الشاسع في تفاصيل حياتي وذكرياتي الجميلة والفارقة مع الأحبة. بقياس الفرق الرحب بين حبهم القوي الوطيد لي، وحب كل أحد آخر قال لي في أي مكان (عمل، جامعة، حفلة، تويتر، منتدى، إيميل) أنه يحبني.و كم أمتن وأشكر وأحترم وأقدم تحية على الطريقة اليابانية لكل من أحبني بلا سابق معرفة أو تفسير يُقنع العقل. أحب الناس الطيبين أينما تقاطعنا في دروب الحياة، لكن لكل شيء محور. ومحور كوني هم أنتم يا :

أبي،

لقد كبرت. لم أؤذي أحداً في حياتي. ولم أنتقم من أحد أذَاني. تركت الظالمين لله، أختصم منهم يوم نبعث ويبعثون. أصبحتُ أستطيع أن أكون عينيك التي تشاهد بهما الطريق عندما يضعف نظرك و تزيد وسامتك بارتداء النظارة، لأنك حتماً كنت ستفضِّل أن يكون إخوَتي الرجال ذراعيك الإثنتين وعقلك. كما أستطيع الآن أن أكون عصاك التي تتوكأ عليها عندما يغضبك أحد المعتوهين فتنسى حكمتك لوهلة، منذ كنت في السادسة من العمر وأنا أستطيع حمل أكياس السوق عنك، أما اليوم فأستطيع حمل جالونات المياه وأنبوبة الغاز يا أبي. ستعطف عليَّ لأن جسدي نحيل و ظهري سيتقوس قريباً تحت وطأة آلام الكلى التي عاشت معي في رحلة طويلة ويبدو أنها وجدت فيَّ مستقراً و ملاذ، لكن أؤكد لك أن قوة حبي لك تتفوق على نحول عضلاتي، ليتك هنا يا أبي لتجرِّب و تخبر إخوتي أن لا يخافوا عليك، فمعكَ البطلة التي تلهو وحيدة، لكنها لا تعيش و تسعد إلا معك حتى وأنت بعيد بجسدك، عند الله. أخبرتك في رسالتي السابقة أنني عدت إلى مقعد الدراسة، و الآن أخبرك أنني عدت أيضاً إلى مقعد العيادة و البدلة الخضراء، و الأخرى النيليّة، في غرفة العمليات. أسير كما كنت تحلم يا أبي. طبيبة يحبها كادر العمل الذي يزاملها قبل المرضى. يحترمني الجميع ويقدِّرون لي كل تطوع أبادر به دون طلب أو ترغيب، عندما يزداد احترام أحدهم برغم أنني أقوم بواجباتي ولا أفعل شيئاً خارقاً للعادة، أشعر أنه يفعل ذلك لأنه يراك واقفاً بجواري مبتسماً بفخر. أحبك يا أبي، أشتاقك، وأقول لك أني بخير وإخوتي رائعون وعظماء ويبرقون مثل سبائك الذهب في صيتهم بين الناس. يعتمد عليهم كل من يعرفهم. حفيداتك كبرن واثنتين منهن أصبحن في الجامعة. ستصبح واحدة منهن سيدة أعمال ذات يوم، تحب الإدارة والإقتصاد وتقوم حالياً بعمل ميزانية بيتهم، أخي وزوجته سعداء. يقولون أن تدبير ابنتهم رائع ويجب أن لا يكون مكان هذه الموهبة محصور على البيت. ادعُ لها يا أبي. لديك حفيدة مميزة وجميلة. أما الأخرى فكانت مكتئبة لأن حلمها في الطب تبدد، لكنها ستصبح ممرضة عظيمة نعلق لها لوحة شرف في شجرة العائلة. لديك حفيدات شقيّات أيضاً، يعشقن الدراجات و أطواق السباحة! غفران تصبح وتمسي على أعمال التريكو. كلهن متفوقات في المدرسة ويحصلن على العديد من الهدايا المدرسية طوال العام. يحببن الحياة وتحبهن الحياة. أحب فكرة أنهن جميعاً سيصبحن من أحسن النساء يوماً. سأكتب لك قريباً لأخبرك آخر أسراري الجميلة. أنا محترمة و أتسامى دوماً عن توافه الحياة و جهل الناس بي يا أبي. علمتني جدتي كل شيء كنت تنوي تعليمي إياه. مقتنعة و محِبة لكل مبادئك أنت وأمي. أحبك.. كن بخير وارسل لي في المنام دوماً.. رضاك عني.

أمي،

هذا اليوم العالمي للطوابع يا أمي. لا زلت أحتفظ بألبوم طوابع البريد خاصتك. إلا أنني في مكان بعيد هذه الأيام، ليتني بجوار صندوق أغراضك لأتنفس ألبومك اليوم. دائماً أكتب لكِ رسائل طويلة. هذه المرة رسالتي الطويلة كتبتها لأبي و سيطلعك عليها حتماً يا أنيسته السرمدية. أما أنتِ فسأقول لكِ أنني كلما كبرت ازددت شبهاً منك. خالاتي و خالي الحبيب يعيدون علي هذا الأمر بدهشة متصاعدة كل مرة. لقد كبرت يا أمي وتجاوزتُ سنكِ عندما اصطحبكِ الله إليه. أشعر بخجل عارم من هذا. لا أحب هذا العُمر. لا أحب فكرة العيش أكثر بعيدة عنك وعن أبي. لكنني أصبر لأجلكما، ولا أؤذي نفسي. كوني مطمئنة إلى إيماني يا أمي. طبخت منذ أيام ما تسميه الصديقات بلهجتنا اللا قاعدية، رز العزائم! كبسة لحم. هذه المرة الثانية. طبختها للعائلة، وكانت النتيجة أجمل من توقعاتك. حدث شيء جميل آخر يوم أمس. موقف مع مريضة سأخبرك به سراً في رسالة أخرى قريباً، زرت المريضة في المساء في جولتي الاعتيادية على المنومين بعد العمليات الجراحية، فقالت لي: الله يرحم أمٍ ربتك. من أجل هذه الدعوة صليت ركعتين بععد صلاة العشاء دعوت فيها بشفاء عاجل للمريضة، ولكِ يا حبيبتي التي ترافقني بركاتها أينما كنت. إنني اخطئ كثيراً يا أمي. غاضبة من أحوال الأبرياء في العالم. الدم لا يتوقف، الحروب دمرت كل أمل للمساكين والآمنين و المسالمين في بيوتهم ومساجدهم. بل وحتى في حفلات أفراحهم. يحتقن الغضب في رأسي ويقضي على حلمي وصبري ويضيق بأخلاقي. أكره الخونة والخسيسين يا أمي. يفقدونني الشعور بالأمان ويتحول العالم في عيني إلى أدغال للحيوانات المتوحشة والزواحف المميتة والديدان. كل هذا لأنهم يشتركون في الجحود. هؤلاء الذين يأخذون ما تمنحيهم باليد اليمنى ويعضون اليسرى ثم عندم تمرض أو تشل يبادرون بلا وجل لبتر اليد الأولى التي منحتهم. خونة الوطن من مواطنين ومقيمين وجيران أكلوا من نخلِنا أضعاف ما أكلوا فقراءنا لم أعد أحتملهم. أشعر بالذنب لأنني أكتب لك عنهم. لايستحقون من الذكر شيئا. إنما طرأتُهم لأرجوكِ التوسل إلى الله كي يبعدهم عن بصري كما أبعدهم عن بصيرتي وله الحمد والشكر. أحلم دوماً أن أكون بعذوبتك. لكن الأحوال اليوم ليست كما كانت في وقتكِ الذي نسميه اليوم زمن الطيبين. لمَ لم تأخذينني معكِ يا أمي؟ ألستِ تحبينني؟ كيف احتملتِ العيش كل هذه الأعوام دوني؟ ألأنك في الجنة التي فيها مالا يخطر على قلب بشر؟ لك الحق. لكنني تمنيت لو كنت معكِ في ذاك النعيم. هل تعرفين يا أمي أن الهيبوكسيا الذي أصبح يلازمني في الشهور الأخيرة هو بسبب الحزن الشديد الذي لم أعد قادرة على تبديده لأن مفتاح القضاء عليه هو أنتِ وأبي؟ لا تبكي الآن يا أمي أرجوكِ. إنه أمر فائق عن الإرادة. جميع العلماء يؤمنون أن العمل وشغل الوقت علاج ناجح للاكتئاب. وأنا لا أجد وقتاً فارغاً إلا بالتعمد أو الصدفة. حزني ليس نتاج فراغ. لكنني أكتشف بعد كل موجات عاتية من عمل متواصل وأشغال لا تنتهي أنني لست آلة إنتاج. دمي ليس نُشارة حديد. أريدك. أخطئ وأترنح وأسقط أحياناً في تصرفاتي لأنكِ حكمتي و طُهري الغائب. أستحضركِ يا أمي لأتوازن. و بعد كل اتزان أقدم اعتذاري بشجاعة لمن تضرر باختلالي. يحبني ويشد على يدي المخلصين، ويستغل خطأي ويضربني الجاهلين و الأنانيين. وأتذكر أن رحيلهم أخف لسمائي المكتظة بالنجوم، ليس في عددها، بل كثافة روحها التي أحب. القراءة رفيقة جوارحي ما حييت. أحبك أكثر فأكثر كلما تذكرت أنكِ كنت تدمنين القراءة لتعويض مافاتك من معرفة والحق أنه لم يفوتكِ في الجامعة شيء سوى وثيقة الشهادة فحسب، بينما أبي مدمن على قراءة الجرائد ليعرف الأخبار لا غير! حفيداتكِ يا أمي بينهن واحدة تشبهك كلما كبرت، المحيطون بنا يقولون طبعاً أنها تشبهني لأنني الجسد الحاضر أمامهم. لكنني أذكرها دوماً أنني أشبهك وبالتالي فأنتِ شبيهة بالأصل والفرع معاً إلا أنها أجمل من الفرع و أبهى. أبكي كلما أتخيل كم أنتِ أجمل منها بجنون يا أمي. كوني معي بجلال صلاتك الأبيض المزخرف برسوم زهرة الخزامى. أستيقظ من النوم سعيدة سعادة تدهشني كلما زرتني في المنام. ارضي عني يا أمي. فأنا أجاهد لأكون أنتِ والله.

إخوتي،

تحبون خير الكلام ما قل ودل. إليكم إذن، أنتم وسام هويتي الأغلى منذ خلقت وحتى أموت. أدين لكم بما وصلت إليه اليوم من نجاح في العلم والاعتماد على نفسي في كل شيء. كنتم حكماء وعرفتم مصلحتي كما يجب وكأنكم أمي وأبي. أشكر لكم قسوتكم علي في الكثير من الأمور المفصلية، فلولاها ما كنت بالصلابة التي تمتدحونها فيَّ. أشاهد بأم عيني وحواسي كم تحبونني وتخافون على صحتي وتزهون باسمي في مجالسكم وأحاديثكم. وهو ما أفعله تماماً في كل مكان يجب أن تذكر فيه أسمائكم ليكون سامياً بسموكم يا أصحاب السمو. أحبكم..ليست شهاداتي العلمية وشهادات تفوقي وتكريمي و مكافآتي المالية هي ما أملك، بل أنتم..أنتم رصيد كرامتي وبعدكم نقطة ثم في السطر التالي كل شيء آخر كافأني به الله على أي شيء.

بنات إخوَتي،

ماذا لعلي أكتب أيتها الطفلات الجميلات؟ دعوني أتسلَّف منكم هذه المرة شيئاً، (أحبكم قد الكواكب والمجرات) وضعتها بين قوسين لأحافظ على حقوقها لكُن! لو عشت سنوات أخرى وفقدت ذاكرتي، لن أفقد أن هذا الحب هو حبكم لي. هاقد وثّقته كما يليق بجمالكم..يا قلائد قلبي الأغلى من الألماس. كونوا طيبين واعملوا ولا تفرحوا بأوقات فراغ طويلة. ناموا والعبوا وافرحوا بالأشياء الجميلة في الحياة فقد خلقَ جمالها لأعيُنكن، لكن ازرعوا، ازرعوا كثيراً لا بما يكفي لحديقة، بل بما يكفي لمدينة ريفية هواؤها عليل وحدائقها من كل صوب تسر الناظرين. أهم وأعظم من ينظر إليكم دوماً هو الله. أنتم سعادتي يا أغنيات منزلنا الطروب. في أقرب زيارة لبعضنا سنلعب لعبة جمع الطوابع وسأريكم ألبوم جدتكم وستقولون كم كانت فنانة و ذات ذوق فاخر.

صديقاتي،

أحلام، رانيا، فاتن،وفاء، سارة، شجون، ميرفت، لجين..

أحبكم. هذا خير الكلام ليكون أوَّلُه. والباقي كعادة الصديقات المكتنزات بالأسرار الخطيرة، لا يقال في رسالة قد تقع بيد الأمهات! سمعت صوت ضحكك يا شجون. أعرف أنك فهمتِ كل شيء. لهذا أنتن صديقاتي. قرأت البارحة قولاً لشخص يسمي نفسه “سطحي” أجل، هذا اسمه في تويتر، كتب قولاً عظيماً وأبدياً، لو كان من كتبه جبران و نيتشه لنقشه العالم بماء الذهب على بوابات الشؤون الإجتماعية و الأندية الأدبية! علماً أنني أحب جبران ومتأثرة بكثير من أحاديثه. أما نيتشه فهو كما يقول محبوه (شنب) أي رجُل بحق! لكن هناك مجهولون عظماء أكثر من مشاهير العظماء. حقيقيون بلا رتوش. أهديكم قول هذا الرجل العظيم لأنه لخص رحلة عمرنا مع بعضنا منذ كنا في الخامسة نحلم بارتداء المريول الأخضر وحمل الحقيبة المدرسية و دفتر التلوين وعلبة الألوان المائية حتى اليوم..ونحن طبيبات ومعلمات و مهندسات ديكور..يا وفاء. (البند الأول والأخير في قانون الأصحاب ينص على أن: اضمن لك ان ولا مره بتكون لوحدك اذا ما عرفت اوقف معك بنطيح سوا) قبل عشر ساعات كتب أيضاً: (اخسر الكل إلا الشخص اللي يهون همك بدل ما يستهين فيه ، تلقاه في كل لحظة يبسط لك الامور ويخلي الحياة اجمل بعيونك.) أما العبارة التي حصدت أكثر عدد إعادة نشر من تغريداتي وهي للأردني المجهول العظيم أيضاً، بندر خضر، فهي ( عليك أن تجد علاقة مثمرة قبل أن تموت، ولو واحدة المهم أنه حين تتشاجر بإمكانك في النهاية وضع رأسك الملئ بالهراء على كتفه دون أن تعتذر حتى.) هؤلاء هم نحن يا عزيزاتي. النعمة التي أنعمها الله علينا. أما أنا، فأعرف ماذا تقلن عني، وكيف عندما أغيب أو أصمت أو أمرض، تشعرون كما تقولون دوماً بالضياع كمدمن المخدرات حين تتأخر عليه جرعته من الكوكايين. نحن نستحق أن نكون طوق ياسمين معقود بشريطة امتنان لله، لذلك كلما شكرنا الله على بعضنا زادنا فوحاً و وثوق. فشكراً دائماً لله.

حبيبي،

و نقطة لا بعدها شيء سوى الموت. هنا سقف كفايتي، دنياي و انغلاق دائرتي، دمي وشرايني، عقلي وعافيتي، صمَّام الهواء وسعادة الروح وضحكة الأيام ونور الكون..قمر الضياء وشمس الحياة، رجُلي الوحيد، نصفي الكُلي، الأول، الأخير، خاتم الوسطى و ألماس البنصر، نور العين وماؤها، معنى الشهامة و بياض الخيول، صوت الشعر وكحل الجفون، حلمي الأجمل و مُناي الأقصى، نضالي الذي لا يستكين، طوقي الياسمين، قيد معصمي المرصع باسمهِ الكريم، أحبـك يا كل شيء، أحبك وأبعث لك آخر رسائل اليوم لا لأني أحب الذين قبلك أكثر، بل لأنني كنت أتصاعد منهم إليك أيها القمة. لأن بعدك بابٌ موصد ثم لا بشر يمكنه الدخول. ولا جان يمكنه الصعود إلى سمائنا لاستراق السمع. يا آخر طيبة الكون و سخاء الأديم ونقاء المطر، أحبك وليتوقف خلفك العالم، أريد النزول.

saudi_frame1_centre2

غاسبار مؤسس طائفة الأنانيين

b5041470-ca8b-49c5-bfaa-d47bf39c515d (1)

سواء صعدت إلى الأعلى، أو هبطت إلى الأسفل السحيق، فإني لا أخرج عن ذاتي أبداً، لأن ما من شيء موجود بالمرة، سوى فكري الخاص.

قيل أن قائل هذه العبارة هو الفيلسوف الغروري كوندياك، لكن الرجل بطل روايتنا يقول أن أصل العبارة يعود إلى غاسبار لانغونهيرت. مؤسس طائفة الأنانيين الذي وضع لقبه بصورة منزوعة بعناية من كتاب “مجمع لوحـات كبار القوم.”

قبل الحديث عن رواية طائفة الأنانيين للأديب الفرنسي ايريك شميت المشتهر برواية مسيو إبراهيم وزهور القرآن، سأثرثر قليلاً عن موضوع هو ما شدني في نبذة هذه الرواية لقراءتها، لأنه من مواضيعي القرائية المفضلة في الفلسفة. ألا وهو الميتافيزيقيا وتطوراتها الفلسفية وارتباطها الوثيق بالإيقو في الإنسان الذي لا ينطلق في غروريته من منجزات واقعية يمتلكها أو اكتسبها بل من تصوراته عن نفسه بناءً على طريقة تفكيره في الأمور التي فشل في تحقيقها أو نجح، و طريقة تفكيره في الآخرين وشدة حساسيته من أفكارههم وتصرفاتهم. في رواية شميت معارضة حدِّية لمفهوم ديكارت على الميتافيزيقا. ف البطل الخرافي شديد الجمال والشباب وحسن الهيئة غاسبار لانغونهيرت هو في الحقية يمثِّل إله غير موجود، إلا في عقل من آمن بصفاته الموجودة عنه. بلا صورة، بلا صوت، بلا مادة محسوسة تصوِّره كائناً أمام العقل والنفس المشتركان في عملية التصديق والإيمان. كان يعبِّر عن نرجسيته وإلاهيته بصورة فوق عقلية فسخِر منه الناس ونعتوه بالجنون حتى مات وحيداً بلا ذِكر أو تخليد في صفحات التاريخ رغم تأسيسه لطائفة فاشلة كان لها أعضاؤها وهي طائفة الأنانيين الذين يعتنقون نفس عقيدته. كل هذا لا يهم، بل فكرة تأليه شيء غير موجود سوى بالصفات وإحساس النفس لا إحساس العين واليد، وفي هذا مطابقة أولية لديكارت تنحى إلى التناقض والمعارضة الجلية فيما بعد.

