ماذا تقول عنك كلماتك التي تستخدمها؟

pinocoh-look-my-nose-pinocchio-figurine-enchanting-disney-collection

قمتُ بترجمة هذا المقال للكاتب إريك باركر ترجمة أدبية من مجلة تايم .

ماذا تقول عنك كلماتك التي تستخدمها؟

_ إلى أي حد يمكن لمفرداتك الخاصة أن تحدد نجاحك؟

كثيراً.

يمكن تحديد شخصيتك فقط من خلال النظر إلى طريقة كتابتك لرسالة نصية. بإمكانك تكوين حُكماً دقيقاً عن كتَّابك المفضلين فقط من خلال قراءة أعمالهم. ربما يمكنك أن تقول الكثير عن شخصيتي من خلال الكلمات التي أستخدمها في مواضيع مدونتي.

اختيار كلمة يمكن أن ينبئ ما إذا كنت تعاني من اكتئاب، رغبة في الانتحار، أو ما إذا كنت كاذباً. القسَم ( الحلف) يجعلك أكثر إقناعاً. فعلاً :

” البذاءة لا تؤثر على مصداقية المتكلم. بل إن الكلمات المبتذلة في بداية أو نهاية الكلام يُلاحظ بشكل كبير أنها تزيد خاصية إقناع الحديث و كثافة النظر إلى المتحدث.”

_ اختيار الكلمات يتغير عندما تكذب.

تحليل لمئتين و اثنان و أربعون نصاً كشف أنَّ “الكذابين ينتجون كلمات أكثر في الكلام، كلمات أكثر من التعبيرات الحسية كاللمس و النظر مثلاً. عندما يكذبون يستخدمون ضمائر ملكية أقل و ضمائر مخاطبة أكثر على عكس ما يحدث عندما يقولون الحقيقة. وبالإضافة إلى ذلك، الكاذبون الذين لديهم دوافع للكذب يتجنبون استخدام مصطلحات سببية عندما يكذبون، على عكس الذين يكذبون بلا دوافع فهم يميلون أكثر إلى استخدام أسلوب صدامي في الكلام.”

الأشياء التي تسهل على أدمغتنا عملية معالجتها تبدو حقيقية لنا أكثر من المفاهيم صعبة المعالجة. هذا أحد أسباب ميلنا إلى الرغبة في المزيد من المألوف من الكلام أكثر من غير المألوف، كما أنها السبب في أننا قد نقع بسهولة ضحية خداع سطحي لأننا فضلنا أسلوباً سهل الجذب بدلاً من تفسير مفاهيم دقيقة و صادقة أكثر لكنها تمثل تحديـاً للرغبة. و هو أيضاً السبب في أن الكلمات الصغيرة ذات فعالية أكثر من الكلمات الكبيرة. ولماذا تجعلك الكلمات الكبيرة التي تحاول من خلالها أن يبدو صوتك كصوت متحدث ذكي بينما في الواقع يراك بها الآخرون غبياً.

الكلمات تؤثر على عملية صنع القرار لدينا. عندما توصف جريمة بأنها “وحشية” فإن الناس يفضلون الشرطة و السجون في حين أنها فيروس يتطلب دعم الجمهور المنتمي إلى الإصلاح الإجتماعي.

_ و لكن هل يمكن حقاً للكلمات أن تنبئ عن السلوك؟

الملاكمين الذين تحدثوا بإيجابية تعتبر صحية قبل المبارة حققوا الفوز، بينما آخرون تحدثوا عن عناصر اجتماعية ضدهم خسروا.

استخدام الكلمات الإيجابية و المرتبطة بال ” بصيرة” ترتبط أكثر بالإنجاز و التميز.

طريقة القيل و القال التي يستخدمها الموظفون في التحدث عن مكان عملهم يمكن أن ينبئ عن فشل ذلك المكان أو نجاحه.

من مقالة الحياة السرية للضمائر، ماذا تقول الكلمات التي نستخدمها عنا؟ :

” نكون قلقين جداً عندما يبدأ الموظفون التنظيميون في شركة بالتحدث عنها بصيغة ” تلك الشركة” أو ما هو أسوأ، ب ” تلك”، ويشيرون إلى زملائهم في العمل ب ” هُم”. يمكن لهذا الأسلوب أن يكون كابوساً على العمال في الشركة لأنه يخبرهم أنهم لا شيء بالنسبة لها. لا عجب أن بعض المستشارين يبعثون بتقارير إلى شركاتهم عن أن العمال غير سعداء و يرتفع لديهم معدل التدوير.”

عندما يبعث رئيس تنفيذي رسالة للمساهمين في شركة تنشأ للتو على الأرض تكون الرسالة محشوة ب ” الأنا” في العادة.

” لورا ريتنهاوس، من أكبر المحللين الماليين غير الإعتياديين، حصرت عدد مرات استخدام ” أنا” في رسائل الرؤساء إلى شركائهم وموظفيهم. معتبرة أن هذا دليل يمكن الأخذ به للتنبؤ بآداء الشركة. التقصي أوجد: أن الأنانية متفشية بشكل سيء.”

كلمة ” أنا” يمكن أن تكون تعبيرا قوياً جداً. الناس الأقوياء لا يستخدمونها كثيراً. الأشخاص الأقل قوة يستخدمونها أكثر. الكاذبون نادراً ما يستخدمونها، كطريقة نفسية لإبعاد الشبهة عن أنفسهم. و على نفس المنوال، ” نحن” يمكن أن تكون قوية جداً. قولها فقط يمكن أن يخلق من الناس شعوراً بالإيجابية و الألفة تجاهك. الأزواج الذين يستخدمون كلمة “نحن” في توصيف علاقاتهم هم أكثر ارتياحاً. استخدام كلمة “أنت” هو علامة سيئة. باستخدام كلمة “نحن” يمكن حتى التنبؤ إذا ما كان بإمكانك البقاء على قيد الحياة بنوبة قلبية.

