4

_ ليسَ صحيحاً أنّ الموت رحيل دائم , موت أحدهم بالنسبة لك .. هو بداية حياته التّرِفَة في قلبك , إن كانَ حياً . بعض القلوب ترحلُ قبل أن تموت , و لم أسمع بشيء حيّ في البحر الميّت .

3

مرة شفت لعبة على قناة دريم تشبه لعبة جاوب و اسأل المنتشرة في جميع المنتديات . فيه سؤال طرحه أحد المتصلين على أساس يجاوب عليه المتصل اللي بعده و يطرح سؤال ثاني , السؤال كان :


_ ليه مهما عملنا من أشياء نعتقد إنها تسعدنا نرجع نكتشف إن سعادتنا بيها كانت وقتية و نرجع نفتقر للسعادة الدائمة من جديد و نبحث عنها ؟

المتصل الثاني كان جوابه روتيني جداً و متوقع : البعد عن الله و ضعف الوازع الديني هو السبب !! .

الآن هو غالباً كان يقصد آية : ” و من أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً ” .

و الشي هذا ما أعترِض عليه . لكن الآية ما تتكلم عن السعادة اللي يقصدها المتصل . الآية أصلاً تتكلم عن الشعور بالراحة اللي هي طموح إنساني أهم بكثير من السعادة . اللي يعرض عن ذكر الله و ينشغل بالدنيا طول الوقت و ينسى ربه نهائياً , راح يفتقد الشعور بالراحة و من مشاهدات عايشتها ما يتوفق غالباً في حياته . و طبعاً لكل حالة استثناء له أسبابه بس هنا نتكلم عن الأساس بشكل عام .

المتصل كان يقصد شي ثاني بالسعادة الدائمة , يقصد لما نحقق فعلاً أشياء تسعدنا و ننجح فيها بس نظل دائماً نحتاج لسعادة غيرها بعد فترة من الوقت . رغم إنه الأشياء السابقة اللي نجحنا فيها و أسعدتنا ممكن لسى باقية فحياتنا وما زالت . طفل مثلاً , وظيفة مرموقة , استقرار عاطفي , دخل ميسور . نشاط إنساني .

كلها أشياء يتمناها أي إنسان طبيعي بس يظل يبحث عن أشياء غيرها تسعده . السؤال ليه ؟

قرأت مرة كتاب ناسية إسمه للأسف يتكلم عن غريزة البحث و عدم الرضا في الإنسان . و إنك لو وصلت لمرحلة رضا تحس فيها إنك خلاص حققت كل اللي نفسك فيه راح تكون بداية لمرحلة تهاوي و سقوط ذريع في حياتك . لأن الحياة تتطلب البحث الدائم ,

غلطانين اللي يقولوا إن الحياة سمَتها العمل الدائم . العمل اللي يكون نتاج أوامر فقط لا غير يعني تجسيد لدور الآلة هذا عمل ما ينتِج أي لذة بالحياة . على عكس البحث اللي ممكن يأدي لحصول و الحصول يؤدي لطريقة استخدام و طريقة الاستخدام عبارة عن عمل ! .

أوكي إذن مشاعر الحاجة الدائمة لسعادة أكبر من اللي حصلنا عليها هي مشاعر طبيعية وما فيها خلل نفسي .

بس أتذكر مقولة لكاتب في منتدى قديم و مُغلق حالياً كان يقول :
” كل شيء من صنع البشر يخرج في الوهلة الأولى أشعثاً يحتاج إلى تشذيب ” .