يقول ديكارت في تصدير تأملاته الميتافيزيقية: “إن كل حجج الملحدين في محاربتهم لمبدأ وجود الله يعتمد دائماً على أمرين: إما أنهم يفترضون في الله مشاعر إنسانية، وإما أنهم ينسبون إلى أذهاننا من القوة والحكمة، ما يملؤنا غروراً، فندَّعي أننا قادرون على إدراك أفعال الله، وعلى تحديد ما يستطيعه ويترتب عليه. لذا لن نجد صعوبة في نقض ادعاءاتهم، شرط أن نتذكر واجب اعتبار أن أذهانننا أشياء متناهية محدودة، وواجب اعتبار الله لامتناهياً لامعلوماً.”

من أقوال غاسبار لانغونهيرت عندما كان يدعو الناس إلى الإيمان بأنه الوحيد الموجود وهم مجرد أطياف وأوهام: ليس لي جسم، جسمي ليس مادة.

وهو ما يثبت تأليهه لنفسه واعتبارها تسمو على أعضائه المادية المحسوسة، التي أجاب على سيدة سألته أن يشرح كيف وصل إليها كفكرة، بأنه التأمل..هو ما قاده إلى هذه الحقيقة. وهكذا تأملات ديكارت قادته إلى إثبات وجود الله غير الموجود بأعضائه على الأرض كوجود الطبيعة الدالة عليه. ويمكن أن تلمح سخرية الكاتب من تأملات ديكارت في كتابته لشخصية غاسبار.

بالرغم من أن ديكارت كان صريحاً وشاملاً لكل أوجه التماثل والتضاد في تأملاته مما لا يجعل من فكرة السخرية من مفهومه شيئاً معقولاً، إلا أن ايمانويل شميت سخر بوضوح لكن يبق احتمال أنه لم يقصد التفكه على تأملات ديكارت نفسه بل على فكرة وجود الله نفسها و في هذا تناص مع مسرحية اللاشيء كما أسميها: في انتظار غودو. للمخبول حقاً، صموئيل بيكيت.

أعود إلى ديكارت وأورد هذا المقطع من التأمل الأول في مدوناته لأنه سهل علي فهم هذه الرواية المباشرة جداً في موضوعها والملتوية في مقاصدها حتى أنك تشك في النهاية أن الكاتب يقدس الله ويدافع عن وجوده بانتقاد من يتعاملون مع الآخرين بأنانية يؤلهون بها أنفسهم دون النطق بأنهم آلهة لكنهم يفعلون ذلك لأنهم فشلوا في الإيمان بالله الذي لا نراه. وهو التحليل الذي وجدت العديد من القراء يورِدونه في انطباعاتهم عن الرواية في موقع قاعدة بيانات الكتب. إلا أن حوزتي التي تحمل مسبقاً تأملات ديكارت وكانط عن فلسفة الإعتقاد بالله جعلتني أفهم شيئاً آخر أرجح صحته.

” إننا قليلو الثقة بالحواس. مما يجعلنا غير مستطيعين أن نميز.حتى بين اليقظة والحلم. لكن يترتب علي في هذا المكان أن آخذ بعين الإعتبار أنني إنسان. من عادتي أن أنام، وأن أرى في أحلامي الأشياء ذاتها التي يراها المخبولين في يقظتهم.أو أشياء هي أبعد منها عن الواقع. فكم من مرة حلمت أني جالس قرب النار ههنا، وقد لبست ثيابي، مع أني في سريري متجرداً من كل ثوب.”

” هل كان أرخميدس يطلب غير نقطة ثابتة، لا تتحرك.. لينقل الكرة الأرضية من مكانها إلى مكانٍ آخر؟ كذلك أنا. فإنه يحق لي أن أعلل النفس بأكثر الآمال إذا أسعدني الحظ، وعثرت على شيء ثابت لا شك فيه.”

” مايدريني..لعل هناك شيئاً آخر لا نستطيع الشك فيه، وهو يختلف عن الأشياء التي حكمت قبل قليل أنها غير ثابتة. ألا يوجد إله ما؟ أو قوة أخرى توحي إلى نفسي هذه الخواطر؟ هذا الإعتقاد غير واجباً، فقد أُحدِثُ تلك الخواطر من تلقاء نفسي، إذن ألستُ أنا شيئاً على الأقل؟ ”

” عندما أقول أنني تلقنت ذلك من الطبيعة، أعني فقط بكلمة طبيعة بعض الميل، الذي يحملني على تصديق ذلك، لا نوراً فطرياً يدلني إلى أن ذلك أمر حق. هذاك الشيئان يختلفان اختلافاً شديداً، بعضهما عن بعض. إذ لا أستطيع مطلقاً أن أشك في مايرشدني النور الفطري إلى أنه حق. كما أرشدني قبلاً كيف أستخلص وجودي من شكي. أنا لا أملك قوة أو ملكة سواه تجعلني أميز الصواب من الخطأ. وتدفعني إلى تصديق مايقوله النور الفطري. أما الميول التي تتراءى لي أيضاً أنها فطرية عندي، فكثيراً مالاحظت حين كان يترتب علي أن أختار بين الفضائل والرذائل، أنها تحدوني على الشر كما تحدوني على الخير.لذا لا أرى داعياً لاتباعها في قضية التمييز بين الخطأ والصواب.”

هذه المقتطفات من تأملات ديكارت يفترض على المرء الذي يُعجب بها ويتأملها ثم يفكر بها فيصل أخيراً إلى صوابها أن يستقر في قلبه شيء من الطمأنينة، وهي خاصية يتسم بها اليقين بالأفكار التي تصور لنا أن غايتها هي الخير لنا. لكنها أدت بجيرار لاغيري، الباحث الذي ينكب طوال فترة رشده وشبابه في البحث عن الأسطورة الوهمية غاسبار لانغونهيرت دعماً لنزعاته المشابهة لنزعاته التي كان يشعر بها، وهي فوقيته عن باقي الكائنات من حوله وأنهم مجرد فطريات متحركة.. إلى العمى، فشلل اليدين، فمصحة عقلية قضى فيها سنين طوال حتى توفي قبل أن يشيخ. وتكون نهايته بلا أحد يأسى لرحيله، أي كما حدث لوفاة غاسبار الذي استيقظ جيرار في إحدى نوبات هلوسته وهو يتساءل: أيعقل أن أكون أنا غاسبار نفسه؟

يحدث هذا عندما يكون يقين الإنسان منصباً على شيء فيه خير له وحده، ويزيحه بالقوة والشدة والضرر عن غيره من الناس ليتفرد به لنفسه دون أن يعلم حقاً ما الفائدة التي ستعود عليه من جراء مشاهدة المحرومين من مزاياه له وهو القادر على أن يتمنى لهم مثلها إن لم يستطيع منحهم كما منح لنفسه من خير. وليست فكرة تأليه النفس هي هذا الخير بالطبع.

555

هذا أول عمل اقرأه لشميت. سأحرص على قراءة عمل آخر له فقط عندما أتأكد أنه يتناول موضوعاً آخر مختلفاً تمام الإختلاف عن موضوع طائفة الأنانيين إنما بالتقنية التشويقية التي تحمل فكرة أكثر إيجابية من فكرته في هذا العمل.

ياسين قلب الخلافة

 800px-Berliner_kongress

هذه الصورة من ويكيبيديا لمعاهدة برلين هي من أهم أحداث عهد دور الحكم الفردي للسلطان عبدالحميد الثاني. وهو الذي تدور رواية ياسين قلب الخلافة عنه وعن عهدة في قالب تخيلي وليس تأريخي. أي أن الأحداث والشخصيات المذكورة في الرواية تخيلية لكن لم يجزم الكاتب ما إذا كانت واقعية أم لا بل قال في مقدمته: هي أحداث أدبية وجودية بالدرجة الأولى. ولا يجب التمحل أو التكلف في معرفة مدى مطابقتها للواقع، أي إلى قياسها بما هو خارج عن الأدب، الأدب لايمثل شيئاً سوى الأدب. و القول الأدبي لايمكن أن نخبر عنه بثنائية الصدق والكذب، بل بالتأكد من مدى انسجامه الداخلي والمنطقي..

وبالرغم من هذا الإيضاح المطول للتوقِّي من أي مساءلة تاريخية على حدث مورَد في روايته، إلا أن الروائي المغربي عبدالإله بن عرفة تفوق في سحب فضولي من أقصاه للبحث والقراءة عن السلطان عبدالحميد الثاني الذي لم أكن أعرف عنه أكثر من رتوش اكتشفت بالأمس بعد قراءة مطولة في سيرته وأحداث فترة حكمه أنها ليست شيئاً يُذكر أو يستفاد منه.

 يسمه شعبه بالسلطان المظلوم و يلقب بالسلطان الأحمر ويرفض معارضوه هذا التبجيل .

معاهدة برلين كانت تعديلاً لمعاهدة سان ستيفانو التي لم توافق عليها إنجلترا وفرنسا والنمسا وهي معاهدة أضرت بالدولة العثمانية لكنها وضعت كل أرض متنازع عليها في مكانها المتفق عليه لوقف الحرب. كانت تونس ولاية عربية إسلامية خاضعة لسيادة الدولة العثمانية التي فقدتها إبان مؤتمر برلين ووقعت في قبضة الإحتلال الفرنسي. كما احتلت انجلترا مصر بعد فتح قناة السويس في 1299 هجري. مستغلة اضطراب الحكم العثماني بعد المؤتمر ..

الحرب العثمانية مع اليونان أيضاً هي من أهم الأحداث لصالح السلطان عبدالحميد في عهده. حيث انتصروا على اليونان التي كانت طامعة في كريت ويانيا وطلبوا عقد مصالحة لكن السلطان استطاع الحصول على تعويضات مالية ضخمة جراء ما كبدتهم إياه الحرب والعدوان من خسائر.

 521916_207191716107207_1160955315_n

حادثة القنبلة في 1905 م .

من أهم الأحداث أيضاً وهي محاولة اغتيال الأرمن للسلطان عبدالحميد الثاني بغية إرضاء الدول الأوروبية صاحبة القوة وتحقيق مصالحها معها وكانت تعرف أن القضاء على السلطان يشكل ظفراً يسطره التاريخ لهم بماء الذهب. لكنهم لم يفلحوا في الإغتيال. كانت تلك الفترة متضخمة بتكالف الأعداء على السلطان، كانت بعد رفضه الإعتراف بتوطين اليهود في فلسطين رفضاً نهائياً لا مفاوضة فيه..كما كانت بعد قمع ثورة الأرمن وإرهابهم. فأصبح مطمعاً انقلب وبالاً عليهم بعد فشل محاولة الإغتيال التي تمت بالقرب من قصر يلدز الذي كان السلطان يقطنه ويدير شؤون الدولة منه، قام المجرم بوضع قنبلة في العربة التي ستقل السلطان بعد خروجه من مراسم صلاة الجمعة. إلا أن الشيخ جمال الدين الأفغاني استوقف السلطان بعد الصلاة للتحاور معه وكانا على عتبة الجامع فانفجرت القنبلة ولم تصب السلطان بسوء لكن ذهب ضحيتها أشخاص آخرون ولم يفزع السلطان بل قام بقيادة العربة بنفسه بهدوء وطلب عقد لجنة للتحقيق في الحادث وتم عقاب منفذي الجريمة إلا أن الذي قام بالتخطيط لها وهو رجل عميل يدعى جوريس قد عفي عنه فأصبح يدلي بمعلومات للسلطان عن ما يعرفه من مؤامرات في سياسات أوروبا بعد ذلك حسب ما تم تدوينه من أخبار. قصر يلدز اليوم هو مكان مفتوح للزيارة وبه متحف وجامع و تكيّة ومكتبة وملاحق فنية وثقافية ومآثر كثيرة للسلطان عبدالحميد الثاني، يدخل المرء إليه ويخرج باكياً إن كان ممن يحبون عقيدة الإسلام و عصور المسلمين المؤثرة..

عُرف عن السلطان عبدالحميد الثاني تدينه. كما عرف بجهود عظيمة في خدمة الإسلام ودفاعاً عن امبراطوريته الإسلامية وابتكار فكرة الجامعة الإسلامية في عهده وفي معترك سياسي حرج. فكان من مساعيه تعريب الدولة والإتصال بالدعاة والعلماء وإقامة مدرسة العشائر، و إقامـة خط سكـة حديد الحجاز. في الوقت نفسه على الجانب المضاد كانت تعمل أحزاب المتمردين البلقان وحركة حزب الإتحاد والترقي، ودعم الحركات الإنفصالية عن الدولة العثمانية. ودعم الصهاينة لكل هؤلاء وهو ما انتهى بعزل السلطان بعد الانقلاب عليه، وتأريخ سيرة تشويهية باطلة عنه لا زال أعداء الإسلام يتداولونها حتى اليوم ويحاولون تأصيلها عند الحديث عن الخلافة الإسلامية العثمانية وسلاطينها العظماء عامة، والسلطان عبدالحميد خان الثاني على وجه الخصوص.

كما كان السلطان عبدالحميد الثاني عاشقاً للأدب والقراءة. يقول الروائي عبدالإله عرفة في مقدمته أن السلطان كان مدمناً على روايات الكسندر دوما. كما زار المعرض الدولي للكتاب في 1867 م في باريس مع عمه السلطان عبدالعزيز، وقد كان الكسندر دوما حاضراً في باريس بذلك الوقت لكن لم يدون عن لقاء مؤكد بينهما.

يقول السلطان عبدالحميد في مذكراته عن رئيس وزرائه مدحت باشا الذي كان مستهتراً وفاسداً في المرحلة الأولى من حكم السلطان:

” لقد وجدت مدحت باشا ينصب نفسه آمراً ووصياً علي وكان في معاملته بعيداً عن المشروطية، و أقرب إلى الإستبداد.
“من المعروف أن أحرار ذلك العهد من شعراء وأدباء اجتمعوا مساء يوم صدور مرسوم القانون الأساسي في قصر مدحت باشا، لا ليتحدثوا في أمور الدولة، بل في أمور السكر والعربدة.و هم يحتسون الخمر. ومدحت باشا يدمن الخمر منذ شبابه ومعروف عنه هذا. والتقت نشوة الخمر بالنشوة التي بعثها القانون الأساسي، وعندما قام مدحت باشا من على مائدة الأكل خرج مستنداً على أذرع الآخرين حتى لايقع على الأرض. وبينما كان يغسل يديه قال لزوج أخته طوسون بـاشا وهو يؤرجح لسانه في فمه بتأثير الخمر: يا باشا، من يستطيع الآن..وبعد كل ماوصلت إليه أن يبعدني عن منصبي؟ من؟! قل لي كم عاماً سأبقى في الصدارة العظمى؟ رد عليه طوسـون باشا قائلاً: إذا بقيتم على هذه الحـال، فليس أكثر من أسبوع!

في مذكرات السلطان عبدالحميد أهم ما يجب على قارئ هذه الرواية معرفته عنه كي لا تختلط عليه الأحداث التخيلية مع الوقائع التاريخية.

__

عن رواية ياسين قلب الخلافة

20317963

قال تعالى: ( ثمَّ جَعلناكُم خَلائِفَ فِي الأرْضِ منْ بعْدِهِم لنَنظُرَ كيفَ تعمَلُون) سورة يونس

رواية عن الإنسان الخليفة. أو كما قال الكاتب عن قلب الوجود. يضيف الكاتب في المقدمة: الكعبة قلب الأرض، ويس قلب القرآن. ولا شك أن لكل معنى قلب. فما هو قلبُ الأمة؟

يتناول موضوع الرواية قضية الولاية. وهي نوعان، ولاية عامة ( المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) وخاصة وهي ولاية شخص على أقوام أو أمّة. عن الأخيرة يذكر الروائي مبحث للفيلسوف إيمانويل ليفانس بتسمية معربة هي تاريخ القداسة أو الصدِّيقيَّة. وهي المعنونة في كتابه المنشور عام 1977 بعنوان من المقدس إلى القديس، ولم يترجم إلى العربية. يتأسى الروائي على زوال عصور الخلافة الإسلامية إذ ليس لها وجود اليوم حتى في الدول الموسومة بالإسلام منهجاً وعقيدة. لكن المخصوص بالذكر هو التخلي عن شريعة ومنهج الإسلام في السياسة والتعامل مع السياسات الغربية والأوروبية. يقول بن عرفة أن نتيجة هذا الإلغاء هو انتقال ضمير المسلمين من التفكير في إطار الأمة العالمية و الإمبراطورية الكونية إلى إطار الدولة الوطنية القطرية، والخصوصية الثقافية بدل الكونية الثقافية التي كانت سمة المفكرين المسلمين.

تبدأ الرواية بكتاب الياء. ومفتاحه:

ياسينُ دورة الخلافة الصاعدة. اكتمل مع فتح رومية القسطنطينية، و بدأت دورة نازلة منذ ذلك الوقت.

وفيها حوار صوفي _ بل كامل الصوفية_ بين الشيخ محمد العربي الدرقاوي وتلميذه الشيخ محمد بن ظافر المدني الذي كان مرسولاً إلى المدينة المنورة لدعوة الناس إلى التواضع والذلة ليكونوا سواسية حسب تعاليم الصوفية والتي يستشهدون بشرعيتها من القرآن. كدعوتهم الناس إلى لبس الثياب المرقعة وحجتهم في ذلك قوله تعالى: (و طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) ودعوتهم إلى المشي حفاة وحجتهم في ذلك ( فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى) . دار الحوار عن تردي أحوال الأمة بسبب تدجيل النصارى وزحفهم إلى بلاد المسلمين ومحاولة الاستيلاء على عقولهم ومنها يصلون إلى بلادهم فيسلبونهم إياها كما سلبوا الأندلس من قبل. تنبأ الشيخ لتلميذه بخروج رجل عظيم من صلبه سيتولى خلافة دولة عظيمة ويثبِّت فيها تعاليم الإسلام لينتصر على الأعداء من نصارى ويهود وخارجين. أخبره بإسم رجل يذهب إليه ثم توفي بعد وقت.