من موضوع الحياة السرية للضمائر:

” استخدام زوجان لكلمة “نحن” عند التحدث إلى طرف ثالث يمنح فكرة عن وجود علاقة مُرضيَة بينهما. في المختبر، عند الحديث عن الخلافات الزوجية، استخدام كلمة “نحن” تشير إلى علاقة جيدة بينما استخدام كلمة “أنت” تشير إلى وجود بعض المشاكل. تستخدم بعض الكلمات مثل: “أنت، أنتم، نفسك، بنفسك” في المحادثات المسمومة حيث يتشارك المتحادثين في إلقاء التهم بمختلف أنواع القصور. كلمة “نحن” يمكن حتى أن تنقذ حياتك. في أحد المشاريع، تم إجراء مقابلات مع مرضى مصابين بقصور القلب وكانت المقابلات برفقة أزواجهم. طرحوا عليهم بعض الأسئلة، بما فيها: “لو عدنا إلى الخلف حيث كان تعاملكما أنتما الإثنين مع حالة القصور القلبي، هل كنتما ستتصرفان بشيء أفضل مما فعلتماه الآن؟” الأزواج الذين استخدموا كلمة نحن كثيراً في إجاباتهم لوحظ عليهم تحسن في صحتهم بعد ستة أشهر.

_ محاكاة شخص آخر في اختيار كلماته يحسن التفاوض بينهما.

في الواقع، التشابه في اختيار الكلمات يمكن أن ينبئ عمَّن سيقع في الحب أولاً. اختبار الكلمات وسرعة اختيارها كان أكثر فعالية في تخمين من يرغب في الآخر وكان هذا أكثر من التخمين بواسطة من منهما يتفاعل مع الآخر أكثر.

_ على الرغم من ذلك فإن الكلمات ليست كل شيء.

قد تكون لغة الجسد مؤثرة أكثر بثمانية أضعاف من كلماتك الخاصة التي تستخدمها. في كتاب “أكثر الناس إنسانية: ماذا يعلمنا الذكاء الإصطناعي عن البقاء حياً” :

” اللغة هي شيء غريب. نسمع خبراء الإتصالات يقولون لنا مراراً و تكراراً عن أشياء مثل: “قاعدة 7-38-55″ أول افتراض في عام 1971 من قبَل أستاذ علم النفس في جامعة كاليفورنيا آلبرت محرابيان: 55% مما تنقله أثناء حديثك يأتي من لغة الجسد الخاصة بك، 38% من نبرة صوتك، و 7% من كلمات تختارها.”

و في حال كنت غريب الأطوار، مثلاً تكون هناك كلمات عالقة في لسانك، مستخدمي الإشارة من الصم لديهم كلمات تعلَق بين أصابعهم. “طرف الإصبع” هي ظاهرة توازي ظاهرة “طرف اللسان” في اللغة المنطوقة. خلال التحدث بالإشارة، المتحدثون يعرفون الكلمات العالقة بين أصابعهم لكنهم لا يستطيعون استرجاعها.

مذكرات طالبة بورد – الحلقة الثالثة

كان موعد نشر هذه الحلقة بعد خمسة أيام، لكنني قدمت وقتها لظروف السفر وأشياء أخرى ستبعدني عن الإنترنت لأيام.

68k

أنا من الذين يصدقون الانطباع الأول عن الأشخاص. يحدث أن يكون انطباعاً طريفاً بسبب تصرف أعتقد أنه خاطئ، أو غير لائق. قد يكون حدوث هذا نادراً لكنه موجود. مشرفي البروفيسور آدم كارير رجل طريف الملامح لكنه ذو هيبة في الرسائل البريدية. بعث لي موعد اجتماعنا الأول على الإيميل وعندما التقينا سبقني وابتسم. شعرت بالراحة، لكن ليس هذا انطباعي الأول، بل تصرفه الذكوري الغريزي الذي تجد مثله من حيث المعنى لا المحتوى في كل مكان في العالم. أخرج سيجارة بعد أن قال أهلاً دكتورة أنا أنتظرك بحماس.. تفضلي. كاد يمد لي سيجارة أيضاً لكنه تراجع و أعادها في الباكيت بحركة سينمائية وقال: لا، من العيب أن تدخن النساء الصغيرات و يفسدن رائحتهن التي تشبه رائحة الأمهات! صدمني التشبيه، لا أعرف لمَ شعرت لوهلة أني أصغر من عُمر الأمهات و تمنيته لو قال أن روائح النساء الصغيرات كروائح الأطفال. ربما أحبطت لأنه ليس ممكناً أن أتجاهل كونهُ رجل في منتصف الستين. النساء في هذه البلدة وحتى في بلدي السعودية مدخنات بنسبة مروعة. في خارج السعودية ليس أمراً طارئاً أو غريباً أن تقول عن امرأة كونها مدخنة. لدى بعض الشعوب تدخين المرأة موضة و علامة جاذبية جنسية. الشعبين الفرنسي و الإيطالي مثلاً. المهم، هذا هو الموقف غير اللائق الذي منحني انطباعاً طريفاً عن هذا البروفيسور في طب وجراحة الأورام وأمراض الدم واللوكيميا، لكنني شكرت الله لأنه كان هذا ولم يكن موقفاً محرجاً كأن يمد يده لمصافحتي وهو ما يستحيل علي فعله بالطبع. كلمة بالطبع هذه أقولها لنفسي لا لمن يقرأ. فحتى المصافحة بين الجنسين أضحَت طبيعية في بعض المجتمعات ببلدي. مع الوقت عرفت أن تصديقي لانطباعي كان صحيحاً. دكتور آدم رجل طريف متواضع يفعل ما يؤمن به ومن أكثر إيمانياته دعاية منه هو ابتسم تبتسم لك تسهيلات المشاكل المختبئة خلف الصعوبات. يقول أن الشيء عندما يبتسم يرمي إلى معنى ارتياح. و الذي يرتاح لأحد سيحب التواصل معه. وهكذا تفعل حلول المشاكل التي لا نراها ونحن منشغلون بالقلق من العوائق والصعوبات التي لها مكان بارز في العادة أمام العموم. التقينا في العاشرة صباحاً في مكان مفتوح و منعش _ يرد الروح_ فواح برائحة القهوة الفرنسية و كرواسان الجبنة الكريمية، يشبه الذي في الصورة. اللقاء الأول بين المشرف والطالب في جامعتنا ليس ضرورياً أن يكون في الجامعة كما ليس ضرورياً ارتداء ربطة عنق و حذاء جلد متين ورفع الشعر ذيل حصان و طقطقة الأصابع و التأكد من أن النظارة في مكانها الصحيح أعلى الأنف كل هذه الستريوتايبز ليست تحدث في الواقع في جميع المحلات. هناك كسر حميد للبروتوكولات طالما لا يتسبب في خروج عن القاعدة الكبرى التي يجب الحفاظ عليها لمصلحة الجميع. د. آدم يلتقِ بطلابه في مكان لائق لجميع فئات المقاطعة ومتعارف على حبه من عموم الزوار كمطعم جونيبار بيسترو الذي جلسنا فيه. الموسيقى اللاتينية كانت على ذوقي تماماً. تساءلت ما إن كان من المفترض أن تكون موسيقى فرنسية أو إنجليزية فضحك البروفيسور وقال من الذي يحدد المفترض وغير المفترض؟! هذا المطعم يغير فئة و جنسية موسيقاه كل خمسة أيام. هذا اللقاء الأول بين المشرف وطالب البورد هو بمثابة مقابلة شخصية يتحدد بعدها ما ستتم مناقشته في الجامعة في اللقاء الثاني الذي سيكون واجباً وضع أوراقه في ملف الطالب. اللقاء الأول يُترك أمر توثيقه اختيارياً للمشرف. لم أقابل في حياتي مسؤولاً عن مقابلة شخصية يحرص على نجاح الطرف المستضاف فيها مثل هذا الحرص. هذا رجل لا يريد من طلابه المغادرة و البحث عن مشرف آخر. هل قابلتم هكذا مسؤول من قبل؟ أرغب أن أقول أتحدى، لكن العالم أوسع من مدى إدراكي، وقد يكون هناك العديد مثل دكتور آدم في مكان ما. ليس جلداً للذات القول بأن هذا النموذج عدد احتمالات تواجده في بلادي صفر. لكن لا أعرف..الحقيقة مؤلمة كما أعرف وتعرفون. أقول عن تجربتي مثلاً، جميع المقابلات الشخصية التي أجريتها في بلدي لأغراض وظيفية ودراسية كانت في غرفة إما ضيقة وإما شديدة التكلف والجفاف من حيث اللون ( بني غامق، أسود، كحلي) و إما.. مستودع! نعم. في إحدى المستشفيات كانت الغرفة في حالة فوضى والكراتين مكدسة في كل الأركان وفوقها شواحن وأسلاك و سلال تنظيف و في المنتصف كانت طاولة مستديرة مخصصة لعمل المقابلة عليها أوراق وملفات وأدوات كتابة ملقاة بعشوائية على أنحاء الطاولة وكل ذلك رافقته مزحة كتمت عنها ضحكتي بالكاد، حيث قالت المسؤولة عن المقابلة: رتبي اجاباتك في عقلك قبل ما تقوليها! ترتيب؟ عن أي ترتيب وتنظيم تتحدثين؟