حطوا أي مرادف للتشذيب , تجميل مثلاً , أو ترتيب , أو تنظيم .. أو حتى كنترول .
حاجتك الدائمة عن نجاح أكثر يحقق لك سعادة أعظم لازم ما يلغي فضيلة القناعة فداخلك . القناعة فعلاً كنز , مقولة مملّة من كثر سمعناها بس أحياناً ننسى نطبقها و نلمس حقيقتها واقعياً . القناعة علاج , خصوصاً لما تكون طموحاتك أكبر جداً من استطاعتك و أدواتك . فكر كيف تستغنى عن بعض الرغبات مؤقتاً و تعوضها بالنجاحات الحية في حياتك . ولا يلعب أحد بعقلك و يفهّمك إن نجاحاتك صغيرة و إن فلان اللي نشر كتاب أو أخذ دكتوراه في الهندسة أو أنشأ مشروع شركة تجارية أو فتح معرض فني في ميونيخ أو فاز بجائزة تقييمها مو قرآن .. أحسن منك .

أي عمل تتعب فيه و تنجح .. عشان تنمي قناعتك لازم تعطيه قدره وما تستسخفه . أي نجاح تحققه مهما كان صغير بنظر اللي حولك انت افخر فيه بينك و بين نفسك و كافئ نفسك عليه , ولا تنسى إن بالنهاية كل شي خاضع للمشيئة , ما تدري يمكن سعادتك تكون في مكان ثاني غايب عن بالك .. بس لو انت طيب و تستاهل راح يرزقك الله هالسعادة بدون ما تدري أو تسعى لها .

2

أغارُ منكَ كثيراً .

كنت أقول لك هذا و أنا أظنه اعتراف يُبديني أمامك بلا رتوش . الكلّ يعشقك , حين تمُر .. تضئ الشوارع و تتوقف إشارات المرور التي فتحَت الطريق للتو . أسمعُ العالَم يذيع موافقته على معاهدة السلام الجو أرضيّة , و الأرض تبالغُ كثيراً و تجيزُ لك ما لم يُجاز للشعراء . كنت تنكر , تقول لا أعرف أحداً يعشقني , تبالغينَ كرمل الأرض , إنها محبةٌ صرفة . ليس أكثر و لأجل إرضاء قلبك الفاحص ليس أقل . و أضحكُ بحرج دون تعليق .

تفتحُ ليَ نافذةً بحجم ثقب , ليسَ ثقباً , سرّة لقيطةٍ لم تنفصل عن مشيمة زانية الحي . أحاول أن أفهم أسرارك , تريدني أن أعرف كل شيء بلا صوت , بلا عينان مثبّتتان في بعضهما , بلا نظرة دهشة و أخرى تؤنبك بلا خصام , تذكّرك أن صدري لم يعُد دار أيتامك ولا لقطاء فراشك المحشوّ بصور العاهرات . حتى إن أردتُ مخاصمتك أو رفع كفي الصغيرة إلى وجهك غير الوسيم , زلزلة الأرض الخفيفة كلما نطقتُ اسمك تذكّرني أنها لا زالت تجيزُ لك ما لم يجاز للشعراء .

بعد فراغ الحاشية , أصبحتُ أميّز كيف يعشقك الكلّ بلا فضيلة . يقتبسون عمى الريح , جوف اسمها و حدة صوتها حين يخترقُ أذناً تعافت من صممها للتو . لم يعُد في خطاياك ما يستثير غيرة فتاةٍ محترقة النون مثلي . و صرتُ أتعفف كثيراً من نبوت أيّ شعور آخر ينبّؤك عن أيّ سرٍ يخصني حتى إن كان برداً على هيئة مزلاج نائم في فجوة باب الجنّة , نافذة النّار .

صارت الغيرةُ حذاء مركون في ذكريات الطفولة , تلك التي لا تعود لتناسب مقاسي حتى إن تحولتُ إلى قطةِ حانات مشرّدة . أعاتبني كما عصفور يطلّ على لحظتي الخاصة التي يكرهها النّد و الكافر , أقطّرُ العتب على عيني بمعيارٍ آخر للأرقام

اليُمنى :
قطرة 1 : راح اللي راح .
قطرة 2 : مَن للهديلِ بعد فوات الحَمام ؟
قطرة 3 : ماما , إنتي يبغي كرسي ؟ أنا أدفّ ودّي عند دكتور .