يبدأ الفصل الثاني من كتاب الياء بمذكرات على لسان السلطان عبدالحميد الثاني وقد نوه الكاتب في المقدمة أنها روائية أدبية أي محتملة الحدوث لكنها ليست وقائعية ولا توثيقية أي ليس على المرء أن يأخذها على محمل التأريخ. المذكرات جميعها مكتوبة بلكنة واضحة التصوف و التبصر المحرم في مذهب أهل السنة و الجماعية في الإسلام. مثلاً:

” إن أشعة الشمس في الفصل الذي ولدت فيه تكون عمودية، ويتساوى الليل والنهار في هذا اليوم في جميع أنحاء الأرض، وهو أول أيام الخريف. ثم يبدأ الليل يأخذ في الزيادة من النهار.

_ وما معنى أن يولد الإنسان في وقت يزيد فيه الليل على النهار؟!

تعوذت والدتي من الإحتمال الذي فتحه سؤالي على كلامها. فقالت: أرجو من الله ياولدي أن يكون عهدك يا بني، حين تكبر وتتسلم الحكم، عهد نور وليس عهد ظلمة.”

لماذا كانت إسطنبول تسمى “إسلامبول” ؟ ترد أم السلطان: لقد بشر النبي عليه الصلاة والسلام بفتح القسطنطينية، لما قال: ( لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش.) وعندما فتحها المسلمون ودخلها جدك محمد الفاتح سماها إسلامبول لأن كبار صلحاء المسلمين كانوا يدعون الله أن يجعلها مدينة الإسلام.

يكمل السلطان قص الذكريات عن سيرته وطفولته وشبابه وتفاصيل تجولاته بالزي العادي لا الأميري في اسطنبول كما يتحدث عن حرب القرم التي هزمت فيها الدولة العثمانية و كيف قامت روسيا بتسميتها “رجل أوروبا المريض”. كيف انفصلت لبنان عن سوريا؟ ما هي القلاقل التي حدثت في بلاد الشام بسبب الدروز؟ وما هي قراءة ابن السلطان للأحداث والتي جعلته لا يستريح لتعاون والده مع أوروبا التغريبية على حد وصفه؟ كيف عاش بعد وفاة والده ومبايعة السلطان عبدالعزيز؟ ثم كيف كانت القيود الجديدة التي فرضَت عليه سبباً في انكبابه على الأدب والقراءة ومنها أعجب بكتاب الأمير لميكافيللي وتيقظ فيه الحس السياسي؟ ما الذي رجاه من عمه عندما طلب منه الأخير الزواج بالأميرة نازك آداء؟ وهي الزوجة التي وقع في حبها وأخلص لها وأنجب منها ابنته علوية. وكيف قام بوصف نورانية الأمير عبدالقادر الجزائري الذي أهدى كتاب محيي الدين ابن عربي إلى السلطان ووصفه _ أي الأمير عبدالقادر_ بأنه أجلُّ كتاب في روحانية الإسلام ؟ اشتهر الأمير الجزائري بحماية النصارى من القتل والاضطهاد في دمشق بعد الفتنة الطائفية. كان في مجلس السلطان عبدالعزيز الذي جلس فيه الأمير عبدالقادر من كان يسمى بالصدر الأعظم وهو مدحت باشا رئيس الوزراء. وكان يحاول استمالة الأمير لماسونيته فدار حوار بينهما قال فيه الأمير أنهم من الدهريين الذين لايؤمنون بيوم الميعاد وأنه لايستطيع إدلاء حكم جازم فيهم إلى أن يقوم بمناظرتهم فحاول مدحت باشا إقناعه ولكن تغلب عليه الأمير بحكمته ( شخصياً أعجبني رده) وقام السلطان بدعمه وأوقف الجدل قائلاً لمدحت باشا: كف عن هذا فأنا أعرف أنك مبهور بتلك الأفكار الجديدة. كيف تزوج السلطان عبدالحميد من زوجته الثانية بدر فلك؟ وما هو أثر الحوار الذي دار بينه وبين زوجة نابليون الإمبراطورة أوجيني على و الأميرة الفرنسية التي التقاها أول مرة في المعرض الدولي بفرنسا؟ أثره على طموح السلطان في تطوير بلاده وجعلها عالمية دون التخلي على الخلافة الإسلامية. ثم كيف تورط في مجاملة مجموعة من سفراء الماسونيين الذين حاولوا ضمه إلى جماعتهم بإجراء طقوسهم الدموية عليه وتلقينه القسم الخاص بالانضمام إليهم؟ كل هذه المذكرات على لسان السلطان عبدالحميد في كتاب الياء ولا يوصى بها لمن لا يمكنه تفهُّم قوالب الأدب المختلفة عن الإعتقاد الشخصي لأنه سيعتقد أنها تحاول تطبيع معتقداتها في عقله كقارئ وهذا غير صحيح.

الكتاب الثاني هو كتاب السين،

ومقدمة موضوعه تبدأ في نهاية كتاب الياء عندما فكر السلطان عبدالحميد المأخوذ بهموم الخلافة الإسلامية ومعاداة الدجالين للإسلام فقام بلقاء الشيخ ظافر أفندي وأسرَّ له همه فكان حواراً دينياً لا يخلو من المنطقية والمعلوماتية ولكنه احتوى من التأليف والنكهات الفنية اللازمة لتحسين لغة القص المقدمة ما احتوى..في جزئِه الديني ( التراثي). أثمر حوار الإثنين عن فكرة جامعة الدول الإسلامية. يقول السلطان:

” يجب أن تقوم دولة الخلافة على فكرة جيدة تجمع الأمة ، وأرجو أن تساعدني على ذلك.

فقال الشيخ: ليس هنالك أفضل من فكرة جمع الأمة يا مولاي على التوحيد. فقلت: وكيف نسمي ذلك؟

فقال الشيخ: نسمي هذا الهدف الكبير: الجامعة الإسلامية.”

كيف تم اصطفاف أعداء الإسلام والخلافة الإسلامية وبالتالي السلطان عبدالحميد حوله وضيقوا المكائد عليه حتى اغتالوه برغم العدد الهائل من مناصريه من الشعب؟ مما أدى لانهيار مشروع الجامعة الإسلامية. عندما خرجت جنازته كانوا يصيحون: أبونا..لمن تتركنا وترحل؟!

كان الشعب العثماني يعرف أن الأعداء والاتحاديون المعادون قد خرموا الدولة بفسادهم وجرائمهم مما يعني حتماً سقوط عهد الخلافة العثمانية الإسلامية وهذا ما كان بالفعل. كان المجرمون يعرفون كل شيء عن نبل وتدين وصلاح السلطان عبدالحميد لذلك قاموا بإحراق كل الوثائق الدالة على شيء عنه في قصر يلدز حتى لا يكون أحد ممن يؤرخون عنه قولاً صالحاً على حق ببيّنة، بل بتصديق الجوارح وهو الذي لا يوثق فيه عند السياسيين والماديين.

11988434_495445163948526_5331657377766746591_n

من أقوال السلطان عبدالحميد الثاني التي يخلدها له التاريخ:

” إني لا أستطيع التخلي عن شبر واحد من أرض فلسطين، فهي ليست ملك يميني، بل ملك الأمة الإسلامية. لقد جاهد شعبي في سبيل هذه الأرض ورواها بدمائه، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت دولة الخلافة يوماً، فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن، أما وأنا حي، فإن عمل المبضع في بدني لهو أهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من دولة الخلافة. وهذا أمرٌ لا يكون. إني لا أستطيع أن أوافق على تشريح أجسادنا و نحن على قيد الحياة.” السلطان عبدالحميد/ اسطنبول 1901

يوجد في نهاية الرواية هوامش تاريخية لمآثر وإنجازات السلطان الإقتصادية والاجتماعية فيما تعرف بتركيا اليوم. هذه رواية مهمة في عصرنا اليوم الذي هو أرذل وأكثر عصور الإسلام هواناً وانهياراً للمسلمين وأكثر العصور التي تفسَّخ فيها المسلم عن هويته و تبرأ من عقيدته واعتبرها انغلاقية غير مناسبة للتطور الحضاري والعولمة وبرمجتهم القائمة كلياً على أيدي غربيين ويهود وأوروبيين نسبة المسلمين منهم ضئيلة ومهمشة من أجهزة الرصد والتدوين وأولها بل أعلاها..جهاز الإعلام والميديا. اليوم هو الثلاثين من سبتمبر وهو الموافق لوفاة محمد الدرة الشهيد الفلسطيني الذي هز قلوبنا لكنه لم يهز في أنظمة الدول الإسلامية شيئاً يُرى بالعين لا يُسمع بالأذن فحسب. شعرت أن اختياري بالصدفة لقراءة رواية ياسين قلب الخلافة جاء في وقته، فشكراً للروائي عبدالإله بن عرفة.

فيديو لما عرف بمراسم تحية الجمعة في عهد السلطان عبدالحميد الثاني، حيث كان ليوم الجمعة تقدير ومراسم استقبال خاصة


(يؤتي الحكمة من يشاء)

*سألتُ الثلج: ما معنى التماهي؟

فقال: بأن تظل على وصالِ

سألتُ الثلجَ: ما الأرواح قل لي؟

فقال الروح من أمر الجلالِ

بكاءُ الثلج مثل بكاء قلبي

كريمٌ في الجنوب إلى الشمالِ

ومهما تبلغ الآلام فيه،

يعلمها الطموح إلى الزوالِ

سألتُ الثلجَ: ما حبٌ و دفءٌ؟

فذابَ الثلجُ، لم يكرِم سؤالي!

bkh

– الصورة من حساب الدكتور عبدالرحمن/ أحد الأطباء العاملين في الحج.

رحل كل شيء وبقيت وحيدة تماماً. هكذا كان شكل كتابتي لمذكراتي حتى وقت قريب. ثم انجلى سواد كان يحجب بدراً لا ينقص منه شيء متى ما تناقص الشهر ابتداءً وانتهاء، فبان لي أن كل شيء رحل لأن الله يحفني برضاه، اختار لي و لم يخيِّرني، لو خيَّرني لكُنت أعاشر ذلك النفاق و أصدّق ادِّعاءات المحبة والصداقة والتمنن على كذبٍ عذرهم الوحيد حين تمادوا فيه هو أنني صدَّقته. لقد ارتجف جسدي بكل جوارحي عندما وقعَت حادثة رافعة الحرم الشريف و تدافع حجاج منى فرأيت ما كان يُمكن أن يثير اشمئزازي من حزب الرمَد نفسه، لولا أن ما رأيت لم يكن جديداً على أيامنا هذه، ولا غريباً..بل نحنُ الغرباء! صعَد في قلبي امتنان عظيم لله على الخير الذي قدَّره لي بإبعاد هذا النمل من الناس عن طريقي. لقد سخَّر الأسباب التي كنت أظنها ظلماً، ثم أيقنت أنها عدالة الله من حيث لم يسعى الظالمون. أن تقوم باستغلال دماء الحجاج وضيوف الرحمن لتصفية حساباتك مع الملِك ( حكومةً) فتظن أنك أدليت بصوتك كفرد من الشعب و لم تمس الشعب بسوء فقد وقعت في عقر دار الجهالة وأسفي عليك أنك لن تجد الطريق إلى باب الخروج إلا إن أدركت في أيِّ دارٍ حططت راحلتك. لقد تساءلتُ ملء استغرابي، هل كل ما تم توثيقه من جهود تطوع خيرة شباب ( الشعب) من رجال و نساء ( أطباء، ممرضين، إسعافيين، جنود، دفاع مدني) كان هشاً أمام الغمة التي يفاخِر بها من طعنوا في براءة هؤلاء الصفوة من جناية التسبب في ما كان من وفيات و جرحى؟ نعم أيها الخائن. عندما تستغفل من يقرأ ما تظنه اعترافاً بالمشاكل و مطالبة بالإصلاح ومن يسمع ما تزعم أنه حب للوطن و نقد خطأ لتلافيه فتعتقد أنه مريض نفس مثلك لا يفرق بين الوطنية والمواطنة وحب الوطن و وجوب النقد فيها كلها كي تستقيم كوجوب إقرار الحق والشكر عندما يوفَّى الواجب بإخلاص.. فأنت قرن شيطان أعور. قد تظن أو تخاف من أنه يجب اجتثاثك. لكنك أصغر من أن يتم الإنشغال بما تحركه من برَك الحقد و الكيد. أن يكون موسم الحج هو فرصة تصفية الحسابات السياسية، فهو أجهل ما يمكن الجهل به سياسياً. إذ أن ميدان المشاعر في الحج ليس تنظيماً حكومياً قدر ما هو تنظيم أبناء وفتيات الحجاز البررة بالتراخيص النظامية، تجلس متنعماً قبالة جهاز التكييف في غرفتك وأمامك طبق التفاح والكيوي و بجواره كوب القهوة المزخرف برسوم من معالم نيويورك التي تسبِّح بحمدها وتضع في انستقرام صور رحلاتك إلى متاحف الشمع التي تجسم فنانين هوليود و تملأ الخط الزمني في وسائل التواصل والتفاعل باقتباسات عن الإنسانية والحرية والعدالة والفن الكامن في أن يكون المرء حكيماً لكنك تعجز عن اقتباس حياة أبناء ( شعبك) أيها المواطن أو المقيم المتظاهِر أنه من الشعب، تعجز عن اقتباس حياتهم في أعظم ميدان على وجه الأرض في صغر مساحته وعدد القاطنين فيه لآداء مهمة واحدة موحدة تجمعهم. ميدان في أشرف بقاع وطنك يفوق عظمةً على ميدان شارلي ايبدو (الجمهورية) وميدان الحرية و ميدان تقسيم! هل اتهام منظمي الحج بالجناية هو المطالبة الوطنية بالإصلاح حباً في الوطن بغيةً لوطن أجمل محاذياً لجمال دبي و اسطنبول و..نيويورك و صنعاء وطهران؟!

راعني أن كل الأسماء (الطبيعية) لهذا الطعن هي أسماء عشاق قراءة. جلساء كتُب وأدب و فن. لا يفتأون القيام بتدوير روابط الكتب الإلكترونية ولا يذخرون عن متابعيهم نشر روابط أجمل المقالات والأفلام عن أعظم أدباء العالم الذين اختص أدبهم بالإنسانية و المعالجة الإجتماعية. بل أن بعضهم احترف القراءة الفلسفية وتغزل مرات عديدة بإمبرتو إيكو و طال عقله الوضاء محاورات أفلاطون أيضاً! كنت أصدِّق كل شيء. فصفة “قارئ” تكفي لتغليف شخصية بالهيبة وإن كانت الشخصية اسم رقمي في مجتمع وسمه البرمجيون بالإفتراضي. ألم يكن من الممكن القول أن هناك قراء مدَّعون للقراءة؟ كاذبون؟ لا يقرأون شيئاً لكن يغريهم مجتمع القراء فيزجون بأنفسهم فيه زوراً؟ بلى. ليس ممكناً فحسب، بل وقع أيضاً، لكن لا أحد كان ينتبه للكذب إلا بعد اللسع من الجهل الفاضح. أو كما قال رفيق العقل عبدالعزيز ذات تساؤل: كالحمار يحمل أسفارا.

عندما حاولت نشر الحقيقة أصابني اتهام بالجامية. فتيقنت أن الجهل أطبق على العقل بإحكام لا مجال لرفعه كي يشم الهواء ولو بعد تيقظ وندم، إذ أنه كان مغلفاً بغشاوة سميكة السواد حجبت عن ذلك العقل الانتباه إلى أنني لم أدافع عن ملِك، بل عن نفسي وأبناء مدينتي ومنطقتي، سهرنا وتحملنا عوائق و مشاق وآلاماً أكثر من أن تحصى أو تحصر في قائمة شرف أو صفحة دفتر! _ لم أتشرف بالعمل في الحج هذا العام، بل العامين المنصرمة_ ولم نبغِ من وراء عملنا جزاءً ولا شكوراً، حافظنا على ابتسامتنا وروح اللطافة مع ضيوفنا حتى عدنا إلى بيوتنا فاقدين الوعي من الإعياء، لنصل إلى مطاف نطالَب فيه بالتماسك أمام اتهام جنائي ممن يزعمون حب الوطن. ثم عندما يجتهد جميع الوطنيين حقاً في إيضاح الحقيقة بشتى الوجوه والصور والفيديو وتصريحات المرابطين لا تسمع لهم صوت اعتذار ولا ” أيقونة” خجل، فضلاً عن ندم. يخجلون من إعادة تدوير الإنسانية في أبناء وطنهم، ويفاخرون بإنسانية كل امرئ من أمريكا، واوروبا. يشبهون بؤرة نار ينفخ فيها الشيطان ولا يذر. إنها ليست نارنا التي نوقدها لنتدفأ، ولا الأخرى التي نشعلها لنطهو عليها الطعام.

مشروع سكيتش نوتس العظيم فيما يبني ويعطي ويعلِّم كتب عبارة في صفحته على الانستقرام اليوم يقول: قبل أن تتعلم الرسم يجب أن تتعلم كيفية النظر للأشياء.

أجبته: أصبت. رؤية البصيرة تسعة أعشار ما يراه البصر.

و هكذا، فإن كان المرء بلا بصيرة، كان أشد عمى من الأعمى، إذ أن الأعمى يرى من بصيرته، ولا تعوزه عينه ما دام يفكر ويستبصر.

أحدهم _ مجهول الإسم_ كفاني كل شيء كتبته في الأعلى، بالقول: لستُ الآن مع أي شيء أو ضده، أنا الآن وحيد تماماً وتغمرني الوحدة بالرضا والارتياح. لم أعد أهتم بإثبات تفوقي أو إشعار الآخرين بدناءتهم، ولَّى زمن المشاحنـات والمشـاكل.

وهكذا، أكتشف وإن كان في عُمرٍ قصيٍّ عن البلورة، أن من قالَت يوماً في إحدى صفحات التواقيع: “أن تكون وحيداً، فهذه عقوبة الله لك” كانت تناجي نفسها، ولم تتحدث عن الوحدة حقاً، أو عن الوحيدين الذين وجدوا السلام و قصعة الوضوء خالية من الزحام على طاولة خارج المنزل، أمام باب الفناء الخارجي تماماً. حيث يمر العابرون الجميلون خِفافاً، ليسوا مثل نسمة، أو ريشة تسافر إلى حتفها، بل مثل وحيد في الداخل، يغزل قصصاً رغم خلو محيطه من القاطنين، لأنه الوحيد، البطل الذي يلهو وحيداً بسلام، إذ عرِفَ أن الله معه عندما يرحـل كل شيء.