سألني دكتور آدم وهو يدندن على لحن لاتيني قادم بانسياب من داخل المطعم أي صنف أنا من هذا الجيل، الذي يحب قراءة الكتب أم المدمن على استخدام الآيباد؟ قلت له أن الناس يستخدمون الآيباد للقراءة أيضاً. ضحك بجذل وقال أنا رجل عجوز تفوتني مثل هذه التفاصيل و يحززني مآل الورق. لم أرِد إحزانه بالقول أنني أصبحت مجبرة على الإنحياز للقراءة الإلكترونية لأن الكتب العربية والأخرى المترجمة بالعربية لم تعد تباع في كل مكان، ففضلت مواربة الأمر وقلت أنني أشتري روايات كثيرة بترجمة إنجليزية و سعيدة أني لا زلت رفيقة الورق. د.آدم : جيد، لن تتذمري كثيراً من ازدياد أوراق بحثنا كلما طرأ لي أن أطلب منكِ الكتابة عن شيء جديد. هل ترى كم هو ذكي و لبق أيضاً؟ بدأ هكذا بإعطائي مواصفات العمل معه دون أن يستخدم نبرة التقرير و الأمر. عرفت بعد ذلك وعلى مر الشهور أن أكثر صنف من الناس يكرهه د. آدم هو صنف الأستذة و المتغطرسين.

كنت أحمل معي ذاكرة صغيرة تحتوي على بحوثي السابقة منذ أيام الكلية. توقعت من قبل السفر أصلاً، أن يتم سؤالي عنها. فعلاً طلب مني تحديد درجة من عشرة تحدد محبتي لعمل الأبحاث. في الحقيقة ربما أستمتع بهذا العمل لكن يستحيل أن أسمي تلك المتعة سعادة! من يسعد ببيئة محفوفة بالمخاطر و التعقيدات؟ صمتت ولم أحدد درجة لكن أخرجت الذاكرة وأعطيتها إياه فقال أنه سيهتم بقراءة البحوث لكنه لا يريد أن تكون العلاقة بينه وبين الطالب، وبين الطالب والبحث، علاقة أكاديمية صرفة. د. آدم رجل يبحث عن مواصفات مدينة سينمائية في كل شيء. رجل فنان. اكتشاف أدوية للأمراض بالنسبة له ليس عملاً متفوقاً على رسم لوحة بريشة سيلفادور دالي لو كنا نعمل في زمنه أو لأقل.. لو كان معمل أبحاثنا جاراً لإستديو دالي العظيم. شعرت بالخجل والهيبة من هذا الرجل ولم أعد أعرف كيف أجاريه في هذا الحوار الحيوي المتفوق على طاقتي الضعيفة بحُكم أنني طالبة لست عظيمة وأتواضع بل أنا فعلاً لا أعرف شيئاً عن المشاكل الصحية التي أريد التوصل إلى حلها من خلال التخصص في طب وجراحة الأورام وأمراض الدم سوى بضع أفكار ونظريات تحتاج إلى عمل فظيع. شعر د. آدم بارتباكي فقرر أن يهدأ ويحاول أن يكون طبيعياً بالمواصفات التي اعتدنا عليها نحن الطلاب مع أساتذتنا فقال فجأة: أنا أحب الإسلام، لست أحترمه فقط بل أحبه. لكن المسيحية ديني، والمرء الأصيل لا يترك دينه! كنت سأضحك من العبارة الأخيرة. أسمع دوماً من غير المسلمين عن أديانهم كلاماً متناقضاً ذو سذاجة و هزال. مجدداً لم أعرف ماذا أرد فقلت أنني لم أفهم. أشار بيده: لا عليك. هل صنعتِ خطة واضحة لما تريدين الاشتغال عليه أثناء دراسة البورد؟ نعم. هذا هو الحوار الذي تجهزت له. كنت سأبدأ في الانطلاق وأشرح خطتي و أريه السكيتش نوتس لكنه استوقفني : ماهو آخر سؤال قمتِ بزيارة للمكتبة للبحث عن إجابته وجلستِ لقراءة فهرس و مقدمة كتاب؟