اليسرى :
قطرة 1 : اعفيني , ما أقدر أندمج معكم .
قطرة 2 : ليس في شمالي شيطان .
قطرة 3 : شفتي فيلم العمى ؟ ليه ما انعميتي للآن ؟

كأن الثانية في اليمنى هربَت من عيني ,
قطرة 2 : لولا الملامة , كان أبني له مَلا .

العصفور الذي يهوى التنصّت تمتم خائفاً : لمَ أصبحتُ أشعر أن الخوف طال كلّ الأفواه إلا فمِك ؟ . يختفي مثل وحيٍ يأتي ليبلّغ آيات الله و يرحل دون أن يعلّق بساعده وجهة نظر الأنبياء . كنت أريد أن أسديه جواباً يدفعه إلى الكفّ عني في الوقت الذي أحتاج فيه إلى الوحدة . حريصة على طرد الخوف عن أدوات كلامي كي أحافظ على قوّة تعينني حين أبدأ في صنع منقار . لكن لأنه صغير العين لم يلحظ ذلك السائل الأحمر تحت قدمي , آثار خوفٍ لا ينبغي , بينما كل الأشياء التي يقول الناس أنها مفترَضة , صارَت في عِداد الأسرى كما رهائن الأندلسيين بعد التفوق في لغة الرهان .

_ كيف أسديكِ غبنة ؟
– ضعيني أكثر في جوف الحيلة , و امنعي الأرضَ عنّي .
_ لن تكتبي قصيدة ؟ قد يجازُ لك شيئاً ممنوعاً .
– سأكتبُ سكوتاً على ناصية الأرض , هناك نقطة ضعفها . قيد المنع غير العصيّ على الإصابة .

1

أتعلمت في الكلية إنه فيه مثلث أخلاقي أو Tree rules يجب على أي طبيب يحترم الإنسان الالتزام بها مع المريض .
honesty ,clarity and frankly أو الصدق , الوضوح و الصراحة .

لما أتذكر اتهامات بعض اللي يطالبوا بالحرية الإنفلاتية يعني البِلا حدود , ينددوا بأي نقطة كنترول بوصفها عُقد مالها داعي , مثالية زائدة أو مبالغ فيها .. أفكر لا شعورياً إنه هالناس إيش يعملوا فحياتهم ؟ . مِن أصول أي تخصص جامعي إنه يلقّن الطلاب آداب المهنة . و الآداب هذه غالباً تكون مستمدة من أخلاقيات الحياة بشكل عام . هي مو قيود , هي أنظمة .. Points تعطيك حقك و تعطي الآخرين حقهم من الفهم . تماماً مثل وضع النقاط على الحروف . ممكن نشوف المعلّم ينسى الآداب و ما يكترث , ممكن المهندس يعمل نفس الشي , ممكن الفنان يعمل مثلهم , كلهم ممكن ينسوا الآداب إلا الطبيب . يفترض حتى لو الكل نسيها الطبيب ما ينساها , ببساطة لأن مهنته مؤطرة بشكل كامل بهذا الكائن المسمى إنسان . و بشكل أكثر دقة , مؤطرة بفسيولوجيا الإنسان + نفسيته . المعلّم يتعامل فقط مع عقل الإنسان . لهذا حتى لو علمه أشياء خاطئة و مارس كل مهنته خطأ في خطأ ما راح يكون الأثر السلبي سريع الوضوح على الطالب . المهندس يتعامل مع الآلات و الجمادات أكثر من تعامله مع الإنسان . الفنان يتعامل مع أذواق و عقائد و صور الناس . حسب فنه ” موسيقي , تشكيلي , سينمائي ” , بينما الطبيب هو الوحيد اللي يتعامل مع الإنسان بكامل كتلته العضوية و النفسية . و عضوياً لو اضطربت فسيولوجيا الجسم راح تؤدي لاضطراب كل أشكال إنسانيته الأخرى , نفسيته , عقله .. إحساسه .. كل شي . و لو ماتت أعضاؤه المسؤولة عن الحياة , ينتهي .