– اللهم ارحم المتوفين من ضيوفك الحجاج وتقبلهم شهداء في جنتك واشفِ المصابين شفاءً عاجلاً غير آجل و جازِ المرابطين في خدمتهم و خدمة بيتك الحرام إحساناً و رضوانا.

الأبيات في البداية لعبد الرزاق الناعمة.

غيض من فيض، ذكريات أحفظها لنفسي لا للجاهلين..

CP09C6PUsAA9oOS

mor9989

ooooo

CP23uSbUEAArNsZ

CP2i41VUEAAx-i7CP2i41MVEAALEkg

Keep Calm & Type On..

grafontas-apo-me-kai-gia-tin-psychi_11

 

1

هي صديقتي، و بفخر أقول أنَّ صديقاتي جميعهن موهوبات. كل واحدة لديها مزية أتمناها في نفسي، لكن صديقات العمر يخبرنني أنني أمتاز بأشيائي التي لا يملكنها، والتي أغبطهن لأنهن لا يملكنها، إذ أنها مواهب مزعجة تثقل على النفس ولا يمكن للمرء القول أنها مواهب إلا إن كان يحب المرء الآخر الذي يمتاز بها، أو المبتلى بها. يجمع بيننا أن الظل هو صديقنا المكمل لأي عدد نكون عليه في لقاءاتنا. الظل كائن شفاف في دكنة سيماه، و الروح الشفافة يُرى جمالها عندما تعمل في الظل. هذه صديقة تحب الشعر، الكلمة العذبة، الرنين النابع من قلب يئن فيتكلم قصيدة، تتأثر صديقتي بهذه القصائد فتقرأها بصوت مسموع، تستطيع لمس الهيبة في ذوقها وتذوقها للقصائد المنتقاة بعناية روح. قامت بتسجيل إلقائِها لعدد من أجمل ما عرفه المتذوق العربي من شِعر. ولأنها تشعر وتفهم ما تقرأه، جاء إلقاؤها كهديـل الطيور. قصيدتين من أرشيفها الصوتي الصغير عرفتها أول مرة منها. حسبت أني قرأت كل شيء أشجانا به الفيتوري العظيم. لكنني فوجئت ب ” وقال مسعود الحكيم..” ، طوبى لحسك العذب يا صديقة، طوبى ف غلَبة الجمال دوماً لرفقة الظل. أشعر أن شهار التي تعاني من هزال الروح تتحول الآن إلى نورس يقف على فنار..زاهياً بإلقائك الخلاب. شكراً على تشريفي بفرصة إهداء هذه القصيدة لزوار المدونة..

2

كنت ألعب لعبة لم يسبقني إليها أحد من رواد التفكير، لا بل التفكير والبحث. أكتب تعريفات لا أقوم بحساب عددها، تعريفات كثيرة عشوائية بلا هدف، بلا توقف، بلا اتزان. ثم أفكر في عنوان لكل تعريف. ما الأقرب إلى أن يكون هو هذا الشيء المعرَّف في هذه الجملة؟ أو تلك؟ حدث أن حاز العقل على إحدى تعريفاتي التي كانت تتسم بصفة مجهولة الهوية قبل أن يتطفل العقل الذي كان يشعر بالجنون وهو يهيم بلا خريطة.. وينزِل عندها. شعرتُ أن العقل عامل ذلك التعريف معاملة ملك اليمين. أو الغنيمة التي تذهب لمن يحصل عليها. لم أعد راغباً في الخوف، لذلك تخليت عن الكراهية، إذ أنها صميم الخوف. ولم أعد غير راغب في الحب، الملكية الصرفة للمستأجر الأحمق تحتي، لذلك أرتدي من اليوم قبعة ميلان كونديرا.

هذا هو التعريف الحائز على نكبة العقل. عندما راجعت مفكرتي الخاصة بلعبة التعريفات وجدت كلمة “عقل” مكتوبة فوق التعريف وبجوارها نقطتين و سهم يشير إلى السطر الذي يليه مباشرةً وهو هذا التعريف الجميل! أظن أنه لو كان رجلاً لقتلني، و لقال أنني امرأة فاشلة في الحفاظ على الأسرار بعيداً عن أيدي العابثين، كالعقل ورفقاءه في السوء.

3

ثلاثة روايات خلال شهر أقدمها كحلويات لا توصيات. فقدت لياقة كتابة قراءة مطولة عن كتاب جيد. الشذرات كما كان يفعل سيوران تناسب لياقة فتاة مثلي، فتاة الهراء الذي يرتدي نظارة سوداء و بدلة كاجوال فيظن الناظرين أن لديه شيئاً يحل مشكلتهم المعقدة التي غالباً ما تنتهي في هذا العالم بلا حل.

2376088

رواية الطابور للروسي المتوحش.. فلاديمير سوروكين ، بالإمكان الضغط على اسم الكاتب للتعرف على أهم ملامحه الأدبية. وهي ماتوفر عنه بالعربية. قد أترجم يوماً سيرته المفصلة المذكورة في ويكيبيديا بالإنجليزية وفي موقعه الشخصي ( هنا )

الطابور رواية حوارية. لم يقدمها الكاتب في قالب قصصي بل حواري يمتاز بانتمائِه إلى هيكلة الحوارات العامية التي تحدث بين أي اثنين أو مجموعة في مكان غير رسمي، أو غير حكوميّْ. فهي على ذلك تفتقر إلى الإعداد والحبكة والوصف. وهو مالن يستحبه القارئ المتذوق لروايات دوستويفسكي وقصص تشيخوف. سوروكين ينتمي إلى مدرسة التجربة الطليعية. وهي تجربة بدأت في المسرح الطليعي الذي كان يخرج الفلسفة من قوالبها السردية إلى الجمهور في صيغة حوارية تظل تتسم بالنخبوية لكنها مهتمة بالتنوير الإجتماعي. أو جعل القارئ، والمشاهد يحمل هذا الهم معهم. تدور الرواية حول رجل يقف في طابور يبدو في البداية أنه بلا نهاية. يدرك المحتشدين في الطابور أن يوم العمل سينتهي وليس أمامهم سوى الذهاب والعودة في اليوم التالي لاستلام ما جاؤوا إليه. تقوم موظفة بتوزيع أرقام على هؤلاء المراجعين لتسهيل عملية التوزيع فيما بعد. يبدأ نفس الإجراء في اليوم التالي ويقوم بعض المراجعين ببيع أرقامهم لمن يقفون قبلهم في الطابور وآخرون يحاولون التحدث مع من قبلهم لإيجاد طريقة تسريع للطابور. بطلين محوريين في الرواية هما فاديم ولينا يتقابلان في الطابور وينتظران مساءً في الحديقة كي يكونوا من أوائل الواقفين في الطابور منذ الصباح. بعد ذلك يبدأ النداء على الأرقام والأسماء ونرتاع عندما نعرف أنهم يذهبون لاستلام أجسام مجهولة الهوية. لينا فتاة طيبة تدرس وتعمل في معهد منسوجات ولا تعرف أين مكانها في المجتمع. تسعى إلى تكوين أهمية لنفسها من خلال العلاقات. أما فاديم فهو رجل وسيم من طبقة المثقفين تخرج من قسم التاريخ في جامعة موسكو الحكومية. انتماءه للمفكرين والمثقفين يجعل من دوره في المسألة السوفيتية واجباً يحاول العثور على طريقة لأدائه كما يجب. تدور العديد من الحوارات السياسية والتوعوية عن أهمية أن يكون الشعب مدركاً لما تحاول الحكومة تطبيع الناس عليه. أخيراً وبعد يومين من الانتظار ينكشف أن نهاية الطابور كانت في مصنع. لكن فجأة يتم اصطحاب فاديم إلى حجرة عائدة إلى سيدة تدعى ليدميلا. أعجبَت بفاديم وقررت محاولة اقامة علاقة معه وعرضت عليه انقاذه من الانتظار في الطابور المرهق فوافق وغادر معها. بعد حوار ذكي ملئ بالمساومة على اختراق النظام الذي يحترمه المجتمع وهو نظام الاصطفاف في طابور عندما يكون هناك ما يجب الحصول عليه من الجميع، يمارسان الحب وينامان، وفي الصباح تكشف ليديا عن أنها إحدى العاملات في ذلك المصنع الذي يصطف الجميع في طابور لا منتهٍ للحصول على بضائع منه. أي أن انتظار فاديم كان عبثاً. لكنه لم يتعرف عليها مبكراً. وكان يظن أنها ستساعده بإغواء الصوت الذي ينادي على الأرقام أو بخدعةٍ ما. ولم يتوقع أنها تعمل في المصنع مما يسهل عليها دوماً اختراق الأنظمة.

أعجبتني الرواية كمهتمة بتاريخ حياة الروسيين في فترة الإتحاد السوفيتي أو الإمبراطورية السوفيتية إبان حكم لينين وليس ما قبل حكمه.. كانت الحروب قد أثرت على حياة الروس بعد زعامة ستالين لكن المجتمع كان قد حافظ على العديد من القيم والعادات مثل الحفاظ على النظام والذي يمثله سوروكين في هذه الرواية بالطابور. فطالما هناك شيئاً يستحق الحصول عليه من الجميع، إذن يجب الاصطفاف في طابور والحصول عليه بالهدوء والدور. عندما لا يوجد طابور يعني ذلك أنه لايوجد ما يستحق الانتظار. لا يوجد ما يريد افراد المجتمع الحصول عليه. فاديم يمثل الفئة المتقيدة بالنظام طالما لم يغوى بإغراءات تريحه وهو في قمة التعب. لقد اصطف في الطابور لأيام وساعات طويلة كي يحصل على شيء لم يتم ذكره في الرواية. وتم الترميز له بأشياء متغيرة، أي أنك قد تصل إلى دورك وتستلم شيئاً مغايراً عما كنت تحلم به، أو عما قيل لك.

سوروكين يمثل في هذه الرواية الغرائبية بعاميتها واقع الحياة الإشتراكية. لم يكن مسموحاً كتابة مثل هذه الروايات آنذاك. لكنني أرى أن الطابور والحوارات المليئة بالنكات والإشاعات والثرثرة العادية تمثل انتظار المجتمع الروسي لما سيحققه لهم الإتحاد السوفيتي من وعود. رواية غمرتني بالتشويق حتى أنني لم أجد ما يدهش في النهاية إلى أن وضعت نفسي محل فاديم وعرفت ما الذي فاجأه.

هنا حوار في صحيفة الخبر مع فلاديمير سوروكين

the-good-earth

الأرض الطيبة.

إن كنت بحاجة إلى قراءة رواية أخلاقية من الزمن المثالي، فهذه الرواية النموذج لجوهر الأخلاق. الأرض هي أمّنا الطيبة، منذ البدء كانت الأرض هي الأم الرحوم التي تمنح الخير لمن يطأ عليه سيراً في مسارب الخير. لا يُمكن أن تكون الأرض بطبيعتها الكريمة التي أهدت للإنسان كل شيء كي يكون على ماهو عليه اليوم من عبقرية وحضارة سوى الوجه الأعظم للسويّـة. بيرل باك الروائية الأميركية التي قضت نصف عمرها في الصين كتبت للإنسان ملحمة عالمية حازن على نوبل للآداب وقد لا يكون هناك قارئ أدب عالمي يجهلها سواي وعن عمد. إذ لم أحب قراءة جميع الكلاسيكيات في مبكرة فلا يتبقى لي ذخيرة أدب رصين لأيام الغثاء كما أيامنا. قصة العائلة الريفية التي تصور حياة المرأة في مجتمع الصين القديمة التي تباع وتشترى في بيوت وأسواق الجواري و الفلاح صاحب الأرض الذي حلُم بالزواج من امرأة جميلة لكن والده أنبه لأنها قد تنشغل بجمالها عن الأعمال المنزلية وتربية الأبناء، فحصَل من البيت الكبير الذي تديره سيدة غنية لديها العديد من الجواري على جارية افتقرت حتى لأكثر علامات الجمال أهمية في مجتمع الصين القديمة، وهو القدمين الصغيرة الملفوفة نتيجة ربطها بشكل مؤلم منذ الصغر. قدما أولان كانتا كبيرتين. أو بالأحرى طبيعيتين، لم يتم ربطهما. استاء الزوج الفلاح الطيب لكنه لم يسيء معاملة زوجته التي كانت تقوم بأعمالها كجارية انتقلت ملكيتها من السيدة هوانغ إلى زوجها على أمثل وجه. حتى أن صحة والده المريض تحسنت بعد قدومها إلى المنزل والاعتناء بطعامه ونظافته. أحببت في الرواية عدم نزوحها إلى الخيال غير القابل للمعقولية في قصة يجب على ما احتوته من مسرح طبيعي للأحداث أن تتسم بشيء من الواقعية. فكان عظيماً تبدل أحوال عائلة وانغ الفلاح الفقير من الفقر إلى الغنى بعد ازدهار المحصول وتمكنه من شراء قطعة أرض من عائلة السيدة هوانغ التي ساءت أحوالها بسبب التبذير، كما كان جميلاً ازدهار بيت الفلاح بالأطفال كأي عائلة تقليدية في ذلك العصر. بعد تبدل الأحوال مرة أخرى وجفاف المحصول واضطرار عائلة وانغ إلى الهجرة للجنوب وامتهان الأب في أعمال حقيرة و لجوء ابنه إلى سرقة اللحم ليأكل وتشجيع أمه له وسرقتها لمجوهرات وجدتها في بيت أحد الأغنياء ثم مساعدتها لزوجها ليكون من الأثرياء، ثم عودة العائلة مرة أخرى إلى القرية بعد نشوب حرب في الجنوب، و توبة الأب من شهواته التي سقط فيها بسبب ثرائه وشعوره بالفراغ وعودته إلى أسرته أباً محباً..كل هذه الصور كانت تأصيلاً لأصالة العادات التي تبني ولا تهدم. ثم في النهاية يكون الفضل في كل خير عاد بعد أن غيبته النزوات.. هو فضل الأرض. دوماً الأرض تأتي بخير، والشر يأتي من بطن الإنسان.

fa171f

رواية مكر الكلمات لياسمينة خضرا

كتبت على غلاف هذه الرواية كلمة ” أحبك” ، أحب أن يكون في عالماً روحاً تكتب الأدب بهذا الإحترام. بهذه الإنسانية والجَمال الذي لا تبثه الطبيعة بل مبثوث من قلب الإنسان. الرواية متوفرة على الإنترنت برابط قراءة الكتروني لذلك سأكتفي بهذا الاقتباس منها وهو يمثل طريقتي في التفكير نحو أصول ما يحدث في العالم،

” منذ أن كان العالم عالَما، تواصل كلمة الخير كسر أسنانها عند كلام الغورو، الخير لم يغلب الشر قط. هو الشر يخلص دوماً إلى الغلبة، مثقلاً بإفراطاته. ألهذا ينبغي الإرتياب في شكل ممنهج بشيء ما خلف كل معجزة؟ الورود لن تنبت من جديد أبداً. والعدول هو أكثر ما يسامح عليه بين حالات الإخلال بالواجب. و حين نحمل الأسلحة، فإننا لا نلقيها. مسألة شرف؟ ببساطة.. مسألة حياة أو موت.”

4

suits-television-poster

قبل قليل انتهيت من مشاهدة الحلقة الأخيرة من الموسم الأول من مسلسل Suits. أو دعاوي قضائية. والذي يبث في هذه الأيام حلقاته الأخيرة من الموسم الخامس. أحب مزاجي عندما يكتشف الأشياء المثيرة! هذه الكوميديا التي تضحكني بسعادة. لا بغباء! ولا بتفاهة. لم ينزل مسلسل قريز اناتومي عن المكانة الأولى في قائمة مسلسلاتي الحبيبة بالطبع. مسلسل بريكنق باد ( اختلال مضر) احتل المكانة الثانية منذ سنوات. برغم تعلقي بالمسلسلات الإنجليزية إلا أنني أقدم المكانة الثالثة لمسلسل دعاوي قضائية على الرحب والإثارة. ندمت أنني شاهدته الآن وقد تخرجت من الجامعة، لكنتُ طبقت بعض أساليب عبقرية مايك روس في تذكر المعلومات وحل الإختبار! لم أشعر بالتعاطف مع المتقدمين الذين كانوا يحلمون بوظيفة محامي المدير التي حصل عليها روس رغم عدم حمله لمؤهلات قانونية. كان الفوز مبنياً على الذكاء ولا يمكن للمرء أن يكون جذاباً في عمله هذه الأيام بلا ذكاء J هناك من شاهد حلقتين عشوائيتين من المسلسل و حكم عليه بأنه مقتبس من المحقق كونان! يؤسفني القول أن هذا المسلسل لا يناسب المتسرعين. فليس للتسرع صلة بسرعة البديهة التي هي من سمات الأذكياء. قضايا بحاجة إلى محامٍ يقوم روس بدوره و يترافع بطرافة مثيرة للعجب والشوق إلى حل الأمور معه، ليست هناك علاقة ولا روابط أولية أو ثانوية بالمحقق كونان! كل حلقة تحمل درس جديد يجب العمل به في علاقات العمل التي يتحول بعضها إلى علاقة شخصية. الحلقة الأخيرة توجه رسالة يعرفها كل زوجين، وعاشقين، وصديقين..أن الحب لا يمكن أن يتحول إلى صداقة، وأي حب تحول إلى صداقة ناجحة لم يكن حباً من الأساس. كان إعجاباً جارفاً أو أي شيء آخر. ينهشني الفضول لمعرفة مصير لويس في الموسم الحالي مباشرة! لا أريد القفز لكن لويس هو الحلوى التي تم تبديل سكّرها بالكثير من الملح في هذا المسلسل. أتوق إلى بدء مشاهدة الموسم الثاني فور زوال بعض الظروف.