لمَ كلما أراء العقل التفكير في أمر سعيد يتحول فوراً إلى التفكير في عشرين أمر محزن وتعيس؟ لم تقنعني الإجابة المعروفة منذ الأزل عن أن القلب يعترض طريق العقل في تنفيذ القرارات ويعرقلها ناجحاً في كل مرة. أردت جواباً علمياً لأنني ممن يعانون و يمرضون بسبب هذه الآفة. في المكتبة وجدت كتاباً محشوراً بين كتب ذكاء اصطناعي لم أحبها، هذا الكتاب ليس عن الذكاء الإصطناعي بل هو تحليل علمي طبي تشريحي منحني رؤوس أفكار غير مباشرة تجيب على تساؤلي لكن غلاء ثمنه منعني مؤقتاً من شراءه. The Brain That Changes Itself للإستشاري النفسي نورمان دويدج. لا تعلمين، قد يصل الكتاب إليكِ هدية ذات يوم إن كان هو المناسب لضالّتك: دكتور آدم. ودَّعني مشرفي العظيم المتواضع بعد هذه الإلماحة واتفقنا على عقد مقابلة شخصية رسمية بعد أربعة أيام من ذلك التاريخ في الجامعة سيكون مسؤول شؤون الطلاب و وكيل شؤون الموظفين في مركز الأورام مشاركين فيها. لوهلة شعرت بالخوف. أمر كثيراً بهذه المشاعر، أفعل أشياء جيدة وأندم بلا سبب عليها. الخوف غالباً هو الذي يوقعني في هذه المشاعر السلبية. حتى أنني أتورط في نوبة بكاء تنتهي بي إلى الطوارئ للعلاج من ألم الرأس و الكلى بعد ارتفاع الضغط.

في طريق العودة إلى البيت كنت قد بدأت أنخرط في بكاء بنشيج أوقفني عدة مرات أستند إلى عمود نور لأتوازن. أنا في انهيار نفسي بعد صدمة عُمر في شخص كنت أظنه الدنيا والسماء التي أتطلع إليها والأرض التي أقف عليها و المتكأ الذي ألتقط أنفاسي عند الرسوِّ عليه، لكنه كان صرحاً من غبار و هوى. أخادع نفسي بالغرق في الدراسة وشؤونها علَّني أسلى، لكنني أتآكل تحت ناب الآفة نفسها: انعدام القدرة على التجاوز، كلما فكرت في شيء جيد تحول عقلي بلا رحمة إلى ما أحاول التداوي منه بلا جدوى. تصفحت ملف الصور في هاتفي ووجدت اقتباساً احتفظت به منذ مدة ولم أعُد إليه. إنه في وقته تماماً الآن :

“As I look back on my life, I realize that every time I thought I was being rejected from something good. I was actually being re-directed to something better.” – Steve Maraboil

هذا الفيديو ينقلني كلما شاهدته إلى حالة سعادة و مباهاة داخلية لا أشعِر بها أحداً. برندون بورشارد طاقة هائلة من الحياة..

مذكرات طالبة بورد : الحلقة الثانية

tumblr_o19igvCZhM1tct70co1_1280

هذه الحلقة طويلة. تستطيع تجاوز الجزء الأول منها المرقم برقم 1 والانتقال فوراً إلى رقم 2

  1. قبل أن أكمل كتابة الحلقات أود التنويه إلى أنني لا أكتب في الإنترنت بإسمي (الأول) الحقيقي. لقبي أو اسم العائلة هو الحقيقي فقط. هذه توليفة مكونة من اسم فنِّي و لقب حقيقي اتخذتها منذ 2005 عند المشاركة في أول منتدى أقول دوماً أنني أسمو عن ذكر اسمه لأنه كان المحك الذي أكد لي ضرورة عدم التواجد في مكان عام في مجتمع محلي _ مع الأسف_ بإسمٍ حقيقي. بإمكانك التواجد بهوية حقيقية بالكامل وستجد مضرة كثيرة من الفاشلين والفارغين روحياً، مرضى النفوس الذين يتآكلون حقداً وبغضاً للناس ومهما حاولت لن تفهم السبب. أمراض النفوس ليست ذات سبب مقنع دائماً. بالأخص عندما تكون الحياة الشخصية للسيئين مجهولة عنا. بالنسبة لي أعزو غضب الله على هؤلاء سبباً، فهم لم يغيروا ما بأنفسهم ليغيِّر الله ما بهم. النجاح في الدراسة والعمل ليس مقياساً لرضا الله عليك. قد يكون الله راضياً عن أمك وأبيك الذين دعوا لك بالتوفيق فأجابهم واختبرَك. لكن عندما تكتب بهوية حقيقية مضاف إليها اسمك الحقيقي أيضاً.. ستتكاثر عليك زواحف والقوارض من حيث لا تعلم سبباً ولا هدفاً شرعياً لذلك الفعل. هناك فطريات وديدان كثيرة تعيش حولنا. لا تتفاجأ عندما تكتشف أنهم حاصلين على شهادات جامعية و لديهم كتب حائزة على جائزة محلية دولية عربية، هذه المسابقات أصلاً لا يمكن الوثوق بحيادها وموضوعيتها. سبب هذا التنويه هو أنني اصطدمت عدة مرات بفتيات ورجال مهووسين بالتجسس علي ومراقبتي منذ سنوات وباعترافهم، يتتبعون أثر أي معلومة يجدونها عني أو مني بغرض الإيذاء ونفث السم كما تنفث الحيَّة سمها. صدق أو لا تصدق أنهم قاموا بمراسلة جامعتي والسؤال عني وراسلوا عدة مستشفيات كبرى في جدة ومكة للسؤال عن تواجدي كطبيبة بل وقاموا بتقمص دور مريض يحتاج لعلاج في تخصصي وراسلني على البريد والرسائل الخاصة في تويتر يلحُّ على استعطافي وضرورة الحصول على اسمي واسم وعنوان المستشفى التي أعمل فيها لأكشف عليه وعندما أعطيته فقط اسم المستشفى و طلبت منه هو أن يعطيني اسمه لأضعه عند سكرتارية قسمي ويقوموا بإبلاغي عند حضوره لأساعده، رفض و بدأ يشتمني وقام بنشر تغريدات يسبني ويقذفني فيها بأقذع الألفاظ لأنه لم ينجح في مهمته الجاسوسية. بعد ذلك بأيام عرفت من إدارة المستشفى أن هناك رجلاً وامرأة اتصلا وسألا عن طبيبة تحمل نفس لقبي وكانوا يستجوبون موظف الإستعلامات ويصرون عليه البحث عن طبيبة بهذا الإسم وقاموا بإعطائه مواصفات عني مثل تخصصي و حسابي في تويتر! كان الموظف ذكياً وذو بديهة وفراسة. بعد الانتهاء من مكالمتهم عرف من تغريداتي أن الحساب في تويتر لي وأنني أكتب باسمٍ مستعار فجاء وسألني إن كان لي أعداء! ثم أخبرني أن هناك من يحاول الوصول إليَّ بغضب وأنه كان على وشك أن يقول للمتصليْن أن هناك طبيبة أخرى اسمها فلانة ربما تقصدونها لكن أسلوبهما جعلاه يشك في نواياهما فلم يدلِ بأية معلومة. قال أن المرأة قبل أن تغلق السماعة شتمته وهددته بالشكوى لمدير المستشفى بأنه موظف يتقاعس عن أداء وظيفته!! بعد ذلك بأشهر. عرفت بالصدفة وبعد أن تطاولت المرأة علي في تويتر بعدة حسابات وأسماء أنها حاصلة على دكتوراه في اللغة العربية!