عشان كده الطبيب عادةً تكون مثاليته زائدة أو حساسة أكثر من بقية الناس . بشكل هو ما يحس فيه يعني ممكن تخليه ثقيل دم مقارنة مع وضع المزاج العام في الشارع أو المجلس أو المنتدى ! .

و أقول تكون مثاليته زائدة أو حساس أكثر لكن مو ملاك . ممكن طبيعته قبل ما يمارس الطب مختلفة تماماً عن متطلبات المهنة فيكون الأثر إنه يلتزم قد ما يقدر داخل الصرح الطبي و بمجرد خروجه من البوابة ياخذ نفس قوي و يعود لطبيعته الأصلية و يمارس بشريته بكل عيوبها قبل ميزاتها . سمعنا عن أطباء لصوص , و أطباء سفاحين , و أطباء نصابين , و أطباء كذابين و غشاشين و مغتصبين و جواسيس و عملاء و من كل نوع سيء ممكن نحصّل طبيب . لأنه في النهاية صحيح الطب له آدابه لكن الطبيب زيه زي غيره ممكن لو ما كان مقتنع فيها يمثّلها داخل المستشفى حفاظاً على عمله و تصير قناع يخلعه بمجرد الخروج إلى الحياة .

عشان كده لازم نفكر ألف مرة قبل ما نرسّخ فأذهاننا إن المثالية عيب يُتهم به الشخص . فيه مدّعين و فيه صادقين . بس مو دايماً قلب المؤمن دليله و مو دايماً ممكن إحساسك بإن فلان المثالي متصنع يكون صحيح . أحياناً يتهيأ لك إنه يتصنع لأن عقلك رافض الاقتناع بجدوى أي إلتزام أخلاقي . تبي يكون نظامك و نظام الآخرين عشوائي بدون أي ضوابط سوى اللي يمليه عليك مزاجك و بس . و أحياناً ما تكون تعرف هو مين و إيش يشتغل فتحكم عليه غلط و تنسى إن البيئة لها دور كبير في إثبات صدق أو تصنع هذا الشخص . و أحياناً ممكن فعلاً يكون مدّعي . بس قبل نقطة نهاية السطر أقول إنه هذي من الأشياء اللي تُحسَب للطب .. يعلّمَك كيف تتأنّى , و كيف توسّع أفقَك الفكري إلى مالا حدود .

ترانزيت

..

لا شيء هنا مهم للقراءة , أو التفاعل , لا شيء هنا يليق حتى برغبة تضييع الوقت . لا شيء مفيد ..

طوال حياتي أفعل أشياء مفيدة , طوال حياتي أدرس , أعمل , أقرأ , أقوم بواجبات البيت , أزور أناساً يزعجونني و أُجبَر عليهم لأنهم أقرباء , أسرِفُ مالي القليل على شراء هدايا فاحشة الثمن لأطفال إخوتي الذين يشكلون محور قلبي , و يأتي وقت انتكاستي الصحية سنوياً ولا أستطيع توفير كل الدواء , أفعل أشياء أخرى لا أعرف كيفَ تقال , لكنني بحاجة أن أنساها .

سئمتُ الأشياء المفيدة . أريدُ لمرّة أن أفعل , أكتب , أسمع أيّ شيء غير مفيد . أتكلم بلا حساب , أردد كثيراً ” طز .. طز .. طز ” . أحتاج كثيراً لتجربة هذا اللهو الذي لاحظ الجميع أنني لا أتقنه , لكنني مُتعَبة .. مُتعبَة و أحتاج إلى مقعد فارغ أمام المحطة , أحتاجهُ حين يتوقف القطار ما بين مدينة الحدث , و الأخرى .

_ قد أتكلم بطريقة توحي إليك أنني أكلمك , لا تنزعج .. لستُ أفعل ! , سيكون مجرد تفكير مسموع .