 

5

كل يوم أدخل فيه من باب المستشفى طبيبة أو طالبة علم، يزداد فيه حبي للعمل. سألتني زميلة في الكلية مرة: و لماذا يجب على الواحد أن يكون أكثر من رقم في عداد السكان؟ ما أهمية أن تكون لنا أهمية؟ سنفنى في النهاية وتأكل أجسادنا الديدان فما جدوى كل هذا الشقاء لإنتاج يذهب إلى غيرنا ويأخذ ما يأخذ من أبداننا قوتاً و شرَاب؟

تحفزت سيالات الجدل في رأسي وكنت سأعطيها خطبة عصماء عن الإيمان بالله وأن من لا يؤمن بالله لن يؤمن بجدوى أن يكون من المستخلفين في الأرض الذين يقومون بإعمارها ليحصل على نصيبه من سعادة سخَّرها له الله جزاء ما سعى. و كلٌ يحصل على سعادة قدر سعيه، ومن لا يحصل على سعادة بعد شقاء فقد حصل على محبة ربٍّ قصوى، وهي المحبة التي يدخر فيها الله لمن يحبهم من مخلوقاته سعادة أبديـة في الجنة. كنت سأخبرها أن الآخرة خير وأبقى. و أن اكتساب ما بحوزة الآخرة ليس بالتخلي عن الطريق إليها في الدنيا. قلت كل هذه الأشياء لنفسي في دقيقتين اخبرتها فيها أن لدي ورقة سأكمل بياناتها ثم أتكلم معها. وبعد الدقيقتين رفعت رأسي الذي كان في اجتماع مع خطبتي بيني وبين مفاهيمي التي قد تظنها الزميلة هراء فتاة تقليدية من مجتمع يضطهد المرأة ويسلب حقوقها، ولا يمنحها فرصة تحقيق ذاتها ولا يعاونها لتكون أكثر من رقم في فصيلة النساء المضطهدات، ولا يسمح لها بالعمل ( رغم أن هذه الزميلة ( كاتبة بيانات) تحدثني من مكان العمل!) ولا يعترف بها كنصف للرجل مكلفة مثله بإعمار الأرض. حدث هذا الأمر وقالت الزميلة ما قالته دون خطبتي المؤثرة! لم أفعل شيئاً سوى أن ابتسمت وقلت لها : الأهمية هي أن تفعلي أي شيء جيد لأجلك. إلا إن كنتِ ستفرحين عند الإصابة بالملل من الفراغ والتفكير في لاشيء، وهو اضطهاد أقسى من اضطهاد المجتمع. اضطهادك لإرادتك.

لذلك يا مستر كيتون أنا أعمل. و أستغل أنني أعمل في مجال تذوب هويتي فيه حُباً. فأكتب كثيراً في بحثي الذي سأقدمه قريباً للحصول على بورد الباطنة الذي سيكون باب النُور إلى زمالة طب وجراحة الأورام و أتحمل تعب عيني وجفاف مائها و احمرارها إثر السهر الطويل أمام الورق و صفحات المراجع على الإنترنت. و أجري الكثير من العمليات للحالات الحرجة التي يفصل حياتها عن الموت دوماً وكل مرة بلا استثناء خيط رفيع يكاد لايُرى.. و يشاء الله لكل هذه الأرواح أن تعيش، وأن يتحسن مؤشر حالتها من حرجة إلى حالة في فترة نقاهة. و أكون في كل مرة اليد التي قامت برتق الخيط الرفيع وجعلهِ حبلاً متيناً مُوثَق إلى ظهر الحيـاة كما يجب. أحب كل هذه الأمور التي أفعلها بنجاح في الظل. ولو كانت في الضوء لاحترَقت، لأن الظل سترة حماية جنود الأمن من أعداء الأمان.

إلا أنني يا مستر كيتون أدفع ثمن كل هذا الإزدياد، بازدياد في ابتعاد التحدث مع الآخرين. لم يعد يؤنسني الكلام مع الناس. أفقد خاصية الإستمتاع بالتعاطي مع الأمور الشيقة وحتى المثيرة للاستياء، ليس لأن نمو سوء تلك الأمور مطرد ولا يمكنني اللحاق بسرعته وإصابته بنقد ولعنة! بل لأن نمو سوء المتحدثين في تلك الأمور مطرد بسرعة لا يمكنني اللحاق بها إلا وقد أحرقتني وشوهت كلامي قبل أن أقوله و رمَت رماد مقاصدي في حاوية نفايات الشارع المجاور للشارع الذي يقطنون فيه. يتسارع نزقي من الآخرين في اتجاه معاكس الإتجاه. أتحول بصدر رحب إلى تمثال أمام بعض الناس و أشاهدهم وهم يلقون بي من حاضرهم لأنني لا أتحدث معهم ولا أبادر بشيء، فقدت الإحساس بأهميتهم. لم أعد أريد غير حقيبة أدواتي الطبية و يونيفورم عملي الأزرق ( أحياناً الأخضر) وكتبي وأفلامي و أقلامي و أهلي الذين لا يطيب لهم النوم قبل التأكد من وجودي أتنفس في الجوار. لم أهرب يوماً من الحب يا سيد كيتون، لكنه لم يكن مرة مع الآخرين الذين فضلت عليهم اليوم جماداتي وقطتي و ألعابي التي على شكل بطاريق. ظننتُ دوماً أنني أكبُر، ثم انتبهت أنني أتنامى، فصرتُ لا أكفٌّ عن ري نبتة الليمون الوحيدة في فناء منزلي كل يوم.

لا تسمح لنفسك أن يعجبك هذا التكنيك يا سيد كيتون فتتبع ما نصحتني به، قد يكون كل ما أفعله غباء من حيث ظننته حسن تصرف.

6

تحول العالَم اليوم إلى قطار الموت. لا تأخذ سيلفي مع هذه اللعبة إن كنت لا تفكر في الإنتحار. هناك كشك لبيع الآيسكريم بجوار قطار الموت. خذ واحداً بنكهة القهوة و تفرج على ما يحدث. فلن يلومك لائم على انحيازك لصف صفوة العقلاء.

“أريد كل شيء” فهرس مالم تعرفه المكتبة العربية عن فرجينيا وولف- الجزء 2

( يرجى الضغط على هذه العبارة لقراءة الجزء الأول لربط تعليقي على أحوال فرجينيا وولف في رسائلها مع حالتها عندما كانت تدون مذكراتها. )

لدى فيرجينيا ذخيرة رسائل مؤثرة إلى عدد كبير من الناس أدباء و أصدقاء وفنانين. لم تكتب الرسائل كقطعة أدبية أو بخط أدبي، مثلما فعلَت بالمذكرات، لكن كل من كتبت لهم رسالة كان الأمر يعني لهم قيمة أبدية من هذه الصديقة العظيمة. و أقدم بعض رسائلها المترجمة لأول مرة و أقاوم نشر البقية بصعوبة إذ أنني لم أنته من ترجمتها بعد. ترتيب رأس وتذييل الرسائل أقدمه كما كتبته وولف، فيُلاحَظ في بعض الرسائل أنها بدأت باسم المرسل إليه وتاريخ كتابة الرسالة، وفي رسائل أخرى كان اسم المرسل إليه والتاريخ في التذييل.

5b769fe0910665bc09dbff17d170c2b5

من رسائل فرجينيا وولف:

من فيرجينيا وولف إلى فيتا ساكفيل – غرباً.

2 مارس- 1926

كتابة رواية في قلب لندن هو شيء يجاور المستحيل. أشعر كما لو أنني علَم مسمَّر في أعلى سارية في عاصفة هوجاء. الأمر المربك هو تغيُر المنظور. ( *فيرجينيا تتحدث عن تقلباتها الذهنية)

إلى ريتشارد أولدنقتون

 21 يناير- 1923

منزل هوغارث، طريق الفردوس، ريتشموند، سوري.

عزيزي السيد أولدنغتون،

السيد إليوت كان هنا. ناقش مسألة الصندوق وأعتقد أنه فعل ذلك معك. سألني مختلف الأسئلة التي لم أستطِع الإجابة عليها وقال أود أن أطلب منكم.

هل بالإمكان إعطاءه مبلغاً سنوياً أو إجباره على قبول هدايا، مثل خمسين باوند، من وقتٍ لآخر؟ هل عملية التجميع ما زالت مستمرة؟ كم يمكن التعويل عليها سنوياً من صندوقنا إذا كنا سنمنَح سنوياً؟

اعتبره مسلَّم به أنه قال لك كما قال لنا أنها مسألة ثقة. أو قد يقرر مغادرة البنك إن استطاع إيجد سبباً ذو معنى للعيش. لذلك بالطبع من المهم جداً الإجابة على تلك الأسئلة. سيكون من الأسهل إن كتبتَ مباشرة للسيد إليوت تجيبه على الأسئلة. أتوقع أن لديه أشياء أخرى يريد أن يعرفها. ولكنني لم أكن على ما يرام ولا نستطيع الذهاب لمساعدته بشكل جيد هكذا.

ثم رأيت السيد نورتون، عضو لجنتنا الآخر. وهو يشعر بقوة أنه حان الوقت المناسب الذي يتعين علينا فيه الاندماج مع لجنة السيد باوند، وطلب مني اقتراح هذا عليكم وعلى السيدة أوتولاين.

إن كنت تعتقد أن الأمور ستجري بشكل أفضل بالتحدث بدلاً من الكتابة، اقترح علي ذلك من فضلك في أي وقت. إما أن تأتي إلى هنا أو تقابلني في لندن.

مع فائق الإحترام،

فيرجينيا وولف

إلى كلايف بيل

فبراير 1923

منزل هوغارث، طريق الفردوس، ريتشموند، سوري

كلايف الأعز،

يجب أن أرى أختي يوم الخميس. ويجب أن تأتي متأخراً بعدها من أجل محادثة طويلة ومنعشة. إذن لماذا لا تأتي إلى هنا يوم الجمعة أو السبت؟ أو لمَ لا آتي أنا لشرب الشاي معك يوم الثلاثاء؟

أرجوك قم بالاختيار والترتيب.

لا أستطيع مواجهة انتقاداتك في الهاتف. إنها تطرق في أذني مثل بغل غاضب.

 

المخلصة،

فاء، واو

إلى السيدة سيسيل

منتصف ديسمبر- 1924

من مربع تافيستوك.

يا عزيزتي نيللي،

افترض أنكِ لن تأتي إلى هنا؟ هذا ليس كسلاً من جهتي ولكن، أولاً، يجب علي أن أكون هنا، في الصحيفة، حتى الرابعة والنصف. لأن وفاضنا فارغ من وجود المساعدات. ثانيا، أريدك أن تشاهدي الديكورات. ثالثاً، أنا أتناول العشاء في الخارج كل أربعاء. إذن بدلاً من الإندفاع إلى ساحة جروسفينور سيكون من الأجمل أن أراكِ. أو إذا كان غير مريح لك على الإطلاق، سآتي بالتأكيد. هل نقول هذا الأربعاء الموافق 17 مناسب؟

دعيني أعرف فقك ما الذي سيكون. لا، بالطبع الموظفين من حزب الشعب في الصحيفة لا يستطيعون استعراض كتب زوجات المحررين. لأول مرة في حياتي، أصنع مالاً من مصدر خارج هذا المكان.

المخلصة للأبد،

فاء، واو

إلى بيرنال ستراشي

منتصف أغسطس، 1928

بيت الرهبان، رودميل، لويس (ساسكس)

عزيزي بيرنال،

من المشين لي أن لا أمتلك إجابات وفي الواقع لا أستطيع التفكير في أي عذر، أشعر بانحراف.

نحب كثيراً الجلوس معك في العشرين من أكتوبر. لكن أخشى أنه سيكون في المساء فقط. و من فضلك لا تقم بأي تجهيزات أو حفلات. أود الثرثرة لساعات. ليوناردو ذاهب إلى اجتماع في كامبريدج بعد عشاء السبت. وأدعو الله أن تذهب أنت أيضاً إلى الكنيسة أو تضع قدميك على الأريكة بدلاً من  قراءة أوراقي. والتي بدأت اراجعها بعُتمة في التركيز مع احتقان في البلادة. الجدير بالملاحظة فقط أنها ستكون آخر قراءة في هذا المناخ أو ما يليه.

رأيت جاني بوسي في يوم آخر بين أشجار التفاح والأغنام. يالها من بيئة غريبة لها، قالت أنك قلت أن الآنسة جنكنز قالت أن حفلتي كانت تحزبية بشكل شنيع وأن كلايف كان لئيماً بشدة. اللغة التي استخدمتها الآنسة هي لغة الشباب ذوي العيون الزرقاء! ذهبت لتناول الشاي معها. ضيفتني كعكاً ناضجاً (أقصد بالسكر الأبيض) و بعض الكريمة. ثم بصقَت بضغينة وهكذا!

أرى أنها كانت مكتنزة بعض الشيء. بالمناسبة هل يمكن للمرء أن يكون مكتنزاً قليلاً في أوراقه في نيونهام؟ ما الذي سمحتَ به؟ كيف يمكنك أن تأخذ كل شيء بطريقة تعليمية؟ ماذا تقصد بذلك؟ أجب رجاءً.

المخلصة،

فاء. واو

إلى انجليكا بيل

1_اكتوبر 1940

عزيزتي بيكسي،

أعتقد أن هذا ربع يوم. هنا تأتي وقفة. هناك الكثير لأقوله، أنا مثل زجاجة انقلبت رأساً على عقب. الحرائق حولت ساحة ميكلينبورغ إلى خراب. كيف، أين، ماذا؟ حسناً. نيسّا سوف تحدثكِ عن الحرائق. نيسّا و دانكن جاؤوا لتناول الشاي بالأمس.  اوه، كان لدينا جدل على جدوى إحضار بيض السمك ( الكافيار) إلى القرية! لا أستطيع إرسال رسالة دون رؤية وجه مثل سمك القد كجنين بداخل بيضة! عقول الأصدقاء غير متبلورة. عاداتهم لم تنجح في التواجد لحماية أمهم عندما هاجمها الدب. يكفي.

تريْن كيف أحتاجكِ بعمق. أنا أفكر بك بشكل مستمر تقريباً. أحلم بك. أعتقد يا انجليكا..اوه انجليكا.. انظر للأعلى وأرى حقنة انستازيا مثل مرزاب ينزف! إذن ها أنتِ ترين، و ذلك الكافيار له استخداماته. لأن، لا.. أنا أريد الانتهاء من هذه الجملة. لأنها قد تنجح في تملّقك: تستدعي العبارة سيمفونية موزارت التي عزفتها الملائكة على بيانو صغير..

عن شُغل الصوف، هل قمتِ بإرساله؟ كان عندنا بِن. سيجلس حتى السادس من أكتوبر. نيكلسون، أعني سبعة أقدام عالية. محميّة جيداً لكنها قاسية بعض الشيء ومعقودة من الأعلى. ( عمود بلا معنى بجوار البيت)

أخبار أخرى؟ غالباً ثرثرة أهل القرية. هناك السيدة شافاز، تصنع ملبّسات حماية لأقدام الأرانب. السيدة إبس تلهمني. مسرحية السيدة وولف على المنصة، و الآنسة إيميري التي أعطتني رغيف بالسكّر. ليونارد أعطاها بعد ذلك جالوناً من التفاح. غالب الظهيرة قضيتها في مراقبة خلية النحل. هل تعلمين أنهم إما أن يقفون طوال الوقت حول خليتهم على الأغصان أو تعطب الأغصان بعد إزالة الخلية؟ استخرجنا العسل. هزمناهم بكيس من الشاش و ماء الذهب المقطر في 48 ساعة. ثم صببناه على الأغصان. لدينا 30 زجاجة عسل. السيد بروك يود الحصول على حصته منها. أفترض أنك تجلسين على طاولة مفاوضات مع برلمانيين لديهم شامات في وجوههم. ما هذا؟ يقول بروك. يتطلع و يبحث. و مجلد رمادي سمين و كبير ينبغي علي الانشغال والمعاناة معه الآن.

الرياح تعوي، تهاجم مثل إغارة على أسفل كابورن. زائر خاص من سلاح الجو أتى للعب الشطرنج مع ليونارد. اسمه كين شيبارد. هذا الرجل واقع في الحب مع عاملة مصنع الألبان. إنه جميل جداً، لكنه بروليتاري.

أخبار..أخبار، اكتُب أرجوك. دوامة كبيرة تداهمنا الليلة.

فاء. واو

ملاحظة: آنّا روث فراي كاتبة وداعية سلام بريطانية. كانت من أقرب صديقات فيرجينيا وولف إليها. تولت منصب أمين صندوق اللجنة الرئيسية للصناعات خلال حرب البوير. و سكرتير عام للجنة إغاثـة ضحايا الحرب العالمية الأولى. وهي أول رئيسة لصندوق الإغاثة من المجاعة الروسية في عام 1921.

إلى روث فراي

16 مارس- 1941

بيت الرهبان، رودميل، لويس (ساسكس)

عزيزتي روث،

نعم لقد كنت مسرورة باستعراضات روجر، خصوصاً تلك التي أساءت له، لأنها تدل على كم من الحنق لايزال لديه. لكن التي أحببتها أكثر من الأخريات هي.. جي. تي. شيبارد في كامبردج من أجل مقابلة. لذلك قال أن روجر فراي هو الذي كان هناك وليس فيرجينيا وولف، وهو الشيء الذي أردته.

لقد كنت على ما يرام. اهتممت بذلك. أعني أنني لفتُّ نظري إليّْ، المؤلف يشكرك جزيلاً. لا يزال يمضي في البيع. ولكن بسبب خطأ أحمق، لم تعطني المطبعة وقتاً لمراجعة الأخطاء المطبعية و تصحيحها. يجب أن أدلي باعتذار. وأضعهم في إطاره، يجب أن تكون هناك طبعة أخرى.

لقد كنا صفقة جيدة لبعض المتفجرات. سقطت مجموعات من المواد الحارقة على المزرعة قبل ليلتين و حرقت أكوام التبن. حتى الآن لم يصب أحد بأذى.

أعتقد أن منطقة سوفولك كانت تستهدفنا .

آمل أن نهرب معاً و نلتقي يوماً.

المجنونة بك،

فيرجينيا وولف

ملاحظة: قامت فيرجينيا وولف بعد هذه الرسالة بكتابة خمس رسائل فقط إلى بعض أصدقائها تنهي فيها أموراً أدبية و أنشطة خيرية بشكل عاجل. كانت تشعر أنها لن تستطيع تحمُّل أن تطول الحيـاة برأسها أكثر من تلك الأيام العصيبة، الأيام المدوية بأصوات غريبة وجنون فظيع. ألم لا يُطاق ولا يتوقف. قامت أيضاً بإرسال رسالتين إلى زوجها الحبيب ليونارد وولف. أي يصبح مجموع ما رسلته للجميع سبع رسائل.