قبل أسابيع، كتب الأستاذ نجيب الزامل ثناءً عليَّ في تويتر، فقامت امرأة بحساب مستعار تحاول فيه _حشفاً وسوء كيلة_ أن تظهر بمظهر المهتمة بالثقافة وقضايا المجتمع ، بالتهجم علي فوراً واتهامي بأنني شخصية ليس لها وجود وتطاولت على نجيب الزامل ووضعَت تغريدات تشهير بي تقول في إحداها: ” تكتب كل هذه السنوات بإسم أشعار والآن يطلع الإسم مستعار؟! ” أحتفظ بصور منها حتى الآن. لم أعرف على أي حرمانية تواجد بإسم فنِّي ارتكزَت في استنكارها. قامت في التغريدات الأخرى باتهامي بأمور لم تحدث، أمور تدل أنها جاسوسة سيئة كان يفوتها الكثير عني أثناء نومها أو سفرها للتمتع وأثناء انشغالها بأكل لحم والتلصص (على) نساء أخريات تضربهم وتشبع مرض نفسها غير المفهوم _ لست أعرف ماهي مشاكلها الشخصية التي جعلت منها مسخاً بهذا الشكل، لذلك لاأفهم سبب سوءاتها هي وغيرها _ اعترفَت أنها تراقبني منذ سنوات، وفضحَت نفسها بالقول أنها من ذلك المنتدى الذي كانت أولى مشاركاتي المنتدياتية المنتظمة فيه. كنت قد اكتفيت من تجاهل هذه الشلة التي تقوم بأعمال غير شرعية في قانون شريعة بلادنا و أنظمتها، لم يكن يوماً إيذاء الآخرين لفظاً وفعلاً من الشرع ولا من النظام في أي دولة. لم يكن يوماً تهديد الإدارة للناس في الرسائل الخاصة بالمنتديات عملاً مثقفاً ليبرالياً حقوقياً تنويراً إلى آخر ذلك من الصفات المشوهة التي يطلقونها على نمط حياتهم في الإنترنت. لم يكن أبداً الإستهزاء والنميمة في أروقة أقسام الإدارة في المنتديات بالآخرين العزّل من الأعضاء وعقد الخطط لإزالتهم بطريقة لا تثير غضب عموم الجاهلين بهم شيئاً عملاً شريف. لكن من يتحدث هنا عن الشرف؟! لابد من الضحك الأسود عنما نطرأ هذه الكلمة في هكذا واقع. أصدقاء وصديقات تلك المرأة كان ذلك ماضيهم، تجاهي، تجاه العديد الذين لم يكن لهم ذنب في ساحة لعبهم سوى أنهم ليسوا من الحزب المختار. لا مكان يقر ما تفعله وما يفعلوه، حتى الدول العلمانية التي تفصل الدين عن الحياة، والدول الديموقراطية والأخرى الليبرالية كأمهم أمريكا. قمت برفع شكوى على تلك المرأة لوزارة الداخلية أرفقت صورة كاملة منها في تويتر وخاطبت حساب الوزارة و تمت بيننا مراسلة على الخاص وجهوني فيها للطريقة الأمثل لتقديم الشكوى يدوياً و استقبلوا جميع صوري التي صورتها لتغريدات عديدة لتلك المرأة فيها اعتداء لفظي و طعن في قضاء الدولة وأمور كثيرة مخالفة لنظام المشاركة المعلوماتية في الإنترنت. وعقوبة ما فعلته تجاهي لوحده هو السجن وغرامة لا تقل عن خمسمئة ألف ريال. قامت تلك المرأة بعد رؤيتها لنص الشكوى بتغيير اسم حسابها الذي كان @liberty_m_ وتغيير صورتها الرمزية محاولة أن تظهر بهوية أخرى لا تعرف أن شعبة مكافحة الجرائم المعلوماتية لديهم صور كاملة منها وأنهم يستطيعون التعرف على أية تعديلات قامت بها على حسابها بدون تصوير أو إبلاغ عن تلك التعديلات. قامت بحذف جميع تهجماتها علي و حذفَت أيضاً طعنها للقضاء في قضية أشرف فياض. ثم سكتَت لأيام تراقب ما قد يحدث و بخطأ ساذج جداً لا تقع فيه أدنى نفس لديها من صفاء السريرة و البصيرة قدراً، فضحَت هويتها واكتشفت أنها أديبة مشهورة أيضاً كالمرأة الأولى التي قبلها. أديبة لديها قصص و رواية مملة حاصلة على جائزة من دولة خليجية _ الروايات الممتعة بالنسبة لي هي أدب دوستويفسكي و فيرجينيا وولف و ديفيد والاس من الراحلين و كونديرا و بول أوستر و إيكو و كورماك مكارثي و أحمد الحقيل و رجاء عالم من المعاصرين _ و تكتب في جريدة عكاظ في زاوية مخصصة لكتّاب المقالات. اسم المستخدم الخاص بها حالياً هو اسمها الحقيقي بالعكس. أي يُقرأ من اليمين لليسار، لم أكن منتبهة لأنني لست مريضة بمراقبة الناس، لكن ارتباك الفتاة ومحوها السريع لتغريداتها وتعديلاتها على حسابها بعد قراءتها لنص الشكوى أثاروا السخرية فقد أثبَتت على نفسها أهم شيء اتهمتني به وهو الزيف. تقوم بنشر روابط لمقالاتها في الجريدة وتحاول تسويقها بطريقة مثيرة للشفقة. لم أكلف نفسي بقراءة مقالاتها لكنني مررت على واحد أثناء انتباهي لكذبها في الخصومة معي وهو مقال يستهزئ من النساء المرشحات للانتخابات البلدية استهزاء أول ما تقرأه تصفه ب ( نميمة حريم في مسايير الضحوية) . لدى هذه المرأة طبع متجذر هو أنها تعيش بقناعة أنها الصح وغيرها بالضرورة يجب أن يكونوا على خطأ. غيرها من الذين يفعلون أي شيء كانت تتمنى أن تفعله ولم تستطع، مثل الترشح للانتخابات البلدية. و غير ذلك مما لا يهم حصره في الموضوع. كما أنها مصابة بعمى لا يرجى برؤه عن عيوبها القاتلة والأخرى التي نجحَت في إخفائها كحرباء ولذلك هي تستغل زلات الآخرين مستمرءة في إعماء نفسها قبل أي أحد آخر عن آثامها الكارثية. يعرف كل الناس نتائج جنون العظمة. عبَرت على قائمة متابعيها، عرفت من نوعية صديقاتها ومتابعيها قيمة المثل الذي أجهل مصدره: قل لي من صديقك أقل لك من تكون. ضحكت ملء روحي بارتياح ومحبة لله عندما كشف لي المستغيب. أراد بي خيراً لأنني لو مشيت في الشكوى المقدمة ضد ( م) لكنت أنا المتضررة برغم أنني المجني عليها فعائلتي العريقة المحترمة والمعروفة في أعرق أحياء الحجاز ليست ذات أصول سعودية بدوية كعائلة هذه الفتاة التي تستطيع إخراجها بريئة براءة إخوة يوسف زوراً من دمه في اليوم الأول من الاستدعاء. كنت سأجلب المتاعب لأهلي الذين تعبوا كثيراً في حياتهم ليصلوا إلى مرحلة سلام وهدوء بعيداً عن المشاكل و أوحال الناس المزيفين مثلها هي وشلّتها العريضة في المنتدى المشهور، تعبوا للوصول إلى مرحلة يعتبرون فيها كل مؤذٍ حاقد كائن عديم الوجود، مخلوق مجهري لا يهتم عموم الناس بمعاينته تحت الميكروسكوب. لقد نجحوا فيما فشلت فيه لأنني أتعجب دوماً أن في الحياة أجساد في رأسها عقل تعيش بصفة البهائم.

أفخر فخراً حميداً أنني من عائلة فاضلة مناضلة تعيش مرحلة يغبطنا عليها كثير من المعارف والأصدقاء. العائلة التي تتوقع من ابنتها استخدام التكنولوجيا للإنجاز والإنتاج لا لاصطحاب ولي أمرها إلى الشرطة للقصاص من امرأة رأيهم فيها عندما قصصت على أحد أخواني أمرها أنها سفيهة و عديمة تربية لأن الذي تربى في بيت دين وحشمة و صلاح ينأى بنفسه عن الأخطاء الكبيرة التي لا تغتفر. يتحدث أخي عن الجرائم لا عن الأخطاء البشرية التي يقع فيها الجميع حتى من تربى في باحة البيت الحرام. لم أتوقف عن المضي في الشكوى التي وصلني رقم معاملة لها إلا بعد توجيه أخي بأن أعتبر هذه الديدان زكاة طيبتي و عيشي المسالم مع الآخرين. بل وزكاة حفاظي على مايجب أن يكون مجهولاً عن ضعاف النفوس في مجتمعنا، كالإسم. يشهد عشرات الذين يتابعونني أنني لم أكن يوماً أداة إيذاء لمخلوق، وأنني إن لم أنفع لا أضر. لولا احترامي لخصوصية قرائي لنشرت العديد من الرسائل التي تصلني مثقلة بالثناء والحب الجارف والثقة المفرطة و التأكيد بأنني منطقة آمنة لهمومهم وأسرارهم و متاعبهم. يقص لي أخي عن شخص يعرفه أصيب بشلل ناتج عن جلطة بعدما تم استدعاؤه مع ابنته بسبب جريمة معلوماتية تشبه جريمة الأديبة المخضرمة ( ميم) وأنه لم يصدق في البداية أن ابنته الجامعية قوية الشخصية التي لها أنشطة وندوات ومطالبات حقوقية شرعية قد يكون عالمها الباطن متسخ إلى ذلك الحد. متأثراً أخي، يقول أن هذا الرجل تنازل عن جزء لا يعوض من كرامته وهو يتوسل لوالد المجني عليهم كي يتنازلوا عن شكواهم ويستروا عليه وعلى ابنته. وأنه تم التنازل بالفعل بعد إذلال لكن ماذا جنت الفتاة؟ تسببَت لوالدها في جلطة خرج منها بشلل ليس مؤكداً الشفاء منه. في أول يوم من العام الجديد عفوت _لأجلي لا لأجلهم_ في الدنيا لا في الآخرة عن كل من حاول إيذائي وقضى من عمره سنوات وهو يحاول ويغذي قلبه بالحقد والبغض في غفلةٍ مني عنه وكلما فشل في التأثير على الآخرين وضمهم إلى صفه ضدي كلما ازداد بغضه ، سائلة الله أن يشغلهم بأنفسهم وأن يهبني نعمة السلامة من الظالمين والمعتدين.