الرسالة الأولى إلى ليونارد هي المنتشرة انتشاراً كبيراً بين القراء آنذاك وحتى اليوم نظراً للألم و قوة الحب والوفاء والإيثار التي فاضت بها. لكن الذين قاموا بترجمتها نشروها على أنها آخر كلمات فيرجينيا وولف إلى زوجها قبل الانتحار وهذا خطأ. لقد قام أولئك المترجمون بدمج كلمات رسالة فيرجينيا الأولى إلى ليونارد وولف التي كتبَتها بتاريخ 18 مارس مع كلمات رسالتها الأخيرة له المكتوبة في 28 مارس. الرسالتين في الحقيقة منفصلتين تماماً. رسالة وولف الأخيرة كتبتها بالضبط و الدقة في يوم ذهابها إلى النهر وانتحارها.

لم تسبق لي قراءة هذه الرسالة مترجمة بالعربية في كتاب أو مجلة أو مدونة. قد يكون هناك من قام بعمل ذلك ولم ننتبه. ولذلك أشعر بالسعادة والارتياح وأنا أكون أول من يقوم بتصحيح ما انتشر لدى قراء فيرجينيا العرب لسنوات على أنه رسالة الانتحار و التي تحتوي بعض عبارات من رسالة فيرجينيا الأخيرة بالفعل، لكنها تحتوي من الرسالة الأولى أيضاً.

رسالة فيرجينيا الأخيرة إلى زوجها المُحب ليونارد وولف:

إلى ليونارد وولف،

28 مارس- 1941

رودميل، لويس (ساسكس)

أيها الأعز،

أريد القول أنك قدمت لي السعادة الكاملة. لا أحد كان سيفعل أكثر مما فعلته، أرجوك صدّق هذا.

لكنني أعلم أنه لا يجوز لي الحصول على أكثر من هذا أبداً. أنا أضيع حياتك. هذا هو الجنون. لا شيء يقوله أي أحد يمكن أن يقنعني. يمكنك العمل. سوف تكون أفضل كثيراً من دوني. أترى؟ أنا غير قادرة حتى على كتابة هذا. مما يدل أنني على صواب. كل ما أريد أن أقوله هو أننا كنا كاملين السعادة إلى أن جاء هذا المرض. كل الفضل كان يرجع إليك. لا أحد كان يمكن أن يكون جيداً كما أنت، منذ اليوم الأول للغاية..حتى الآن. و الجميع يعرف ذلك.

سوف تجد رسائل روجر إلى المارون في دُرج طاولة الكتابة. مزِّق جميع أوراقي.

(لم تقم فيرجينيا بالتوقيع على الرسالة)

__

ما الذي كان القشة القاضية على عقل فرجينيا في آخر أيامها؟ قضى على بقية صبرها على الحياة وتحمُّل ما حملَته وما تحمله دوماً إليها من أذىً قاتل يدمر من تحبهم ولا تستطيع الحياة دونهم.

وقف ليونارد وولف بجوار زوجته طوال حياتها. كان يدرك تماماً علامات زوالها الداخلي. شاهده. وشاهد دأبها على إنهاء آخر مسوداتها في الكتابة ما بين رواية و مذكرات وكان يعرف أن هذا الدأب مختلف عن نشوتها طوال حياتها وهي تكتب. ليونارد كان يهودياً. في 1941 كان واقعاً تحت خطر إلقاء القبض عليه من النازيين. دمرت الغارة منزل الزوجين في لندن. هذه الحقائق التي لم تذكر في حادثة انتحار فرجينيا من أي مصدر نقل الحادثة باختصار قاتل إلى العربية هي حقائق دوافع فرجينيا القاطعة للإنتحار. حيث شعرَت أن الموت قريب من زوجها وقررَت أنها لن تحتمل فقد حبيب آخر من عائلتها مهما أسدَتها الحياة من عظمَة في أي نجاح . إنها لن تستطيع الحياة بلا ليونارد، رفيق العُمر والأحلام والنجاحات و الشهرة النقية من العار. لم يسقط ليونارد في قبضة النازيين بعد وفاتها. لكنها أهدته التعاسة بالفراغ الذي خلَّفته في قلبه والذي قال في مذكراته أنها يشبه خراب ما تركه الألمان في جثث اليهود الممثل بها وممتلكاتهم المدمرة بلا رحمة.

لم أعرف كيف أضع خاتمة لهذا الملف الذي عملت عليه طيلة ست وستين يوماً بلا ملل بل حزن وشوق لهذه البجعة العظيمة، لكنني أحتفظ منذ سنوات بهذا التسجيل الوحيد الذي استطاع الزمن ابقاءه لفرجينيا وولف وهي تقرأ وتتكلم، فليكن هذا تحية سلام :

“أريد كل شيء” فهرس مالم تعرفه المكتبة العربية عن فرجينيا وولف- الجزء1

43_The_Wise_Virgins-619x600

تنويه: قمت بترجمة مجموعة من مذكرات ورسائل فرجينيا وولف وهي تترجم لأول مرة إلى العربية. أما باقي الملف فهو تعليقي البسيط.

عميدة  الرواية الحديثة وتيار الوعي والواقعية الذي كان في أول طلعته في القرن العشرين وفي ذروة ازدهاره في القرن الواحد والعشرين و رائدة الحركة النسوية و عاشقة الطبيعة و مثمّنة الحدائق والزهور و البحر والأمواج, الإنجليزية عرَّابة جميع الكاتبات في عصرها والأكثر شهرة في القرن الواحد والعشرين، آدلين فيرجينيا وولف.

هل هذا الطرح تعريفاً بها بصفتها الأشياء التي في السطرين الأولى؟ بالطبع هذه مضيعة وقت. يجب على المرء تقديم أشياء لم يعرفها الكثير من القراء عندما تكون الأشياء التي يعرفونها مطروحة ممن سبقنا بشكل جيد و كافٍ عن إعادة التجديد. التدوير قد يكون فكرة سديدة إن لزم الأمر. لذلك لست أقول هنا من هي فيرجينيا وولف. أحيل إلى كتاب غطى أهم ما يخطر على بال قارئ الأدب الإنجليزي الحديث الذي قرأ رواية السيدة دالاواي أو سمع باسم فرجينيا وولف عند مروره على مواضيع مثل الأدب الحديث، أدب الواقعية، الأدب النسوي، النزعة التعبيرية: روايتي ( السنوات، أورلاندو)، وهو كتاب ” فرجينيا وولف- سيرة حياة” الذي كتبه ابن شقيقة فرجينيا، كوينتين بيل، وترجمه عطا عبدالوهاب بنزاهة طيّبة. كما أحيل إلى كتاب “غرفة تخص المرء وحده” وهو مقالة نقدية طويلة عن نفسها كامرأة، وعن النساء.  تم التعريف بهذا الكتاب على أنه مانفيستو الحركة النقدية النسوية في القرن العشرين. والذي كان دراسةً نقدية أكثر من كونه مقالة، إذ ضمَّنت فيه فرجينيا مراجع قرأَتها من رموز النسوية في سبعيناتها، أي أول نشأة الحركة وما قبل النشأة حين تم طرح قضيتها دون إطلاق اسم محدد على النقاش في القرن السابع عشر، كان الموضوع الرئيسي هو اللامساواة فكرياً، ثقافياً، وسياسياً بين الرجل والمرأة. قبل نشر الكتاب قامت بإلقاء محاضرة في جامعة كامبريدج على الطالبات وعرضت بحثين من أبحاثها وقد لاقى تأييداً جعلها تعجل في نشر الكتاب بعد تلك المحاضرة بشهور في 1929. و منه أكثر قول معروف لفرجينيا عندما نقول أنها رائدة الدفاع عن حق المرأة في الكتابة والنشر وقد كان ذلك منقوداً على المرأة في انجلترا أوائل القرن العشرين وما قبل. كانت الأخوات برونتي اسمين قديرين في قائمة الأديبات المبكرات اللاتي تغلبن على القيود الذكورية في التضييق على المرأة في الفن و الأدب حيث كان يتم تعليمها في المنزل. تقول فرجينيا ” يجب أن يكون للمرأة مالها الخاص وغرفة خاصة بها إذا أرادت ان تكتب الروايات.” عندما قامت فرجينيا بعقد حديث صحفي عن رواية “الأمواج” التي كتبتها بعد ذلك بعامين، ظن الحاضرون أنها ستتحدث عن جزء ثانٍ من كتاب غرفة تخص المرء وحده أو بالأحرى، مقالة أخرى ترسخ موقع المرأة في التاريخ الثقافي. أضحَت وولف رمزاً للنضال عن حقوق المرأة لأنها ناقشت واعترضَت على تهميش المرأة في قضايا مفصلية في عصرها كحقها في الكتابة و العمل بأجر عادل لكن القضية الأهم من ذلك كانت، تعرض المرأة إلى التحرش الجنسي الذي وصل إلى اغتصاب في عدد كثير من البيوت والاضطهاد في المعاملة بتمييز بينها وبين الرجل. من كتاب غرفة تخص المرء وحده يمكنك أيضاً التعرف على أحوال المجتمع الإنجليزي في بدايات القرن العشرين و منه أحوال النساء.

هل كمنت شهرة فرجينيا وولف بعد ذروة سنوات ازدهارها في الكتابة والنشر في إصابتها بالجنون؟ يظن القارئ العربي ذلك بسبب المعلومات غير الدقيقة التي قام بعض كتَّاب الصحف والمجلات الثقافية بنقلها وكان سبب ذلك الاضطراب في نقل المعلومة هو القصور في قراءة بيوغرافيا عن فرجينيا وولف من إحدى نوعين: إما شاملة لمراحل حياتها طفلة فـصبية فشابَّة متزوجة فمريضة حتى الموت، وهي البيوغرافيا التي مثلتها هيرميون لي على أمثل وجه ووصلت بها إلى المرحلة النهائية في جائزة مجموعة نقاد الكتاب الوطنية في بريطانيا. عنوان الكتاب “Virginia Woolf, By: Hermione Lee ” أو النوع الآخر، بيوغرافيا مكثفة عن إحدى مرحلتين في حياة وولف، الطفولة وازدهار الكتابة، أو السنوات الأخيرة من حياتها وهي معروفة بسنوات إصابتها بالجنون؛ المتمثلة في مذكرات كتبها ليونارد وولف عن سنوات حياته مع فرجينيا “  لايمكن أن يقرأ قلب هذا التوثيق ولا يبكي. صادق حد الجَرح.  “Downhill All The Way, by: Leonard Woolf

عند ذاك، يمكن للمعجب أو الناقد الكتابة عن المرأة فرجينيا وولف. لا عن الكاتبة التي قد يستطيع أي قارئ التنبؤ بشخصيتها من خلال أعمالها من روايات وقصص و مقالات. دون الإدلاء بمعلومة عن حياتها لأن فرجينيا ليست من الكتَّاب الذين يمكن أن يتساهل المرء مع سيَرهم لتزجية المحتوى الأدبي في المكتبة العربية عن الرواية الإنجليزية الحديثة. في بريطانيا اعتمدت المكتبة الأدبية والثقافية اسم فيرجينيا وولف في أرشيف الأسماء الخالدة التي ستُذكر على مر التاريخ. في مكتبة لندن توجد مراسلات و قصاصات لفرجينيا مع توثيقات كثيرة تمت كتابتها عنها بعد وفاتها. مما قرأته في القصاصات: يناير وفبراير من عام 1915 هما الهدوء ما قبل العاصفة في حياة فرجينيا وولف، فبعد شهر.. سقطت فرجينيا في انهيار عصبي شديد لدرجة أنها فقدت ما تبقى من قدرتها على الحياة باقي السنة. لم يكن ذلك انهيار فرجينيا الأول. لم يتم التحدث كثيراً عن اغتصاب فرجينيا في طفولتها من أخيها غير الشقيق. هناك محللين كذَّبوا حادثة الاغتصاب واتهموا فرجينيا باختلاقها بسبب الذهان الذي جعلها تتوهم أموراً لم تحدث. لكن مذكرات فينيسا  شقيقة فرجينيا ومراسلاتها معها ( لم يتم نشرها في مجموعة رسائل فرجينيا بل في كتاب لفينيسا عن علاقتها بأختها) كان فيها إشارات عن ما حدث معهما في سن السادسة ومزق طفولتيهما إذ تم اغتصاب فينيسا أيضاً، ولم تكن تلك الإشارات مواربة. قد تكون الرسالة الأبرز بينهما التي ذكرَت الأمر هي ما قالته فينيسيا في رسالة لأختها: “أرجو أن تحتفلي بنجاح روايتك و تنزعي عن رأسك مافعله جيرالد، إنني حتى لا أريد أن أتذكر أنه أخونا. لقد مضى وقت طويل. أرجوكِ اعتبري الأمر مثل لوحة فشلنا في رسمها وعلينا رميها في الخارج.” كانت حياة فرجينيا جميلة وهي بالأصل ذات شخصية مرحة تحب اللعب والاختلاط بالآخرين، فلم يكن هناك مبرر لإصابتها بأول انهيار عصبي بعد وفاة والدتها سوى رعبها الشديد من مستقبل ما ستكون عليه إن عاشت مع عائلتها من الرجال الذين من بينهم إخوَتها فاعلي الجريمة. كانت أمها صمام الأمان لحياتها وقد توفيت بالحمى الروماتيزمية عندما كانت فرجينيا تعيش أول سنوات صباها في سن الثالثة عشر التي تحتاج فيها إلى أمها لتطمئن و تكتب قصصها بتركيز لا يشوبه قلق من أذى مباغت من الخلف أو عند الظلام أثناء النوم. بعد وفاة والدها في 1904 أصيبت فرجينيا بثاني انهيار شديد نهش من قوتها الشيء الكثير. كتب ابن اختها عن تلك الأيام يقول ” كل ذلك الصيف كان جنون”. عانت فرجينيا من فقدان أفراد عائلتها الحبيبة واحداً تلو آخر فبعد أعوام توفيت أختها غير الشقيقة “ستيلا” وبعدها مات شقيقها “ثوبي” الذي كانت تعشقه ولا تتخيل الحياة دون صوته. انتكاساتها المتكررة أثرت على صحتها النفسية بعد ذلك طوال حياتها. عاشت بضع سنوات تحاول فيها المقاومة والاستقرار و نجحَت في الكتابة إلى أن كان انهيارها الثالث بعد زواجها في سن الواحدة والثلاثين عام 1913. في ذلك العام تم تشخيص مرضها باضطراب ثنائي القطب وهو يحمل في تعريفه عدة إصابات أخرى مثل القلق والتفكير المفرَط والاكتئاب الذي كان أكثر ما فتك بعقل فرجينيا حتى أودى بها إلى ما ظنته هي جنوناً لكنه لم يكن سوى تفسُّخ وجداني لم يكن يردمه أي نجاح جديد أو سعادة مكتملة إضافية يحققها لها المحبون كزوجها و أختها، لذلك قالت في رسالتها لـ ليونارد أنها لا تستطيع أن تؤذِه أكثر من ذلك، ولا يمكن أن يقنعها أحد بأن الأمور قد تصبح أفضل ما هي عليه. ولذلك فضلت إنهاء حياتها بسلام، كما عاشت محبة للآخرين بسلام.

كانت فرجينيا مثالاً للمرأة الناجحة في النضال. هكذا ببساطة, هكذا بتجرُّد، و هكذا بفخر. يعرف الآلاف أنها أديبة. لكن ماذا عن عوامل نجاحها في الأدب؟ لا يمكن لكاتب أن ينجح وهو بلا قاعدة ذاتية أسسَت لهذا النجاح. أضع الموهبة هنا جانباً فهي ليست عنصراً فيزيائياً له موقع في الحديث. قواعد فرجينيا كانت الرغبة منذ الطفولة في التفوق في كل شيء تفعله. حتى في اللعب كانت مميزة ومشرقة ولا تكف عن الابتسام. من الأمور التي يجهلها كثير من القراء أن فيرجينيا وولف كانت تتحدث ثلاث لغات غير الإنجليزية الأم، وهي الألمانية، اليونانية، واللاتينية. حصلت عليها من قسم الفتيات من كلية الملوك في لندن. قضت أربع سنوات من الدراسة قدمتها كنموذج لمجموعة النساء المهتمات بالإصلاحات التعليمية في بريطانيا. وفاة والدها لم تمنحها فرصة الوقوف باستقامة بعد ذلك النجاح. فعاشت تصارع لتوازن نفسها بين مسئولياتها الجديدة وخرابها النفسي المعمر.

انتقال فرجينيا في سن العشرين مع عائلتها ( شقيقتها فينيسا و شقيقها أدريان) إلى منطقة بلومزبري كان منحة إلهية لتبدأ علاقاتها الثقافية مع فنانين و كتَّاب ومثقفين مشاهير منذ 1910 وقد كانت اللقاءات تتم من خلال أشقائها الذين تولوا أمر الاتفاقيات أو ما نسمه اليوم بالعلاقات العامة. يذكر ليونارد وولف كيف تعرف على فيرجينيا فيقول أنها جاءت إلى إحدى الحفلات متنكرة في زي رجل، إذ لم يكن الحفل الثقافي يسمح بحضور النساء! وهناك وقع ليونارد في حب فرجينيا بعد اكتشاف أمرها. و تزوجا سريعاً بحلول 1912 وعاشا مخلصين لبعضهما حتى الموت.

لم تكتسب فرجينيا شهرتها بعد المرض بسبب المرض! بل كان لأنها استمرت دوماً في إلقاء المحاضرات والندوات في الجامعات والجمعيات، و نجحت لسنوات طويلة في إدارة مؤسسة المنطقة الخيرية التي كانت لها أنشطة إنسانية لا تعد ولا تحصى شملَت جميع المعسورين ممن تقدموا إليها، من مديونين قامت المؤسسة وباتصالات وعلاقات فرجينيا بمساعدتهم من خلال البنوك المتعاونة أو فقراء كانت المؤسسة تجمع لهم التبرعات أو إرسال التزكيات عن الباحثين عن عمل في إحدى الجمعيات التي تتعاون مع المؤسسة، و غير ذلك من نشاطات أكسبَت فرجينيا احترام جميع الكتَّاب والمثقفين والنقاد على حد سواء. برغم أنها كانت ناشطة في النقد أيضاً، وكان نقدها يأتي لاذعاً وقاسياً و خشناً في بعض الكتابات. مثل نقدها لكتابات جيمس جويس الذي اتضح فيما بعد أنها كانت تهيبه وتأثرَت بتقنياته السردية في كتابة روايتها الأكثر شهرة من باقي أعمالها، “السيدة دالاواي”. عن نفسي رأيت التأثر واضحاً في رواية “الأمواج” وقد تفوقت فرجينيا في جعله تأثراً بنى استقلاليتها في شكل هندسة الرواية ولم يظهر مثل تناص و اقتباس أسلوبي. كتابات مشاهير المثقفين عن فرجينيا بإعجاب و اهتمام واحترام هو ما أكسبها شهرة و تقدير من المجتمع القرائي وهو ما جعل انتحارها صدمة يتحدث الجميع عنها بأسى حتى اليوم.