2- شعرت بضرورة أن أقول ما بنفسي في الجزء الأول. لأنني أريد أن أكتب مذكراتي بطمأنينة دون اهتمام أو قلق من أذى قد يقطع طريقي، تحرير النفس من أثقالها يمنح طاقة لإماطة الأذى عن الطريق ذاتياً، لن أكون بحاجة انتظار من يساعدني، أو يزيل حجراً من أمامي كي لا أتعثر و تسيل من عثرتي نقطة دم. منذ أربعة أعوام وأنا أواظب على تخصيص دفتر لتدوين عيوبي و أخطائي، أجدد الدفتر كل عام. ربما يكون الله يحبني، أردد هذه العبارة بكثرة لأنني أحب إحساسي بهذا الإحتمال. إحساسي الذي يحدث بعد إشارات وعلامات جليَّة المعنى أمامي. الدفتر على محدودية صفحاته و حجمه المتوسط لم يمتلئ عن آخره في عام. لكن و بتعاكس مؤسف، لم تكن خمس صفحات في أي عام كافية لكتابة الأخطاء. قرأت و استمعت وتحاورت كثيراً مع أناس يؤمنون أن الطبيب يخطئ كثيراً لأنه أكثر البشر حذراً و الحذر لا يحدث إن لم يكن المرء بالأصل ذي حساسية فائقة. لم أصل إلى قناعة واضحة حيال هذا الأمر بعد. عندما أحاسب نفسي أجد مثلاً أنني وقعت في بعض الأخطاء لأنني شديدة الحُب، مفرِطة العطاء. لم أكتسب هاته الصفتين بعدما أصبحت طبيبة، بل هكذا أنا منذ ابتليتُ بالحياة. بدأت بالتعرف على زميلتين تدرُسان البورد في تخصص مختلف عن تخصصي. قسمينا اللذين نعمل فيهما متجاورين. نتقابل أكثر من ثلاث مرات إن صدف واشتركنا في وقت المناوبة. قالت إحدى الزميلتين مرة بعد أن وبخها مشرفها على شيء لا أعرفه، أن الطبيب عندما يكون متدرباً في آخر سنة من الكلية يكون أكثر احترافاً من حالهِ عندما يصبح طالب بورد. لم أفهم أي احترافية تقصد. المهنيَّة ( المادية) ؟ أم الحسية؟ أتفق معها في الثانية إن كانت هي المعنية، فالمتدرب يكون يقظ الحواس و حريصاً على تطويرها أيضاً ليس لربح ثقة المشرف و الحصول على أعلى تقييم بل وحرصاً على المريض الذي يتعلق بقشة ولا يهتم في العادة برُتبة الطبيب الواقف على رأسه ليُملي عليه النصائح ما إذا كان متدرباً أم بروفيسور. يوجد وعي واهتمام بهذه المسألة مؤخراً، ألاحظ هذا في المستوصفات الصغيرة قبل المستشفيات الكبيرة. يسأل المريض أولاً عن اسم و رتبة الطبيب قبل أن يقرر هل سيدفع قيمة الكشفية عنده أم لا. لم اسأل الزميلة إيضاحاً لقولها مراعاة لغضبها من توبيخ المشرف لكنني أيضاً لم آخذ ما قالته على محمل كلام عابر سبيل. الإحتراف المهني يزيد عندما أعمل أثناء دراستي للبورد. لاحظت هذا بعد تجربتي الآنية التي ما زلت في بدايتها و ألمَس فرقاً في معلوماتي عن طرق تشخيص الأورام على سبيل المثال و تغيُر بعض قناعاتي عن تحاليل ال C.B.Cلبعض الحالات التي يمكن تشخيصها من تحليل زمرة الدم. هذا التطور ليس بديهياً نتيجة ازدياد الإطلاع والتعلم فحسب، بل هو تطور في الملاحظة السريرية نفسها. الملاحظة الذاتية التي يسوُقها الحدس و الانسجام مع ألم المريض لا المعتمدة على منهج التشخيص وآخر أخبار الأبحاث. الزميلة الأخرى طلبت مني المشاركة في نشرة تعريفية للطلاب المقيمين الراغبين في الحصول على البورد الكندي. لدي ملف أحتفظ فيه بفيديوات ومقالات عديدة تشرح طريقة القبول في إحدى جامعات كندا للحصول على البورد الكندي وقد استفدت منها واتبعتها عند تقدمي لإختبار MCCEE. أرسلت جميع محتويات ذلك الملف للزميلة فظنتني كسولة أريد مجاملتها ولا أريد العمل في النشاط. أعتقد أن مجرد تزويدك بمصادر تنفعك في عملك هو تعاون لا ينقص من قيمته أن المصدَر ليس من تأليفي. لست كسولة لكن هناك من شرحوا كل شيء أفضل مني و أرى مضيعة للوقت في إعادة ما شرحوه بل قد أقوم بكتابة شرح أقتبس فيه من مقالاتهم وكأنني أعيد صياغتها، فلمَ أفعل هذا؟ قلت لها أنني أفضِّل استهلاك الوقت في ترغيب الطلاب في مشاهدة هذه الشروحات بدلاً من إعادة كتابتها بطريقة أخرى. أو استهلاك الوقت في عقد ندوة مباشرة نعرض فيها تجربتنا في الإختبار والقبول في الجامعة و نعرض مقتطفات من المصادر التي أرفقتها ونحث الطلاب على مراجعتها لأفضل استفادة. ظنت هذه الزميلة أنني أتعالم عليها وقد أحزنني هذا الظن. جاءت الإجازة بعد ذلك اللقاء فلم أتحدث إليها مرة أخرى مطلقاً ولا أنوي التحدث عند عودتي إلى الدراسة. يسعدني طلب الآخرين المساعدة مني، يرهقني إصرارهم على تحقيق طلباتهم بطريقتهم فقط، رفضهم لطريقتي ما دامت المحصلة واحدة وهي حل المشكلة. لا أشعر بالرضا والارتياح حين أكون أنت، أو هي. أحياناً أنفذ لشخص ما يريد كما يريد لأن طريقته تعجبني أو تتوافق مع تفكيري في فعل الأمور. قد يظن شخص يعرفني جيداً أنني في طريقي إلى القول أني اكتشفت بأن العزلة هي نمط الحياة الأمثل للطبيب وذلك لأنني بدأت عزلة شرسة منذ بداية العام، لكن إن ظننتَ بي هذا فقد أخطأت. أحترم زميلاتي ولن أنحِّي نفسي عن التعامل معهم متى ما اقتضت المصلحة بحُكم العلاقة العملية وعزلتي مستمرة الاتسـام بخصالها دون أن ينقضها الإختلاط بالناس في الجامعة والمستشفى

قرأت رواية لبول أوستر عشقتها جداً بعنوان ليلة التنبؤ. طالب البورد ليس كائناً فضائياً من كوكب آخر، لكن لسبب أجهله أقول أن البطل في ليلة التنبؤ تحوَّل في وجداني إلى صديق تخصص ضليع و خبير! هواجس و تفاعلات صديقي هذا مع حالته بعد خروجه من المستشفى إثر انقضاء فترة علاج لم تكن مجدية _ نفس ما يحدث معي _ متناظرة بشكل مجنون مع تفاعلاتي تجاه الأشياء. في الشارع، كما فعل، وفي البيت و مع الورق و الكتابة و كل شيء. أنا متأكدة أن ليلة التنبؤ ستكون أجمل، أهم ما سأكون قد قرأته هذا العام. سأؤكد على هذا أو أنفِه في نهاية العام إن كان ركض الزمن بي سيمتد أحد عشرة شهراً. سأرفق هذا المقطع الذي كتبني بتطابق غريب، وهو ليس الوحيد الذي فعل بي هذا في الرواية:

la1la2

و هذا :

la3

لست بائسة لأنني أدرُس تخصصاً صعباً أصابني عدة مرات باليأس، بالأخص عندما كان يصيبني انهيار ضغط الدم واغماء قصير أثناء كتابة assignment يجب تسليمه في نفس اليوم. كما أنني لست مستمتعة لأنني أفعل شيئاً شخصياً أحبه. قد تكون مفردة أنا راضية أكثر دقة. أشعر بالرضا كلما أنجزت ولو سطراً ناجحاً في بحثي عن ميكانيكية عمل الدماغ الذي تحدثت عنه في الحلقة الأولى. في حياتي الرضا لا يعكس الإرتياح بالضرورة. إن كنت سأسأل نفسي بالعموم هل أنا شخص مستريح أم لا؟ قطعاً.. أنا معذَّبة. قل ما شئت عن تقمص دور الدراما أو التفليم. لم يعد الدفاع عن نفسي أمام استسخاف أحد ( عزيز) بأحزاني ذا معناً لي. لم يفقد إيضاح أنايَ لمن ينكرها أهميته فقط، بل فقد معناه أيضاً، أي أنه أصبح شيء في عداد الموجودات الملقاة في سلة المهملات. الصعود في العلم مريح بالطبع، برغم مصداقية ابن المتنبي حين قال: ذو العقل يشقى في النعيم بعقلهِ، لكن المرء ليسَ ما يتعلمه في الجامعات فقط. همومي الشخصية تؤثر دوماً على قدرتي في العطاء دراسياً. لم يكن الحال هكذا في أيام كلية الطب. نضجت وزاد التعب فضعُفَت القدرة و تبدد الكثير من الطاقة وما زال يتبدد كلما استطال البلاء.

من الأمور التي أرضتني عن نفسي في تجربتي الحية مع البورد هي تخطيطي له منذ السنة الرابعة في الكلية وانتقلت فوراً إلى مرحلة التنفيذ وجمع المتطلبات عندما أصبحت في ال internship. أنصح الجميع الذين لديهم طموح إكمال الدراسة بالتخطيط مبكراً لهذه التخصصات الصعبة. سيكون عذاباً أن تهرول للتسجيل في اختبار القبول وتجميع متطلبات قبول الجامعة و السفر في وقت قصير بعد التخرج. النتيجة غالباً ستكون إما التخبط أو الفشل لأن الصحة ستكون قد تأثرت و ساءت. لن تستطيع إجبار نفسك على التحول إلى سوبرمان وأنت مريض. حدث معي هذا عدة مرات لكن ليس نتيجة أنني تأخرت في الأخذ بالأسباب بل لأنني مريضة من الأساس. معادلات الشهادات وختمها من السفارة الكندية و الوزارة وختم ما يلزم من الجامعة وأحياناً من الكلية التي درست فيها إن كنت حاصلاً على البكالوريوس من الخارج كل هذه هي كتلة ضغط لا يتحرر سوى بالتبكير في الإنجاز. حصولي على قبول جامعة البرتا لدراسة البورد كان أسهل من حصولي على قبول كلية الطب في ليدز لدراسة البكالوريوس قبل أعوام لسببين: تخطيط وتنفيذ مبكر + ثورة تسهيلات التكنولوجيا الأكاديمية. أعيش أثر هذه التسهيلات في كل يوم دراسي الآن. عندما أمرض و أنام في الفراش لأيام أفاجأ بإيميلات من مشرفي يكلفني فيها بحل مهام على غرف مربوطة بنظام المستشفى وموقع الجامعة لكي لا أخسر كل شيء بسبب التأخر عدة مرات عن اللقاءات و المحاضرات والعمل. في نهاية الكورس الأول جاءت النتيجة مبهرة.. نجحت بدرجة أعلى من درجة بعض الزملاء الذين واظبوا على حضور كل اللقاءات ولم يتغيبوا عن العمل. السر كان في التهاون عن حل المهام التي وضعَت عليها درجات متدرجة قليلة فاتهم أنها تشكل نقلة نوعية للمعدل عند جمعها. كانت عشرة مهام مقسمة على أربعة أشهر. بعد هذه النتيجة من الظلم لنفسي أن أقول كنت راضية، أبداً.. لقد كنت سعيدة. و السعادة روح الرضا.

سأتحدث في الحلقة الثالثة إن شاء الله عن أول لقاء بمشرفي الكندي ذو الأصول الفرنسية الذي يحب الإسلام برغم تردده في الدخول إليه. كيف قمت بالتعريف عن نفسي أمامه؟ ما الأسئلة التي وجهها لي وما الطلبات التي طلب أن أنفذها أثناء اللقاء وماذا كان تقييمه لي.

هذه محاضرة للدكتور سعود الدبيان، يستفيد منها الطالب والمتخصص والطبيب معاً..له شكراً و تقديراً على موضوعيته فيها.