قبل انتحار فرجينيا الأخير كانت لها محاولات مبكرة ما بين 1913 و 1915. حاولت مرة إلقاء نفسها من النافذة وفي مرة أخرى أخذت جرعة زائدة من الفيرونال المنوم. كانت تعي لما يحدث لها وقد قالت منذ تلك السن الصغيرة أنها تشعر بالجنون. لم تكن تأكل ولا تنام. كانت تدَّعي أنها أصيبت بالهلوسة لكن لم يكن ذلك صحيحاً بعد تشخيص الطبيب.

هل هناك من عانى من المرض بسبب الكتابة؟ يحدث هذا معي كثيراً و قد بدأ من قبل تعرُّفي على فيرجينيا وولف من خلال رواية السيدة دالاواي منذ عدة سنوات. لذلك أنا أشعر بما كانت تمر به فرجينيا أثناء اندماجها مع أبطال رواياتها و إصابتها بالحمى والقلق الشديد عند الاضطرار إلى القيام من خلف طاولة الكتابة أو رفع أصابعها عن الآلة الكاتبة. لم تكن تتعافى حتى يتم دخول عملها إلى المطبعة وتشاهد أول نسخة مطبوعة منه. كانت فرجينيا تفرح بالنجاح لكنها لم تبحث عن مديح القراء يوماً. تنام طويلاً أو تسافر مع زوجها و شقيقتها بعد صدور عمل لها. تستقبل أصداءه من عائلتها وتكافئ نفسها بتواضع بكوب من الشاي مع الأصدقاء أو زيارة لمن لا يستطيع منهم المجئ للاحتفال معها.

عندما تدخل إلى مكتبة لندن يجب أن تشعر أنك في مكان مرتبط بفرجينيا وولف ارتباطاً وثيقاً. فقد كان والدها السيد ستيفن ليزلي رئيس مكتبة لندن منذ 1892 إلى 1904. فكانت فرجينيا من زوار المكتبة الدائمين. استمارة عضويتها الأصلية محفوظة حتى اليوم في المكتبة. عندما تكتب فرجينيا لا تشعر أنها مصابة بأي شيء. قالت كثيراً لمن حولها وفي مذكراتها أيضاً: ” أكتب بمتعة بلا حدود. وتصل متعتي إلى ذروتها عندما أقضي ستة أو سبعة أيام في كتابة متواصلة.” مما يثبت بلا تمجيد أنها كانت مخلصة في عملها وهواياتها أيما إخلاص.

في روايات فرجينيا الكثير من الإسقاطات التي قصدَت فرجينيا تضمينها على حياتها الشخصية. وعلى شخصيتها وأفكارها وأراءها عن بعض الأمور. فالسيدة كلاريسا دالاواي في رواية السيدة دالاواي هي فرجينيا نفسها. أنا في هذه الشهور اقرأ رواية يوليسس، أدرك كلما تقدمت في القراءة أن السيدة دالاواي ردة فعل من فرجينيا على يوليسس. ردة فعلٍ ناقدة. سوزان و جيني بطلتي رواية الأمواج و شخصيتين من شخصيات الرواية الست هما أيضاً فرجينيا. كل واحدة منهما كانت فرجينيا في جانب باطني من شخصيتها. فسوزان التي تفكر في نفسها على أنها أجزاء من كل عنصر في الطبيعة هي نفسها فرجينيا التي تعتقد أن الطبيعة جزء أصيل من شخصية الإنسان أو ما تتشكل عليه شخصيته دون تدخل منه.وهي تقصد البيئة التي ينمو فيها الكاتب. أما جيني العابثة التي تصرفت في حياتها بشكل خاطئ فقد تقاطعت مع فرجينيا في وجه محبة الحياة الاجتماعية و اليقين أن الأمور لا تستقيم بالعزوف عن الناس.

اغتصاب فرجينيا في طفولتها أثر على حياتها مع زوجها في أول سنوات زواجهم. فقد كانت تعيش صراعاً ما بين الحب والجنس كحتميات مكملة لبعضها البعض في العلاقة الزوجية. كتبَت لزوجها بعد محاولات ليونارد اللطيفة لأسابيع وشرحَت: “كما قلت لك بخشونة في يوم سابق، لا أشعر بالانجذاب لك. هناك لحظات..عندما قبَّلتني، كنت أشعر بيدك وهي تلمس ظهري، كما لو أنني صخرة.” ثم كان حُب وصبر ليونارد كفيلاً بحل كل شيء مع التفهم و مضي الأوقات. كانت هناك الكثير من التكهنات حول برود علاقتهما لأن ليونارد كثيراً ما كان يسافر للعمل وحده. هناك من اتهم فرجينيا بالمثلية. لكن برَّأها زوجها في كتابه عن سنوات حياته معها.

عند طرح سؤال عن ماذا كانت تريد فرجينيا من الزواج؟ إن افترضنا أن من يسأل هذا يجهل أن السبب الرئيس كان وقوعها في حب ليونارد، فقد كتبَت له ذات مرة تقول: ” أريد كل شيء، الحب، والأطفال، والمغامرة، و العلاقة الحميمة، و العمل” لم تنجب فرجينيا أطفالاً بسبب حالتها الصحية السيئة. واحدى من أكثر رسائلها المحزنة كتبتها إلى شقيقتها تقول: ” لن يكون بإمكاننا إنجاب طفل، لكننا نرغب أن يكون لنا طفلاً” كثيراً ما ألقت فرجينيا اللوم على نفسها. الضياع الأسري الذي أصابها بعد حادثة الاغتصاب وموت والدتها أفشل محاولاتها على التوازن فكان دوماً ما يحذر الأطباء زوجها من الإنجاب. وقد يكون بالطبع حرمانها من الأمومة أحد عوامل احتدام انهياراتها و اكتئابها كل ما تلى ذلك لها من سنوات.

سنوات صراع فرجينيا كانت أيضاً سنوات اضطراب وصراع في أوروبا. لم تكتب فرجينيا مباشرة عن الحرب في رواياتها، لكن اهتمامها السياسي غير المعلن كانت له انعكاساته في صراعات الأبطال والأحداث في أعمالها مثل رواية “غرفة يعقوب” و “نحو المنارة” و ” سنوات” لذلك لم تجنح فرجينيا للخيال في تقنياتها الكتابية وكانت تستخدم الطبيعة في التطعيم الفني المتخيل واللازم لبناء القصة حسياً في ذهن القارئ. و بسبب الحرب أيضاً كان لعنصر الزمن في تقنية الكاتبة فرجينيا وولف دوراً محورياً في تأطير القصة وجعلها شادّة لانتباه القارئ. سيكون لدي فضول لمعرفة ما الذي يمكن أن يحدث في يوم واحد بين جماعتين متصارعتين بينهما اتفاق لم يجهزوا له بعد. في المدرسة الواقعية التي تمثلها وولف من جيل الحداثيين لا يُمنح الزمن اهتماماً، أي أنها مدرسة مخالفة لفكرة أفلاطون عن الزمن. وهي الفكرة التي تجعل من الزمن قيمة ثابتة أي بمعنى حدوث الزمن في القصة لا حدوث القصة في الزمن. نجحت فرجينيا في استخدام الزمن ديناميكياً في بعض أعمالها مثل السيدة دالااوي ورواية الأمواج أي أن الزمن أخذ طابع الحركة المستمرة. وهذا ما كان يحدث أثناء الحرب إذ لم يقيد الزمن أهدافها بل كانت الأولوية أن تتحقق الأهداف مهما كلفَت من أيام. وهو الأمر الذي كان ضرره بالغاً على الناس في أنفسهم و ممتلكاتهم و يجعل حياتهم معرضة لوقت أطول للخطر.

في التالي، مجموعة مذكرات و رسائل لفرجينيا وولف تترجم لأول مرة إلى العربية. لم أقم بترجمة ما سبق نشره وتداوله على نطاق واسع من قبل. سواء أكان مترجماً ترجمة جيدة أم العكس. لم أترجم رسالة انتحار فرجينيا المنتشرة في المجلات الأدبية والانترنت وهي رسالة أنوه أنها حملت الكثير من الخلط وعدم الدقة ما بين رسالتي فرجينيا لزوجها في شهر مارس من عام 1941 ، لكنني قمت بترجمة رسالتها الأخيرة له وهي التي كتبتها في يوم وفاتها قبيل ذهابها إلى النهر مباشرة. بهذا العمل أرجو أن أكون قد قدمت لقراء الأدب الإنجليزي الحديث عموما و قراء فرجينيا وولف المهتمين بمعرفة أمور دقيقة عنها شيئاً بسيطاً لا يُذكر، لكنني أرجو من ورائِه شيئين، الأول إحداث مسرَّة و إن كانت ثانوية.. في القلب، و الآخر إضافة شيء جديد يتميز بالمصداقية والأخذ من مصادر سيدة الشأن نفسها وعائلتها ومن عاشوا في منطقتها وبين رواياتها في لندن وتمثالها النصفي في ساحة تافيستوك، وحصلوا على جوائز بريطانية نظير دقتهم في نقل سيرة فرجينيا وولف.

0939cdf0c16e8876739e7cd154939a01

من مذكرات فرجينيا وولف

 

السابع من أغسطس/ 1918 – الأربعاء/ آشام .

مذكراتي في آشام تستنزف تأملاتي الدقيقة للزهور، الغيوم، الخنافس و سعر البيض، و الخلوة. ليس هناك حدث آخر للتدوين. مأساتنا الوحيدة اليوم هي سحق يرقة. تأثرنا لعودة الخدم من سانت لويس في الليلة الماضية محمَّلين بكتُب الحرب و مراجعات إنجليزية من أجلي مع كتاب برايلسفورد “عصبة الأمم” ، وقصة “النعيم” لكاثرين مانسفيلد . رميت قصة “النعيم” بتعجب. فعلت ذلك..في الواقع أنا لا أعرف أي قدر كبير من الثقة امتلكت هذه الكاتبة كامرأة لتعيش قصة من هذا النوع. يتعين علي قبول الحقيقة. أنا أخشى أن يكون عقلها مثل تُربة هشة جداً. مثل شبر من العمق أو اثنين وضعت عليهم صخرة جرداء جداً. بالنسبة إلى قصة “النعيم” فهي طويلة بما فيه الكفاية لمنحها فرصة الذهاب إلى الأعمق. بدلاً من التظاهر بالنباهة. إنها سطحية، المفهوم بأكمله في القصة فقير، رخيص ولا توجد رؤية تصبو إلى الكمال لعقل يهتم. إنها تكتب بسوء، وكان التأثير في القص كما كنت أقول لإعطائي انطباعاً بقسوتها وصلابتها كإنسان. سأمنحها قراءة أخرى لكنني لا أفترض أنني سأغير شيئاً. ليس علي الإندفاع للقيام بهذا الشيء حيال رضاها التام. ارتحت الآن أن هذه الرغبة لم تأتي. أليس من السخف أن اقرأ كل هذه الانتقادات لشخصيتها في قصة؟

على كلٍ كنت سعيدة جداً بالذهاب مع بايرون. على الأقل هو رجل ذو فضائل. في الواقع، كان مؤنساً أن أجد كم هو من السهل تخيل تأثيره على النساء وبالأخص الغبيات و غير المتعلمات. غير قادرات على الوقوف بوجهه، كثيرون جداً، يتمنين استعادة أنفسهن منه. منذ كنت طفلة (كما يقول غيرتلر، الذي أثبت أنه شخص دقيق الملاحظة) كانت لدي عادة التقاط بعض السيَر بكثافة و بناء خيال وهمي عن هذه الشخصية باستغلال كل قصاصة خبَر أستطيع إيجادها تتحدث عنه.  مأخوذة بالعاطفة, اسم كوبر أو بايرون أو أياً يكن، يبدأون بالتحرك في صفحات سيئة الحظ ، ثم فجأة، يصبح رقم الصفحة بعيداً وفي عداد الأموات. أنا معجبة كثيراً بالخبث الشديد في شِعر بايرون! مثلاً عندما يقتبس لـ مور بإعجاب صامت تقريباً. لماذا يعتقدون أن هذا الألبوم المحشو هو أفضل استثارة للشعر؟ إنه يقرأ بقوة، أفضل من ليل، أو إيلا ويلر ويلكوكس. وقد نصحوه بالعدول عن فعل ما يعلم أنه يستطيع عمله، و هو كتابة الهجاء! لقد عاد إلى بلاده من الشرق مع هجاء ساخر حاكى فيه هوراس. كان في حقيبته مع شيلد هارولد. كان مقتنعاً بأن شيلد هارولد هي أفضل قصيدة كتبَت. لكن أبداً لم يصدق عن نفسه أنه شاعِر. الدليل، أنه كشخص عقائدي واثق لم يقدم هدية من خلال قصائده. كان وردوورث و كيتس يؤمنون بذلك أكثر من أي شيء آمنوا به. شخصيته، تذكرني كثيراً بالقليل من روبرت بروك. وهذا هو عيب روبرت. على كل حال، بايرون لديه قوة رائعة. رسائله تثبت ذلك. إنه يستطيع فقط الضحك من خلال المرأة. ولكنهن عبدوه بدلاً من ذلك. لم أتعرف بعد على السيدة بايرون. لكنني أفترض بدلاً من الضحك، أنها بكل بساطة كانت مرفوضة. وبذلك أصبح اللورد بايرون، محض بايروني.

ملاحظة: من يوميات 1925. امتاز هذا العام في حياة فيرجينيا بطباعة و نشر رواية كل الأجيال الإنجليزية بعد ذاك، رواية “السيدة دالاواي”.

العشرون من آبريل/ 1925- الإثنين

السعادة هي أن تكون لديك سلسلة صغيرة تُرفَق فيها أشياء تنزلق وترتبط مع بعضها البعض بنفسها. مثلاً، الذهاب إلى خياطتي في شارع جاد، أو بالأحرى التفكير في ثوب أجلبه إليها لتحيكه أو أن تتخيل ثوباً فتحيكه، هذه هي السلسلة، كما لو أنها تراجُع مرن إلى موجة مليئة بالكنز و إحضار اللؤلؤ العالق فيها. المسكينة مورفي تقبع في بيت الدرّج السفلي. نظراً لقسوة ليونارد المشتعلة التي يرفض نعوتي لها هكذا بالتأكيد. مورفي ليس لديها سلسلة مغموسة في الموج الأخضر. الأشياء لا تتعلق ببعضها من أجلها، أضف إلى ذلك أنها كالحزَم الخلابة.. وتلك سعادة. أيامي من المحتمل أن تكون معلَّقة معهم. أحب حياة لندن هذه في أوائل الصيف وأحب التسكع في الشوارع والحي المربع. بعد ذلك إن كانت كتبي ستمضي إلى درب النجاح، إن استطعنا البدء في البناء على سفح منطقة الرهبان، و وضع هاتف لنيللي، والحصول على بعض الفاكهة المجففة لإمضاء الوقت حين نذهب للعيش في كوخ شانكس فإن ما سيحدث سيكون بعضه شديد المسرة و بعضه الآخر غارق في الكآبة. ستجري استعراضات سيئة وسيتم تجاهلها. سيكون هناك تصفيق بلذة، من أجل المجاملة. ولكن ما أرغبه حقاً هو أن يكون لدي ثلاثة باوندات لشراء زوج من الأحذية المطاطية والذهاب إلى البلدة للمشي يوم الأحد.

شيء واحد يُنظر إلى حالتي العقلية الآن، خلاف ما أبدو عليه..أنني أخيراً، ثُقِبت فخرَج زيتي جيداً ( كناية عن شوائب الروح) ولم يعد بإمكاني خربشة شيء يطفو على السطح. لدي الآن ست قصص تموج حولي. و أشعر أخيراً أنني أستطيع جمع كل أفكاري وتحويلها إلى كلمات. تبقى عدد لا حصر له من المشاكل، ولكنني لم أشعر قط بمثل هذا الإندفاع و التعجل من قبل. أعتقد أن بإمكاني الكتابة بأسرع مما أفعل بكثير. إنني باندفاع، أكتب عبارة في ورقة، ثم أعيد كتابتها وأعيدها مرة أخرى كما لو أنني أحاول الانتهاء منها. الكتابة الفعلية الآن تبدو مثل اكتساح فرشاة. املؤها كلما فرغَت. الآن لنفترض أنني أصبحت لا أقول واحدة من المهمِّين لكن من الروائيين المثيرين للاهتمام؟ الغريب، أنني بكل غروري، ليست لدي ثقة كبيرة في رواياتي بعد أو الأخذ في الاعتبار أنهم تعبيراتي الخاصة.

ملاحظة: من يوميات 1926 ، أبرز أحداث هذا العام هو نشر فيرجينيا وولف لرواية ” نحو المنارة” التي حققت نجاحاً أخلَّ باتزانها العاطفي والفكري ولم تنتبه منذ البداية إلى ارتباط هذا النجاح بما سبقه من نجاحين هائلين لرواية غرفة يعقوب والسيدة دالاواي.

الثالث والعشرين من فبراير / 1926- الثلاثاء.

أنا منصهرة في روايتي مثل علَم قديم يرفرف بفتنة. هذه الرواية هي ” نحو المنارة”. أعتقد أنه من الجدير أن أعبر عن شغفي الخاص بها وأنا في نهاية المطاف بعد معركة “غرفة يعقوب” التي حضرت فيها صنوف العذاب كما في نهاية “السيدة دالاواي”. أكتُب الآن بانطلاق و تحرر كما كنت أكتب طوال حياتي. أكتب في مسودة الرواية أكثر من عشرين مرة أكثر مما فعلت مع أية رواية من قبل. أعتقد أن هذا دليل على أني في الطريق الصحيح. مثل سريان لذة ثمرة تستشري ببطء في حاسّتي لكي تصل إلى روحي. بعجَب، أنا الآن أخترع نظريات عن الطلاقة و الخصوبة مثلاً: أقوم باستخدام التذرّع والاحتجاج للدفاع عن نوع من الاقتراب الحميم. على كل هذا يمضي مع بقية الصباح. لدي شياطيني الخاصة التي تبعد التصلب عن ذهني حتى الظهيرة. أنا أعيش تماماً في ذلك، أشعر بالغموض عندما أطفو بذهني على السطح، في كثير من الأحيان أكون غير قادرة على التفكير عندما أمشي في الحي المربع. هو أمر سيء وأنا أعلم. لكن قد يكون علامة جيدة للكتاب بالرغم من ذلك. هذه الحالة معروفة لدي بالطبع إلى حد كبير، لكن حدث ذلك مع كل رواياتي من قبل. أشعر أن باستطاعتي جعل كل شيء يطفو بلا حراك الآن، وكل شيء بدلاً من هذا الطفو يحتشد و يكتنز وزنه ويصبح مربكاً للذهن.

_

العشرون من مارس/ 1926- السبت

و لكن ماذا ستصبح كل هذه اليوميات؟ سألت نفسي بالأمس. لو أنني مت، ماذا سيفعل ليو بهذه اليوميات؟ قد يميل إلى حرقها. قد لا يستطيع نشرها. حسناً، أعتقد أن بإمكانه أن يشكل كتاباً منها، ثم يحرق المسودة. أظن أن بالإمكان صنع كتاب صغير منها مع تقويم بعض القصاصات والخدوش وجعلها في مكان بارز قليلاً. يعلم الله، أن هذا ما تمليه علي السوداوية التي تجثم على نفسي بعض الأحيان وتجعلني أعتقد أنني طاعنة في السن و قبيحة. أنا أكرر الأشياء، و مع ذلك، بقدر ما أعرِف ككاتبة فقط، أنا الآن أكتب خارج تركيزي، خارج ذهني.

الخامس والعشرون من مايو/ 1926- الثلاثاء

انتهيت من سكيتش الجزء الثاني من رواية “نحو المنارة” وربما بعد ذلك، سيكون العمل مكتملاً بحلول نهاية يوليو. موثقاً، بعد سبعة أشهر، بالتوالي.

الثلاثون من سبتمبر/ 1926- الخميس

أتمنى إضافة بعض الملاحظات على هذا، الجانب الصوفي والمبهم من هذا التعاطف. كيف أنه لا يجعل المرء يمثل نفسه ولكن يمثل شيئاً في هذا الكون يُختَطف المرء معه. هذا هو ما يبعث الخوف والإستثارة في خضم أعماقي المصابة بالإكتئاب والملل وأي شيء آخر. يمكن للمرء أن يرى زعنفة تمر بعيداً.. ما الصورة التي يمكنني إيصالها لنقل ما أعنيه؟ حقاً ليس هنالك شيء أو على ما أعتقد. الشيء المثير للاهتمام هو أنني بكل هذا الإحساس والتفكير الذي لدي إلا أنني لم أصطدم بهذا الإختلال من قبل. الحياة، بوعي و دقة.. مسألة شاذة. هذا موجود في جوهر الواقع. استخدمت هذا الشعور عندما كنت طفلة لا أستطيع الخطو على البحيرة ولا مرة. أتذكر، أنني فكرت كيف أنني كائن غريب؟ و لكن عبر الكتابة أنا لا أصل إلى شيء. كل ما أعنيه هو أن هذا الإختلال جعلني ملاحَظة كحالة عقلية غريبة الأطوار. خاطرت بالتفكير أن هذه أعراض كتاب آخر يوشك على الإقبال. في هذه الفترة ذهني بِكْر و خالٍ تماماً من الكتب. أريد أن أشاهد و أرى عملية حدوث الفكرة لأول مرة. أريد تتبّع عمليَّتي الخاصة.

ملاحظة: من يوميات 1928 ، أنهت فيرجينيا كتابة رواية “أورلاندو” و تمت طباعتها ونشرها ولاقت ما لاقته الروايات السابقة من نجاح واحتفال لكن فيرجينيا، كانت قد بدأت تعاني من أعراض الجنون و تعترف بها لنفسها بتعبير مبهَم على نفسها في البداية إذ لم تكن تدرك بعد أنها على مشارف الهلوسة وفقدان العقل الذي لم يضع كله حتى لحظة انتحارها. بل كانت رزانتها ورصانتها سيدة كسيادة أدبها مع زوجها و عائلتها و رواياتها وأبطالها. هذه التدوينة تعبر عن بداية النهاية:

الثامن عشر من مارس/ 1928- الأحد

لقد فقدت متن الكتابة. عذراً لحضرة البلاد على فقدان هذا الكتاب! في الواقع أنا فقط أكتب الآن، أكتب حروفاً أقول بينها أنني انتهيت من “أورلاندو” بالأمس عندما دقت الساعة الواحدة. على كل حال تمت تغطية اللوحة. سيكون هناك احتياج إلى ثلاثة أشهر من العمل حتماً قبل التمكن من طباعتها. سارعت إلى رش اللوحة، سوف تظهر في آلاف الأماكن. لكن هذا شعور هادئ للكتابة و إنجازها حتى الإنفجار. حتى النهاية. وفي يوم السبت نخرج و نحاول استرضاء عقلي مجدداً.

لقد كتبت هذا الكتاب أسرع من أي كتاب. بالطبع هذه مزحة. البطل مثليّ الجنس وسريع القراءة على ما أذكُر. حسناً إنها عطلَة الكتّاب. أشعر أكثر فأكثر أنني حتماً لن أكتب رواية مرة ثانية. قليلاً من اللحن ينساب، يذكرني بفرنسا، إذن سنجوب فرنساً براً يوم السبت. ينبغي أن نعود في السابع عشر من إبريل لأنه الصيف. الوقت يطير، اوه..أجل. ذلك الصيف سيكون هنا مرة أخرى. ولا أزال أتعجب كلياً، العالَم يتأرجح مرة أخرى و يُحضر زرقته واخضراره إلى قلب عيْن المرء.

منذ فبراير حدث لي بعض الدواخ مع صداع مرافقاً لمسة من الإنفلونزا. و هكذا، مع الأضواء في الأسفل، و كل الطاقة الموجهة إلى دفتري لإجباري على الكتابة، لم أكتب هنا. لم تعجبني هذه الأشهًر. هل نجرب روما في العام القادم؟ السيطرة على الحياة هي ما ينبغِ على المرء تعلمه الآن. إنها إدارة اقتصاديـة. أشعر بحذر مثل المساكين. أنا الآن في السادسة والأربعين، لكن قد أموت فيما بعد. على ما أظن. إذن سأحصل على دروس الفرنسية الآن..بدلاً من انتظار حدوث شيء.

الرابع من مايو/ 1928- الجمعة

هناك الآن تسجيل جائزة النسوية التي علي القيام بها قبل الإنطلاق في هذا اليوم المشمس الرائع لتناول الشاي مع السيدة جنكينز في شارع داوثي. سأذهب بصرامة. لا لكي أصد النساء اليافعات اللاتي تغلبن على الصعاب بلا شك. لكنه يوم رائع لتسجيل إنجازات.

كانت الجائزة شأناً مثيراً للرعب. وظيفة، لا تنذر بالخطر، لكنها محفوفة بالاستغباء للنساء. هيو والبول يقول كم هو يكره كُتبي، بدلاً من ذلك، كان عليه أن يخشى على منصبه من نجاحنا. الآنسة الصغيرة روبنز. ذات ثديين مكتنزين بارزين. أذكُر أن والدتك هي أجمل سيدة وفي الوقت نفسه هي المرأة الأكثر اكتمالاً في العالَم. جاءت و زارتني في شقتي. رأيت ذلك من قبل في زيارة صيفية في يوم حار. قالت أنها لم تعهد فعل ذلك . ثم فجأة كادت أن تقول شيئاً خمنت أنه لن يكون متوقعاً أبداً، هذه المرأة ذات وجه مادونا الأجمل. قلت أنا بمتعة: لا شيء آخر يمكن أن يترك انطباعاً قوياً الآن. بعد ذلك اللقاء كان هناك خليط من الأثواب السوداء مرعبة الشكل بدت رخيصة وقبيحة. لا أستطيع السيطرة على هذه التجمعات. كما أنني أستيقظ عند الفجر فلا يمكنني التحمل. كما أن الشهرة أصبحَت مبتذلة ومصدر إزعاج. ذلك لا يعني شيئاً، الأميركيون دوماً يهتفون بالتقدم و التحرر.

شاهدنا عدد لا يحصى من الناس. إيدي، ليتون، آنسة ريتشي، فرانسيس و فيتا، والآن.. الدقيقة جينكينز.

ملاحظة: من يوميات 1941. انتحرت فيرجينيا وولف في هذا العام. فقدان توازن الكتابة في آخر أيامها يعكس فقدانها لهويتها وسلامها الباطن لكنها لم تفقد الحب و الإخلاص. هذه التدوينة ترجمة تلخيصية لحال فيرجينيا الأديبة في الأيام الأخيرة:

السابع من فبراير/ 1941- الجمعة

لماذا كنت مكتئبة؟ لا أستطيع التذكر.

كنا نشاهد تشارلي شابلن. جاءت فتاة الحليب و أزعجتنا. كتبت ببعض التوهج. سنقوم بزيارة السيدة ثرل قبل الذهاب إلى كامبريدج. أسبوع من انقطاع المياه في البئر القريبة منا. كامبريدج ثم اليزابيث بوين، ثم فيتا ثم إنيد جونز. هيلين سددت لي خمس وعشرون باوند. هل أحببتها أكثر بفضل ذاك؟ أعتقد. جاء الثلج مرة أخرى. المستنقع المالح يذوب. كنا في لندن في الخامس من فبراير. كان علينا البقاء في البيت. بسبب قنبلة في دوركينغ. تم تأمين السيارة في مرآب مارتين. تناولنا عشاء مكوناً من لحم الأيل في وايت هارت. شوارع اكسفورد ولندن فارغة جداً و متشحة بلون الرماد. محفظتي الحمراء سُرقت. الفتاة إل اعطتني محفظة أخرى. في شارلستون كلايف كان هناك ستوكش الشبيه بالسيد بيل. تساءلت عن خطورة اندفاع فتيات المنطقة للزواج منه. السيتويلزيون يثبتون وجودهم كشعراء في المحاكمات القانونية. هذا حقير بصراحة لكنه ممتع. ماذا أيضاً؟ إلين تيري ستظهر اليوم في إن.اس ( مقاطعة نوفا سكوشا) . والإيطاليون يحلقون. الأسبوع الثالث من مارس تم تجهيزه للغزو. الجو قاتم الآن. ربما سأكتب رسالة لماري. لا أظنني سأقرأ شيء؟ لابد لي أولاً من الوصول إلى طقوسي الإليزابيثية.

السادس عشر من فبراير/ 1941- الأحد

في المياه الفضية أخيراً..بعد الأسابيع الأخيرة من الإضطراب. أحب تناول العشاء مع ديدي، كل شيء مضاء بطريقة محرضة على اتخاذ المزيد من السرية. أنا أحب الليل الفضي الناعم في نيونهام. وجدنا الصديقة بيرنال في غرفة ذات رتم احتفالي عالي.  كل شيء مصقول بطريقة ملفتة للنظر. كانت في رداء ناعم أحمر وأسود. جلسنا قبالة نار متألقة، جلسنا مع بيرنال، وأحاديث تداولناها بشفافية غريبة. سوف تغادر في السنة المقبلة.

ثم في ليتش وورث يجلس الكتَّاب خلف آلات الطباعة مثل العبيد. لدي مجموعة وجوه رسمتها لهم، في ذهني.  الآلات المستمرة في كفاءة. تعمل في الطي والتغليف و تحرض على إصدار كتب متصفة بكمال خلاب. مطبوعتنا ترسل أول طبعة من إصداراتها في صندوق زجاجي وهذا ليس موجوداً في صحافة بلد آخر بهذا الوقت. رحلات قطار طويلة، طعام قليل، لا زبدة ولا مربى. الأزواج الكبار التقليديون موائدهم مكتنزة بالعنب والبرتقال والمكسرات. المحادثات تدور هامسة حول المدفئة.. والنار الدافئة. إيث بوين وصل بعد رحيلنا بساعتين ثم غادر بعد ذلك في الغد. أنا مقبلة على دخول أعلى مستوى وصلت إليه في حياتي، لكن ربما ليس الآن.

ملاحظة: ( توفي الروائي الإيرلندي جيمس جويس في هذا الشهر من نفس السنة، بعده بشهرين ماتت فيرجينيا . لم يوجد في مذكراتها رثاء لوفاة جويس الذي كانت تهابه كثيراً و تحتار في تحديد مكانته عندما تفكر فيه وفي مارسيل بروست. لها تعليق تم ذكره في الكتب المنشورة عن آرائها في عباقرة الأدب بوقتها وذلك التعليق على وفاة جويس: ” كنت أنظر إليك دوماً على أنك نموذج للفن المزدوج. و أنك حليف الذكور في معركة الحداثة الواقعية النفسية.”

 لها العديد من الكتابات عن أهمية رواية يوليسس التي كانت تصفها بالمكروهة التي تخشى قراءتها، كان لرواية يوليسس دور كبير في تكوين رواية السيدة دالااوي . كتابات فيرجينيا عن جويس ويوليسس كانت توصف بالعدائية، لأن جويس في الحقيقة لم يكن أديباً هادئاً. لا يمكن للمرء أن يكتب عنه إعجاباً ناعما. أثناء حياتهما كان الجميع يظن أن فيرجينيا تكره جويس. لم يحاول أحد تحليل كتاباتها عنه وهي لم تكن كثيرة بل كان تركيزها في الكتابة على رواية يوليسس تحديداً، بعد وفاتهما ومراجعة قراءاتها عن يوليسس اكتشف العديد من النقاد والباحثين في الأدب الإنجليزي أن فيرجينيا كانت تعشق جيمس جويس وتخافه. لم تحتوي مجلدات مذكرات فيرجينيا المنشورة على رثاء لجويس، لكن ذلك لايعني أنها لم ترثه، قد يكون هناك شيء في حوزة زوجها المُحب ليوناردو. إن كانت فيرجينيا حقاً لم تكتب رثاء لجويس سوى التعليق القصير المذكور في بداية الفقرة، فلا يمكن تفسير ذلك إلا تفسيراً واحداً، هو احتقان اضطرابها الذهني وشتاتها العقلي والأصوات الوهمية التي تسمعها و..الجنون )

__

الرابع والعشرون من مارس/ 1941 – الإثنين

كان لديها وجهُ أنفي الدوق ويلنغتون ( آرثر ويلزلي) وأسنان بارزة كأسنان الحصان وعيون باردة. عندما وصلنا إليها كانت جالسة محشورة في كرسي بثلاثة أرجل وبين يديها حياكة. الكولة مثبتة بإحكام في سنّارتها. قبل خمس دقائق كانت تخبرنا أن اثنين من ابنائِها قتلوا في الحرب. أحد هذين الراحلين كان ابنها بالتبني. تعلمَت الخياطـة. كل شيء في الغرفة كان باللونين الأحمر والبني، مصقولاً. جلست هناك وحاولت إلقاء بعض المجاملات، إلا أن محاولاتي لقت حتفها في البحر المتجمد بيننا. ومن ثم لم يكن هنالك شيء.

شعور البحر الغريب غمرني في الهواء الطلق اليوم. هذا يذكرني بما كنت أشعره في حديقة البيت في أيام عيد الفصح. الجميع يتكئ على الرياح. متآكلاً و صامت. أزيل الجوهر بالكامل.

هذا المقطَع عاصف. وبرايتون، اتساءل كيف نفعل إذا ما أردنا بث الحياة في النفوس؟

قصة أوكتافيا. هل أستطيع بلعها بطريقة أو بأخرى؟ قصة عن الشباب الإنجليزي في 1900 .

رسالتين طويلة من شاينا و أوه. لا أستطيع مقاومتها. لم أستمتع بها بعد.

الفتاة إل، تقوم بتشذيب الزهور.

الملفت للانتباه في مذكرات فيرجينيا المنشورة هي أنها شخصية. ليست مذكرات للنشر. لم تُكتَب لتٌنشَر وإن كانت فيرجينيا ترغب أن يقوم زوجها بفعل ذلك بعد موتها كما قالت في إحدى المذكرات بالأعلى. المذكرات الأدبية لها تقنية معينة أهم ملامحها أن تكون مفهومة للقارئ. المذكرات الشخصية تشبه لعبة البزل التي قد تكون بعض قطعها ذات رسوم مفهومة المكان والمعنى وبعضها الآخر بحاجة إلى تفكير لفهم مكانه الصحيح. في مذكرات فيرجينيا أمور وأحداث واختصارات اسماء وأماكن كثيرة لن يفهمها إلا من عاصر فيرجينيا في حياتها، أو الإنجليزيون الذين يعرفون شوارع وأدباء وفناني بلادهم، أو القراء الذين سافروا إلى بريطانيا و تجولوا في لندن وبرايتون تحديداً، مع أماكن أخرى. لمَ تم نشر مذكرات فيرجينيا إذن؟ هذه المذكرات مهداة إلى محبي فيرجينيا وولف. الأديبة الإنجليزية المهذبة و الجميلة. الكاتبة التي أعطت للواقعية قيمتها بعدم رصدها في الرواية بجفاف جارح أو بطريقة صِدامية، وهي نفسها الكاتبة التي لم تتخلى عن تقدير المخيلة إنما تلك المخيلة التي تزدهر انعكاساً من ازدهار الطبيعة، الزهور و البحر والشمس. رواية الأمواج نموذجاً مثالياً ليس للتعرف على فيرجينيا المدهشة في الكتابة، المذهلة في التصوير، المفاجِئة في محاكاة نجوى النفوس وحوارات الناس الباطنية لبعضهم البعض في علاقاتهم التي قد تظهِر عكس ما تخفي. عندما انتحرت فيرجينيا أصيب قراؤها ومحبيها الذين لم يعرفونها شخصياً بالحيرة والحزن لأنهم تساءلوا ما الذي يجعل امرأة مبدعة وسعيدة وجميلة لها زوج وفي وصالح وشقيقة فنانة وصديقات محترمات تذهب إلى الانتحار؟ لمَ اختارت الموت؟ ما المأساة التي كانت تتماوج في قلبها و أشقَتها حتى الجنون ثم الموت؟ كان يبدو على فيرجينيا الثراء رغم البساطة والتواضع. مهذبة و مبتسمة و ذات حديث جميل مع الآخرين. تكتب بوعي وتنقد أدب المعاصرين بقوة و رصانة. يمكن تشبيه ملامح حياة فيرجينيا الخارجية بتمثال الشمع الجذاب. كانت نفسها مشتعلة ورأسها يحترق من الحزن والتفكير والقلق لكن أحداً لم يكن يعرف الحقيقة سوى زوجها والمقربين.

بقية الملف في الجزء الثاني ( اضغط هنا فضلاً )